القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

بعت أكل في الشارع 20 سنة… وفي حفل ابني وقفت شركة كاملة على رجليها بسببي!

 بعت أكل في الشارع 20 سنة… وفي حفل ابني وقفت شركة كاملة على رجليها بسببي!



بعت أكل في الشارع 20 سنة… وفي حفل ابني وقفت شركة كاملة على رجليها بسببي!

 

وقفَت القاعة بأكملها على أقدامها.

وقفَت كاملة.

ليس قليلًا.

ولا مجاملةً.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

بل نهضت دفعةً واحدة، كأن تيارًا خفيًا مرّ من مقعد إلى آخر حتى جعل الجميع يصفّقون أمامي. أمّا أنا فبقيتُ ملتصقةً بالمقعد، ويداي باردتان فوق الحقيبة، والصورة القديمة لا تزال ضخمة على الشاشة. هناك كان كشك بيع الطعام، والقماش الأزرق، والقدر المائل، ومئزري المزهر وسباستيان نحيلًا، جادًا، يحتضن خصري بوجه طفلٍ فهم مبكرًا أن الحياة لا تمنح شيئًا.

أمّي كرّر من فوق المنصّة، بصوتٍ مكسور رغم محاولته الابتسام لا تختبئي بعد الآن.

لم أعرف كيف وقفتُ.

شعرتُ أن ساقيّ لا تستجيبان كما كانتا حين كنتُ أحمل القدر الكبير، لكن شيئًا أقوى من التعب دفعني إلى الأمام. أشار إليّ أحد المنظمين بإيماءة لطيفة. كانت الأضواء تضرب وجهي، والتصفيق لا يزال مستمرًا. وهناك، وسط ذلك المسرح المليء بالزهور الفاخرة والبدلات الداكنة كان ابني.

ابني.

يرتدي بدلة زرقاء داكنة أنيقة، ظهره مستقيم، شعره مصفف إلى الخلف، وثقة جديدة لم أعرفها فيه إلا في أيام الامتحانات المهمة. لكن عينيه كانتا كما هما تلك العينان الجادتان اللتان تلينان قليلًا حين تراني متعبة.

صعدتُ الدرج ببطء.

وعندما وصلتُ إليه، ترك المنصّة، واتجه نحوي واحتضنني.

ليس كما يحتضن الرجال في تلك الأماكن.

لا.

بل كما يحتضن طفلٌ كان يتمسك بمئزري حين يخاف الظلام. بقوة. بلا خجل. دون أن يلتفت إلى المديرين أو المستثمرين أو البدلات ولا إلى أي شيء. عندها انفجرتُ بالبكاء.

ليس بكاءً قبيحًا.

بل عميقًا.

بكاءً خرج من أعماق


عشرين عامًا من الشمس، ومن الفجر، ومن أصابع احترقت بالعجين، ومن ركب متورمة، ومن حسابات دُفعت بعملات صغيرة ملفوفة في منديل.

شعرتُ أنه يرتجف أيضًا.

سامحيني لأنني لم أخبركِ من قبل همس في أذني.

ابتعدتُ قليلًا لأنظر إليه.

أخبرني بماذا يا بني؟ هل أردتَ أن تُفزعني حتى تخرج روحي؟

ضحك بعض الحاضرين برقة، وضحك هو أيضًا ضحكة قصيرة مبللة بالدموع.

ثم أمسك بيدي وقادني إلى وسط المنصّة.

سيداتي سادتي قال عبر الميكروفون قبل أن أقبل هذا المنصب، عليّ أن أفعل الشيء الوحيد الذي يهمّ حقًا اليوم.

تغيّرت الشاشات مرة أخرى.

ظهرت صور لم أكن أعلم بوجودها. سباستيان طفلًا، جالسًا على دلو مقلوب ينجز واجبه بجانب الكشك. سباستيان مراهقًا يحمل قدر الشراب. سباستيان بزيّه المدرسي، نائمًا فوق دفتره بينما كنتُ ألفّ الطعام عند منتصف الليل. ثم صورة ليديّ فقط يديّ، متجعدتين، عريضتي المفاصل، وعلى إبهامي أثر حرق قديم.

ساد الصمت في القاعة.

