بعد 8 سنوات خلف القضبان… الحقيقة الصادمة كانت أقرب مما يتخيّل!
بعد 8 سنوات خلف القضبان… الحقيقة الصادمة كانت أقرب مما يتخيّل!
عندما أغلقت القضبان خلف ظهري للمرة الأخيرة
بعد ثمانية أعوام
اهتز الصوت المعدني في صدري
كصدى
لا يريد أن يغادر.
اسمي ميغيل أنخل فيغا.
كان عمري سبعة وأربعين عاما.
شعر غزاه الشيب.
نظرة متعبة.
وروح مكسورة.
ثماني سنوات خلف القضبان بتهمة سرقة لم أرتكبها.
ثماني سنوات أراقب الحياة تمر من نافذة زنزانة رطبة.
ثماني سنوات أتعلم كيف أحبس دموعي أمام الرجال
كي لا أبدو ضعيفا.
وحين ظننت أن لا شيء ينتظرني في الخارج
استدعاني المحامي الدكتور أوتشوا إلى مكتبه.
كانت على وجهه ملامح أمر غير مألوف
كأنه يحمل خبرا يصعب تصديقه.
ميغيل لقد توفي عمك رودريغو منذ بضعة أشهر.
كنت بالكاد أذكره.
رأيته مرات قليلة في طفولتي.
وقبل وفاته ترك وصية.
أوصى لك بمزرعته.
ستون هكتارا في الجبال.
مكان يدعى سان بيدرو ديل بايي ماغيكو.
كان يؤمن ببراءتك دائما.
عندما وضع الأوراق أمامي
ارتجفت يداي.
ثماني سنوات وعائلتي تدير لي ظهرها.
لم يزرني أحد.
لم تصلني رسالة واحدة.
والآن فجأة
رجل بالكاد أعرفه
يترك لي إرثا.
استغرقت رحلة الحافلة أكثر من أربع ساعات.
رأيت المدينة تتلاشى في أحياء فقيرة
ثم في بلدات هادئة
ثم في طرق ضيقة تحفها جبال مكسوة بالضباب.
كان عبير التراب المبتل يتسلل من النوافذ.
نظر إلي السائق رجل أسمر يدعى خوسيه لويس عبر المرآة حين أخبرته بوجهتي.
إلى مزرعة رودريغو فيغا
أومأت.
لم يقل شيئا آخر.
لكن الصمت أصبح ثقيلا
كأن الاسم يحمل في طياته أمرا لم أكن أفهمه
بعد.
أنزلني عند طريق ترابي.
سرت أكثر من ساعة تحت شمس آخذة في المغيب.
وحين وصلت أخيرا
شعرت بأن قلبي يهبط في صدري.
كانت المزرعة أطلالا.
سقف منهار.
جدران سوداء من الرطوبة.
أعشاب عالية تبتلع الممرات.
سياج مكسور.
لا ماشية.
لا محاصيل.
لا حياة.
وقفت هناك بلا حركة.
هذا كل ما تبقى لي
بعد ثماني سنوات من السجن.
دفعت الباب.
في الداخل رائحة عفن وهجران.
الأرضية تصدر صريرا تحت حذائي.
الريح تدخل من ثقوب السقف.
جلست على كرسي قديم.
وبكيت.
بكيت على الأعوام الضائعة.
على العائلة التي تخلت عني.
على الوحدة.
على إرث بدا كأنه سخرية من القدر.
أشعلت شمعة وبدأت أستكشف المكان.
في الغرفة الرئيسية لاحظت لوحا مفكوكا.
نزعته.
وخلفه وجدت ظرفا أصفر باهتا.
كانت رسالة.
ابن أخي العزيز
إذا كنت تقرأ هذه الكلمات فأنت قد خرجت حرا أخيرا.
كنت أعلم دائما أنك بريء.
المزرعة مهجورة منذ أعوام
لكن الأرض ما تزال خصبة.
تحت أرضية المطبخ علبة بسكويت فيها مال لتبدأ من جديد.
ثق في كارمن صاحبة متجر القرية.
إنها تعرف الحقيقة.
لا تفقد الإيمان.
بحثت تحت أرضية المطبخ.
كانت العلبة هناك.
