القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سكريبت خديجه كاملة بقلم آلاء محمد حجازي


سكريبت خديجه كاملة بقلم آلاء محمد حجازي 






سكريبت خديجه كاملة بقلم آلاء محمد حجازي 


 خديجة، أنا عايزة أفهم حاجة، إنتِ طلقتي نفسك من إياد ليه؟

صوت أمها جه هادي بس فيه وجع،

_ ده جوزك يا بنتي، كل يوم بييجي يسأل عليكي، واقف تحت البيت بالساعات، وأنا مش عارفة أرد عليه أقول له إيه.

بصت خديجة بعيد، ملامحها كانت هادية بس عينيها حكاية لوحدها،

قالت بهدوء وهي بتحاول تهرب من الكلام:

_ مفيش يا ماما، خلاص، نصيبنا وقف لحد هنا.

قالت الأم بنبرة استغراب وزعل:

_ نصيب إيه؟ ده راجل كان بيشيلك في عينه، عمرنا ما سمعنا صوتكوا عالي على بعض، وفجأة تقولي نصيب؟ ده كان بيحبك حب الناس كلها كانت بتحسدك عليه.

ابتسمت خديجة ابتسامة خفيفة كأنها بتعتذر من غير ما تتكلم، وقالت بصوت واطي:

_ مش كل اللي بيحب بعض يعرفوا يعيشوا مع بعض يا ماما.

_ لأ يا خديجة، إنتِ مش بتردي، في إيه؟ هو عمل فيكي إيه؟

هزّت راسها بسرعة وقالت:

_ ما عملش حاجة، إياد عمره ما أذاني، ده يمكن أكتر حد في الدنيا خاف عليا.

_ أمال؟

_ أنا اللي بعدت.

_ ليه؟

_ علشان كده أحسن.


اتسكتت الأم، بس في عينيها ألف سؤال.

كانت شايفة بنتها بتهرب من الكلام زي اللي بيخاف من حاجة جواها.

قامت من على السرير وقالت بضيق:

_ ماشي يا خديجة، بس أنا مش مصدقة إنك ممكن تطلقي نفسك من جوزك لمجرد كده أحسن.

وسابت الأوضة وهي متنرفزة ومشيت.


أول ما الباب اتقفل، خديجة سابت نفسها تنهار،

نزلت دموعها بسرعة كأنها كانت مستنية اللحظة دي.

مسكت صدرها بإيديها وهي بتحاول تهدي نفسها وقالت بصوت متقطع:

_ سامحيني يا ماما... لو عرفتي الحقيقة مش هتقدري.


قعدت على طرف السرير، عينيها راحت تلقائي على الشباك اللي بيطل على الشارع،

عارفة إنه هناك، واقف في نفس المكان كالعادة،

إياد اللي عمره ما غاب يوم،

من أول يوم خرجت فيه من بيته وهو بييجي كل يوم يقف تحت العمارة بالساعات،

من غير ما يتكلم، من غير ما يرفع صوته، بس بيبص على الشباك كأنه مستنيها تفتحه وتنادي عليه.


في اللحظة دي، قلبها وجعها،

افتكرت أول مرة قالت له كلمة جارحة علشان يبعد،

كان قاعد قدامها بيضحك كعادته،

قال لها:

_ مالك يا خديجة؟ شكلك متضايقة من حاجة.

ردت ببرود مصطنع:

_ زهقت.

ضحك وهو فاكرها بتهزر، بس لما شاف جدّيتها، ضحكته راحت وقال:

_ زهقتي مني؟

قالت وهي متجنبة عينيه:

_ آه.

الكلمة خرجت منها زي سكين، وهي اللي اتجرحت بيها أكتر منه.

هو سكت ساعتها، قام ولبس، وقال بهدوء غريب:

_ تمام... بس أوعي تندمي.

وسابها ومشي، أول مرة يسيبها من غير حضن أو كلام.


من اليوم ده وهي بتعيش على وجع الصمت،

من برّه باردة، بس من جوه بتتحرق.

