إرث المحبة
إرث المحبة
أنا اسمي هناء، عندي 30 سنة، وعايشة لوحدي في شقة صغيرة وليها بلكونة ضيقة، وصندوق بريد قديم ملوح ناحية الشمال.بقلم منال علي
من تلات سنين، لفت نظري إن جوابات وفواتير جارتي المسنة مركونة قدام بابها ومنسية بقالها أيام. فواتير كهربا، غاز، ومجلات.. والمنظر ده كان بيوجع قلبي كل يوم وأنا رايحة الشغل وراجعة، لحد ما في يوم قررت أخبط.فتحت لي ست كبيرة ببطء، كانت لافة نفسها بشال تقيل رغم إن الجو كان دفا، وشكلها كان مكسوف أكتر ما هو تعبان.قلت لها: "لامؤاخذة يا ست الكل، أنا هناء جارتك في الشقة اللي جنبك.. لاحظت إن الجوابات مكومة قدام الباب.."ردت بكسوف: "يا خبر.. معلش يا بنتي، الجوابات كترت عليا اليومين دول."
عرضت عليها أساعدها، ترددت شوية وبعدين وسعت لي الطريق وقالت بصوت واطي: "ده من ذوقك وكرمك يا ضنايا."
الليلة دي غيرت حياتنا إحنا الاتنين.
كان اسمها الست إنعام، عندها 82 سنة، وعايشة لوحدها مع قطتها "مشمشة". بدأت أزورها كل يوم بعد الشغل، أجيب لها دواء الضغط والسكر، وأقضي لها طلبات البيت، وأصلح لها أي حاجة تعطل في الشقة متوفره على روايات واقتباسات اتعلمت إنها بتحب الشاي "فتلة" ويسيبوه بالظبط أربع دقائق، وعمرها ما تفوّت مسلسل الساعة 7. كنا بنقعد في البلكونة، نشرب الشاي في كوبايات مشرخة، ونحكي في "كل حاجة
ولا حاجة".
حكت لي عن جوزها الله يرحمه وأولادها التلاتة، وإن الدنيا زمان كانت حنينة عليها. أنا مكنتش بحكي كتير عن الماضي بتاعي، بس في يوم وأنا بساعدها في المطبخ، عينيها جت على رسمة بنتي اللي معلقاها على الثلاجة.. الرسمة دي اللي مقدرتش أشيلها، كانت آخر حاجة بنتي رسمتها قبل ما المرض يخطفها مني، وبعدها بفترة قصيرة "كل واحد راحت لحاله" أنا وجوزي، والبيت اتهد فوق دماغي بقلم منــال عـلـي
الست إنعام معمرهاش شكت فيا، بالعكس، سكتنا كمل بعضه، ولأول مرة من سنين مكنتش حاسة إني وحيدة.
قالت لي إن عندها بنتين وولد، ساكنين في محافظة تانية ومبيجوش غير فين وفين، وزياراتهم بتبقى "دوشة على الفاضي"، كأنهم جايين يرفعوا مقاسات الشقة ويشوفوا مين هياخد إيه "لما يفتكرها ربنا".
كنت بسيبهم وأدخل أوضة تانية أنضفها ولا أسويها، وأنا عاملة نفسي مش سامعة، ولما يمشوا، كنت بحس إن البيت بقى فاضي وموحش فجأة.
الشهر اللي فات، صحة الست إنعام بدأت تروح منها.
وفي يوم هادي، دخلت زي كل يوم بالطلبات، لقيت البيت ساكت زيادة عن اللزوم. الست إنعام كانت على سريرها، وشها كان رايق وهادي، كأنها راحت في نومة طويلة مفيهاش وجع، والقطة "مشمشة" كانت بتمسح فيها وبتمشي في الطرقة.
كلمت ولادها.. ووقفت في غسلها ودفنتها، وده كان آخر واجب أعمله معاها.