أوراق نقدية قديمة ومتجعدة
لكنها تكفي لبداية جديدة.
في تلك الليلة لم أنم إلا قليلا.
كل صوت كان يجعلني أظن أن أحدا يقتحم المكان.
لكنني أيضا
وللمرة الأولى منذ سنوات
شعرت بشيء مختلف
شرارة.
عزم.
في صباح اليوم التالي نزلت إلى القرية.
كانت سان بيدرو ديل بايي ماغيكو صغيرة للغاية.
شارع رئيسي واحد.
كنيسة قديمة.
مدرسة متواضعة.
بيوت بألوان باهتة تتسلق السفح.
كان المتجر مطليا بالأزرق الفاتح.
نظرت إلي كارمن امرأة في نحو الستين شعرها الرمادي مربوط ومئزرها مزهر نظرة ثابتة ما إن دخلت.
لا بد أنك ميغيل.
لم تتردد.
أخذتني إلى الخلف وخفضت صوتها.
عرفت عائلتك. وأعلم أنك غير مذنب.
لكن هنا من لا يرى الأمر كذلك.
توقفت لحظة.
خوان توريس صاحب المزرعة المجاورة هو أكثر من يسيء الحديث عنك.
باعتني الإسمنت والمسامير والأدوات بسعر مخفض.
كان بعض الزبائن ينظرون إلي بريبة.
إحدى النساء خرجت مسرعة حين رأتني.
لم أكن أعلم بعد
لكن في تلك القرية
كان هناك من يحرك الخيوط في الخفاء
ليجعل بقائي مستحيلا.
لا تقلق قالت كارمن وهي تلمس ذراعي برفق
الناس يتغيرون عندما يرون الأفعال لا عندما يسمعون الشائعات.
نظرت في عينيها طويلا.
كان فيهما شيء لم أعتده منذ سنوات
ثقة بلا تردد.
إيمان لا يحتاج إلى دليل.
أردت أن أصدقها.
بل كنت بحاجة إلى أن أصدقها.
عدت إلى المزرعة ذلك اليوم وكأنني أهرب من فكرة الاستسلام.
خلعت قميصي وربطته حول رأسي وأمسكت المعول بقبضة مشدودة.
عملت حتى شعرت بأن النار تسري في ذراعي.
أزلت الأنقاض حجرا حجرا.
سددت الفتحات في الجدران الخربة.
دعمت الأعمدة الخشبية التي أوشكت على الانهيار.
جمعت قطع السقف المتناثرة ورتبت ما يمكن إصلاحه.
كان العرق يتصبب على وجهي ويختلط بالغبار.
لكنني لم أتوقف.
كان العمل الجسدي
ينقذني.
في السجن كنت أتشبث بالتمارين كي لا أفقد عقلي
والآن أتشبث بالمطرقة كي لا أفقد الأمل.
مع كل ضربة على الخشب
كنت أشعر وكأنني أضرب السنوات الثماني التي سرقت من عمري.
مع كل حجر أرفعه
كنت أرفع عن صدري ثقلا قديما.
عند الغروب بينما كنت أصلح جزءا من السياج سمعت صوت محرك يقترب.
رفعت رأسي ببطء.
توقفت شاحنة بيضاء أمام السياج المكسور.
كان الغبار يحيط بها كضباب صغير.
نزل رجل يحمل ملفا بيده.
كان يرتدي قميصا رسميا وبنطالا داكنا
ونظرته جافة.
أنطونيو راميريز. من البلدية.
لم يكن مبتسما.
ولا بدا أنه جاء لتهنئتي على جهدي.
سلمني إشعارا رسميا مختوما.
قرأت الكلمات ببطء.
شكاوى مجهولة.
احتمال وجود خطر على المجتمع.
خمسة عشر يوما لإثبات حسن السلوك.
وإلا قد يطلب مني المغادرة.
رفعت بصري نحوه.
لم أر عداء في عينيه
لكنني لم أر تعاطفا أيضا.
كان مجرد ناقل لقرار بارد.
وقعت الوثيقة دون جدال.
لم أرد أن أبدو غاضبا.
لم أرد أن أمنح أحدا ذريعة.