الجميع يسألني كيف وصلتُ إلى هنا في هذا العمر قال يتحدثون عن الاستراتيجية، والقيادة، والرؤية، والانضباط. نعم، تعلّمتُ بعض ذلك في الدراسة والعمل. لكن أول ما تعلّمته كان على الرصيف، وأنا أرى امرأة تبيع الطعام قبل الفجر، دون أن تسمح لي يومًا أن أظن أن الفقر عار.

أطبقتُ شفتيّ.

لو فتحتُ فمي لبكيتُ كطفلة.

عندما رحل والدي تابع لم ترث أمي شركةً ولا منزلًا ولا علاقات. ورثت ديونًا، وطفلًا، وشارعًا كاد يبتلعها. ومع ذلك، لم تعلّمني أن أكره الحياة، بل أن أعملها. أن أحترم. أن ألتزم. أن أصل نظيفًا، حتى لو خرجتُ

من الدخان والسوق.

عاد التصفيق، أقوى.

كنتُ أنظر إلى الناس ولا أفهم لماذا يقف كل هؤلاء المهمّين من أجلي.

شدّ سباستيان على يدي أكثر.

كثيرون يظنون أنني أصبحتُ مديرًا عامًا لأن المجلس صوّت لي، أو لأن المؤسس وثق بي، أو لأن الأرقام تؤيدني. الحقيقة مختلفة. أنا هنا لأن امرأة تفوح منها رائحة القرفة والعجين علّمتني أن الكرامة لا ترتبط ببداية الطريق.

ثم اقترب الرجل الوقور الذي تحدث أولًا، وأعطاني منديلًا أبيض، وقال أمام الجميع

السيدة إلينا، لقد حدّثنا ابنكِ عنكِ سنوات لكنه لم يفِكِ حقك.

لم أعرف ماذا أقول. اكتفيتُ بالإيماء، فقد عقدت الكلمات في حلقي.

تنفّس سباستيان بعمق.

قبل ستة أشهر عُرض عليّ هذا المنصب. وأول ما طلبته أن أحضر أمي يوم الإعلان لا كضيفة، ولا كأم المدير، بل كجزء من السبب الذي يجعل هذه الشركة تؤمن بي.

ثم أشار إلى الصف الأول.

لذلك لم يكن ذلك المقعد لزائرة بل للشخص الذي يملك السلطة الأكبر في قصتي.

خفضتُ رأسي، خجلًا وسعادةً في آنٍ واحد.

لكنه لم ينتهِ بعد.

وهناك أمر آخر قال، وقد صار صوته أكثر قربًا كانت أمي تظن أنني مجرد موظف بسيط. تركتُها تظن ذلك لأمنحها هذه اللحظة كاملة لكنني تعبتُ من رؤيتها تعود بالحافلة ويداها متشققتان، بينما أوقّع أنا العقود في مكاتب مكيّفة.

التفتُّ إليه فورًا.

لا تبدأ يا سباستيان.

ضحك الحضور، لكنه هزّ رأسه.

لا يا أمي. اليوم دوري أنا في الكلام.

أخرج من جيبه ظرفًا بلون كريمي.

لم يعجبني.

الظروف لا تحمل أمورًا صغيرة.

هذا قال ليس صدقة، ولا ثمنًا، ولا محاولة لإخراج أمي من

الفقر. هذا حق متأخر.

نظر إليّ مباشرة.

قبل ثلاثة أشهر اشتريتُ محلًا صغيرًا قرب السوق، لكنه داخل مكان مناسب، فيه مطبخ حقيقي وتصاريح قانونية ومساحة للجلوس. تم تجهيزه بالكامل. فيه قدر جديد، وموقد صناعي، ولوحة باسمك.

بدأتُ أرفض قبل أن ينهي كلامه.

لا يا بني، لا هذا مكلف جدًا.

لكنه تابع

اسمه طعام إلينا.

انفجرت القاعة تصفيقًا.

بكيتُ دون أن أحاول إخفاء ذلك.

لا أريدك أن تتوقفي عن العمل إن لم تريدي قال لكنني لا أريدك بعد اليوم تحت الشمس، ولا في الدخان. أريدك أن تعملي تحت سقف، وأن يأخذ الناس طعامك وهم يعرفون اسمك.

شعرتُ بأن ساقيّ تخونانني.

أنا لا أعرف إدارة محل كهذا.

