رواية على دروب الهوى الخاتمة الاخيره بقلم تسنيم المرشدي
رواية على دروب الهوى الخاتمة الاخيره بقلم تسنيم المرشدي
الخاتمة الأخيرة
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
***
_ اخرس، أنت بتقول إيه يا حيوان؟!!!
نطقها عز بعد أن أسدل صفعةً عنيفة على وجه آدم، الذي صرَّ أسنانه بغضبٍ، لكنه تحلى بالثبات لآخر أنفاسه، بينما نظر عز إلى ڤاليا بنظراتٍ تحمل من الإشمئزاز قدرًا وسألها وهو يهُز جسدها بقوة:
_ الكلام اللي بيقوله دا صح؟
ردي عليا، انطقي وقولي غلط!!
لم تُجيبه، كانت خائفة لا تتحلى بالشجاعة للإعتراف أمام أبيها بذلك، فنكست رأسها في خجلٍ، وتمتمت بأن تنشق الأرض وتبتلعها، وما كادت تخفض رأسها حتى أعادها عز منتصبة فتفاجئت ڤاليا بيده التي رُفعت للأعلى حتى تنسدل على وجهها بصفعةٍ غاضبة لو كانت انسانًا لأدخلها قبرها تلك الليلة.
أغمضت عينيها سريعًا تنتظر ذلك الألم التي ستشعر به لكن يد آدم منعت ذلك، حيث أنه أمسك ذراع عز وهتف:
_ خد حقك مني أنا، مراتي محدش يلمسها!
دفعه عز بكل ما أوتي من قوةٍ، ثم شعر أنه ليس بخير، وأن الأرض تدور من حوله، ترنح بين اليمين واليسار فأسرع نحوه عاصم وعامر وأسنداه حتى استقر توازنه.
فتدخل آدم قائلًا:
_ ڤاليا هتيجي معايا، لغاية ما أشوف أقرب ميعاد مع المأذون نكتب فيه الكتاب، سلام
أنهاها ثم أرغم ڤاليا على السير وعينيها مُثبتة على والدها، فلقد نهش الندم قلبها لجعل والدها مقهورًا بذلك الشكل القاسي، خرجت من البيت وتلاهما قاسم الذي لم يقدر على مواجهة صديقه، فكان قليل الحيلة لا يقدر على مواساته حتى!
خرج مُنكس الرأس حتى وقف أمام آدم، فحدق به بعينين لا تحملان غضبًا بقدر ما تحملان وجعًا وعِتابًا صامتًا، لم يكن قويًا بما يكفي لقيادة السيارة، فتوجه إلى الباب الخلفي واستقل المقعد بأنفاسٍ أصبحت ثقيلة عليه.
بينما ساعد آدم فاليا على الركوب، واستقل هو أيضًا خلف المقود وتحرك بالسيارة مُبتعدًا عن البيت، حتى وصل في وقتٍ قياسي إلى الفيلا الخاصة بعائلته.
ولج الثلاثة إلى الفيلا، وقبل أن يصعد آدم إلى الطابق العلوي تحدث قاسم بصوتٍ هزيل:
_ محتاجين نتكلم!!
أماء آدم بقبولٍ، ثم صعد برفقة ڤاليا حتى بلغ غرفته، وما أن ولجاها حتى تبخر هدوء ڤاليا لطالما تلبست ثوبه إجبارًا وانفجرت باكية، ثم صرخت في وجه آدم:
_ ليه قولت كدا؟ مكنش دا اتفاقنا، متفقناش على كدا أبدًا، إزاي قولت كدا عني، إزاي يا أدم؟
حاول آدم لملمة ما اقترفه في حقها:
_ مكنش قدامي حل غير كدا، اهلك مش بالسذاجة اللي هيقبلوا بحتة ورقة عُرفي ملهاش أصل، أنا كنت مضطر، لو مقولتش كدا مكنش حد سابك تخرجي معايا من البيت!
_ تقوم تقول ان٥ي كنت بجيلك عشان.. إزاي قِدرت تنطق عني كدا، فِرقت أنا إيه دلوقتي عن بنات الليل؟ إزاي هان عليك تقول عليا كدا؟
هتفتها بعدم تصديق وهي تقع على الأرض بإهمالٍ، انتفض جسدها من شِدة بُكائها فوقف آدم مُكبل الأيدي، للتو أدرك خَطْوته الطائشة التي خلّفت وراءها انكسارًا وهدمت كل ما بُني من ثقةٍ.
جلس آدم القرفصاء أمامها محاولًا إصلاح ما اقترفه بالكلمات مُتمنيًا أن يشفي جرحها الذي تسبب فيه:
_ والله العظيم مقصدتش خالص كل دا، أنا قولت كدا عشان هما استحالة كانوا يقتنعوا بجوازنا طول ما مفيش سبب قوي، والدليل إنهم اخدوا الورقة وقطعوها وكنت هخرج زي ما دخلت..
بس أنا قدرت أخدك معايا بسبب الكلمتين دول
هرب بعينه لوقتٍ قبل أن يُعاود النظر إليها ويستأنف حديثه بهدوءٍ حزين:
_ عارف إن الكلام صعب عليكي، دي ضريبة إننا نكون مع بعض، إحنا اتفقنا على حاجة وبدأناها ومكنش ينفع نرجع مهما كانت العواقب..
إهدى يا ڤاليا، هما مع الوقت هيقتنعوا بعلاقتنا، لما يشوفوكي سعيدة معايا، وقتها هيتغاضوا عن اللي حصل..
مدت يدها إلى الأمام بضعف وقلة حيلة هامسة بخفوت:
_ طب هما هيحترموني إزاي بعد كدا؟ إزاي بابا هيقدر يتخطى إنه بنته اللي وثق فيها تخون ثقته دي وتعمل كدا؟
طب أنا إزاي هحترم نفسي إزاي وأنا عارفة سبب جوازنا؟
حاول آدم تهدئة روعها ببعض الكلمات، فلا يملُك غيرهم الآن مُتأملًا نجاحه:
_ أنتِ بس عشان لسه الوضع جديد جواكي ١٠٠ إحساس في نفس الوقت، بس لما تعدي فترة مش هتكوني كدا، وهما كمان هَيِهْدُوا ومع الوقت هينسوا، وأنا أوعدك إني هرجع علاقتكم قوية زي ما كانت.. بس أنتِ متسبيش إيدي وخليكي معايا، ماشي يا فيفو؟
نظرت إليه بعيون تترقرق منهما الدموع، فنهض هو وأضاف:
_ هروح أتكلم مع بابا وراجع لك تاني، حاولي تهدي، تمام..
غادر الغرفة على الفور، ثم ترجل السُلم باحِثًا عن والده الذي وجده في ردهة البيت يُشاهد الخارج، وقف خلفه وبنبرةٍ يُخيّمها الخجل الصريح تمتم:
_ بابا..