لكنني تلك الليلة لم أنم.
تمددت على الفراش الخشبي
أحدق في السقف المكسور
أتساءل
كم تحتاج الإشاعة من وقت
لتدمر ما يحاول المرء بناءه
وهل يمكن لخمسة عشر يوما
أن تمحو ثماني سنوات من الوصم
مع الفجر ذهبت إلى كارمن.
كان المتجر يفتح أبوابه للتو.
رائحة الخبز الطازج تمتزج برائحة القهوة.
تنهدت قبل أن أنهي كلامي.
لا بد أنه خوان توريس.
صمتت لحظة ثم قالت
تحتاج إلى شيء ظاهر.
عمل حقيقي.
دعهم يرونك تتعب.
دعهم يرونك تنهض كل صباح.
أرسلتني إلى دون خواكين صاحب المحجر في أطراف القرية.
حين وصلت كان العمال يرفعون الصخور الكبيرة إلى الشاحنات.
الغبار يملأ الهواء.
الضجيج لا يتوقف.
نظر
إلي من أعلى إلى أسفل.
أعرف من أنت.
لم يقلها بازدراء
لكن ليس بثقة أيضا.
العمل هنا شاق.
نظرت إلى يدي المتشققتين.
لا أطلب شفقة.
أطلب فرصة فقط.
حدق في لثوان طويلة
ثم قال
ابدأ اليوم.
وهكذا بدأت.
كانت الأيام الأولى قاسية إلى حد لا يوصف.
تكسير الحجارة تحت الشمس الحارقة.
فقاعات مفتوحة في راحتي.
ظهر يحترق من الانحناء المتواصل.
غبار يدخل إلى صدري مع كل نفس.
في المساء كنت أعود إلى المزرعة بالكاد أستطيع السير.
لكنني كنت أبتسم رغم الألم.
لقد نجوت ثماني سنوات بين القضبان.
أستطيع أن أنجو من الحجارة.
بعد أيام بدأ شاب يدعى دييغو يكلمني أثناء الاستراحة.
يقولون عنك أشياء لكنك لا تبدو سيئا.
ابتسمت بمرارة.
المظاهر خادعة أليس كذلك
ضحك قليلا
ثم ناولني زجاجة ماء.
شيئا فشيئا
بدأت أشعر أن النظرات تغيرت.
لم تعد كل عين في القرية تراني خطرا.
بعضهم صار يراني عاملا مجتهدا.
رجلا يستيقظ قبل الشمس.
وفي إحدى الأمسيات استدعاني دون خواكين جانبا بعيدا عن العمال.
جاء خوان توريس يطلب مني أن أطردك.
شعرت بمعدتي تنقبض.
وماذا قلت له
نظر إلي بثبات.
قلت له إن القرار هنا لي.
لم يبتسم.
لكنه لم يكن بحاجة إلى ذلك.
للمرة الأولى منذ وصولي إلى القرية
دافع عني أحدهم دون أن يطلب شيئا بالمقابل.
بعد أيام عرفتني كارمن إلى ماريسول.
في الخامسة والثلاثين.
معلمة في المدرسة الصغيرة.
وصلت حديثا من مدينة مكسيكو.
عيناها حادتان وصوتها هادئ لكنه حازم.
قرأت الإشعار
الذي تسلمته من البلدية
وعبست.
هذا ضعيف قانونيا
لكنه خطير اجتماعيا.
رفعت رأسها نحوي.
هناك اجتماع للجيران هذا الأسبوع.
احضر.
تكلم بنفسك.
كان مساء الاجتماع ثقيلا.
قاعة الكنيسة ممتلئة.
كراس قابلة للطي.
مراوح صاخبة تدور ببطء.
نظرات قاسية تتنقل بين الوجوه.
تحدث خوان توريس أولا.
واثقا.
هادئا.
مقنعا.
لا نعرف أي نوع من الرجال هو حقا.
علينا أن نحمي أبناءنا.
لم يذكر دليلا.
لم يذكر واقعة.
فقط الخوف.
قاطعته ماريسول بهدوء.
الاتهامات بلا أدلة تضر بالمجتمع أيضا.
نحن لا نبني قرية على الشائعات.
وقفت ببطء.
