القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

عاد من الغربة غاضبًا يطالب بالقصر… لكنه انهار باكيًا حين اكتشف الحقيقة

  

عاد من الغربة غاضبًا يطالب بالقصر… لكنه انهار باكيًا حين اكتشف الحقيقة



عاد من الغربة غاضبًا يطالب بالقصر… لكنه انهار باكيًا حين اكتشف الحقيقة


«أخي، أين القصر الذي دفعتُ المال لبنائه؟»

كان هذا صراخ العامل المغترب الغاضب الذي عاد إلى وطنه، لكنه انهار لاحقًا على ركبتيه باكيًا حين سلّمه أخوه مفتاحًا وقال له: «حتى لا تضطر إلى الرحيل مرة أخرى أبدًا».

كان أدريان يعمل مهندسًا مدنيًا في دبي.

وعلى مدى عشر سنوات، كان يرسل ما يقارب ثمانين بالمئة من راتبه إلى شقيقه الأكبر رامون في قريتهما. وكانت تعليماته واضحة تمامًا:

«يا أخي، ابنِ لنا قصرًا كبيرًا. عندما أعود، أريد أن تبدو عائلتنا ثرية.»

في كل مرة كان أدريان يتصل، كان رامون يردّ عليه قائلًا:

«نعم يا أدريان، البناء جارٍ، وقد أصبح شكله رائعًا بالفعل.»

لكن رامون لم يرسل أي صور قط، وكان يقول إن الأمر مفاجأة.




عاد أدريان إلى الوطن من دون أن يُخبر أحدًا، راغبًا في مفاجأة أخيه، ومتحمسًا لرؤية منزل الأحلام الذي انتظره طويلًا.

لكن عندما وصل إلى أرضهم… انهار عالمه.

لم يكن هناك قصر.

ولا بوابة حديدية.

ولا مرآب للسيارات.

كل ما وجده كان كوخًا قديمًا متهالكًا بسقف مكسور. وبجانبه، داخل حظيرة مهجورة لا تغطيها سوى قطعة قماش، رأى أخاه رامون ممدّدًا على قطع من الكرتون، شديد النحافة، داكن البشرة من أثر الشمس، يرتدي ملابس ممزّقة وبالية.

انفجر غضب أدريان. وافترض على الفور أن أخاه قد بدّد المال على القمار والخمر والنساء.


اندفع أدريان وركل باب الحظيرة بعنف، فاستيقظ رامون.

صرخ أدريان، وصوته يرتجف من الغضب:

«أخي! أين القصر الذي دفعتُ المال لبنائه؟

عملت عشر سنوات تحت حرارة الصحراء!

كنت بالكاد أتناول طعامي لأرسل لك المال!

لماذا تنام في هذا المكان؟

أين ذهبت أموالي؟»

نهض رامون.

وشعر أدريان بأن قوته تخونه حين رآه يعرج ويحاول المشي بصعوبة. بدا رامون أكبر من عمره الحقيقي بكثير.

لم يُجب رامون بغضب، بل اكتفى بابتسامة مريرة. ثم مدّ يده تحت الكرتون الذي كان ينام عليه، وأخرج علبة بسكويت قديمة.



فتحها، وناول محتوياتها لأدريان.

كان بداخلها:

صكّ ملكية أرض،

ومفتاح سيارة،

ومفتاح مبنى.

قال أدريان مذهولًا:

«ما هذا؟»

رفع رامون نظره إليه، وكانت ملامحه هادئة على نحوٍ غريب، كأن ما فعله لم يكن أمرًا يستحق الذكر. قال بلطفٍ يشوبه تعب السنين:

«يا أدريان… لو أنني بنيت قصرًا بأموالك، لفرح الناس يومًا أو يومين، ثم بدأ الاستنزاف. صيانة، كهرباء، ضرائب، إصلاحات لا تنتهي… وبعد سنوات، كانت كل تلك الأموال ستتبخر، ولن يبقى سوى جدران صامتة لا تُطعم ولا تُؤمِّن مستقبلًا.»



وسكت لحظة، ثم وضع يده المرتجفة على كتف أخيه، وكأنه يستجمع ما تبقّى في صدره من قوة، وتابع:

«لهذا اخترت طريقًا آخر. اشتريتُ خمسة هكتارات من حقول الأرز خلف الأرض. أرضٌ تزرع، وتُنتج، وتُعطي كل موسم. ثم جمعت ما تبقّى من المال، وبنيتُ مبنى سكنيًا من أربعة طوابق في المدينة، وسجّلته باسمك. ليس للزينة، بل ليعمل. وهو الآن ممتلئ بالمستأجرين… دخلك الشهري ثابت، لا يتأثر بالزمن ولا بتقلّبات الناس. أنت تكسب مئة ألف في الشهر، من دون أن ترفع حجرًا واحدًا.»

وقف أدريان صامتًا، كأن الكلمات اصطدمت بجدارٍ داخل عقله وعجزت عن العبور.


كانت كل أفكاره السابقة تنهار واحدة تلو الأخرى.

القصر الذي حلم به…

الواجهة التي أراد أن يُبهر بها الناس…

كل ذلك بدا الآن صغيرًا، تافهًا، أمام ما فعله أخوه بصمت.

اهتزّ صوته وهو يسأل:

«إذًا… لماذا؟»

ثم أعاد السؤال بصعوبة أكبر:

«لماذا تنام هنا؟ في هذا المكان؟»

لم يجب رامون فورًا.

نظر إلى الأرض، ثم إلى يديه النحيلتين، وكأنهما شاهدتان على قصة لم تُروَ بعد.

وببطء، بدأت الدموع تنساب على خديه، دون صراخ، دون أنين.

قال بصوت مكسور:

«لأنني أجّرتُ الكوخ القديم أيضًا. كل شيء يمكن أن يُدرّ مالًا، فعلته. لم أرد أن أضيّع قرشًا واحدًا. نمت هنا لأنه بلا تكلفة. تحمّلت البعوض، والرطوبة، والبرد، والقذارة… تحمّلت كل شيء.»

ثم رفع رأسه، ونظر مباشرة في عيني أخيه:

«تحمّلتُ هذا كله، فقط لكي تعود يومًا ولا تضطر إلى الرحيل مرة أخرى. لكي تعود رجلًا حرًا، لا عاملًا مكسورًا في بلادٍ لا ترحم. لم أُرِد لك أن تعود إلى دبي، ولا إلى أي مكانٍ يُهين تعبك. أردتك أن تعود… وتبقى.»

انهارت قدما أدريان.




سقط على ركبتيه في الوحل، غير عابئ بثيابه، ولا بالمكان، ولا بمن قد يراه.

أمسك بساقي أخيه بقوة، كأنما يخشى أن يختفي، وانفجر بالبكاء.

بكى كطفلٍ فقد أمانه لسنوات، ثم وجده فجأة.

بكى على كل اتهامٍ أطلقه،

وعلى كل ظنٍّ سيئ راوده،

وعلى كل ليلةٍ عاشها وهو يعتقد أن أخاه خان ثقته.

المال الذي ظنّه ضائعًا…

لم يكن ضائعًا أبدًا.

لقد تحوّل إلى أرضٍ تُنتج،

ومبنى يُؤمّن،

ومستقبلٍ ثابت.

لكن الأهم…

أن كل ذلك تحوّل إلى دليلٍ صامت على حبٍّ نادر، حبٍّ لا يُعلن عن نفسه، ولا يطلب مقابلًا، ولا ينتظر شكرًا أو تصفيقًا. حبٌّ عاش في الظل، واختار الصمت طريقًا، لأن غايته لم تكن أن يُرى، بل أن يحمي.

فالقصر الحقيقي لم يكن مبنى من إسمنت وحديد،

ولا بوابةً عالية،

ولا نوافذ تلمع تحت الشمس.

كان القصر الحقيقي قلبَ أخٍ أكبر،

قلبًا وسّع الصبر حتى آخره،

واحتمل المرض والتعب والحرمان،

وقبل أن ينام في أقسى الظروف،

فقط ليمنح شقيقه الأصغر حياةً كريمة،

وحلمًا لا يحتاج إلى غربة جديدة،

ولا إلى وداعٍ آخر عند بوابة مطار.








في ذلك اليوم، لم ينتظر أدريان لحظة واحدة.

لم يُفكّر، لم يُجادل، لم يحسب.

تحرّك بدافعٍ واحد فقط… الخوف على أخيه.

حمله بيديه كما تُحمل الأمانة،

وأخذه إلى أفضل مستشفى،

من دون أن يسأل عن التكلفة،

أو عن الأوراق،

أو عن الوقت.

جلس إلى جانبه ساعات طويلة،

يراقب أنفاسه،

ويُمسك بيده،

كما كان رامون يفعل معه حين كان طفلًا خائفًا من الظلام،

حين كان يقول له بصوتٍ مطمئن:

«لا تخف… أنا هنا».


وفي صمت تلك الغرفة البيضاء،

انقلبت الأدوار.

صار أدريان هو الحارس،

وصار رامون هو الذي يستند.

ووعده أدريان، لا أمام الناس،

بل أمام الله،

وأمام قلبه الذي تغيّر إلى الأبد:

أنه لن ينام على الأرض بعد اليوم،

ولن يعرف الجوع،

ولن يُهمل الألم،

ولن يُترك وحده،

مهما كانت الظروف.

في تلك الليلة، لم يمتلك أدريان قصرًا.

لم يمتلك صورة يتباهى بها،

ولا عنوانًا يعلّقه على بابٍ ضخم.

لكنه امتلك شيئًا أعظم بكثير…

امتلك الحقيقة.

حقيقة أن الثراء لا يُقاس بما نملك من جدران،

بل بمن يقف معنا حين تنهار الجدران.

امتلك أخًا

أثبت له أن أغلى ما يمكن أن يُبنى في هذه الحياة

ليس البيوت،

ولا الأبراج،

ولا القصور…

بل الوفاء.



تمت 

تعليقات

close