رواية على دروب الهوى الخاتمة 2بقلم تسنيم المرشدي
رواية على دروب الهوى الخاتمة 2بقلم تسنيم المرشدي
الخاتمة ( ٢)
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
****
_ يا بني إيه اللي أنت عملته دا؟ قوم راضيها، وإحنا هنمشي..
هتفها قاسم بضيقٍ لما أحدثه عبدالله، كاد يقف لكن عبدالله بادر بالوقوف وردَّ عليه:
_ أنا راجع لكم، محدش يمشي، الموضوع دا لازم يتحط له حد!!
قالها ثم أولاهما ظهره وتوجه إلى الغرفة التي اختفت خلفها صبا، بينما لم تتمالك زينب عبراتها التي تسارعت في النزول وهتفت ناعتة نفسها:
_ أنا السبب، ياريتني ما اتكلمت، ياريتني رفضته من نفسي ومكنش دا حصل!!
أخرج قاسم زفرةً مهمومة قبل أن يُردف:
_ أنا من الأول قولتلك الموضوع هيكون حساس جدًا، وأنتِ طلاما واجهتي يبقى تكملي للآخر، واللي حصل دا غلطة عبدالله مش غلطتك أبدًا، لأنه مهما حصل مكنش ينفع يقول كدا لصبا وخصوصًا قدامنا..
نظرت إليه زينب كغريقٍ يتعلق في قشٍ، بينما أشار إليها قاسم بأهدابه أن تهدأ، فحاولت إسكات صوتها الداخلي الذي لا يكُف عن اللوم.
في الداخل؛ ولج عبدالله الغرفة فوجدها جالسة على طرف الفراش تستند بكفيها على الغِطاء، تُحدق أمامها في صمتٍ مريب، أغمض عينيه وأطلق زفرةً قوية لِيُخرج شُحنته السلبية ثم تابع خُطاه نحوها، جاورها في الجلوس وحدق أمامه دون حديثٍ لوقت.
يُرتب كلماته قبل إخراجها حتى لا يزداد الأمر سوءًا، تنهد ثم التفت برأسه ورمقها أولًا وتحدث بصوتٌٍ نادم:
_ والله العظيم من غِيرتي اتكلمت كدا.. أنا آسف، حقك عليا...
بس حُطي نفسك مكاني، لو جيت اتكلمت قُصادِك عن واحدة غيرك وبمدح فيها هيكون إيه رد فِعلك؟
_ هغير أكيد.. ومش هتقبل الكلام
تمتمت بها صبا، فشعر عبدالله بطوق نجاته في كلماتها وردد:
_ شوفتي؟!، ودا بالظبط اللي حصل معايا!!
أدارت صبا رأسها وبملامحٍ حزينة همست بنبرةٍ مهزوزة:
_ بس مش هجرحك بالشكل دا قدام حد، وهحاول أحكِم عقلي وأمسك لساني قبل ما يزعلك.. كنت هغِير بس بطريقة لا تقلل منك ولا تجرح قلبك
هبّت صبا واقفة واسترسلت بصوتٍ مرتفع قليلًا:
_ على فكرة بقى، بعيدًا عن الغيرة والكلام دا، اختك مش هتلاقي واحد يصونها زي عاصم، أنا فِضلت في بيته مُعززة مُكرمة مِتصانة، راجل وِفَى بوعده معايا..
_ خلاص يا صبا..
صاح بها عبدالله قبل أن ينتفض من مكانه غير مُتقبلًا كلامها، فتابعت هي دون توقف:
_ لا مش خلاص، أنا عشان بحب زينب وعيشت معاها تجربتها الأولى عايزاها تعيش حياة كويسة مع إنسان كويس بيفهم وهيراعي ربنا فيها
_ اسكتي بقى، بطلي تجيبي سيرته قدامي، بتجنن..
تكلم بصوتٍ جهوري، اهتزت له الجدران من شدته، فصرخت صبا بما لديها:
_ أنت متعرفش أنا بعيش تأنيب ضمير إزاي كل ما افتكرت إني بوظت لعاصم حياته مقابل إنه وافق يتجوز واحدة من غير أي ترتيب ولا حتى فكر في العواقب وقتها...
_ ششش، اسكتي اسكتي مش عايز أسمع كلامك دا
ارتفع صوته المُنفعل كأن الغضب قد دفع بكلماته دفعًا، ظل يصرخ وهو يضرب الحائط بيده فصمتت صبا عندما وجدته خرج عن طوره، وأسرعت نحوه مُحاولة إيقافه بإبعاد يده عن الحائط:
_ خلاص عشان خاطري، أنت هتإذي ايدك كدا
ولكن هيهات لغضبه الذي يريد أن يُفرغه حتى لا يقتل أحدهم، فاضطرت صبا للوقوف أمامه ُمشكلة حاجزًا بينه وبين الحائط وأثناء وقوفها لكم عبدالله وجهها دون قصدٍ فرفعت صبا كِلتى ذراعيها تحمي بهما وجهها من لكماته.
حينذاك توقفت يدي عبدالله، ولعن نفسه حينما أدرك أن تسرعه وتصرفاته الغير محسوبة كانت سببًا في إيذاء صبا، وزاد آلمه حين رآها تقف أمامه تُحاول حماية نفسها منه، وكأن خوفها منه خنجرًا قد غرس في قلبه.
جذبها إليه مُحاولًا إدخالها إلى صدره، فكانت صبا مُتجمدة مكانها، وبندمٍ شديد ظل يعتذر مُرارًا وهو يُقبل رأسها:
_ أنا آسف، والله ما كنت أقصد، حقك عليا..