كانت يداي ترتجفان
لكن صوتي لم يرتجف.
لا أطلب منكم أن تنسوا ماضي.
ولا أن تثقوا بي فورا.
أطلب فقط أن تنظروا إلى ما أفعله الآن.
إلى العمل الذي أقوم به.
إلى الساعات التي أقضيها في المحجر وفي المزرعة.
احكموا علي بأفعالي.
ساد الصمت.
لم يكن صمتا عابرا بل صمتا ثقيلا كأن الهواء نفسه ينتظر كلمة تحسم مصير رجل.
كنت أسمع صوت أنفاسي بوضوح وأشعر بنبض قلبي في أذني.
ثم تكلمت كارمن.
صوتها لم يكن مرتفعا لكنه كان ثابتا.
قالت إنها تعرف عائلتي منذ سنوات وإنها رأتني طفلا ألعب في الساحة أمام المتجر.
قالت إنها لا تؤمن بأن إنسانا يختصر في إشاعة.
ثم تكلم دون خواكين.
رجل قليل الكلام لكن كلماته حين تخرج تكون محسوبة.
قال إنه رأى في المحجر رجالا كثيرين ينهارون بعد أول يوم.
وقال إنني لم أنهر.
وإن من يستطيع أن يعمل بصمت تحت الشمس الحارقة كل يوم لا يبحث عن
أذى أحد.
ثم تكلم دييغو.
شاب لا يزال وجهه يحتفظ ببراءة المراهقة.
قال إنه لا يعرف قصتي كاملة
لكنه يعرف أنني لم أؤذ أحدا في المحجر
وأنني ساعدته حين جرحت يده ولم أتركه يعمل وحده.
تبادلت الوجوه النظرات.
اقترح رجل مسن كان يجلس في الصف الأمامي
ستة أشهر تحت المراقبة.
إذا أخطأ يرحل.
لم يكن الاقتراح رحمة.
كان امتحانا.
صوتوا.
ارتفعت الأيدي ببطء.
وانخفضت ببطء.
وحين انتهى العد
أدركت أنني حصلت على فرصة.
لم يكن هناك تصفيق.
ولا ابتسامات واسعة.
لكن لم يكن هناك رفض أيضا.
وكان ذلك كافيا.
خرجت من القاعة تلك الليلة وأنا أشعر بشيء يشبه التنفس بعد غرق طويل.
لم أكن قد انتصرت
لكنني لم أهزم.
خلال الأشهر التالية
وبمساعدة ماريسول
بدأنا نراجع ملف قضيتي القديم.
كانت تجلس أمام الطاولة الخشبية في المزرعة
تفتح الملفات بعناية
وتضع ملاحظات صغيرة على الهوامش.
كانت هناك تناقضات واضحة.
مدفوعات غريبة في حساب الشاهدة الرئيسية قبل الإدلاء بشهادتها.
تحويلات مالية صغيرة لكنها متكررة.
تغيير في أقوالها بعد أشهر
ولم يحقق أحد.
كان كل سطر نقرأه يعيدني إلى تلك المحكمة
إلى نظرات الاتهام
إلى اللحظة التي سقط فيها الحكم على رأسي كحجر ثقيل.
تتبعنا الخيط خطوة خطوة.
وثيقة وثيقة.
اسما بعد اسم.
ثم ظهر الاسم الذي لم أرد أن أراه أبدا.
روبرتو.
أخي.
تجمدت يداي فوق الورق.
كان قد دفع للشاهدة لتتهمني.
تحويلات مالية باسمه.
اتصالات موثقة.
لم أستطع الكلام.
لم تكن المشكلة
في المال.
ولا في المؤامرة.
بل في الحقيقة نفسها.
حين اعترفت المرأة وهي تبكي
قائلة إنها خافت وإنها احتاجت المال
شعرت بشيء أسوأ من الغضب.
لم أشعر بالرغبة في الصراخ.
ولا في الانتقام.
ولا في مواجهته.
شعرت بالفراغ.
كأن شيئا داخلي انكسر بصمت.
لم يكن خطأ قضائيا فحسب.
كان خيانة من الدم.
من شخص تشاركت معه الطفولة.
الذكريات.
البيت.