عملت كل اللي كانت بتحبه: التواشيح اللي بتعشقها، والورد البلدي البسيط، والبسكويت اللي بتجيبه من المخبز اللي على الناصية كل يوم حد.
ولادها وصلوا لابسين أسود في أسود، وعاملين نفسهم مكسورين، وقبل ما اليوم يخلص، كانوا بدأوا يفتحوا دفاتر المحامي والأوراق.
رجعت شقتي وأنا حاسة بكسرة قلب وغضب مكتوم.
تاني يوم الجنازة الصبح، وأنا لسه بملابس امبارح والوجع واكل قلبي، الباب خبط خبط ورزع. فتحت لقيت اتنين ظباط، ومعاهم واحدة من بنات الست إنعام، ووشها كان زي الحجر من الغضب.
الظابط سألني: "إنتي هناء اللي كنتي بتمري على الست إنعام؟"
قلت له: "أيوه يا فندم.."
وقبل ما يكمل، بنتها صرخت فيا: "هي دي! هي اللي سرقتنا! هي اللي لهفت كل حاجة!"
جسمي كله اترعش، والظابط قال بلهجة حازمة: "يا ست يا طيبة، محتاجينك معانا في القسم."
قلت له: "قسم إيه؟ هو فيه إيه اللي حصل؟"
البنت قربت مني وقالت بغل: "سرقتي عقد أمي الألماظ، ورثنا اللي في العيلة من أجيال!"
قلت بذهول: "أنا؟ والله ما حصل.."
الظابط قال بهدوء: "محتاجين نفتش الشقة."
قلت له بقلب جامد: "فتشوا زي ما أنتم عايزين، أنا إيدي نظيفة."
دخلوا الشقة، قلبوا الأدراج والدواليب، ورفعوا المخدات، ولما فتحوا شنطة إيدي، لقوا العقد الألماظ ملفوف في كيس قطيفة صغير.. عمري ما شفته في حياتي!
بنتها
صرخت: "شوفتوا؟ سرقته مني!"
أخدوني على القسم، وحسيت بنفس العجز اللي حسيت بيه يوم ما بنتي ضاعت من إيدي والدكاترة مكنوش عارفين يعملوا حاجة.
في التحقيق، حكيت كل اللي حصل، والحمد لله إن شقتي فيها كاميرا صغيرة كنت مركباها عشان الأمان، والتصوير كشف الحقيقة: بنتها هي اللي حطت العقد في شنطتي وإحنا في الزحمة والربكة! بقلم منال علي
عرفت إن الموضوع مكنش عقد، الموضوع كان غل وطمع في الوريثة الوحيدة اللي الست إنعام كتبت لها مبلغ تأميناً لمستقبلها، تقديراً للي عملته معاها تلات سنين.
البنت اتقبض عليها، والعقد بقى حرز، وأنا خدت براءة.
خرجت من القسم وأنا برتعش بس ثابتة.. رحت قعدت في بلكونة الست إنعام، افتكرت ضحكتنا وشرب الشاي وكلامنا سوا. حسيت إن "الورث" الحقيقي مكنش الفلوس، كان الطبطبة والونس.
فتحت الرسالة اللي سابتها لي:
"يا بنتي يا هناء..
لو بتقرأي الكلام ده، يبقى أنا عند اللي أحسن مني. أمانة عليكي ما تزعليش. إنتي اديتيني تلات سنين ونس لما كنت فاكرة إني هتموت وحيدة بين أربع حيطان. الفلوس دي مش تمن تعبك، دي "هدية" عشان تبني حياتك اللي تستحقيها. وشكراً إنك في يوم من الأيام.. ما فوتيش جواباتي ومنسيتنيش."
قعدت هناك لحد ما الشمس غابت، وافتكرت لمسة إيدها وهي بتطبطب عليا لما كنت ببكي على بنتي.. حسيت إننا شوفنا بعض بجد، وإن مفيش حاجة بتروح عند ربنا.


تعليقات
إرسال تعليق