التفت إليه قاسم، وانسابت من عينيه نظرةً كسرت آدم قبل أن ينطق بحرفٍ، ثم تحدث بِثقل:
_ إزاي تحط أبوك في موقف زي دا؟ هان عليك شكلي؟ إزاي قِدرت تصغرني قدام الناس كدا؟
شكل الضيق على معالم وجهه قبل أن يوبخه:
_ أنت إزاي أصلًا تعمل عملتك دي؟ جبت الجُرأة دي منين؟
_ يا بابا اسمعني..
لم يكد يُنهيها حتى صرخ فيه قاسم:
_ أسمع إيه بس؟ هو لسه فيه حاجة تتسمع؟
بتتجوز عُرفي يا آدم، كنت بتطلب البنت تيجي لك
بكل وقاحة!!
بتوسلاٍ حاول آدم إيضاح الأمور له:
_ والله العظيم مفيش أي حاجة من دي حصلت، هتجوزها إزاي بس من غير موافقة أبوها؟ فرضًا عملت كدا، هل دا هيكون جواز قدام ربنا، لا طبعًا، دا حتى أنا فكرت إني اكتب عليها ويكون عاصم وليّها وكل حاجة تمشي حسب الشرع والقانون منفعش طلاما أونكل عز موجود وصحته كويسة وهو الوصي عليها ، صدقني أنا قبل ما أخد أي خطوة سألت وفكرت في كل الحلول بس ملقتش..
كنت مضطر أكدب عشان أقدر أخدها، لو مكنتش عملت كدا مكانتش ڤاليا معانا في البيت دا دلوقتي!
بعدم اقتناع لما أخبره عنه هدر به شزرًا:
_ هو بالغصب يابني؟ تاخدها بالغصب!!
كنت استنى ونفكر سوا في حل يرضي الكل، لكن أنت اخدتها عِند وبفتحة صدرك بوظت كل حاجة!!
_ الظاهر إن حضرتك مش شايف إن كل حاجة بايظة اساسًا، أنا مستقبلي خلاص ضاع، شُغلي وخسرته، وبعد ما كان بيضرب لي تعظيم سلام، دلوقتي مفرقش حاجة عن أي مجرم خارج من السجن، أنا لا مكان هيقبل يشغلني ولا أهل ڤاليا كانوا هيقبلوا بيا لو وقفت على راسي!!
قال كلماته بتهكمٍ لاذع، فظهر في صوته مرارة دفينة وكأن سخرية صوته مُحَاولة يائسة ليسمع أبيه حجم الخراب الذي لا يراه، فنجح آدم في جعله يتأثر به ويُشفق عليه.
فرت دمعة من عيني آدم وهو يتابع بصوتٍ ثقيل مهزوم:
_ أنا هكتب كتابي وأبعد عن هنا خالص، هسافر برا، أحاول أبدأ من جديد، هحاول أقوِّم نفسي وأربيها، هشتغل وهتعب من غير واسطة، هتعلم أحب مراتي والناس من غير حقد وكُره، هحاول أتغير بجد، ووقتها يمكن عيلة ڤاليا تسامحنا على اللي عملناه، وعبدالله وصبا يكونوا قدروا يتخطوا الحادثة ويسامحوني هما كمان، لكن دلوقتي محتاج أبعد اوي..
ساعدني يا بابا
فلما أنهى كلامه، احتضنه قاسم بكل قوته، متأثّرًا بالوجع الذي يعيشه، مشفقًا عليه، وقرر أن يكون أكبر داعم له في كل خُطواته المُقبِلة.
***
في مساء اليوم التالي؛ كانت عائلة عز حاضرة رِفقة قاسم الحاضر مع والدة آدم، يتوسط الأريكة المأذون الذي ينهي إجراءات الورق، وعلى جانبيه يجلسان آدم وڤاليا، كانت بعض الوجوه متجمهة وبعضها عابسة يتغلب عليها الضيق.
لا نفس يصدر، هدوء يُشبه سكون الفجر، لكن سكون مجبور، يتنافى مع الغضب والرفض اللذان يتجلا داخل الجميع، قطع المأذون ذلك الصمت عند إصداره همهمة لجذب انتباه الحاضرين ثم بدأ مراسم عقد القِران حتى أنهاها بمباركته لهما:
_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير وعلى خير إن شاء الله..
غادر المأذون بعد إتمام مهمته، ثم نهض آدم وتفقد ساعة يده وقال مُوجهًا حديثه إلى ڤاليا:
_ يدوب نلحق نوصل المطار..
أماءت بِقَبولٍ ثم صوّبت أنظارها على عائلتها، وقد انهمرت العبرات من عينيها بخليطٍ من المشاعر، لا تستوعب أنها ستغادر وعلاقتهم مضطربة، كانت تنظر إليهم تستعطف مشاعرهم نحوها، تُود أن يتقبلاها كما في السابق، لكن هيهات لذلك الحُزن التي خلَّفته من وراء اتفاقها مع آدم، لقد دمر الوصال بينهم.
تسلل عز إلى الخارج أولًا دون النظر خلفه، تلاه الآخرين تحت نظرات ڤاليا المتأثرة بذهابهم قبل أن يسامحوها، وما أن خَرجَ الجميع حتى أجهشت في البُكاء المرير، كمن فقد عائلته إلى الأبد.
دنا منها آدم وقام باحتضانها، مُرددًا بدعمٍ:
_ كل حاجة هتكون كويسة، أوعدك هصلح كل دا..
بعد مُدة؛ كانا على متن الطائرة، ليبدأوا حياة خاصة بهما، وإعادة تأهيل أنفسهم، ليكونوا قادرين على إصلاح العلاقات المهدومة، تاركين خلفهم كل ماضي كان قاسيًا.
***
بعد مرور عام وبِضعة أشهر قليلة، انقضى حفل زفاف وليد وخلود،
ولجت خلود إلى الغرفة الخاصة بهما، رِفقة عليا التي أصرّت على تقديم المساعدة لها، وقفت خلفها تخلع عنها حجابها.
فأثارت خلود التي تتمايل غرابتها، وتساءلت وهي تُتَابع خلع تلك الدبابيس التي لا تنتهي:
_ أنتِ يابت واقفة ترقصي ومزاجك رايق..
مالت عليا على أذنها وهمست سؤالها:
_ أنتِ مش خايفة؟ أو متوترة؟
توقفت خلود عن الحركة، وقد قضبت جبينها بغرابةٍ وهتفت:
_ وأخاف ليه؟
_ يعني.. أي بنت بتكون متوترة في يوم زي دا
قالتها عليا، فاستنكرت خلود مفهومها وردت مُستاءة:
_ هو وليد دا أنا لسه عارفاه من يومين؟ إحنا مع بعض بقالنا ٣سنين، معتش فيه فرق بينا خلاص..