أزاح يدها عن وجهها فوجد أثرًا على وجهها إثر لكمته، فتشنّجت تعابيره وعض شِفاه بعنفٍ انتقامًا لها من نفسه، هاتفًا بشجنٍ وصوتٍ مهزوز:
_ ياريتها كانت اتقطعت ولا اتمدت عليكي
وأخذ يُقبل وجهها مكان لكمته، فتراجعت صبا للخلف ثم توجهت بِخُطى هزيلة إلى الفراش فَتَبِعها عبدالله بعينه حتى جلست وقالت وعينيها مُثبتة على الأرض:
_ لو سمحت سيبني لوحدي..
رفض عبدالله واقترب منها مُحاولًا إرضائها:
_ صبا، أنا..
لم تُعطِيه فُرصة لمواصلة حديثه حيث تحدثت هي بنبرةٍ مُتشنجة رغم انخفاض مستواها:
_ عايزة أكون لوحدي، سيبني لوحدي
أطال النظر بها قبل أن يُتركها تهدأ وهو يُجمع شتاته ثم يعود إليها مُجددًا، وقف أمام باب الغرفة وتذكر أمر أبيه وزينب الجلسان في الخارج فشعر بالحرج من نفسه فبأي وجهٍ سيُقابلهما بعد صُراخه.
فتح الباب فجأة، لِيَحدُث كما يحدُث، لقد خرّب كل شيء، لكن المفاجأة أنه لم يجدهما، زفر أنفاسه ببعض الراحة لكن سُرعان ما انتابه شعور الخِزي من نفسه، التفت برأسه ورمق طيف صبا الظاهر من الغرفة بعيون دامعة وصدرٍ مكلوم.
لم يستطع المكوث مكانه، وعاد إلى الغرفة، توجه نحوها مباشرةً وجسى على رُكبتيه أمامها، ثم أمسك يديها وطبع بعض القُبلات داخل كُفوفها فتساقط دمعه على يدها ثم رفع عينيه في عينيها التي تنهمر منهما الدموع في صمتٍ وقال بصوتٍ مبحوح:
_ والله ما أقصد.. سامحيني
أنا مش برر لنفسي، بس فكرة إنك كنتي لغيري مِجنناني، مِخلية شيطاني يتخيل حاجات صعبة، مش قادرة أتخطى يا صبا، بس وعد هحاول.. المهم متكونيش زعلانة..
ابتلعت صبا ريقها، وتنفست بعض الهواء لِتَغمُر رئتيها بالأكسجين، ويكون هناك مُتسعًا في صدرها، ما كان ليهون عليها بُكاءُه، فرفعت يدها ومسحت عبراته بنعومة فابتسم لها عبدالله ابتسامة خُلقت من قلب وجعه، وقام بإسناد رأسه على قدميها مُتمتمًا بأسفٍ:
_ متزعليش مني يا دكترة..
أخفضت صبا رأسها إلى مستوى رأسه وأسندتها عليه دون حديث، فمرت دقيقتين ثم نهض عبدالله وجوارها متفقدًا عينيها ليستشف إذ الحزن ما زال
بهما، ثم سمح لنفسه بطبع قُبلاتٍ حارة على طرف ثغرها هامِسًا كلماتٍ مُحملة بالغيرة التي لم يستطع إخفائها:
_ غصب عني مش قادر أستلطفه، أنتِ كنتي حبيبتي وبقيتي مراتي يعني بقيتي روحي، جزء مني
كان يُصرِّح بذلك من بين قُبلاته التي تزداد كإثباتٍ لِعشقه وغيرته الشديدة، تمادى عبدالله في التودّد إليها، لا حبًّا فقط، بل رغبةً في بسط هيمنته علّ ذلك يُعِينه على تَخطّي زيجتها السابقة.
لم تصده صبا، بل تركته يتودد إليها، أملاً في أن يُخفّف ذلك غيرةً أرهقته ويُطفئ ما أثارته مُخيّلته، حتى أنه كان حاد التعامُل، على نحوٍ لم تعهدهُ في أي مرة سابقة، لكنها أرادته أن يهدأ مهما كان الأسلوب.
***
بعد فترةٍ، خرج عبدالله من المِرحاض يتوسط خَصْرُه مِنشفةً طويلة، توجه مباشرةً إلى الخزانة فتحدثت صبا وهي تُتَابع حركته من خِلال المِرآة التي تجلس أمامها وتُجفف خُصلاتها بالمُجفف الكهربائي:
_ أنا مخرجة لك هدوم على السرير..
_ دي هدوم بيت، أنا رايح بيت المزرعة..
قالها وهو يسحب بعض الملابس له، بينما لم تُعلق صبا فتابع حديثه بجدية:
_ قومي يلا إلبسي عشان تيجي معايا..
أخفضت صبا عينيها من عليه سريعًا وتصنعت انشغالها قبل أن تُعطيه ردًا:
_ روح أنت، خليني أنا هنا..
رمقها عبدالله لثوانٍ وتوجه إليها ثم انحنى بجسده وقام بإسناد يديه أعلى كتفها مُقبِلًا وجنتها رافعًا عينيه في عينيها المنعكسة من المِرآة وأردف بنبرةً رخيمة:
_ هنروح سوا يا صبا، أنا محتاج أصلّح اللي عملته قُصادهم..
نهضت صبا مُبتعدة عنه وقالت بخجلٍ صريح:
_ أنا يا سيدي راضية بالمُصالحة الخاصة، كفاية أوي عليا كدا..
_ وأنا مش راضي، زي ما ضايقتك بالكلام قصادهم يبقى واجب عليا اراضيكي برده قصادهم..
قالها بإصرارٍ على مُرافقتها، لكنها اعترضت أمره:
_ يا عبدالله أنا مش هعرف أبص في وش حد.. فمتضغطش عليا لو سمحت..
_ ودا السبب بالظبط إني مُصر أخدك معايا..
هتفها ثم دنا منها وتحسس وجهها بنعومة مـستأنِفًا بصوتٍ هادئ:
_ مش عايز عينك دي تكون مكسورة قدامهم في أي مُقابلة ولا يكون جواكي إحراج منهم، يلا بقى يا حبيبي إلبسي عشان خاطري..
شجعها للقَبُول، فلم تجد سببًا آخر للإعتراض، ولبت أمرِه، قامت بتغير ملابسها وغادرت المنزل معه، ركبا السيارة حتى وصلا إلى بيت المزرعة وبعد مُدةٍ، تعمد عبدالله احتضان يدها وهما يقفان على باب البيت، بينما كانت صبا مُضطربة خجولة، تُحِيطها مشاعرٍ عِدة من كل جانب.
بعد لحظاتٍ؛ فتح قاسم الباب وقد بدت عليه معالم الدهشة لوجودهما، شعر أنه لا يمكنه التصرف أو إبداء فعلٍ بعد ما حدث قبل ساعاتٍ، لا يدري ما عليه الشعور به، لكنه رحب بهما ودعاهم إلى الداخل.
جاءت زينب في الحال لترى من الزائر، فتفاجئت بوجودهما أيضًا، ولم تُبدي رد فعل، فكان على عبدالله المُبادرة وبِدء ما جاء لأجله، حمحم وقال وعينيه تتناوب النظر بين الثلاثة:
_ الكلام جنني ومعرفتش أنا بقول ولا بعمل إيه؟
بس أنا دلوقتي هِديت، وجيت هنا عشان أصلح اللي عملته..
نظر إلى صبا وتابع بصوتٍ نادم يُريد رد اعتبارها أمامهما:
_ حقك عليا يا صبا، والله العظيم دا من غِيرتي عليكي بس اتكلمت كدا، وياستي من عفا وأصلح كان له أجرًا عظيما، أنا بحبك والله
غمزها فابتسمت هي وبمزاحٍ هتفت:
_ خلاص عفونا عنك
ضحك عبدالله فتسللت السعادة في قلبي قاسم وزينب، الذي جاء دورهما في الحديث حيث قال وهو ينظر إلى زينب:
_ ودلوقتي دورك يا أستاذة، أنا عايز أعرف أنتِ عايزة إيه بالظبط، ومن غير ما تُبصي ليا خالص..
_ طب نقعد الأول وبعدين اتكلموا
اقترحها قاسم فجلس الجميع، وتوجهت الأنظار على زينب التي انكمشت في نفسها خشية أن يحدث ما حدث سابقًا، فاستشف عبدالله ما تعيشه وأراد طمأنتها:
_ متخافيش يا زينب، اتكلمي وقولي أنتِ عايزة إيه..
أخرجت زينب زفرة طويلة، وأردفت بصوتٍ بالكاد سمعوه ورأسٍ منخفض لا تُجابِه عيونهم:
_ أنا نفسي أحس إني مرغوبة يا عبدالله، نفسي أحس بالأمان، عايزة شخص يقدرني ويحترمني، وكرامتي عنده رقم واحد، عايزة أكون مُرفهة مش شايلة هم حاجة، ولا خايفة من بكرة، والأهم إن العلاقات حواليا تكون كويسة، مش عايزة أكرر نفس الغلطة وأخلق بيني وبينك مسافات تانية أنا في غِنى عنها..
سحب عبدالله نفسًا هادئًا رزينًا ثم هتف سؤاله الجاد:
_ وأنتِ شايفة إن عاصم يقدر يحقق لك كل دا؟
بصعوبة رفعت زينب عينيها ورمقته لوقتٍ ثم أعطته إجابةٍ متلعثمة:
_ مش عارفة، يمكن آه ويمكن لأ..
_ طب وإحنا نعرف منين إنه الشخص المناسب؟ وهيكون جدير إنه يِسد كل الخانات دي ليكي؟
تساءل باهتمامٍ، فردَّت زينب مُقترحة:
_ أنا محتاجة وقت لأسباب كتير، أولهم إني أتأكد أنه الشخص المناسب اللي هقدر أكمل معاه بقيت حياتي، يعني مسألة الجواز دي مش في دماغي حاليًا، مش قبل ما اطمن وأحِس من جوايا إني عايزة أكون معاه في بيت واحد..
_ وتاني سبب؟
كان سؤاله أكثر جدية فابتلعت زينب ريقها وبتوترٍ
أجابته:
_ إن العلاقة بينكم تكون بقت كويسة، ومفيش أي مُشاحنات، أصل مش هنضحك على بعض، مفيش حد هيحب ولا هيتقبل حد في يوم وليلة، دا جُهد كبير محتاج وقت طويل، محتاج مواقف وأزمات نُعدي بيها مع بعض عشان نعرف قيمة بعض..
عايزة أهله يكونوا مُتقبلين علاقتنا عشان شايفينها مناسبة، مش عشان خاطر ابنهم عايز كدا، عايزاهم هم كمان يحبوني، ودا يمكن يحصل مع الوقت..
فإحنا قدامنا كتير أوي على ما نحقق التارجت دا..
حل الصمت لوقت، كان الجميع مُترقبًا لقرار عبدالله، الذي هز رأسه مِرارًا ثم قال بحسمٍ :
_ وأنا موافق نديله فرصة يا زينب..
فغرت فاها بصدمةٍ، لقد أدهشها قراره، لم تتوقعه، ارتسمت السعادة على وجوه الجميع، كأن الفرح أشرق في قلوبهم فجأة.
***
_ مين؟ زينب مين!!
هبّت نهال واقفة، وهي تُصيح باندفاعٍ ونفاذ صبر، بينما تحلّى عاصم بالهدوء ورفع رأسه ناظرًا إلى والدته وأجاب سؤالها:
_ زينب أخت عبدالله!
فاجئ عاصم الجميع، حتى أنهم لم يتحلو بالنُطق لحظتها وفضلوا الصمت إلا من نهال التي أغمضت عينيها ثم هتفت مُستاءة:
_ هو أنت مالك يابني ومال العيلة دي؟ تجربة والحمد لله أنها عدت، عايز تكررها تاني ليه؟
أنت مش بتتعلم أبدًا، مرة واحد جاية بفضيحة وعايزاك تستر عليها والتانية عايزاك تلم بواقي غيرك!
لم يتقبل عاصم تلك الإهانة منها وهبَّ واقفًا بقامة مُنتصبة شامخة وهلل بانزعاجٍ شديد:
_ كلامك دا صعب، صعب أوي بجد، أنتِ بتهِيني إبنك قبل ما بتهيني بنات الناس، صبا وراحت لحالها ومحبش أبدًا إنك تتكلمي عنها بالطريقة دي، حتى لو مبقتش في حياتي، لأنها في الآخر بنت محترمة وبنت ناس وعلى ذِمة راجل دلوقتي يعني كلامك مرفوض شكلًا ومضمونًا..
أما عن زينب فا دي هتكون مراتي، على إسمي مسمحش لأي حد مهما كان مين إنه يِهِينْها بالشكل دا!!
_ مراتك!! أنت خلاص خليتها مراتك؟
أنت للدرجة دي بقيت مغيب؟
بعقلٍ يكاد يجن صدح صوت نهال، ثم نظرت حيث عز وقالت:
_ أنت ساكت ليه يا عز؟ ما تقول حاجة
_ ولما أقول إيه اللي هيتغير، ابنك يعني هيعمل بكلامي؟ ماهو قبل كدا أخد قرار جوازه فجأة وسافر ورَمَانا وراه، ورجع طلّق من نفسه وسافر، برده ودلوقتي عايز يتجوز تاني، لما أنا أقوله يعني متتجوزش هيقولي سمعًا وطاعة؟!
هتفها عز بتهكمٍ واستياء واضحان، فأخذ عاصم يستنشق الهواء ليتسع رحبه، ثم هدَّأ من غضبه، ورمق جميع من حوله مُتمتمًا بثباتٍ وهدوء:
_ يا جماعة أنا جاي لكم النهاردة مش عشان أجبركم على وضع أنتوا مش عايزينه.. أنا جاي بقولكم عايز أتقدم لواحدة عِجبتني وحبيتها، لقيتها مناسبة ليا، البنت شاطرة في شغلها وست بيت بمعنى الكلمة، وأهم من كل دا بلاقي نفسي معاها.. بحس معاها إني مش عايز أبعد، ودا مش قرار مفاجئ ولا متهور زي ما أنتوا فاكرين،
بالعكس أنا سافرت وبِعدت عنها على أساس إني معلقهاش بيا، بس الحقيقة هي إني أنا اللي اتعلقت بيها!!
صمت ليستشف أيًا من تعابير وجه أبيه لكنه كان جامدًا، ووجهه خاليًا من أي مشاعر، بينما كانت والدته متذمرة كما هي لم يخمد غضبها، لكنها تحلت ببعض الصبر وأردفت بهدوء مصطنع:
_ يا حبيبي طب ما تدور على واحدة تانية واحدة، تكون شبهك وشبهنا، نفس عقليتنا، ومستوانا، بنوتة مش واحدة مُطلقة!!
_ طب ما أنا مُطلق، هل دا يِعِيبني؟ وهل يِعِيبها إنها منجحتش في علاقة جواز قبل كدا؟
مش يمكن دي تدابير ربنا عشان نتجمع وننجح إحنا؟
وبعدين إحنا أصلًا ليه نسبق الأحداث، أنا مش بكلمكم على جواز، أنا بكلمكم إني مرتاح لها وعايزها في حياتي، بس إحنا عمومًا محتاجين فترة نتعرف فيها على بعض، ونِدرس بعض، ونشوف مناسبين ولا لأ
والأهم طبعًا إن العلاقة تكون مقبِولة منكم وراضين عنها، عشان كدا بتمنى تعطونا فرصة..
حدج عاصم أبويه وشقيقيه لفترة، قبل أن تُبدي ڤاليا رأيها:
_ بصراحة أنا أول واحدة موافقة ومُتقبلة العلاقة،
أصل طلاما الطرفين عايزين بعض ليه نقف قصادهم؟ هما في الآخر اللي هيتحملوا نتيجة اختيارهم..
لِيُضيف عامر رأيه:
_ انا رأيي نِدي له فرصة، هو شكله اتعلم من تسرعة المرة الأولى ومش عايز يكرر الغلطة دي، يعني هيدرس العلاقة ولو مناسبين يتجوزوا، وافتكر في الفترة دي هتتعرفوا عليها أكتر وهتتقبلوها مع الوقت..
