تمـن العربية..
تمـن العربية..
"خلي مراتك تبيع عربيتها وتديني تمنها."
قالتها "سميحة" لابنها "كريم" بنبرة حاسمة، كأنها بتصدر حكم مش بتطلب طلب. كانت واقفة في صالة شقتها القديمة في شبرا، حاطة إيديها في وسطها، وبتبصله بنظرة تقيلة خلت كريم يحس إنه عيل صغير بيتحاسب على غلطة معملهاش.
كريم اتحرك بتوتر، قعد على طرف الكنبة وقال بصوت مخنوق: "يا أمي.. أقولها إيه بس؟ العربية دي تعب عمرها، قعدت تحوش تمنها 3 سنين من مرتبها ومن مكافآت الشغل عشان تشتريها قبل ما نتجوز حتى. دي الحاجة الوحيدة اللي بتحسسها إنها أنجزت في حياتها."
سميحة رفعت حاجبها بسخرية وقالت بحدة: "وتقولها زي ما أنا بقولك. إنت راجل ولا إيه؟ بقيت بتمشي ورا كلام مراتك؟ بص لجوز بنت خالتك، شايل حماته فوق راسه، لما احتاجت فلوس باع أرضه في البلد عشان خاطرها. وإنت؟ أنا لما احتاجت أعمل طقم أسنان، الكل عمل نفسه مش سامع! أنا ولدت وربيت عشان في الآخر ابن "ندى" يجي يديلي ظهره؟"
كريم اتنهد وهو واقف عند الباب، كان شغال في محل غسيل وكي ملابس في الزمالك، بيشوف كل يوم "بلاوي" الناس وأسرارهم اللي بتطلع في بقع الهدوم، بيعرف يشيل بقع صعبة والدهون .. بس قدام أمه كان بيحس إنه ضعيف، مش عارف يغسل "السموم" اللي بتبثها في دماغه.
قال بضعف: "حاضر يا أمي.. هكلمها.. بس مش ضامن."
سميحة ضحكت ضحكة صفرا وقالت: "ندى صعبة؟ الست المفروض تبقى لينة وتسمع كلام جوزها.
لو هي عنيدة، يبقى إنت اللي بوظتها بدلعك ده، خليك راجل مرة واحدة في حياتك!" بقلم منال علي
لما كريم رجع البيت، كانت ندى قاعدة قدام اللابتوب بتاعها، مندمجة في أبحاثها عن تصنيع البلورات الكيميائية. كانت هادية جداً، عكس العاصفة اللي جوه كريم.
قالت من غير ما تبصله: "اتأخرت يا كريم.. الأكل على البوتاجاز."
كريم دخل المطبخ وخبط الأطباق ببعضها بعصبية، صوت الخبطة خلى ندى تقفل اللابتوب وتدخل وراه: "في إيه؟ شكلك مش طبيعي، حصل إيه عند والدتك؟"
قال وهو بيبص لها بعينين بتلمع بالتوتر: "أمي عندها مشكلة كبيرة قوي.. محتاجة فلوس ضروري."
ندى اتنهدت وهي بتحط إيديها على خصرها: "تاني؟ الأسبوع اللي فات كانت عايزة فلوس للتلفزيون الجديد، واللي قبله كانت عايزة تغير عفش الصالون.. أنا بشتغل ليل ونهار يا كريم عشان نبني مستقبلنا، مش عشان نصرف على نزوات حد. متوفره على روايات واقتباسات
كريم اتجاهل كلامها وقال: "السقف في المصيف بيخر، ومحتاجة علاج لأسنانها.. المبلغ كبير."
ندى سكتت شوية، عينيها بدأت تقرأ ملامح كريم المترددة، ولما قال الرقم، ندى اتصدمت: "ده مبلغ ضخم! إحنا معندناش السيولة دي يا كريم."
سكت كريم لحظة، والشيطان وسوس له، فقال بصوت واطي: "موجودة.. لو بعتي عربيتك."
ندى اتجمدت في مكانها، الصمت خيم على المطبخ لدرجة إنهم كانوا سامعين صوت الثلاجة. قالت بهدوء مرعب: "إنت بتتكلم بجد؟ العربية
دي كانت الحلم الوحيد اللي حققته لنفسي."