_ أومال أنا كنت مرعوبة يومي ليه؟
تساءلت عليا بفضولٍ، فضحكت خلود وهتفت ساخِرة:
_ يا بنتي أنتوا علاقتكم كانت، نفذ يا عسكري، تمام يا فندم
انفجرت خلود ضاحكة، وهي تُمثل الموقف كأنها عسكريًا يقف أمام الضابط الأعلى رُتبه منه يُلبي أمره بوضعه يده قُرب رأسه، فلكزتها عليا وصاحت بحنقٍ مُصطنع:
_ أمك السبب يختي.. مكنتش بعرف أعمل حاجة بسببها
_ لا والله أنتِ اللي عبيطة، ما أمك هي هي، بس الفرق إننا كنا بنسرق اللحظات الحلوة، دا غير إن وليد كان قلبه جامد وبيعمل اللي هو عايزه ومش بيخاف منها، لكن جوزك ياعيني كان بيترعب منها..
نطقتها خلود مُتهكمة، فاستنكرت عليا وصف زوجها بالجبان وعدّلت ذلك الوصف:
_ مسمهاش بيترعب منها، قولي بيحترمها..
سحبت نفسًا عميق ثم تابعت:
_ أنا خلصت، وراحة لجوزي، لما نشوف فتحة الصدر دي هتدوم لإمتى
أطلقت عليا ضحكة ساخِرة فقلبت خلود عينيها مُستاءة ورددت بثقة:
_ يا بنتي عمري ما أخاف من وليد والله، أنتِ بس اللي مش عارفاه..
_ كفاية أنتِ عارفاه.. سلام يا كتكوتة
ودعتها عليا ثم خرجت من الغرفة، بينما وقفت خلود تخلع فستانها
في الخارج؛ انسحب الجميع من البيت؛ فولج وليد إلى الغرفة فصرخت فيه خلود مانعة دخوله وهي تخفي معالم جسدها بفستانها:
_ استني، خد البيجامة بتاعتك أهي واستناني برا..
استنكر وليد ذلك ثم رفع حاجبيه مُرددٍ بعدم إعجاب:
_ هو أنا مستني ٣ سنين خطوبة عشان يوم الفرح يتقالي خُد البيجامة بتاعتك واستناني برا!
ضحكت خلود وأوضحت إليه مقصدها من خلف طلبها:
_ ما أنا عايزاك تتفاجئ يا ليدو، يلا بقى استنى برا
أطال النظر بها قبل أن يُردد ببسمةٍ عذبة حماسية:
_ ما بقى إلا القليل، يا مسهل
قالها ثم أخرج تنيهدة بلوعةْ لا يُطيق الإنتظار؛ سحب بيجامته وخرج من الغرفة، فأسرعت هي في إغلاق الباب خلفه، فذهب وليد إلى ردهة البيت ووقف يتفقد بيجامته مًرددًا بتهكمٍ:
_ وبيجامة إيه دي كمان اللي هلبسها يوم فرحي؟
ألقاها على الأريكة، وأخذ يخلع حُلته إلى أن بات لا يرتدي سوى سِروالًا قصير، فضّل المُكوث به، تلك الأثناء صدحت اهتزازة قوية من هاتفه مُعلنة عن وجود اتصال، فعقد وليد ما بين حاجبيه بغرابةٍ لذلك الإتصال.
لَقِف الهاتف ثم هز رأسه يمينًا ويسارًا عندما قرأ إسم المتصل، وأجاب في الحال:
_ والله العظيم كنت عارف إنه أنت، مش معقول حد معندوش دم غيرك هيكلمني دلوقتي!
هنبتديها رخامة من بدري كدا؟
أنا قولت مثلًا هتصحيني الصبح بدري، لكن دا أنا لسه واقف بالشورت يا حبيبي عيب كدا
اخلص عايز إيه يا زكريا
قهقه الآخر وتحدث بسخافةٍ:
_ واقف بالشورت ليه، معندكش هدوم؟ أطلّعلك من عندي؟
_ لا يا سيدي متشكر، دا أنا لو هقعد ملط مش عايزك تيجي..
هتفها وليد بنفاذ صبر، فتابع الآخر مشاكسته:
_ اتعشيتوا من الأكل اللي أنا جايبه؟
_ يابني هو أنا لحقت أعمل حاجة؟ بقولك أختك طرداني من الأوضة وواقف في الصالة بشورت!
أخبره وليد بإنكارٍ لتلك المكالمة الغير منطقية، فهلل زكريا بفرحة:
_ من أولها كدا طرداك برا الأوضة، ادبح لها القطة يابني من بدري..
تلك الأثناء؛ فُتِح باب الغرفة وخرجت منه خلود بِطلةٍ خفق قلب وليد إثرها، اهتز كيانه لتلك الهيئة التي يراها عليها لمرته الأولى، كم كانت رائعة، للمرة الأولى الذي يفهم فيها معنى كلمة أنثى.
إلتوى ثِغره للجانب مبتسمًا بجاذبية، ثم قال بعقلٍ هائم:
_ طب بالسلامة أنت يا زكريا..
_ رايح فين؟
تساءل الآخر بفضولٍ فردَّ وليد وعينه يتفحصان كل أنشٍ بخلود:
_ رايح ادبح القطة..
أنهاها ثم أغلق الهاتف وألقاهُ بعيدًا دون النظر للعواقب، وقف وليد يتطلع بها بعينين تلمعان من شِدة إعجابه بمظهرها الفريد الذي وحده يمكنه رؤيتها عليه، ذلك الحين راوده مقطعًا من إحدى الأغاني فرددها وهو يُشير لها بالقدوم إليه:
_ قدُك المياس يا عمري
يا غُصين البان كاليُسر
أنت أحلى الناس في نظري
جل من سواك يا قمري
جاءته وهي تتغنج بدلالٍ بالغ، فهلل الآخر دون تصديق:
_ سيدي يا سيدي..
وصلت إليه وقامت بالتعلُّق في رقبته، فرفعها وليد عن الأرض بمحاوطتة خَصْرِها بذراعيه، ثم اقترب من وجهها حتى شعر ببعض حواسها القريبة من وجهه، وهمس بعذوبة أمام شفتيها:
_ إيه الدلع دا؟ لا متوقعتش الجُرأة دي، كنت راسم إنك هتطلعي عيني زي الخطوبة كدا
_ مش من حقي دلوقتي..
تمتمت بها فكان وليد متفاجئًا بشخصيتها الجديدة، وعلّق بسعادةٍ:
_ ولا يا ولا، دا شكل الدلع للرُكب
ابتسمت خلود في خجلٍ، فأضاف وليد متسائلاً:
_ طب مش خايفة مني؟
نظرت إليه خلود بجبينٍ مقضوب، وردت بحيرة:
_ لأ، ليه بتقول كدا؟
أوضح له مقصده من سؤاله:
_ يعني.. البنات في يوم زي دا بيكونوا خايفين ومتوترين.. كدا يعني
ابتلعت خلود ريقها قبل أن تُخبره بنبرةٍ مُدللة:
_ ممم بس أنت حبيبي، حد يخاف من حبيبه؟!