قررت ما تتعالجش، بعد ما الدكتور قال لها إن العلاج مش جايب نتيجة،ولازم عملية يا تنجح يا تفشل. 

قالت لنفسها:

_ كفاية تعب... مش عايزة هو يشوفني وأنا بموت بالبطيء.

كانت متخيلة شكله وهو شايفها بتموت،

الدموع في عينيه، وإيده اللي مش عارفة تعمل لها حاجة...

ما كانتش قادرة تحتمل الصورة دي.


فضلت تبعد عنه حتة بحته، كل مرة تجرّحه أكتر علشان يكرهها،

علشان لما تمشي، يبقى خلاص نسيها.

بس هو ما نساش.

كل يوم ييجي، يقف تحت البيت،

وأمها تقول لها بوجع:

_ ده بييجي يسأل عليكي، وأنا بقول له مش هنا، وهو يضحك ويقول لي ماشي... بس ابقي طمنيني عليها.

وهي ما تردش، تبص في الأرض وتسيبها تمشي.


ولما تبقى لوحدها، تقعد تبص من الشباك وتشوفه واقف،

وشه باين عليه التعب والكسرة،

تحس بنفسها عايزة تنزل تجري عليه وتحضنه،

بس تمسك نفسها وتبص في الأرض وهي بتهمس:

_ سامحني يا إياد... أنا بعدت علشانك، مش عنك.

----------------------

تاني يوم كانت قاعدة في البلكونة ساكتة، فنجان الشاي برد من بدري، بس هي لسه ماسكاه، بتبص في الهوا كأنها بتشوف حاجة مش موجودة.

كل تفصيلة حواليها بتفكرها بيه، ريحة القهوة، الشمس وهي نازلة على السور، حتى صوت عربيات الشارع اللي دايمًا كان يقولها عليه:

_ “أحلى حاجة في الدنيا صوت الحياة لما نكون سوا.”

اتنهدت، وسابت نفسها ترجع لورا شوية...

افتكرت أول مرة شافته فيها، كان بسيط وضحكته أهدى من الدنيا،

النوع اللي لما يتكلم صوتُه يطمنك، ولما يسكت تحسي بالأمان.

فضلوا سنين بيحبوا بعض، حب هادي ونضيف، مافيهوش صوت عالي ولا كسر قلب،

عمره ما قالها كلمة وجعتها،

ولا نقلها كلمة تزعلها من حد،

كان دايمًا يقولها:

_ “أنا مش عايز أكون سبب دمعة في عينك حتى لو بالغلط.”

وهي كانت كل مرة ترد عليه:

_ “ولا أنا يا إياد.”

وكانوا بيصدقوا إنهم هيكملوا العمر سوا.


لكن الحياة قلبت عليهم فجأة،

دلوقتي هو بره حياتها، وهي بتحاول تعيش كأن مافيش حاجة نقصاها،

بس كل حاجة ناقصة.


اليوم ده بالذات، كانت حاسة إن قلبها مش مطمن،

قامت من مكانها ودخلت الأوضة،

حطت وشها في المخدة علشان تبطل تفكر، بس عينيها خانتها ونزلت الدموع غصب عنها.

قالت في سرها بصوت متكسر:

_ يا رب قوّيه... قوّيه لما يشوفني ويكرهني، يمكن ساعتها يقدر يعيش.


في نفس الوقت، إياد كان واقف في الشارع تحت العمارة كالعادة،

بس المرة دي قرر إن كفاية.

قرر إن مش هيقف بعيد أكتر من كده.

اتحرك وطلع السلم بخطوات سريعة، قلبه بيخبط كأنه رايح لحرب مش عارف هيطلع منها بكام جرح.

خبط على الباب، وأمها فتحت له.

اتصدمت لما شافته وقالت بارتباك:

_ إياد؟! إنت جاي ليه؟

قال بهدوء حزين:

_ ممكن أشوفها؟

قالت بسرعة:

_ لأ، هي نايمة ومش عايزة تشوف حد.

بس هو ما سمعش، عدى من جنبها ودخل جوه،

صوته هادي بس مصرّ، كأنه ما بقاش عنده خيار تاني.