أعيد فتح الملف.
كانت الأسابيع التالية أطول من السجن نفسه.
كل يوم انتظار كان يشبه عاما.
ثم جاء القرار الرسمي.
كلمة واحدة.
بريء.
قرأتها مرارا.
مرات كثيرة.
كأنني أخشى أن تختفي من الورق.
كانت تلك الكلمة أثقل من القضبان التي أغلقت يوما خلفي.
وأخف من كل الأحمال التي حملتها في صدري طوال ثماني سنوات.
بكيت.
ليس من أجل الانتصار.
بل من أجل التحرر.
لأجل الشاب الذي دخل السجن مظلوما.
ولأجل الرجل الذي خرج منه وهو يحاول أن يؤمن بالحياة من جديد.
بقيت ماريسول.
أولا حليفة.
ثم صديقة.
ثم ملاذا.
لم نعلن حبنا في لحظة درامية.
لم تكن هناك كلمات كبيرة
ولا وعود مسرحية.
فقط حضور ثابت.
فنجان قهوة في الصباح.
مشاركة في إصلاح السقف.
حديث طويل تحت شجرة قديمة.
كانت تفهم صمتي.
وأفهم تعبها.
شيئا فشيئا
أصبح وجودها جزءا من يومي.
بدأت المزرعة تتغير ببطء.
في البداية أصلحنا الأسقف.
ثم نظفنا الأرض من الأعشاب البرية.
زرعنا حدائق خضروات صغيرة.
طماطم.
فلفل.
ذرة.
بنينا حظائر جديدة.
وأعدنا بناء السياج.
جاء بعض شباب القرية يساعدون.
ثم جاء شاب خرج حديثا من السجن في مدينة مجاورة يبحث عن عمل.
استقبلناه.
ثم آخر.
ثم آخر.
فتحنا ورشا صغيرة لتعليم النجارة والزراعة.
لم يكن الهدف الربح.
كان الهدف أن يجد كل واحد منهم مكانا لا يسأل فيه عن ماضيه
بل
عن ما يستطيع أن يفعله الآن.
ما كان أطلالا
أصبح مكانا تنبض فيه الحياة.
ضحكات في الصباح.
أصوات أدوات.
رائحة خبز يخبز في الفرن الحجري.
بعد عامين
تزوجنا في ساحة المزرعة.
لم تكن هناك زينة فاخرة.
ولا فستان باهظ الثمن.
ولا موسيقى صاخبة.
فقط أهل القرية.
كارمن تمسك يدي ماريسول قبل المراسم.
دون خواكين يبتسم لأول مرة علنا.
دييغو يصفق بحماس طفل.
كان الغروب ذهبيا.
والهواء نقيا.
وحين ولد طفلنا الأول بعد عام
حملته بين يدي
ونظرت إلى وجهه الصغير
وأدركت أن الماضي مهما كان ثقيلا
لن يمحو المستقبل.
كنت أخشى أن يرث حزني.
لكنه ورث اسمي فقط.
وبقية الطريق كانت له.
بعد سنوات
وأنا أجلس
على الشرفة الخشبية التي بنيتها بيدي
أراقب الغروب وهو ينساب فوق الجبال
فهمت شيئا لم أكن قادرا على فهمه من قبل.
لم تكن المزرعة هي الإرث.
ولا المال المدفون تحت أرضية المطبخ.
ولا حتى البراءة التي حصلت عليها في المحكمة.
كان الإرث هو الفرصة الثانية.
لأن الحياة مهما كانت قاسية
تمنح أحيانا
بابا صغيرا للخروج.
والشجاعة ليست أن تتجاهل الجراح
ولا أن تدعي أنك لم تتأذ.
الشجاعة أن تبني فوقها.
أن تحول الألم إلى أساس.
والخسارة إلى درس.
والظلم إلى بداية مختلفة.
فأحيانا لا يدمرك الظلم.
بل يعيد تشكيلك.
وأحيانا ما يبدو حكما نهائيا
يكون في الحقيقة بداية طريق جديد.
طريق يعيد إليك الحياة
بصورة أقوى
وأصدق
وأعمق
مما تخيلت يوما.


تعليقات
إرسال تعليق