بل تعرفين قال لقد فعلتِ ذلك عشرين عامًا، بنصف ما تستحقين.

أخذ الرجل الوقور الميكروفون

وبقرار من مجلس الإدارة، ستدعم الشركة السنة الأولى من تشغيل المشروع تقديرًا لما تمثّله السيدة إلينا من صبرٍ وأخلاق.

لم أفهم كل الكلمات

لكنني فهمتُ شيئًا واحدًا فقط.

أن ابني أعاد لي تعبي على هيئة كرامة.

ليس مالًا.

ولا محلًا.

ولا تصفيقًا.

بل كرامة.

تلك التي كانت تتسرّب مني كل صباح، وأنا أقف على الرصيف قبل أن تشرق الشمس، أرتّب الأكياس، وأمسح البخار عن وجهي، وأتظاهر أمام الناس أن التعب لا يسكن عظامي.

ثم وقفت امرأة من الصف الرابع.

لم أكن قد انتبهت لها من قبل، لكنها بدت واثقة، أنيقة، من تلك النساء اللواتي تعتقد أنهن وُلدن وهنّ يعرفن طريقهن. ابتسمت لي ابتسامة مختلفة، ليست من باب المجاملة، بل كأنها تعرفني منذ زمن.

وقالت بصوت واضح

أنا أتناول هذا الطعام منذ سنوات في اجتماعات المجلس دون أن أعرف أنه من صنعكِ.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

ثم نظرت إلى سباستيان وأضافت

كان يحضره كل

 

ديسمبر، ويقول دائمًا هذه أفضل طاهية أعرفها.

ضحك الجميع.

لكن ضحكهم هذه المرة لم يكن مثل السابق.

كان أخفّ أقرب كأنهم لم يعودوا يرونني غريبة بينهم.

نظرتُ إلى ابني بدهشة حقيقية.

إذًا كنتَ تفخر بطعامي؟

كنت أسأله وكأنني أكتشف سرًا ظلّ مخفيًا سنوات.

ابتسم تلك الابتسامة التي أعرفها، ابتسامة طفل يحاول أن يبدو أكبر من فرحته.

دائمًا

ثم أضاف وهو يقترب أكثر

لكن اليوم حان الوقت أن أفخر أيضًا بصاحبته.

شعرتُ بشيء ينكسر داخلي.

لا

ليس انكسار ضعف.

بل انكسار ذلك الحاجز الذي ظلّ بيني وبين نفسي لسنوات ذلك الصوت الذي كان يقول لي أنتِ فقط امرأة تبيع الطعام في الشارع.

رفعتُ يديّ إلى وجهي.

ليس خجلًا.

بل حتى لا أذوب أمامهم.

حتى لا أتحول إلى بكاءٍ لا يتوقف.

حتى لا يروا كيف أن كل تلك السنوات كانت تنتظر هذه اللحظة فقط.

وفي تلك اللحظة، عاد إليّ مشهد قديم.

ليلٌ بارد.

مصباحٌ ضعيف.

وسباستيان في السادسة عشرة، نصف نائم، يربط أكياس الشراب بيدين مرتجفتين من التعب.

كنتُ قد قلت له يومها

لا تشغل

بالك بي. أنت فقط ادرس أنت لم تُخلق لهذا الشارع.

لم ينظر إليّ.

لكنه قال بصوتٍ منخفض، وكأنه يحدّث نفسه

ربما لم أُخلق لهذا الشارع لكنني أيضًا لم أُخلق لأنسى من أوصلني إلى أي مكان.

حينها لم أفهم عمق كلماته.

أما الآن

فقد فهمت.

كان يفي بوعدٍ قديم دون أن يذكّرني به.

انتهى الحفل أو ربما استمر، لا أعلم.

كل شيء بعد ذلك صار كأنه حلم بطيء.

الناس بدأوا بالنزول من المقاعد.

الأصوات اختلطت.

التصفيق صار بعيدًا كأنه يأتي من مكان آخر.

لكن ما لم أتوقعه

أن كثيرين لم يتجهوا إليه أولًا.

بل إليّ.

رجال ببدلات رسمية

نساء بعطور فاخرة

أيدٍ تمتد نحوي واحدة تلو الأخرى.

شكرًا لكِ.

لقد صنعتِ رجلًا عظيمًا.