فتح باب أوضتها، لقاها قاعدة على السرير ووشها غرقان دموع.


وقف مكانه، كأنه اتشل،

هو ما كانش متخيل يشوفها كده،

كانت ضعيفة أوي، ملامحها اتغيرت، بس عينيها... هي نفس العيون اللي كان بيحبها من زمان.

قال بهدوء متكسر:

_ خديجة...

اتجمدت مكانها، قلبها وقف،

هو هنا.

الصوت اللي كانت بتحلم تسمعه كل ليلة بقى قدامها تاني، بس في الوقت الغلط.

قالت بصوت مبحوح وهي بتحاول تثبت نفسها:

_ إنت جاي تعمل إيه؟

رد بنبرة وجع مش قادر يخبيها:

_ جاي أفهم،

جاي أسألك سؤال واحد بس: ليه؟

ليه عملتي فيا كده؟ ليه بعدتي وأنا ما غلطتش؟

ليه خليتيني أكره نفسي وأنا بحبك؟

سكوتها كان أقسى من أي رد،

بس هو كمل:

_ كنتي حب عمري، ولسه...

كل يوم أصحى على صورتك، كل يوم أقول يمكن ترجع، يمكن تفهميني،

بس إنتِ اختفيتِ، وخلّيتيني أدور على نفسي في الهوا، متستغربيش اني بدور علي نفسي، علشان انتِ نفسي يا خديجة. 


كانت عايزة تصرخ وتقول له الحقيقة، تقول له إنها مش سابته علشان زهقت،

تقول له إنها سابته علشان تمشي من الدنيا وهو يفضل عايش،

بس الكلام وقف في حلقها.

قامت ولفت له ضهرها وقالت بصوت واطي جدًا:

_ خلاص يا إياد، أنا اخترت طريقي وإنت اختار طريقك.

ضحك ضحكة موجوعة وقال:

_ طريقي؟!

_ أنتِ كنت طريقي يا خديجة...

أنا كنت ماشي فيه عشانك، ولما مشيتي، كل حاجة ماتت.


دمعة نزلت منها غصب عنها، بس ما رضيتش تبص له،

قالها آخر جملة وهو بيحاول يسيطر على صوته:

_ لو كنتي فعلاً خلاص ما بتحبينيش، بصيلي وقوليها.

اتجمدت، قلبها بيخبط،

بس ما قالتش حاجة.

ولما ما ردتش، فهم.

ابتسم ابتسامة مكسورة وقال:

_ ماشي... بس أنا لسه هفضل أحبك، حتى لو مش ليا.


وسابها وخرج، وقعت على الأرض وهي بتعيط زي طفلة.

همست بصوت مبحوح وهي بتحط إيديها على قلبها:

_ كنت حب عمري يا إياد... بس كنت خايفة تبقى نهايتك.

------------------

قفل الباب وهو لسه واقف في الطرقه، قلبه بيخبط كأنه لسه راجع من معركة، ما يعرفش هو كسب ولا خسر، بس كل حاجة فيه وجعاه.

أما هي، أول ما سمعت صوت الباب وهو بيقفل، جسمها كله انهار.

نزلت على الأرض وهي بتشهق، الدموع نازلة على وشها بغزارة، بتحاول تمسك نفسها بس مش قادرة،

كل نفس بيطلع منها كأنه وجع لوحده.

فضلت تعيط وتقول بصوت متكسر:

_ سامحني يا إياد... والله ما كنت عايزة أوجعك، والله غصب عني...

حطت إيديها على صدرها وهي بتحاول تاخد نفس، بس النفس مش راضي ييجي،

الوجع كان سابقها،

حست بدوخة غريبة، الدنيا بتلف حواليها، حاولت تقوم بس رجليها خذلتها،

وقعت تاني على الأرض وصوتها خرج واهي بتهمس:

_ يا رب سامحني...


في اللحظة دي أمها دخلت الأوضة،

كانت هتنده عليها عشان تتكلم معاها،

بس أول ما شافتها مرمية على الأرض كده، صرخت بصوت هز الشقة كلها:

_ خديجة!!!