انحنى وليد على شِفاها وطبع قُبلةً رقيقة، وهمس بصوتٍ عذب مُتيم:
_ والله أنت اللي حبيبي
ثم تراجع للخلف مُحاولًا تفقد قميصها قبل أن يُبدي إعجابه الشديد:
_ أول مرة أفهم جُملة صِبرت وِنُولت..
فعضّت الأُخرى شِفاها بحياءٍ ولم تستطع منع سؤالها الذي دفعه فضولها حول معرفة إجابته:
_ يعني أنا حلوة؟
_ يخراشي، هو دا سؤال؟! دا أوي أوي
قالها وهو يغمزها بمشاكسةٍ، ثم خَطى خُطواته باتجاه الغرفة وهو يدندن:
_ عيونك سود يا محلاهم قلبي تلوع بهواهم
صار لي سنتين بستناهم حيرت العالم فى أمري
فأطلقت خلود قهقهةً عالية فهلل وليد:
_ يا الله
ثم ركل باب الغرفة عندما بلغها، كأنه يزيل آخر حاجزٍ يفصل بينه وبين بداية حياتهما الخاصة، فكانت الغرفة شاهدةً على لحظةً يُكتب فيها فصلًا جديدًا من عُمرهما، فصلًا عُنوانه البِدء معًا.
***
صباح اليوم التالي، طلع النهار وقد أشرق يومًا جديدًا على العروسين يحمل الأمل والبِدايات، استيقظت خلود بحالٍ ليس على ما يُرام، لكنها لم تُظهر، كانت رؤياها مشوشة وتشعُر بِدوارٍ طفيف.
وعندما حاولت التحرُك من على صدر وليد، تسببت
في قلقِه، فتساءل بصوتٍ ناعس:
_ راحة فين؟
_ معتش عارفة أنام..
اكتفت بها، فأعادها وليد إلى حُضنه، ثم قبّل خُصلاتها وهمس:
_ متبعديش عني، لسه مشبعتش منك..
مال برأسه قليلًا ليتلاقي مع عينيها وسألها باهتمامٍ:
_ أنتِ كويسة دلوقتي؟
_ بصراحة مش عارفة، حاسة إني دايخة..
عبِست ملامح وليد وأردف:
_ دا أكيد عشان متعشتيش امبارح..
أطلق ضحكة خبيثة قبل أن يُضيف:
_ الغلطة دي عندي، مقدرتش اصبر شوية، أنا آسف..
ثم نهض فجأة وقام بجذب يديها لِيُساعدها على الوقوف قائلًا بحماسة:
_ قومي نفطر، عشان تبقي كويسة..
أماءت خلود برأسها، وسارت إلى جواره حتى شعرت بأنفاسها تُثْقل ورأسها يدور بشِدة فتعلقت في ذراع وليد هامسة بنبرة تائهة:
_ مش قادرة.. أنا تعبانة
وما أن قالتها حتى خارت قواها واختل توازنها، فأسرع وليد في اللِحاق بها قبل أن تسقط أرضًا، حملها بين ذراعيه ووضعها على الفِراش بقلبٍ ينبض خوف، وظل يُناديها وهو يضرب وجهها بِخفة:
_ خلود.. متقلقنيش بالله عليكي، إيه اللي حصل دا؟؟
انتصب وليد في وقوفه وطالعها بِذُعرٍ وصدرٍ يعّلوا ويهبط خشية أن أصابها مكروهٍ، وضع يديه التي ارتجفتا في منتصف خصرٍه يحاول جمع شتاته الذي تبعثر لِيُحسِن التصرف، وعندما فشل في جعلها تستيعد وعيها قام بالإستعانة بهناء:
_ لو سمحتي اطلعي بسرعة يا مرات عمي، خلود وقعت فجأة ومش عارف أعمل لها إيه؟!
فقط مر بِضع دقائق، وكان الجميع يَغْزُون البيت، وعلى الرغم من التزاحم إلا الهدوء كان يَعُم المكان، منتظرين حضور زكريا للطبيب.
ولم يخلوا وليد من النظرات المعاتبة في عيون الواقفين.
حتى أن والدته نادته وتحدثت معه في زاويةٍ لا يستطيع أحد سماعها بها:
_ أنت عملت لها إيه يابني، ما البنت كانت زي الفل امبارح؟
فارت الدماء في عروق وليد وبرزت بشِدة ثم صاح:
_ هعملها إيه يعني؟ إيه السؤال الغريب دا؟!
وما كاد يُنْهي جُملته حتى خرجت هناء مُهللة بهلع:
_ أنا عايزة أعرف بنتي حصلها إيه؟
أغمض وليد عينيه بضجرٍ ثم استدار بجسده وواجه زوجة عمه قبل أن يُعطيها ردًا:
_ ما أنا قولت لحضرتك، صحيت من النوم قالت إنها دايخة، خمنت عشان متعشتش بليل وقولت لها قومي نفطر وفجأة وقعت كدا..
_ وإيه اللي خلاها متتعشاش بليل؟
صدح سؤالها فوقع وليد في كومة خجلٍ ولم يستطع إعطائها إجابة، ثم انتبه الجميع على الباب الذي دخل منه زكريا، فكان حضوره للطبيب ملجأً لوليد للهرب من سؤال زوجة عمه.
ولج الطبيب إلى الغرفة، ورافقاه وليد وهناء التي رفضت البقاء في الخارج، بعد قليل؛ خرج الطبيب وشرح وضع خلود بعملية:
_ اطمنوا يا جماعة، خير إن شاء الله
بس واضح إنها ضعيفة شوية، ومحتاجة تهتم بصحتها أكتر، وياريت تعمل تحليل أنيميا عشان نشوف لو قليلة تاخد علاج، على العموم أنا ركبت لها محلول وهتحتاج واحد تاني بليل عشان تكون أفضل، حمد لله على سلامتها..
تدخلت هناء مُعقبة:
_ أيوا فعلًا دي بقالها يجي أسبوع مأكلتش كويس..
حدجها وليد بعيون واسعة، للتو كان ترمي اللوم عليه، حرك رأسه بإنكارٍ ثم وصّل الطبيب إلى الخارج وعاد من جديد يرمقهم بنظراتٍ واثقة فكان كل كلمة من الطبيب أظهرت براءته، وأشارت للآخرين أنه ليس هو المسؤول.
دلف الجميع إلى الغرفة ليطمئنوا على خلود إلا من زكريا الذي لحِق بوليد قبل دُخوله ونهره:
_ أنت عملت في البت إيه يالا؟
_ وحياة أمك هناء؟! على أساس كلام الدكتور مكنش قدامك؟!