كان عاصم مُمتنًا لدعم اخويه، ثم نظر إلى أبويه في انتظار قرارهما، فتبادلا النظرات ثم وقف عز وهتف بحسمٍ:
_ لو هيكون فعلًا فيه فترة تقيموا بعض فيها يبقى مفيش مشكلة نجرب، التجارب بتعلم..
تفاجئت نهال بقبول الجميع لتلك العلاقة، فما كان عليها سوى الإستسلام والرضوخ لطلب عاصم على مضضٍ:
_ بس لو محدش ارتاح فينا كلنا العلاقة تنتهي فورًا
أمال عاصم شفاه للجانب مُبتسمًا بسعادةٍ دقت طُبول قلبه، ثم قام بِعناق والدته وقال
_ طبعًا طبعًا اللي أنتِ عايزاه هو اللي هيحصل
ثم نظر إلى الآخرين وغمز بعينه فانفجروا ضاحكين تحت غرابة نهال المتعجبة من أمرهم.
***
بعد مرور أربعة أشهر، مساءًا؛ كان قاسم جالسًا في مِكتبه يشعر بالوحدة والملل اللذان رافقاه المدة الماضية، صدح صوت رنين هاتفه فسحبه بمللٍ تحول إلى القلق واللهفة عندما قرأ الإسم الظاهر أمامه وأجاب في الحال:
_ صادق! آدم كويس؟
_ اطمن يا قاسم بيه، آدم بخير، دا حتى فيه خبر هيفرحك أوي..
قالها صادق بصوتٍ حماسي فاثار اهتمام قاسم الذي تلهف لمعرفة ما ذلك الخبر السّار:
_ إيه، فرحني؟
_ آدم هيُخرج حُسن سير..
وما أن قالها صادق حتى انتفض قاسم من مكانه فرُحًا بذلك الخبر وهلل بسعادة لا تسعه وعيون لامعة:
_ قول واللَّه
_ واللَّه، أنا بـكرة هروح من بدري أخلص إجراءت خروجه..
هتفها فشكره قاسم بِعرفان:
_ الله يفرحك يارب زي ما فرحتني ، عرفني بُكرة كل التفاصيل عشان أكون معاك
أكد قاسم عليه ثم أنهى الإتصال، كانت الغرفة لا تسع أجنحة قاسم وشعر بحاجته لمشاركة سعادته مع أحدهم، فقرر الذهاب إلى شخصِه العزيز دون التفكير في عاقِبة ذهابه.
***
عاد عبدالله من الخارج، حامِلًا بعض الأكياس البلاستيكية، فاستوقفه ظلام البيت الغير مألوف،
أضاء زِر الإضاءة، فإذا بالورود الحمراء تتناثر على الأرض، والشموع تتلألأ على المائدة، وقد أُعِدَّ العشاء والحلوى بعنايةٍ لافتة، ثم وقعت عيناه على صبا الواقفة في بهائها، بمظهرٍ سلب قلبه من فرط جمالها.
ابتسم بعذوبة ثم انحنى بجسده تارِكًا ما معه من أكياسٍ، وتوجه نحوها حتى أصبح أمامها وتساءل وهو يتفقد المكان من حولهما:
_ هو النهاردة عيد وأنا مش عارف ولا إيه؟
بسعادةٍ عارمة أجابته بذلك الصوتٍ القيق المُتحمس:
_ دا بمناسبة مرور خمس شهور على جوازنا..
رُفع حاجبي عبدالله تلقائيًا، وقال وهو يتفحصها بعناية:
_ عُقبال الخمس وعشرين مع بعض يا حبيبتي
تضاعفت ابتسامتها، وقالت:
_ تعالى نتعشى عشان أعطيك هديتك..
_ وكمان هدية، طب أنا كدا شكلي وحش وأنا مش مشارك في الإحتفال دا بأي حاجة
هتفها عبدالله مازحًا فقالت صبا بتلقائية:
_ كفاية وجودك، وبعدين الهدية أنت مشارك فيها برده، مش أنا لوحدي...
أثار كلامها فضول عبدالله وتساءل مستفسرًا:
_ لا كدا مش هقدر استنى لما نتعشى، اديني هديتي دلوقتي لو سمحتي..
ضحكت صبا عاليًا وبحماسة شديدة قالت:
_ بصراحة وأنا كمان مش قادرة استنى عشان اديهالك، بس هلعبك لعبة الأول عشان تلاقيها بنفسك..
قلب عبدالله عينيه مصطنعًا الإستياء وهتف بمللٍ:
_ وليه الفرهدة دي بس، ما تديهالي على طول
_ تؤتؤ، دا شرطي وإلا بعد ما ناكل..
بدلالٍ مبالغ هتفتها، فردد عبدالله باستسلامٍ:
_ أمرنا لله ياستي، قولي هتعملي إيه؟
ضحكت ثم أوضحت له ماهي اللعبة:
_ هنلعب لعبة سخن، وسخن جدًا لو قربت أوي من المكان وبارد وبارد جدًا لو بِعدت أوي، عشان تعرف مكان الهدية، هتدور عليها وكل ما بِعدت عنها هقولك بارد، وكل ما قربت منها هقولك سخن لغاية ما تكتشف مكانها..
ضاق عبدالله بعينيه وقال:
_ مش فاهم أوي بس ماشي هفهم وأنا بجربها..
رفعت صبا يديها وصفقت مُشجعة إياه:
_ اوكي يلا ابدأ، دور في أي مكان..
ابتعد عبدالله، وأخذ يبحث في جميع الأرجاء فكان ردها المُتكرر:
_ بارد جدًا
حتى شعر عبدالله بالملل وهتف:
_ إيه دا كل حاجة بارد، أومال انتي حطاها فين؟
مدّت صبا شِفاها للخارج رافعة كتفيها للأعلى وأخبرته:
_ أنت اللي بتدور في أماكن بعيدة، دور في مكان تاني أقرب..
تأفف الآخر وبدأ رحلة بحثه ثانيةً بمكانٍ قريب من صبا فكان ردها:
_ ساخن جدًا ..
_ يا فرج الله
هتفها مُتأملًا اقترابه من الوصول إلى الهدية، وتابع بحثه حتى وقف أمامها بنفاذ صبر وقال:
_ لا بقى، كدا الهدية هي أنتِ ولا إيه
إزدادت بهجة صبا وأردفت:
_ يعني حاجة زي كدا، كمل تدوير..
بعدم فهم لما يحدث تابع عبدالله البحث في ملابس صبا فكانت تُخبره كلما ابتعد عن المكان المُراد بأنه بارد حتى لمس بطنها فقالت:
_ ساخن جدًا
تأمل عبدالله عينيها وقال:
_ هي جوا بطنك ولا إيه؟
دمعت عيني صبا بتأثرٍ وأمسكت يده وثبتتها على بطنها ثم أماءت بتأكيدٍ لسؤاله فاستوقفه حديثها لبُرهة يحاول استيعاب مخزى كلامها، فابتلعت الأُخرى ريقها وتمتمت:
_ أنا حامل!!
ساد الصمت لثواني، تجمد عبدالله مكانه، اتسعت عينيه بدهشةٍ، لقد حانت لحظةً لطالما تمناها في السِر، ثم تبدلت ملامحه شيئًا فشيء، من الذهول إلى فرحٍ مكتوم ثم أظهر ابتسامةٍ عريضة عجز عن إخفائها.
_ صبا هو أنا كدا هكون أب؟ يعني إحنا هنبقى عيلة مش مجرد اتنين بيحبوا بعض؟
رددها مذهولًا فأماءت صبا مؤكدة وعيونها تترقرق منهما العبرات.
ضمّها عبدالله إلى صدره بهدوءٍ ثم دفن رأسه في خُصلاتها المحررة وتمتم برضاءٍ:
_ شكرًا يارب إنك منِيت عليا بالإحساس دا..
تراجع للخلف وبإبتسامةٍ عريضة صاح:
_ هتبقي ماما؟
قهقه بفرحة عارمة وواصل هاتفًا:
_ أحلى ماما فى الدنيا كلها
_ يا بختهم بيك، هتبقى أب حنون أوي
همستها صبا وهي تُملس على ذقنه بنعومة، فحملها عبدالله برفقٍ ودار بها مُراعيًا حركته، ثم استمعا كليهما إلى قرع الجرس، فقطب عبدالله جبينه وتساءل:
_ مين جاي في الوقت دا؟
_ رفعت صبا كتفيها للأعلى جاهلة الزائر، فقال عبدالله بأمرٍ:
_ طب ادخلي جوا لما نشوف مين دا؟
تفقد عبدالله العين السحرية فابتهج وفتح الباب على الفور مستقبله بِترحابٍ فريد:
_ أنت جاي في وقتك بالمِلي.. ادخل ادخل
_ يارب خير..
هتفها قاسم وهو يُولج بِخُطاه فنادى عبدالله بصوتٍ عالٍ حيوي:
_ تعالي يا صبا دا بابا..
بدَّلت ملابسها سريعًا وخرجت إليهما مرحبة بقاسم بلطفٍ:
_ أهلًا يا عمي، البيت نور والله، كويس إنك حضرتك جيت عشان ناكل سوا..
رحب قاسم بها وقال بحماسٍ طاغيًا على نبرته:
_ مش هقول لا..
تعجب عبدالله من أمره وأردف سؤاله الفضولي وهو يرمقه بطرف عينيه:
_ إيه السعادة دي كلها؟
ثم وجه بصره على صبا وسألها:
_ أنتِ عرفتُيه قبلي ولا إيه؟
ضاق قاسم بعينه عليهما وتساءل مستفسرًا:
_ عرفتني إيه؟
تقوست شِفاه عبدالله وهو يُخبره بذلك الخبر السّار:
_ صبا حامل!
بينما سيطر الخجل من صبا التي توردت وجنتيها وعضّت شِفاها السُفلية وهي تُعاتِب عبدالله في نظراتها وكأنه اقترف أمرًا فادِحًا بإخباره أمر الحمل، اتسعت حدقتي قاسم بدهشة انعكست على شفتيه التي تبسمتا، وأخذ يُهنئهما بسعادةٍ تضاعفت داخله.
فالأخبار السّارة كانت مؤجلة حتى تأتي دُفعة واحدة لتمنحه شعورًا قد افتقر إليه منذ فترة، وبعد أن بارك لهما ردد بمزاجٍ سوي:
_ الأخبار الحلوة كلها بتيجي مع بعض، الحمد لله
غمزه عبدالله مُشاكسًا إياه، وقال سؤاله الفضولي:
_ أنت كمان عندك أخبار حلوة؟، طب فرحنا، مع إن أشُك إن فيه أحلى من خبر حمل صبا!!
ابتسم قاسم وبعفوية تحدث دون إدراكٍ لما سيفعله كلامه:
_ آدم خارج بكرة!!