جريت ناحيتها، هزتها بإيديها، بس خديجة ما ردتش،

دموع الأم نزلت وهي بتنده بأعلى صوتها:

_ حد يلحقني! يا ناس! بنتي!


الدنيا اتقلبت في لحظة،

الجيران طلعوا، والعمارة كلها بقة دوشة،

وفي وسط الزحمة دي، إياد اللي لسه نازل السلم سمع صرخة أمها.

وقف مكانه، قلبه اتقبض،

صوتها كان فيه حاجة تخوف... حاجة توجعه.

طلع يجري من غير ما يفكر، رجع يفتح الباب، لقاهم شايلين خديجة وهي في  نص غيبوبة.

جري ناحيتها وقال بصوت مبحوح:

_ في إيه؟! مالها؟!

أمها بصت له بدموع وقالت وهي بتترعش:

_ مش عارفة يا ابني... وقعت كده فجأة!


ما فكرش، شالها في حضنه بسرعة،

قلبه كان بيخبط، خطواته سريعة،

كأن كل نفس منها بيتسحب من عمره.

ركبها العربية وفضل ماسك إيديها، صوته بيتهز:

_ خديجة فوقي يا حبيبتي، فوقي... أنا هنا، مش هسيبك.

بس هي كانت غايبة، ووشها شاحب جدًا.


وصلوا المستشفى، دخل بيها على الطوارئ،

الأطباء خدُوها بسرعة،

وهو واقف برا زي المجنون، مش قادر يقعد، مش قادر يصدق إن اللي بيحبها جوه كده.

فضل ماشي في الممر رايح جاي، دموعه واقفة في عينيه، صوته مبحوح وهو بيكلم نفسه:

_ يا رب متخدهاش مني، يا رب...


بعد شوية خرج الدكتور،

قال لأمها بهدوء:

_ حضرتك والدتها؟

هزت راسها بخوف:

_ أيوه يا دكتور، بنتي كويسة؟

الدكتور بص لإياد وسأل:

_ حضرتك جوزها؟

إياد سكت ثواني وقال بصوت واطي:

_ كنت...

الدكتور تنهد وقال بهدوء:

_ واضح إنها كانت بتتعالج بس وقفت العلاج من فترة...

هي عندها سرطان.


الكلمة وقعت على إياد كأنها صاعقة،

سرطان؟!

اتجمد، حاسس كأن الدنيا اتسحبت من تحته.

رجع خطوة لورا، صوته اختنق:

_ بتقول إيه؟!

الدكتور أكمل بهدوء:

_ واضح إنها عرفت من فترة وسكتت، يمكن ما كانتش عايزة حد يعرف.


في اللحظة دي، كل حاجة اتفسرت في دماغه مرة واحدة.

سكوتها، بعدها المفاجئ، عيونها الحزينة، البرود اللي كانت بتتصنعه...

كل حاجة.

قعد على الأرض، دموعه نزلت لأول مرة من غير ما يقدر يمسكها.

مسك راسه بإيده،

كان بيهمس بكلام مكسور:

_ يعني كانت بتموت لوحدها... وأنا كنت فاكرها كرهتني...

_ يا رب أنا ظلمتها... يا رب أنا ظلمتها...


وقف فجأة، عينه بتلمع بدموعه،

قال بصوت مبحوح:

_ هي فين؟! عايز أشوفها دلوقتي.

الدكتور حاول يهديه بس هو ما سمعش،

جري ناحية الأوضة،

كل خطوة كان بيجريها كانت بتوجعه أكتر،

كل نفس كأنه بيبلع شوك،

فتح الباب وشافها نايمة على السرير،

وشها هادي جدًا،

زي ملاك نايم بعد حرب طويلة.


قرب منها بهدوء، قعد على الكرسي جنبها،

مسك إيدها بحنان وقال بصوت واطي:

_ كنتي بتحميني مني يا خديجة...

_ كنتي بتحميني من وجعك...

دمعة نزلت على صوابعها وهو بيكمل:

_ بس أنا ما كنتش عايز أعيش من غيرك... حتى لو آخر يوم.

-------------------

فضل قاعد جنبها طول الليل، ماسك إيدها كأنه ماسك عمره كله،

كل شوية يبص على وشها يدعي في سره:

"اللهم اشفها شفاء لا يغادر سقما."

وفي لحظة سكون، شافها بتحرك إيديها بهدوء،

فتح عينه بسرعة وقرب منها،

همس بصوت مبحوح:

_ خديجة؟

فتحت عينيها بصعوبة،

الضوء وجعها في الأول، بس أول حاجة شافتها كانت هو.

وشه متعب، عيناه محمرة، بس فيه نظرة وجع وحنين عمرها ما شافتها قبل كده.


قال وهو بيحاول يبتسم رغم دموعه:

_ الحمد لله... فقتي.

هي بصت له بتعب وقالت بهمس:

_ إنت... لسه هنا؟

ضحك ضحكة باهتة وقال:

_ كنتي فاكرة اني ممكن أمشي، ده أنا لازقة؟ 

سكت لحظة وبص فيها بعمق، صوته اتكسر وهو بيكمل:

_ عشان كده كنتي بتبعديني يا خديجة؟

_ عشان كده طلقِتّي نفسك؟

_ كنتي فاكرة إنك كده بتحميني؟


سكتت وهي بتحاول تمسك نفسها،

دمعة نزلت من عينها غصب عنها وقالت بصوت متقطع:

_ كنت خايفة عليك... ما كنتش عايزة تشوفني وأنا بتوجع،

_ كنت عايزة أكرهك فيا عشان لما أمشي... ما تتعذبش بسببي.


قرب منها أكتر،

مسك إيدها بإيديه الاتنين وقال بهدوء فيه وجع الدنيا:

_ يا حبيبتي، الموت مش وجع للي بيمشي،

_ الوجع الحقيقي هو البُعد اللي مالوش سبب.

_ وربنا قال: “وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا.”

_ يعني حتى لو كنتي في وسط العلاج أو في آخره،

لو ربنا كاتبلك تعيشي، هتعيشي.

_ والموت مش دايمًا بييجي عشان المرض، أوقات بييجي فجأة... من غير تعب، من غير سبب.

_ فإزاي كنتي فاكرة إنك ممكن تمنعي القدر؟


فضل ساكت لحظة، صوته واطي جدًا وهو بيكمل:

_ والنبي ﷺ قال:

“عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير،

إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له،

وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له.”

_ يعني حتى الوجع ده... ربنا كاتبه لحكمة، يمكن عشان تمحي ذنوبك، يمكن عشان ترفعي درجتك، يمكن عشان نرجع لبعض بالنية الصافية اللي بينا.


دموعها كانت بتجري وهي بتسمعه،

صوته كان بيحضنها من غير ما يلمسها.

قال بهدوء وهو ماسك إيدها أكتر:

_ أنا عرفت من الدكتور إن عندك عملية قريب،

_ وإنك وقفتي العلاج من نفسك...

_ بس خلاص، مش هتكوني لوحدك تاني.

_ أنا هرجعك على ذمتي تاني،

_ وكل حاجة هتتعمل زي ما ربنا كتب، بس سوا.

_ هنعدي ده مع بعض، أنا وإنتي،

_ مش هسيبك تواجهِي الوجع دي لوحدِك تاني أبداً.


هي بصت له بعينين مليانة دموع ووجع وحب،

همست بصوت ضعيف:

_ أنا مش عايزة أتقل عليك يا إياد.

قرب منها وقال وهو بيبتسم ابتسامة كلها صدق:

_ ما فيش حد بيتقل علي نفسه،وانتِ  نفسي يا خديجة.

_ إنتي كنتي نفسي، ولسه...

_ ومهما يحصل، ده قدرنا،

وربنا قال: “قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا.”

_ يعني حتى الوجع ده... لينا، مش علينا.


حط إيده على راسها بلطف وقال:

_ إن شاء الله هتخرجي من العملية بخير،

وهترجعي،

وهنعيش زي ما وعدنا ربنا إن الصبر دايمًا آخره فرح.

_ أنا معاكِ، ومش ناوي أسيبك تاني، لا في مرض، ولا في صحة،

زي ما قلتلك أول يوم...

_ “أنا واخداكِ عشان العمر كله، مش نصه.”


هي ابتسمت بخفة، ودموعها لسه نازلة،

وقالت بصوت مبحوح:

_ أنا كنت عارفة إنك هتفضل تحبني...

_ بس ما كنتش عارفة إنك هتصبر كده.

قالها وهو بيبص فيها بعينين مليانين دموع بس مطمنين:

_ علشان اللي اتزرع في القلب بحب صادق، ما بيذبلش، حتى لو مر عليه ألف وجع.

يوم العملية قعد جنبها طول الليل، ما سابهاش لحظة، وكل ما تشوفه بيبتسم، كانت بتسأله بعينيها:

“هتفضل هنا؟”

وهو كل مرة يرد بابتسامة أهدى من أي كلام.

ولما جه الصبح، قالها بصوت واثق جدًا:

_ خديجة، قبل ما تدخلي العملية، أنا عايز أعمل حاجة.

_ عايز نكتب كتابنا تاني.

اتسعت عينيها بدهشة وقالت بصوت مبحوح:

_ إياد، دلوقتي؟!

هز راسه وهو ماسك إيدها بحنية:

_ أيوه، دلوقتي.

_ أنا وعدتك إنك عمري، وأنا مش ناوي أسيبك تروحي العملية وإنتي لسه مش على ذمتي.

_ ربنا جمعنا بعد وجع كبير، وعايز اللي باقي يكون بالحلال.


نزل بسرعة وكلم المأذون، والدكتور وافق يديله وقت بسيط قبل العملية،

رجع ومعاه المأذون،

كانت خديجة على السرير، لبسها بسيط جدًا، وخسه جداً من التعب، بس عينيها فيها نور خفيف كأنه رجع للحياة.

وإياد قاعد جنبها، ماسك إيدها، والمأذون بيقرأ الفاتحة.

الكل كان بيعيط،

حتى الممرضة وقفت تسبّح وهي بتحاول تمسك نفسها.

ولما قال المأذون:

“هل قبلتِ الزواج من إياد على سنة الله ورسوله؟”

قالت بصوت هادي، ضعيف لكنه مليان يقين:

_ قبلت.


إياد مسك إيدها وقرب منها وقال:

_ خلاص يا حبيبتي... كتبنا الكتاب، وكل حاجة بينا بقت حلال،

ادخلي عمليتك وأنتي مطمنة... وأنا هستناكي هنا،

ولو طولتِ، هستناكي في بيتنا،

البيت اللي كنا بنحلم نعيش فيه سوا.


ابتسمت بخفة، وقالت بصوت متقطع:

_ ما تتأخرش في الانتظار يا إياد.

رد عليها وهو بيبصلها بعينين كلها دموع:

_ ولا لحظة يا خديجة،

ده حتى لو بعدتِ، أنا برجعلك دايمًا.


دخلت العمليات وهي ماسكة في صوابع إيده لحد آخر ثانية،

ولما الباب اتقفل، هو وقف قدامه وقت طويل،

بعدين راح صلى ركعتين، رفع إيده للسما وقال:

_ يا رب، احفظها، يا رب اشفِها، يا رب خلّيها ترجعلي.


خرج بعدها علشان يجيب شوية حاجات للبيت،

قال لأمها وهو لابس الجاكت:

_ هسبقها على بيتنا، أجهزه، أول ما تطلع هنروح سوا.

ابتسمت له وهي بتحاول تخفي خوفها:

_ روح يا ابني وربنا معاك.


ركب عربيته،

الطريق كان هادي، بس قلبه مطمن لأول مرة من شهور.

فتح الراديو، وصوت القارئ كان بيقول:

“كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً.”

ابتسم وقال لنفسه:

_ حتى في القرآن، ربنا بيأكد إن كل حاجة بقدر...

بس المرة دي، قلبي مطمن إنها هتعيش.


لكن القدر كان أسرع.

قبل ما يوصل، كان في عربية جاية بالعكس خبطته،

صوت الفرامل، الصدمة، الناس بتجري،

ودم على الأسفلت بيكتب نهاية مكنتش في بال حد.


في نفس الوقت، كانت خديجة بتفوق في المستشفى.

سألت بصوت ضعيف:

_ فين إياد؟

أمها سكتت،

عينيها غرقت دموع،

حاولت تتكلم بس صوتها خانها.

خديجة فهمت قبل ما تسمع،

الدموع نزلت لوحدها،

همست وهي بتحط إيديها على قلبها:

_ يعني فعلاً... سبقني.

_ قال لي هستناكي... وسبقني.


رفعت عينيها للسقف،

صوتها خرج متكسر وهي بتردد:

_ “وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ.”

_ “كُلُّ نَفْسٍ لَّهَا أَجَلٌ.”

_ هو أجله جيه قبل ما نلحق نحلم، بس يمكن... ده اللقاء الحقيقي.


فضلت تبكي كتير،

كل شوية تمسك  دبلة اللي كانت لسه في صباعها،

تحطها على صدرها وتهمس:

_ كنت دايمًا تقول لي الموت مش نهاية،

بس ما كنتش عارفة إنك كنت بتودعني.


تعبت،

صوت الأجهزة بدأ يبطأ،

الأم جريت تنادي الدكتور،

لكن خديجة كانت خلاص،

وشها بقى هادي جدًا، كأنها شافته تاني.

ابتسمت ابتسامة خفيفة جدًا،

وهمست وهي بتقفل عينيها:

_ أنا جيالك يا إياد... استناني.


وبهدوء،

كل حاجة سكتت،

كأن القدر كتب سطر النهاية بخفة،

سطر صغير جدًا،

بس فيه كل الحب اللي فضل في الدنيا دي ليهم.

----------------

يمكن النهاية وجعت، بس علمت...

إن ما فيش حد فينا عارف هو هيفضل هنا لحد إمتى،

ولا مين هيكون معاه بكرة ومين لأ.

فما تبعدوش عن الناس اللي بتحبوهم علشان الخوف،

ولا تسيبوا الوجع يمنعكم من الحنية.

القدر مش بيستأذن،

والموت ما لهوش ميعاد،

بس الكلمة الطيبة، والضحكة، والاهتمام…

هما اللي بيفضلوا بعد ما كل حاجة تخلص.

حبوا بصدق، وعيشوا كأن كل لحظة آخر فرصة تقولوا فيها أنا بحبك. 


اللهم ارحم من اشتاقت لهم أرواحنا،

اللهم اجعل قبورهم نورًا وضياء،

وسع لهم في مرقدهم مدّ البصر،

واغفر لهم ما تقدم من ذنبهم وما تأخر،

اللهم اجعل الجنة دارهم وقرارهم،

واجعل لقاءنا بهم في الفردوس الأعلى من غير حساب ولا عذاب،

وارزقنا الصبر على فراقهم، والرضا بقضائك دائمًا يا أرحم الراحمين 


اللهم ارحم من سبقونا إلى دار الحق،

واغفر لنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه،

اللهم اجعل قبورنا بعد فراق الدنيا روضةً من رياض الجنة،

ولا تجعلها حفرةً من حفر النار،

اللهم هوِّن علينا سكرات الموت،

وارزقنا حسن الخاتمة من غير ألمٍ ولا وجعٍ ولا فزع،

واجعل آخر كلامنا في الدنيا "لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله"،

واجمعنا بمن نحب في جنتك،

رحمتك يا أرحم الراحمين تشمل من مات،

وتلطف بمن ينتظر دوره في الرحيل 🤍

---------------------

قرائة مُمتعة عزيزي القارئ ومتنساش تسيب رأيك اللطيف في كومنت.♥️

بقلميّ /آَُلاءَ محٍمدِ حٍجٍازْي


تعليقات

close