هتفها باستياءٍ شديد، ثم قلب عينيه ضجرًا وتمتم بغيظٍ:
_ عيلة أسهل حاجة عندها يغلطوني، دا حتى أمي اتعلمت منكم..
قهقه زكريا ودفع بوليد نحو الغرفة هاتفًا بمزاحٍ:
_ طب ادخل يا خفيف..
ولج كلاهما الغرفة، فتفاجئ وليد بانكماش خلود على نفسها، وما أن رأته حتى لامته بإشاراتٍ من عينيها أنه تركها تواجه ذلك الكم بمفردها، فكانت خَجِلة لا تقدر على مواجهة عيونهم.
استشعر وليد ذلك من خلف شِفاها التي آكلتها وتوجه نحوها بِخُطى ثابتة، ثم جاورها وحاول جذب انتباها إليه:
_ كدا تخضيني عليكي يا خوخة؟
نكست رأسها وردّت بخفوت:
_ مش عارفة إيه اللي حصلي فجأة كدا..
وما أن استمعت لها هناء حتى صاحت تلُومها:
_ عشان تِبقي تسمعي كلامي وأنا بتحايل عليكي طوب الأسبوع تاكلي كويس وتهتمي بصحتك، وأنتِ كل اللي عليكي مش فاضية، مش قادرة، بعدين، وآخرتها متتعشيش امبارح، كان وراكي إيه شاغلك عن الأكل؟
برقت عيني خلود وهو تَتَطلع في والدتها، غير قادرة على إعطائها إجابة، ناهيك عن وليد الذي لم يرفع عينيه البتة عليهم، فكان واضحًا للجميع الإجابة، فبادر محمد بالحديث:
_ يلا جماعة ننزل، ملوش لزوم وجودنا هنا، طلاما اطمنا عليها..
ثم نظر إلى ابنته وقال:
_ حمد لله على سلامتك يا حبيبتي، خدي بالك على نفسك أكتر من كدا
ثم أمر هناء قائلًا:
_ يلا يا هناء سيبي البنت ترتاح
أبت النزول معه مُعلِلَة:
_ انزل أنت، أنا هحضرلها الفطار الأول وبعدين أنزل وراك..
تدخل وليد مُرددًا:
_ متتعبيش نفسك يا مرات عمي، أنا هعمل لها الفطار بنفسي..
باسيتاءٍ وتزمجرٍ هتفت:
_ يا أخويا كنت خليتها تتعشى الأول..
لم يستطع زكريا منه ضحكاته التي خرجت رغمًا عنه فتوعد له وليد بنظراته، بينما لم يتقبل محمد إصرار زوجته وأمرها بجدية:
_ يلا قدامي يا هناء، جوزها يحضرلها الفطار..
وعندما استشفت نبرته الجادة لم تُبدي اعتراضٍ، وأسبقت بِخُطاها إلى الخارج، تلاها الجميع حتى بات البيت خاليًا إلا من خلود وليد الذي أخرج زفرةً كان يكتُمها داخله.
_ عاجبِك اللي عملتيه فيا دا؟ كلهم فكروني عملت فيكي حاجة؟!
قالها وهو يهُز رأسه ويضحك مُتذكرًا اتهامات الآخرين، فشاركته خلود الضحك ورددت باستحياء:
_ أنا آسفة والله..
تنهد وليد ثم نهض وردد ساخرًا:
_ يعملي إيه آسفك دا بس، لما أروح أحضرلك الفطار وأجي..
أولاها ظهره ثم توقف وعاود النظر إليها، مُتسائلًا بابتسامةٍ عريضة:
_ أومال أنتِ متعشتيش امبارح ليه صحيح؟
غَزت البسّمة وجه خلود، التي أسرعت في إخفاء وجهها بيدها التي تستطيع تحريكها وهتفت بتذمرٍ مصطنعًا:
_ إمشي يا وليد من هنا..
قهقه عاليًا وانسحب من الغرفة، قام بتحضير الفطور لهما وعاد إليها، شَرعَ وليد في تناول الطعام كما يُطعمها بيده حتى امتلأت معدتها فقالت:
_ كفاية، شِبعت..
_ متأكدة؟ بدل ما تقعي تاني، مش ناقص إتهامات تانية!!
بمزاحٍ هتف، فأكدت خلود على كفايتها من الطعام فأعاد الصينية إلى المطبخ وعاد إليها متسائلًا باهتمامٍ:
_ محتاجة حاجة اعملهالك؟
أماءت وأخبرته:
_ شعري مضايقني، ممكن تجمعوا..
تفقد وليد خُصلاتها الشارِدة قبل أن يبدأ بالبحث عن الفُرشاة ورِباط الشعر المُلون، عاد إليها وجعلها تجلس في وضعيةٍ يُمكنه الجلوس خلفها وبدأ يُمشط شعرها برفقٍ كي لا يؤلمها، ابتسم حينما تذكر شيئًا وشاركه معها:
_ فاكرة وأنتِ صغيرة لما كنا بنلعب كلنا في الشارع وشعرك كان مضايقك وبينزل على عينك وأنا وقفت ضفرته ليكي..
عقدت خلود ما بين حاحبيها مستاءة من عدم تذكُرها للأمر ورددت:
_ إيه دا، امتى الكلام دا؟ مش فاكرة حاجة!
_ كنتي صغيرة أوي، تقريبًا كنتي ٤ سنين، أكيد مش هتكوني فاكرة..
تمتم بحنينٍ لذكراه التي تركت أثرًا جميل داخلهما، ثم تابع نسج جديلة من خُصلات شعرها الطويلة بحرفية وجمال، حتى انتهى منها فضمها إلى صدره بلهفةٍ وخوف ظهر في صوته:
_ خوفتيني عليكي أوي يابنت الإيه، مكنتش أعرف إني بحبك للدرجة دي، حسيت إن روحي اتسحبت مني ومتردتش إلا لما اطمنت عليكي..
كلامه كان بابًا قد تسللت منه السعادة إلى قلبها، فانعسكت ابتسامة فرحة على ثِغرها، أخذت يده الموضوعة عليها ورفعت كفه عند فمِّها ثم طبعت قُبلة رقيقة داخله، هامسة وعينيها تلتقي بعينه:
_ ربنا يخليك ليا
رفع وليد يدها وقبّلها بحبٍ، وصرَّح بمشاعره الدافئة:
_ ويخليكي ليا يا أغلى من روحي..
استندت خلود برأسها على كتفه، وغمرت مشاعر الحب والأمان والدفء المكان، فصار الجو من حولهما كأنَّه حضن لا يُفارق قلبَيهما.
***
في أحد أيام الربيع، حيث النسيم العليل يُلاعب أوراق الأشجار والطيور تُغرد بألحانها العذبة، وانتشر عبير الزهور في الأرجاء، كان الجو بديعًا يملأ القلب صفاءً وسعادة.
يجلس الجميع في حديقة بيت المزرعة، كما اعتادوا في آخر يومٍ من كل شهر، كانت فكرة عبدالله قد اقترحها لتجميع العائلات، الأحباب والأصدقاء معًا، كما يُشرك والدته معهم أيضًا بطهي وجباتٍ لا حصر لها وتوزيعها على المحتاجين.
لَقِف عبدالله ذلك الصغير الذي يركض نحو الموقد وأخذ يُدغدِغه وسط صراخٍ وضحكات منه، فهتف عبدالله مُشاكسًا:
_ أنت شكلك جُعت، صح؟ تعالى لما نسرق لنا كفتة ونجري..
رفع عبدالله صغِيره وأجلسه فوق كتفيه ثم توجه به حيث الموقد وقال:
_ يا مامي، يَحيىَ جعان وعايز كفتة
رمقته صبا بطرف عينيها قبل أن تهتف بحاجبين مرفوعان:
_ يَحيىَ برده اللي عايز كفتة؟
مال عبدالله برأسه نحوها وهمس قُرب أُذنها:
_ يَحيىَ، أبو يَحيىَ، الإتنين واحد يا أم يَحيى
غمزها فضحكت صبا ثم أخذت واحدة وقامت بإطعام عبدالله في فمه، فأغمض عبدالله عينيه مُلتذِذًا بطعمها الذكي ثم هلل بإعجابٍ:
_ تحفة تحفة، إرميلي ١٣ واحدة تانين كدا
قهقهت صبا ثم دفعته بعيدًا وقالت:
_ أنت عايز تاكلها لوحدك، روح أقعد وإحنا خلاص بنحضر الأطباق وهتاكل..
رمقها عبدالله شزرًا ثم أولاها ظهره وغادر متمتمًا لإبنه:
_ تعالى نروح نلقط رِزقنا من الشيش طاووق اللي هناك دا
_ يا زكريا، حرام عليك بجد، سايبلي ليلى وآيلا وقاعد تتمشى هنا وهناك، طلاما مش بتعمل حاجة خُد واحدة منهم أو ياريت الإتنين عشان بيجروا ومعطليني..
صدح صوت ليلى متوسلة زكريا بأن يصطحب التوأم، فجسى زكريا على رُكبتيه وتناوب بنظره بينهن وقال:
_ أنتوا مش بتلعبوا مع ولاد عمتوا عليا ليه؟
_ تؤتؤ..
قالتها إحداهن وهي تُحرك إصبعها رافضة، فتساءل زكريا عن السبب:
_ ليه بس؟
_ ماما..
اكتفت بقولها، فهي لا تستطيع ترتيب جُملةً كاملة بعد، بينما نظر إلى الآخرى الساكنة وقال بمزاحٍ:
_ طب ليلى وفهمنا أسبابها، وأنتِ مش بتلعبي معاهم ليه يا آيلا؟
_ ليلى..
نطقتها بتلعثمٍ فهز زكريا رأسه مُتفهمًا ثم هتف وهو يهُزها برفقٍ:
_ يا بنتي خلي عندك شخصية، هتفضلي ماشية ورا ليلى كدا لغاية امتى؟
ثم قام بحملِهن وأخذ يُلاعبهن تحت ضحكاتٍ بريئة منهن.
على جانب آخر؛ انتقت خلود مِقعدٍ بعيد عن الطعام، إذ لا تتحمل شم رائحته بسبب حملِها، اقترب منها وليد عندما رآى تعابيرها مشمئزة وتساءل:
_ أنتِ كويسة؟
_ ريحة الأكل قالبة مُعدتي، قولت لك بلاش أنا المرة دي، وأنت أصريت..
وما كادت تُنهيها حتى راودها شعور الغثيان فركضت مهرولة إلى الداخل لِتُفرغ ما في معدتها.
وبينما كانت زينب تضع الطعام على الطاولة المستطيلة التي قاموا بوضع عِدة طاولات جنبًا إلى جنب لتصبح مائدة طويلة تكفي الجميع، نادتها نهال:
_ زينب حبيبتي، أحط الأطباق دي فين؟
بابتسامة هادئة أشارت زينب إلى هناك:
_ في كراسي هناك قدامها فاضي، ممكن حضرتك تحطيهم هناك، مع إن شايفة إن ملوش لزوم تتعبي نفسك وإحنا هنحضر كل حاجة..
_ بصراحة أنا مبسوطة وأنا بعمل كدا، الأجواء هنا جميلة أوي..
صرَّحت نهال باعجابها الشديد لتلك التجمعات، ثم توجهت حيث أشارت زينب ووضعت ما معها من طعامٍ وعادت من جديد تحمل الأطباق الأخرى، بينما علّق عاصم على تصرفات والدته ببعض الدهشة:
_ والله أنا مش مصدق إن أمي بتعمل كدا، بركاتك يا زوزو
قهقهت زينب ثم وضعت في يده طبقًا وأوضحت:
_ أنت هتفضل تعلق على اللي رايح واللي جاي بس، ساعدني يلا..
كادت تُغادره، لكنه لحِق بها وأمسك ذِراعها وقال بنبرةٍ أنهكها الإنتظار:
_ أبوس ايدك كفاية فترة تعارف لغاية كدا، وافقي نتجوز بقى..
استنشقت زينب نفسًا عميق وأردفت مُختصرة:
_ مش وقته، خلينا نخلص اليوم دا وبعدين نشوف موضوع الجواز..
أولاته ظهرها وغادرت، بينما وقف يُتَابعها هو بشوقٍ حار وعيون لامعة من شِدة تلهفه لإتمام زواجهم، خرج من شروده من تعليقٍ ساخر:
_ لسه برده منشفة دماغها؟
مال عاصم حيث مصدر الصوت فاذا به عبدالله، حرك رأسه مُبديًا انزعاجه وأجابه بفتورٍ:
_ مش عارف هنفضل كدا لغاية امتى؟!
_ هتقبل النهاردة!!
هتفها عبدالله ثم غمزه ومشى مُبتعدًا عنه، فجدد الأمل داخل عاصم الذي ابتسم بعفوية وذهب يضع الطبق الذي بيده على الطاولة.
عِند بوابة الحديقة، دخلت سيارة حديثة بِخُطواتٍ
صاخبة، كل العيون ارتكزت عليها ف صمتٍ مفاجئ، وما أن فُتح بابها، ونزل منها آدم وڤاليا فتجمدت الأنفاس وعلت علامات الدهشة على وجوه الجميع، فلم يتوقعوا حضورهم اليوم.
أمسك آدم يد ڤاليا ثم باليد الأخرى حمل صغِيره ذو الشهور الأولى وولج نحو أبيه الذي ألقى بنفسه بين ذراعيه بشوقٍ حار، فلم يتحلى برؤياه منذ زمنٍ بعيد.
ثم حمل عنه صغيره ورمقه بعيون متأثرة، فكان يشبه آدم بشكلٍ كبير، ابتسم بسعادةٍ ثم نظر إليهما ورحب بهما:
_ حمد لله على سلامتكم، نورتوا بيتكم
_ الله يسلمك
قالاها في آنٍ واحد، ثم توجهت أنظار ڤاليا تلقائيًا إلى عائلتها، وقد حملت صغيرها عن قاسم وتوجهت إليهم بعد أن استمدت الشجاعة من عيني آدم الذي تَبِعَها.
وقفت أمامهم ثم نظرت إلى صغِيرها وقالت:
_ عز يا دادي.. حفيدك
جسمٍ صغير لا يتخطى عمره الأربعة أشهر قد أعاد إلى عز دفءٍ ومشاعرٍ جميلة تجاه ابنته، ثم علا صوت آدم من خلفهم:
_ أنا وعدت ڤاليا إني زي ما كنت سبب في تفريقكم أكون السبب في جمعكم، عشان خاطر عز الصغير سامِحنا..
ترقرقت العبرات من عيون عز ثم انحنى على الصغير وقَبلهُ على جبينه، رفع عينيه على ڤاليا التي تترقبه بلهفةٍ شديدة، ودون أن تُدرك فِعلته قام بجذبها إلى حُضنه فباتت هي وصغيرها ينعمان بحضن عز الذي أعاد لڤاليا الأمان لطالما افتقدته منذ رحيلها عنه.
وعندما اطمئن آدم من عودة الوِصال بينهما توجه إلى عبدالله، لقد حان دوره في أخذ مسامحةً منه ليوطد علاقته به، وقف أمامه وقبل أن يتحدث كادت تغادر صبا المكان لكن آدم قد لحِق بها وقال:
_ وغلاوة يَحيىَ تستني..
توقفت صبا على مضضٍ، فبدأ آدم حديثه بمزيجٍ من الندم والرجاء:
_ أنا عارف إنكم أكتر ناس أنا آذيتها، وكان آذى كبير وعواقبه كبيرة، بس برده أنا دفعت التمن، وعندي أمل إننا نكون عيلة، إنكم تقبلوني بينكم ووسط كل الناس دي
أنا ندمان والله، اتعاقبت واتربيت واتحرمت من حاجات كنت بحبها، كفاية لغاية كدا، آن الأوان إن ولادنا يكبروا وسط عيلة بتحب بعض
مش عايزهم يعرفوا يعني إيه كُره، أنا أذيتكم نتيجة إني اتربيت على كُره من صغري
ومش عايز أكرر دا مع ابني، عايزه يطلع سوي ودا مش هيحصل غير لما يتربى وِسط عيلة بتحب بعضها ومفيش بينهم خلاف ولا زعل
تماسك آدم قدر الإمكان لألا يبكي ثم خص صبا بالحديث:
_ سامحيني يا دكتورة، عشان خاطر ربنا تسامحيني وتنسي اللي فات!
انهمرت دموع صبا رغمًا عنها، حملت صغيرها الذي يَشُد في ملابسها ونظرت إليه ثم تفقدت ڤاليا التي انضمت إليهم هي وصغيرها ثم قالت لآدم:
_ هسامحك عشان خاطر ابني وابنك يطلعوا سويين ويحبوا بعض، عشان تجربتك أنت وعبدالله متتكررش تاني..
زفر آدم أنفاسه الحبيسة، لقد أزالت صبا ثِقل ذلك الحِمل من على صدره، لم يشعر بابتسامته التي غزت شِفتاه بسعادةٍ عارمة، وحينها نظر إلى عبدالله الذي فتح له ذراعيه فلم يتردد لحظة وألقى آدم بنفسه على الفور شاعِرًا بِدِفء الإخوة لطالما افتقر إليه.
استغل عاصم تلك الأجواء الحميمية، واقترب من زينب التي تبكي في صمتٍ تأثُرٍ بما يحدث حولها، لكزها بخفة وهمس:
_ يعني مش عيب كل دول يفرحوا كدا وأنا لأ؟
مسحت زينب دموعها براحة يدها، ثم قالت بهدوءٍ:
_ أنا موافقة..
اتسعت حدقتي عاصم بذهولٍ وهتف ليتأكد:
_ قولي واللَّه
_ واللَّه
أقسمت فهلل عاليًا دون تصديق:
_ اللَّه أكبر..
تحولت النظرات عليه، فضحك وصاح:
_ اعذروني يا جماعة، من حقي والله، دا أنا بقالي سنتين بتحايل عليها توافق نتجوز!!
قفز في الهواء واستأنف حديثه ببهجةٍ شعر بها من هم حوله:
_ النهاردة الحد، يوم الخميس الجاي الفرح، كلكم معزومين
فغرت زينب فاها بصدمةٍ وأردفت بعيون واسعة:
_ خميس إيه، أنت بتقول إيه؟
_ واللَّه العظيم ما انا راجع في كلامي أبدًا، الخميس يعني الخميس، أنا مش ضامنك، دلوقتي تقولي موافقة وتيجي كمان يومين ترجعي في كلامك، فإحنا نلحقك أحسن
هتفها بأسلوبٍ طريف جعل الجميع يضحكون، ثم توجهوا إلى المائدة وأخذت كل عائلة مكانها، وقبل أن يشرعوا في تناول الطعام هتف عبدالله:
_ متنسوش أمي من دعائكم..
فدعوا لها جميعًا بالرحمة، وشرعوا في تناول الأطعمة الذكية، وبينما كان الجميع مُنشغلًا بين الأكل والأحاديث الجانبية كان قاسم مُترأس الطاولة، يجلس في صدر المجلس كأن المكان يستقيم به، يُمرّر نظراته على الوجوه من حوله، أبناؤه، أسرته، أصدقاؤ وعيناه مُمتلئتان بحب صافٍ وامتنان دافئ.
كان يبتسم تلك الإبتسامة الهادئة التي لا تُقال بالكلمات، ابتسامة رجل يرى ثمرة العُمر مجتمعين أمامه، فيحسّ أن قلبه اتّسع ليضمّهم جميعًا، إزدادت بهجته وتحدث فجأة بصوتٍ مسموع لآذان الآخرين:
_ متعرفوش مدى سعادتي يا جماعة وأنا شايف كل حبايبي قدامي كدا..
انتبه له الجميع بآذان صاغية، فتابع بنبرةٍ حنونة:
_ لو حد كان قالي من كام سنة إني هقعد القاعدة دي وولادي وأحفادي وكل اللي بحبهم متجمعين سوا كنت قولت له أنت أكيد مجنون...
أخفض رأسه خافِيًا ابتسامته المُنكسرة قبل أن يُواصل:
_ اعذروني يا جماعة، الواحد قعد سنين طويلة بعيد أوي فكان صعب عليا أصدق حاجة زي دي، أنا دلوقتي مش عايز أي حاجة خالص، أنا لو مت دلوقتي فـ هموت وأنا مبسوط..
_ بعد الشر عنك..
ردَّدها جميع الجالسين، ثم نهض عبدالله أولًا وتوجه نحوه مُقبلّا رأسه بحنانٍ وقال:
_ ربنا يباركلنا في عمرك يا حبيبي..
ففعل آدم تمامًا مثلما فعل عبدالله، قَبّل أبيه واحتضنه بحبٍ شديد كما لم يُظهره من قبل، انتهى الجميع من الطعام، ونهضوا يواصلون جمعتهم بلعب بعض الألعاب المُسلية، حتى عمَّ المرح المكان.
_ طب يا جماعة أنا عندي فكرة حلوة، ياريت الشباب تِهدي زوجاتهم أغنية حاسين إنها معمولة عشانهم..
كان اقتراح صبا والذي نال إعجاب الآخرين، فهلل زكريا وهو يُشير إلى عبدالله مُشاكسًا إياه:
_ طب نبدأ بِمُعلم الأجيال الأستاذ عبدالله القاضي
قهقه عبدالله و مرر يده نحو الجميع وهو يردد:
_ لا لا سيبني أنا في الآخر، لِف لفة وارجعلي...
_ شكلها راح عليه يا زكريا، ومعتش عارف يحب كويس
علَّق وليد ساخرًا فأيده زكريا الرأي وأضاف بتهكمٍ:
_ أيوا أيوا، دا لو كان عبدالله بتاع زمان كان قام طربنا بميادة الحناوي
تعالت الضحكات الساخِرة، فقلب عبدالله عينيه وصاح بإزدراء:
_ طب يا خفيف منك له، مش هبدأ برده..
على جانب عبدالله انتاب صبا شعور الضيق من خلف سُخرية صديقي عبدالله، فكم تمنت أن يُثبت عبدالله حُبه له بأول شخصٍ يُهدي زوجته، لكنها التزمت الصمت ولم تُظهر ضيقها، بينما انتهز زكريا الفرصة وبادر هو بعد أن نظر إلى ليلى بنظراتٍ فيها مزيجٍ من الحب والخجل:
_ حبيبي يا نور العين يا ساكن خيالي، عاشق بقالي سنين ولا غيرك في بالي
هلل بقية الشباب معجبون باختياره، فتلاهُ وليد مباشرةً:
_ عارفة أحلى حاجة فيكي بتحلي أي شيء عنيكي تيجي فيه، قمر دا إيه اللي تتساوي بيه؟!
ليهتف الشباب عاليًا مع تصفيقاتٍ حارة، فجاء دور آدم الذي أهدى أغنية خاصة لڤاليا:
_ وقابلتك أنت لقيتك بتغير كل حياتي معرفش إزاي حبيتك معرفش إزاي يا حياتي..
و كعادتهم يُهللون كلما انتهى شابًا من الغِنَاء، فأسرع عاصم في النظر إلى زينب وهتف مازحًا:
_ يا حبيبى هواك جننى و الشوق ملانى جراح
وِحياتك تِبعد عنى وتسيبنى عشان أرتاح
قهقه الجالسين بينما تذمرت زينب وهتفت بِحُنُقٍ:
_ والله؟ دا أنت كنت لسه بتتحايل عليا، خلاص رِجعت في كلامي..
أسرع عاصم في لقف يدها وطبع قُبلةً عليها ثم شدّ عليها قائلًا:
_ لا واللَّه ما اقدر، دا أنا ما صدقت
وعندما انتهوا من المُزاح، عادت النظرات على عبدالله، فعلّق زكريا ساخِرًا:
_ ها يا عُبد، لسه ملقتش؟ ولا الذاكرة اتمحت؟
لم تتقبل صبا الكلام، وأحست ببعض الإهانة فنهضت مُستأذنة من الجميع:
_ بعد إذنكم يا جماعة..
فأسرع عبدالله خلفها وظل يدور حولها مُغردًا بعشقٍ:
_ أنت أول حبيب وآخر حبيب، ما أظن لو تغيب عيني بعدك تنام
انتهى منها فصاح الآخرين ببعض الصافِرات وبعضهم مُهللين بأصواتٍ مشجعة:
_ أيوا يا شيخ عبدالله أيوا
_ هو دا الكلام
_ ختامه مِسك فعلًا
فضحك عبدالله وتحمس لغِناء بقيتها تحت تشجيعٍ في الخلف لا يتوقف:
_ هذا آخر كلام في العشق والغرام، والله بعد عيونك ع الدنيا السلام
بغنائه كان الأفضل من بين الجميع، فكانت كل كلمة وحرفٍ يخرجون من قلبه لها وليست مجرد كلماتٍ تُغنَى، فأسعد صبا وأدخل السرور على قلبها وشعرت أنها مميزة دونًا عن الأُخريات.
وبحركةٍ سلسلة لم تتوقعها صبا، أحاط عبدالله خَصرِها بذراعه وحملها ثم دار بها ظاهرًا أنه غارِقًا في حُبها، أنزلها برفق وهمس أمام شفتيها:
_ بحبك يا أغلى حاجة في حياتي
_ معلم إبن معلم، محدش يقدر يعلي عليك يا عُبد
رددها قاسم بفخرٍ واعتزاز لِحُب عبدالله الواضح كوضوح الشمس لعيونهم، ثم اقترح قاسم أن يُغنوا سويًا وبعد اقتراحاتٍ من الجميع كان اختيار عبدالله الموفق والأكثر تَميُزًا حيث علت أصواتهم بتناغمٍ مغردين:
عَ دروب الهوى مَشّاني حبيبي
عَ دروب الهوى مَشّاني
وعَ كرم الهوى وَصَّلني حبيبي
وعنقودو اسْتوى وناداني ناداني
سوا سوا رحنا نمشي إيد بإيد
والهَوا يْلَوّحنا متل العَناقيد
غَمَرني بالهَنا
وسَحَرني بالغِنا
حتّى إسمي أنا
نسّاني
نظرا عبدالله وصبا لبعضهم البعض وهم يُغنُون، وارتسمت الإبتسامة على وجوههم، فقد كانت هذه أغنية البداية التي جمعتهم، واليوم يختمون بها النهاية، فكل نغمة تحكي عن فرحة اللحظة وأجمل إحساسٍ قد عاشاه
وسادت السعادة أجواء المكان، فرحة لا توصف تُعانق الجميع وتملأ قلوبهم دِفئًا وفرحًا حقيقيًا.
**
لمتابعة الرواية الجديدة زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةمن هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق