رسـالة المجـهولة كـاملة
رسـالة المجـهولة كـاملة
في اللحظة دي، حد رن على الباب. كلنا بصّنا لبعض. أحمد اتجمد.
—مستنيين حد؟ —همست.
منى نفت.
الجرس رن تاني بصوت أعلى. وبعدين صوت رجولي:
—الشرطة. افتحوا من فضلكم.
الموبايل كاد يقع من إيدي.
الهدوء ساد المكان.
الشرطة وقفت قدامنا. أحمد اتجمد لحظة، بعدين اتصرف بسرعة. جرى جمع أي قطع زجاج كبيرة من الأرض وحطها في الحوض، وعدل نفسه، وراح للباب. أنا وقفت على جنب، الموبايل في إيدي، سايبة التسجيل محفوظ.
في السلم كان فيه اتنين ظابط بالزى الرسمي، ورجل حواليه خمسين سنة، لابس جاكيت طويل ومسك ملف، وورّانا البطاقة.
—أنا المفتش رمزي —قال— أحمد حسام؟
أحمد حاول يبرر:
—إنتو غلطانين.
المفتش بصله بعين حادة:
—أوه؟ شكلك شبهه أوي.
بعدها بص عليا:
—إنتي سلمى علي؟
هززت راسي.
—جارنا لاحظ حاجة غريبة الصبح، حد سلملك ورقة وسابها وجري. أمه كانت قلقة لإنك ما ظهرتش في الجنازة، فجت للشرطة. وها احنا هنا.
بص المفتش تاني لأحمد:
—كنا بنراجع كل أوراق
الحادث، في حاجات مكنتش مظبوطة. دلوقتي لقيناه هنا، حي. تحب تشرح؟
أحمد اتنفس بعمق:
—عايز محامي.
وتم تقييده قدامنا. منى بكّت، ماسكة الحيطة. كله حصل بسرعة: تفتيش الشقة، أسئلة، وأخذهم للنيابة. أنا رحت في عربية تانية،
مع ظابطة أعطتني مياه، وما قدرتش أمسكها كويس.
في قسم الشرطة، المفتش رمزي سألني عن كل حاجة: رسائل، مكالمات، الملاحظات الصوتية. وريته التسجيل اللي عملته. سمعه بكل تركيز وقال:
—ده ذهب فعلاً… وخطر على حضرتك كمان. بقلم مني السيد
—خطر؟ —سألت، مرهقة.
—جوزك ما عملش كل ده لوحده، محتاج شبكة: التأمين، المحكمة، الدكتور… دلوقتي إنتي اللي في موقف ضعيف.
فكرت في الورقة. وريتها له:
—حد حبّب يشوفني هنا.
هو بص عليها وقال:
—مش خط أحمد ولا منى. هنحللها كمان.
الأسابيع اللي بعدها كانت ضبابية: تصريحات، محامين، نظرات مليانة غل. أحمد نفى كل حاجة الأول، بعدين حاول يلوم منى، وبعدها قال إن أنا مضطربة. منى بين دموعها
غيرت كلامها كذا مرة. العناوين كانت: "رجل الأعمال الميت اللي ظهر في السيدة زينب".
بعد أسبوعين، استدعوني من المستشفى: الدكتور اللي وقع عليه توقيع الوفاة، اللي أكد موت أحمد، انتحر من الطابق الرابع. ساب رسالة قصيرة: "مش قادر أكمل." المفتش رمزي قاللي بصوت واطي:
—حد دفعه، لو عايزة رأيي… رسميًا انتحار.
القضية اتعقدت أكتر، محامين، قضايا، تأجيلات. بعد ست شهور، أحمد حصل على الإفراج المؤقت. الحكم قال إنه مش هيفر، بس جواز السفر اتسحب. منى خرجت برضه، فيها شوية تهم.
في يوم، لما رجعت بيت جديد، لقيت ورقة تانية تحت الباب. نفس الشكل، نفس الطيّات، نفس الخط:
«بطل تحرك. مش عارفة بتتعامل مع مين.»
قالها بصوت مخنوق، ووشه أبيض زي الورقة اللي في إيدي.
الضحكة والأغنية كملت، وأنا واقفة حاسة إن الدنيا اتشقّت نصين تحت رجلي.
—تقدر تفسري؟ —سمعت صوت منى، بتحاول تبطل القميص وترتب نفسها.
أنا ما
كنتش حاسة برجلي. خطوت خطوة جوه الشقة من غير ما أحس، وكأني قاعدة من بره بجسم تاني. قفلت الباب ورايا بهدوء.
—تفسري؟ —سألت، بصوتي متقطع— إنت… —بصيت لأحمد— إنت ميت.
هو ابتلع ريقه. كان لابس نفس القميص اللي كان لابس يوم الحادث. فجأة كل حاجة بقت واضحة وبسيطة بشكل بشع.
—مش ميت —قال بهدوء—. آسف، سلمى. بقلم مني السيد
ضحكت ضحكة قصيرة وجافة، خافتني أكتر من أي كلام.
—آه، مش ميت؟ —رفعت الموبايل— يبقى مين اللي في النعش قدام المسجد؟
أحمد بصلي نظرة سريعة وحاسبة. الرجل اللي كنت أعرفه اختفى، وظهر قدامي شخص تاني.
—اقعدي، من فضلك —قال، مشيراً للكرسي—. هتقعي لو مكملتيش.
—مش هاقعد —رديت—. هنتكلم دلوقتي.
منى حاولت تقرب مني، بس خطوت خطوة لورا. كنت خايفة حد يلمسني. حسيت بحاجة باردة ورايا، وضغطت إيدي عليها.
—سلمى —بدأ أحمد بصوت هادي—. كان عندي ديون كتير. إنتي كنتي عارفة، بس مش لدرجة دي. الشغل كان بيغرقنا، لو ما عملتش حاجة، كنت هنغرق كلنا: إنتِ، منى، أمي…
—ما تجيبش ماما في الموضوع —قطعت عليه—. ولا تفكر.
اتنفس بعمق.
—بوليصة التأمين… إنتي المستفيدة. فلوس كتير. لو «مِت» في حادثة، كانت حل مثالي. مش هتخسري حاجة. بالعكس… هتكسبي.
—أكسب؟ —قلت وأنا بزفر— أنا في حداد على جثة ما شفتهاش، وقّعت أوراق، اتكلمت مع الشرطة، والتأمين… وانت هنا بتشرب عصير مع أختي؟ ده إيه يعني «كسب»؟
منى حاولت تقرب، بس سكوتها كان أبلغ من أي كلام.
—قد إيه انتو مع بعض؟ —سألت فجأة، وبصيت فيها.
منى رفعت عينيها. سكوتها كان أجابة.
—يا رب… —همست— جوزي وأختي.
العالم اتقلب. حاولت أتنفس بهدوء، بس الورقة في إيدي لسه، مفتوحة على الطاولة.
أحمد بص عليها بعينين ضاغطات.
—إيه ده؟
—ده—قلت— «ما تروحيش جنازة
جوزِك… روحي بيت أختِك. هناك هتشوفي كل حاجة.» مين كتبه؟
منى نفت راسها.
—أنا مش اللي كتبته.
—ولا أنا —قال أحمد—. مش غبي كده.
رد فعلهم كان سريع أوي عشان يتظاهروا. في حاجة غلط. كان فيه حد تاني عارف الحقيقة.
خطوت خطوة لورا على الحيط. فتحت تسجيل صوت بالموبايل وبديت أسجل.
—وجثة مين؟ —سألت.
أحمد تلعثم.
—حادث حقيقي… واحد مات الليلة دي. الدكتور ساعدنا… كله متظبط.
—«ساعدنا» —رديت— على حساب إيه؟
—فلوس، سلمى. كتير. إنت مش صغيرة.
الضوء في الشارع، صوت الموتوسيكل، الدنيا مستمرة، كأن مفيش حاجة.
أحمد قرب مني، إيده مرفوعة.
—اسمعيني —قال— دلوقتي، إنتي الأرملة المثالية، رايحة
الجنازة، محدش عارف إنك هنا. نقدر نحل الموضوع…
—نقدر تعملوا إيه؟ —قطعته— تكملوا تمثلوا إني في حداد وإنت نايم مع أختي؟
وريته للمفتش رمزي. هو تنهد:
—جوزك وراه ناس قوية جدًا. لو مكملتش بحذر، ممكن تصيبك حاجة أسوأ منه.
—أسوأ منه؟ —سألت. أنا اللي مش بنام.
بص لي طويلاً:
—صح. بس العدالة مش دايمًا تمشي زي الأفلام. أوقات اللي عنده القوة هو اللي يكسب، مش اللي عنده الحق.
بعد سنة من "الحادث"، القضية لسه مفتوحة. أحمد ساكن في حتة تانية مع منى. أنا غيرت شغلي وبيتي وكل حاجة، بس كنت حاسة إنهم بيراقبوني. كل عربية تقلل السرعة جنبي كنت بمسك قلبي.
وفي ليلة فبراير، وانا ماشي
في شارع ضلمة في شبرا، سمعت صوت موتور، شفت عربية بتجري بسرعة. حاولت أجرى على جنب، بس لسه اتضربت في رجلي. وأنا على الأرض، حسيت بعينيه المعروفة ورا الزجاج.
الشرطة قالت إن السائق هرب وما لقوهش. الملف اتقفل رسميًا.
بعد شهور، في ترّاسة في الإسكندرية، شخصان بيحتفلوا بشروق الشمس. راجل ونضّارة شمس، وبنت فستان أبيض، اساميهم كانت "رامي" و"ليلى" قدام الناس. ماسكين كوبايات نبيذ.
—نبتدي من جديد —قال هو.
—نبتدي من جديد —ردت هي مبتسمة.
وفي شنطهم، الورقة القديمة، مطوية أربع مرات، زي ما كانت، بنفس الخط الغامض.
حد عمره ما عرف مين كتبها ولا ليه.
النهاية


تعليقات
إرسال تعليق