رد كريم بعصبية مصطنعة: "آه بجد! العربية مركونة تحت البيت ومبتتحركش، وأمي أولى بكل قرش في بيتنا."
ندى بصتله بتركيز وقالت: "أبيع عربيتي عشان أمك تصلح مصيف عمرها ما رحبت بيا فيه؟ ولا عشان خاطر الناس اللي بتضرب بيهم المثل؟ جوز بنت خالتك اللي بتشكر فيه، مراته باعت دهبها عشان أمه، وفي الآخر اتجوز عليها لأنها "مبقتش قادرة تجيب له فلوس". أنا مش هكون الضحية الجاية."
كريم فقد أعصابه وصرخ: "إنتِ أنانية ومادية!"، وبعدين كمل بتهديد خفي: "لو مبعتيش العربية، أنا مش مسؤول عن اللي هيحصل لك.. المنطقة هنا مابقتش أمان، والعربية ممكن تتسرق أو تتخبط في أي لحظة."
ندى بصتله طويلاً، كانت بتبص له كأنه غريب عنها لأول مرة. وفي اللحظة دي، مات في قلبها أي ذرة احترام ليه. قالت بهدوء مريب: "تمام.. هبيع العربية، بس كل حاجة في الدنيا ليها تمن يا كريم."
عدت 3 أيام.. ندى كانت بتتحرك في البيت زي التعبان اللي بيحضر ضربته. حطت رزمة فلوس على الترابيزة. كريم عينه لمعت زي طفل شاف لعبة جديدة، مد إيده عشان ياخد الفلوس، بس ندى حطت إيديها بسرعة فوقها وقالت: "استنى.. هتمضي على الورقة دي."
سأل بدهشة: "إيه ده؟"
قالت ببرود: "إقرار إن الفلوس دي من ممتلكاتي الشخصية، وإنك بعد ما تاخدها بتتنازل عن أي حق مادي عندي، لا في الشقة اللي باسمي، ولا في أي حاجة تانية.
. إمضي أو الفلوس هترجع حسابي."
الطمع أعماه، فكر إنها خايفة ومجبرة، فمضى وهو بيضحك في سره. خد الفلوس وطلع يجري لأمه كأنه كسبان العالم.
في بيت أمه، سميحة عدت الفلوس وهي طايرة من الفرحة.
قالها: "هتصلحي السقف بقى؟"
قالت ببساطة: "لا.. أم خالد عليها دين كبير، هديلها الفلوس تسده عشان تبيض وشنا قدام الناس."
كريم اتجمد في مكانه: "يعني بعت عربية مراتي.. عشان تسدي دين واحدة تانية؟!"
ردت ببرود: "إحنا عيلة واحدة يا ابني.. والفلوس بتروح وتيجي!"
تاني يوم، كريم راح الشغل، لقى العمال بيشيلوا الأجهزة.
صرخ في المدير: "في إيه؟!"
المدير قاله: "المحل اتباع، والمالك الجديد لغى العقد، وأنا مستقبلي ضاع بسببه."
سأل: "مين المالك؟"
المدير اداله الورقة، كان مكتوب فيها اسم **"ندى محمود"**.
كريم جري على البيت، بس المفتاح مفتحش. الباب اتفتح، ولقى عمال نقل عفش، وندى واقفة لابسة لبس خروج شيك، شايلة شنطة سفر.
بصتله ببرود وقالت: "الشقة باسمي، والمحل أنا اشتريته من فترة طويلة، واليوم ده كنت مستنياه عشان أخلص منك ومن سمومك."
كريم قال بانهيار: "طب أعيش فين؟"
ندى ابتسمت ابتسامة باردة: "روح عند أمك.. هي اللي خدت الفلوس، وهي اللي استمتعت بيها. سلام يا كريم."
وقف كريم على السلم بشنطة هدومه، من غير بيت، من غير شغل، ومن غير زوجة اللي كانت هي السند الوحيد ليه. ندى ركبت عربيتها الجديدة ومشيت، وهي عارفة إنها أخيراً
نضفت حياتها من أكبر غلطة عملتها.. "الثقة في شخص رخيص".


تعليقات
إرسال تعليق