هذا فخر لنا جميعًا.

كنتُ أبتسم ابتسامة غير مرتبة.

لا أعرف أين أنظر.

ولا ماذا أقول.

ووسط كل ذلك

كانت رائحة القرفة ما تزال في أصابعي.

كأنها ترفض أن تغادرني.

كأنها تقول لي هذا أنتِ لا تنسي.

اقتربت مني فتاة شابة من فريق التنظيم.

كانت تمسك جهازًا صغيرًا، لكن عينيها لم تكونا تنظران إليه.

كانت

تنظر إليّ.

وقالت بصوت منخفض

أمي أيضًا تعمل في الشارع

ثم ترددت قليلًا قبل أن تكمل

رؤيتكِ هنا لا أعرف جعلتني أشعر بشيء مختلف.

ابتسمتُ لها.

ابتسامة هذه المرة خرجت من قلبي.

وقلت لها

إذًا تعالي نلتقط صورة جميلة حتى نريها لوالدتكِ.

ضحكت.

ضحكت بصدق.

وللمرة الأولى شعرت أنني لا أقف بينهم كغريبة.

بل كواحدة منهم وربما أكثر.

بعد فترة، وجدنا أنفسنا وحدنا في ممر جانبي.

هدأت الأصوات.

خفّ الضوء.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

وعاد كل شيء إلى حجمه الطبيعي.

فكّ سباستيان ربطة عنقه

وتحوّل فجأة

من المدير العام

إلى ابني.

ابني فقط.

نظر إليّ وقال

هل أنتِ غاضبة؟

نظرتُ إليه طويلًا.

ليس لأفكّر في الإجابة

بل لأتأمّل هذا الوجه الذي كبر أمامي دون أن أنتبه.

ثم مددتُ يدي وعدّلتُ ياقة سترته.

كالعادة.

دائمًا تبقى جهة صغيرة فيها مائلة.

أنا متأثرة

قلت بهدوء

لأنك أخفيت عني كل هذا.

ضحك.

لكن ضحكته لم تكن خفيفة.

كان فيها شيء من الاعتراف.

كنتُ خائفًا

ثم أكمل بصراحة

خائفًا ألا تأتي.

هنا

فهمت.

فهمت أن كل هذا

لم يكن فقط مفاجأة.

كان

أيضًا خوفًا قديمًا

خوف طفلٍ من أن ترفضه أمه لأنها لا ترى نفسها في مكانه.

أمسكتُ وجهه بكلتا يديّ.

اسمعني جيدًا يا سباستيان

أنا قد أكون تعلّمت أن أحلم بصوت منخفض

لكنني لم أخجل منك يومًا.

تجمّدت عيناه للحظة.

ثم امتلأتا بالدموع.

نعم يا أمي.

وهناك أمر آخر

ماذا؟

هذا المحل سنعمل فيه جيدًا.

ثم رفعت حاجبيّ

لكن لا تظن أنك ستفلت من العمل معي.

ضحك.

ضحك من قلبه.

مستحيل.

خرجنا من المبنى معًا.

وكان الهواء في الخارج

مختلفًا.

ليس لأنه أنقى.

ولا لأنه أجمل.

بل لأنني لم أعد نفس المرأة التي دخلت قبل ساعات.

كان هناك شيء

بقي في الداخل.

شيء قديم متعب

لم يعد يصلح للمستقبل.

فتح لي باب السيارة.

ثم أشار إلى أعلى المبنى.

هل ترين تلك النافذة في الأعلى؟

رفعت رأسي.

نعم.

تلك مكتبي.

نظرتُ إليه.

ثم ابتسمت.

ابتسامة فيها كل التعب الذي تحوّل أخيرًا إلى نور.

وقلت

جميل يا بني

لكن غدًا، في الخامسة صباحًا ستكون معي لتحضير الصلصة.

اتّسعت عيناه.

ثم انفجر ضاحكًا.

حتى أنا؟

حتى أنت.

ثم أضفتُ وأنا أضع يدي على كتفه

مهما أصبحت

لا تنسَ أنك من آل فارغاس.

ضحك

لكن هذه المرة

ضحك كما كان يفعل قديمًا

حين كان يقف بجانبي

قرب البخار

وقبل أن يعرف العالم اسمه.

 

تعليقات

close