اختفت الإبتسامات وتجهمت الوجوه، وخِصيصًا صبا التي كزت أسنانها بغضبٍ تجدد داخلها، حينها دنا قاسم من عبدالله الذي تجمد مكانه دون إبداء أي ردٍ، وأمسك بيده وتوسله:
_ نفسي أشوفكم مع بعض، نفسي أطمن عليكم وتكونوا سند لبعض عشان أرتاح..
انتبِها كليهما على صوت صبا الذي صدح من خلفهما:
_ طب بعد إذنك يا عمي، أسيبكم على راحتكم
أوقفها قاسم قبل ذهابِها بقوله:
_ استني يا بنتي
وعندما عاودت الوقوف تابع كلامه بشجنٍ:
_ الكلام ليكي برده يا صبا، العلاقة مش هتكون قوية غير وانتوا كلكوا ايد واحدة..
وقبل أن يُضيف المزيد قاطعته صبا بترديدها الهجومي رغم انخفاض نبرتها:
_ العفو عند المقدرة يا عمي، وأنا للأسف مش في مقدرتي أسامحه، دا مشتمنيش عشان أسامحه كدا بسهولة، دا دمر لي حياتي، سرق مني أماني وعيشني أسوأ أيام عدت عليا، أنا بسببه عملت حاجات عمري ما تخيلت إني أعملها، أنا مِسكت سلاح عشان أموت بيه نفسي، لخبطت للناس حياتها ولغاية دلوقتي عايشة بتأنيب الضمير..
هو مدسش على طرف هدومي، اللي عمله مش بسهوله يتسامح عليه.. دا استحالة يحصل
لكن أنا هكون متفهمة جدًا لو عبدالله صلّح علاقته بيه، هو في الآخر أخوه، ودي أمنيتك وأنا مش هقدر أقف قُصاد رغبة حضرتك، لكن أنا.. آسفة حقيقي مش هقدر
أنهت الجُملة وسُرعان ما هرولت إلى الغرفة هاربة قبل أن تخونها دموعها، بينما أطلق عبدالله زفرةً مهمومة ضَجِرة وقال بصوتٍ مهزوز وعينيه تتهربان من عيني والده:
_ كان نفسي أوي، لو كنت جيت لي من كام سنة كنت متأكد وقتها إن الكُره دا آخرته حُب وعلاقتنا هتكون كويسة، بس للأسف الكُره دا وصلنا لدايرة مقفولة على أذى عيشنا عواقبه وأظن أنت بنفسك عاصرت معايا الفترة دي، فأنا مش هقدر..
رفع عينيه في والده وتابع:
_ سيبها للوقت، يمكن يحصل اللي أنت عايزه، محدش عارف بكرة فيه إيه..
تبخّرت معالم السعادة من قلب ووجه قاسم الذي بدى عليه العجز، كأن عمرًا قد أُضيف على عُمره، نكس رأسه ثم ربتَّ على ذِراع عبدالله وأطلق بسمة انكسار قبل أن يُوليه ظهره لِيُغادر، لكن عبدالله قد رفض ذهابه على حاله ذاك.
أسرع نحوه وقام بتقبيل رأسه قائلًا:
_ يعز عليا أمشيك زعلان كدا، بس غصب عني، اللي عيشته بسببه مكنش سهل.. حقك عليا يا بابا
_ أنت عملت إيه بس عشان تقول كدا، على رأي صبا العفو عند المقدرة..
قالها بحزنٍ خيّم ملامحه، وصوته، تنهدوتابع كلامه بعد أن شكّل بسمةٍ باهتة على محياه:
_ أنا بس فرحة خروجه خلتني اتعامل بعفوية من غير ما أفكر في العواقب، يلا تصبحوا على خير
أصرَّ على الذهاب تحت نظرات عبدالله المُتابعة له بحزنٍ شديد لحاله الذي تبدل، أغلق الباب ووقف يُعيد تفكيره في الأمر من أجل والده لكنه وجد رفضًا قاطع لإعادة الوصل بينه وبين أخيه، فوكل أمره لله هو يُدبره كيف يشاء.
***
صباح اليوم التالي، وقف قاسم أمام مركز الشرطة،
في انتظار خروج آدم بفروغ صبر، مر وقتًا طويل حتى ظهر أمامه بهيئته التي اشتاق إليها القلب وارتوت بها العين.
لم ينتظره قاسم حتى يأتيه بل توجه نحوه مُهرولًا فاتِحًا ذراعيه على مصرعيه فألقى آدم بنفسه بين يدي أبيه، ليحظيا بعناقٍ حار يُداوي فراق الأشهر الماضية ليحل مكانه دِفء وطمأنينة.
تراجع قاسم ونظر إلى آدم بتفحصٍ قبل أن يُردف بلهفةٍ:
_ يلا يا حبيبي عشان نرجع البيت تاخد شاور كدا وأحضر لك أحلى فطار..
أماء آدم بقبولٍ لكنه اعترض كلامه:
_ تمام، بس فيه مشوار الأول لازم أعمله وبعدين نروح على البيت..
_ مشوار إيه دا؟
بغرابةٍ شديدة تساءل قاسم، فهو للتو قد خرج من السجن، كيف لحق ورتب مشاويره؟ تنهد آدم وقال بثباتٍ وعيناه تنظران على الفراغ جوار أبيه:
_ هنروح عند أونكل عز!!
قطب قاسم جبينه بمزيجٍ من الغرابة والقلق اللذان راوداه ثم سأله بجدية:
_ نعمل إيه عند عز؟
صوَّب آدم بصره على قاسم وأجابه:
_ لما نروح هتعرف يا بابا..
رفض قاسم التحرُك من مكانه قبل معرفة ما الأمر:
_ لأ لازم أعرف دلوقتي أنت ناوي على إيه؟
لم يُود آدم الإفصاح عما ينوي فعله، فتنهد بقوة وقال وعيناه تبحثان في الأرجاء:
_ خلاص روَّح أنت يا بابا حضر الفطار وأنا هخلص هناك مصلحتي وهجيلك..
ثم أولاه ظهره وابتعد عنه بِضع خُطوات، باحثًا عن سيارة أجرة، فناداه قاسم بحدةٍ:
_ اركب يا آدم وأنا هوديك، لما نشوف آخرتها إيه
دون تفكيرٍ عاد آدم مُتجهًا إلى السيارة دون مواجهة عينين أبيه حتى لا يُكشف أمره، بينما لم يكُن قلب قاسم مُطمئنًا لذهابه إلى عز بعد خروجه مباشرةً، وكأن قلبه يُخبره بثَمة مصيبة في طريقهم.
بعد فترة؛ قد وصلا إلى فيلا عز، صف قاسم سيارته ولم يكاد يفعل حتى ترجل آدم مـسرعًا وتوجه إلى الباب بسرعة فائقة، ضاعفت القلق داخل قاسم الذى دعى داخله أن يمُر الأمر مِرار الكُرام.
تَبِعُه حتى دلفا البيت، فاستقبلهما عز ومعالم الدهشة جلية على وجهه لرؤية آدم في بيته:
_ أهلًا يا قاسم، حمد لله على سلامتك يا آدم، أنت خرجت امتى؟
ببرودٍ قال:
_ لسه خارج دلوقتي..
ثم جاب آدم المكان بعينيه كأنه يبحث عن شيءٍ فأثار الريبة داخل عز الذي بادر بالسؤال:
_ هو فيه حاجة يا قاسم؟
تلك الأثناء حضر جميع من بالبيت، ومعالم الذهول مُشكلة على تقاسيمهم، فكان الأمر مريبًا لهم إلا من ڤاليا التي تملكها الخوف والارتباك وانكمشت في نفسها وعينيها لم تـرفعان من على آدم.
في المقابل رد قاسم على سؤال عز ظاهرًا عدم عِلمه بما يحدث:
_ أنا مش فاهم حاجة، هو طلب مني يجي على هنا..
_ اهدوا يا جماعة وانتوا تفهموا..
هتفها آدم وبِخُطواتٍ شامخة توجه إلى ڤاليا وقام بمسك يدها تحت صدمة من الآخرين، ثم نظر إليهم بثباتٍ كصيادٍ يتحد فريسته وأردف بصوتٍ أجش:
_ أنا جاي أخد مراتي!!
حل الصمت لثواني، جحظت أعين الجميع، وخفقت قلوبهم بشدة، تناقُض شديد قد عاشاه، خوفٍ من كلماته أن تكون حقيقة، وصدمة لعدم استيعاب عقولهم لذلك الهراء.
وأخيرًا استطاع عز التحدث فخرجت نبرته مُتشجنة يُغلقها غيرة الأب لرؤية يد ابنته في يد رجلٍ غريب:
_ هو إيه الكلام دا؟ مرات مين
ثم وجه أنظاره الحادة إلى قاسم وصاح:
_ ما تشوف ابنك بيقول إيه يا قاسم
بقلة حيلة هتف قاسم وعينيه تتناوب النظر بين عز وآدم بصدمة:
_ أنا مش فاهم حاجة.. مراتك إزاي يا بني، ما تفهمنا أي حاجة!
فتدخل عامر بنفاذ صبر وهو يُحاول إبعاد آدم عن شقيقته:
_ أنتوا لسه هتسألوا، ابعد ايدك دي عن اختي..
ليضيف عاصم بحُنُقٍ لتلك السخافة الحادثة:
_ هو إيه اللي بيحصل هنا، وأنتِ ساكتة ليه يا أستاذة ڤاليا؟
جاء دور آدم للرد على أسئلتهم، أخذ نفسًا وتحلى بالهدوء الواثق قبل أن يعترف بالحقيقة ويده مُشبسة في يد ڤاليا:
_ أنا وڤاليا اتجوزنا في السجن..
ثم قام بسحب ورقةً من جيب بنطاله وقال:
_ وأدي العقد العُرفي كمان.. اللي إن شاء الله هنخليه رسمي وقدام الناس كلها
خرج الجميع عن طورهم، وارتفع صخب غضبهم وهما يهاجمون آدم بالكلمات، فتداخلت الأصوات في بعض وبدت غير مفهومة، حتى صرخ عز من بين الجميع بصوتٍ اهتز له الهواء:
_ العقد دا باطل، تِبلُّه وتشرب ميته..
ودون إدراكٍ من آدم قام عامر بسحب الورقة من بين يديه وقام بتقطيعها إلى قُطع صغيرة أمام عينيه بتحدٍ، مُرددًا من بين أسنانه المُتلاحمة بشرٍ:
_ ورينا عرض اكتافك..
شدَّ آدم على يد ڤاليا، وصاح عاليًا دون خجلٍ حتى يُخرس ألسنة الجميع:
_ أنا كنت بطلب بنتك في خلوة شرعية!! كان بيتجهز لي اجدعها أوضة هناك عشان اخد حقوقي منها!!
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةمن هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق