القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سكريبت ورث امي كاملة بقلم نرمين همام حصريه

 سكريبت ورث امي كاملة بقلم نرمين همام حصريه 




سكريبت ورث امي كاملة بقلم نرمين همام حصريه 


تخيل إن أُمك تعدّي نص عمرها واقفة على حيلها في مطبخ مطعمها الصغير، تعرق وتتعب عشان تسيبلك في الآخر لقمة حلال وبيت يطمنك ويسترك، وبعد ما تدفنيها بسة شهور، تروحي تفتحي باب بيتها، تلاقي حماتك واقفة جوة بتختار الأوضة الماستر، وجوزك نازل تقسيم في الأوض على إخواته وكأنك موتي واندفنتي معاها!


ال قصة مش مجرد حكاية ورث، دي شرارة وولعت في العيلة كلها.. تعالي وشوفي اللي حصل في الجزء الأول!


«مين إداكم الحق تقسموا بيتي وتوزعوا أوضه وكأني مش موجودة أساساً؟»


صوتي خرج هادي.. هادي زيادة عن اللزوم، لدرجة إن البواب العجوز اللي واقف على البوابة وطّى عينه في الأرض وما قدرش يحط عينه في عيني.


أنا اسمي ندى، عندي 34 سنة، وممرضة في مستشفى حكيم. ومن ست شهور بس، دفنت أمي الحجة فاطمة، الست الطيبة اللي قضت نص عمرها واقفة على رجليها في مطعم الفول والطعمية الصغير بتاعها في وسط البلد، عشان تسيبلي في الآخر حاجة تسندني وأعيش بيها مستورة.


أمي ما سابتليش قرشين في البنك وبس.. دي سابتلي بيت ورثته عن أبوها، بيت دورين بجنينة صغيرة على أطراف المعادي، وسابتلي وصية عمري في حياتي ما نسيتها ولا هنسى كلماتها:


«يا بنتي، أول ما الناس تعرف إن تحت إيدك حاجة أو حيلتك قرشين، مش هيستأذنوكي قبل ما يمدوا إيديهم وياخدوها.. هيجربوا الأول يشوفوا هنسكتي لحد فين، ولو سكتِ.. بكرة ياكلوا لقتك!»


يوم السبت ده.. كان أول يوم أروح أفتح فيه البيت وأنا صاحبته الرسمية الشرعية. المفاتيح الحديد في إيدي بصلابتها، وفي إيدي التانية ملف بيج فيه إعلام الوراثة وعقود الملكية المسجلة في الشهر العقاري، وكنت حاسة في كل خطوة إن روح أمي ماشية جنبي وبتسندني.



كنت فاكرة إن جوزي، طارق، اللي متجوزاه بقالي خمس سنين وشايلة عيبه وصابرة على قلة حيلته، هيمسك إيدي بحنية ويمشي معايا، وهندخل البيت سوا في هدوء.. ويمكن أعيط وأنا بشوف الجنينة والشبابيك اللي أمي الله يرحمها ما لحقتش تفرح بيها ولا تقعد فيها.


بس أنا كنت مغفلة وساذجة لأقصى درجة!


أول ما وصلت الشارع ونزلت من عربيتي، لقيت تلات عربيات مركونين صف تاني قدام باب البيت بالظبط: عربية حماتي الحاجة صفية، وعربية أخو جوزي الشقي إبراهيم، وعربية أخته المفسدانية شيماء.. وابن شيماء الصغير واقف بيخبط برجليه المبلولة تراب وطين في كاوتش عربيتي القديمة بكل قلة أدب!


أول واحدة جريت عليا وفتحت دراعاتها كانت حماتي صفية.. لابسة عباية شيك ونظارة شمس مغطية نص وشها، وماسكة شنطة جلد زفرة، وبتبتسم الابتسامة الصفرا إياها.. الابتسامة اللي بتحضنك بيها وهي بتحسب في سرها هتاخد منك إيه وتعرّيكي إزاي!


قالت بلهفة وشهوتها للبيت باينة في عينيها:


– «أخيراً وصلتي يا ندى! هاتي المفاتيح من إيدك يلا بسرعة عشان ندخل ونشوف كل واحد وياخد أنهي أوضة ويستقر!»


سحبت إيدي لورا بكل قوة وثبات، وبصيت في عينيها وقُلت ببرود يقطع العرق والدف:


– «أنا اللي هفتح بيتي بنفسي يا خالتي.. والمفاتيح دي ما تطلعش من إيدي.»


تفتكروا طارق وجوزها وحماتها هيعملوا إيه لما يكتشفوا إن ندى مش الست الطيبة الغلبانة اللي كانوا بيمشوها بكلمة؟


ابتسامتها الصفرا اختفت في ثانية، وهدى أخته ضحكت بسخرية وقالت وهي بتقل بعينيها:


– «يا بنتي بلاش دراما بقى وشغل أفلام! إحنا بقينا أهل وعيلة واحدة خلاص.»


في اللحظة دي ظهر طارق جوزي من وراهم، وكان مبتسم ووشه ينور كأنه عامل مفاجأة حلوة ومستني حد يشكره عليها!




قال وهو بيمد إيده يربت على كتفي:


– «يا حبيبتي جبتهم كلهم مرة واحدة عشان يشوفوا البيت بدال ما ندوخ ونيجي كذا مرة على الفاضي.»


ما رديتش عليه.. ولا كلمة.. لسه التلج ساكن في عروقي.


مديت إيدي وحطيت المفتاح الحديد في الباب، وفتحت.


أول ما باب البيت اتفتح، دخلوا كلهم يجروا كأنهم داخلين أوكازيون ولا سوق الجمعة وكل واحد عايز يلحق النسايب!


– «يا نهار أبيض على العز!»


إبراهيم أخو جوزي صاح وهو واقف في الصالة وبيصفر:


– «ده بيت بجد مش أي كلام يا طارق! طلعت محظوظ يا ابن المحظوظة!»


شياطين هدى أخته رمت نفسها على الكنبة العاجي الشيك اللي أمي كانت جايباها جدبد ، وكانت لسه متغطية بالبلاستيك بتاعها عشان تحافظ عليها.. وابنها الصغير القليل الأدب طلع بكتشيه المليان طين فوق الكنبة وابتدى ينط ويفرك!


قلت بحدة وصوت ناشف هز الصالة:


– «نزلي الواد ده من فوق الكنبة حالاً!»


طارق ضحك ببرود وقال:


– «سيبيه يا ندى ده عيل صغير بيلعب، كبري عقلك يا شيخة!»


بصيت له في عينيه.. كان يا إما مش فاهم المصيبة اللي بيعملها، يا إما عاملي فيها هفأ ومكبر دماغه.


أما حماتي الحاجة صفية، فما ضيعتش ثانية واحدة! دخلت جراي على الأوضة الماستر الرئيسية، فتحت الدولاب الكبير، ولمست الحيطة بأيديها، وقعدت على المرتبة ونهدت بمنتهى الثقة وقالت:


– «الأوضة دي تلزمني وعليها إيدي.. خلاص أنا كبرت ورجليا وجعاني على طلوع ونزول السلم كل شوية!»


طارق قال بتمتمة:


– «يا ماما دي الأوضة الرئيسية بتاعة البيت..»


ارتحت ثانية.. ثانية واحدة بس!


لأنه كمل بكل ندالة:


– «بس فوق فيه أوضة حلوة ببلكونة وشمسها جميلة يمكن تعجبك أكتر وتريحك!»



حسيت إن الدم اتجمد في عروقي ووقف. طلعت فوق وعيني بتغلي.


لقيت إبراهيم أخوه ومراته بيختلفوا بصوت عالي هيحطوا سرير البنات فين! مراته قالت بلؤم:


– «الأوضة دي بحري ونورها حلو أوي، البنات هيحبوا يعيشوا هنا ويكبروا فيها.»


وقفت في مكاني وقلت بنبرة تقطر سم:


– «لما تيجوا تعيشوا هنا؟! هو مين ده اللي هيجي يعيش هنا؟!»


ولا حد عبرني ولا حد رد.. لأنهم أصلًا ما كانوش ناويين يستأذنوا ولا حاطين لي أي وزن!


في الجنينة الخلفية، حمايا الحاج فتحي كان واقف بيبص على المساحة الخضرا والأشجار وقال وهو بيمصمص شفايفه:


– «حفلات الشوي هنا هتبقى خرافة كل يوم جمعة، العيلة كلها هتيجي تتجمع هنا!»


كل حاجة كانت متخططة ومتقسمة بالمليم.. الأوض، الجنينة، الغرف، حتى أيام التجمع والعزايم! الوحيدة اللي محدش حسب حسابها ولا حط لها وزن في البيت ده.. كانت أنا!


طارق جه وقف جنبي، وحط إيده على كتفي كأنه بيطبطب عليا وقال:


– «بصي بقى يا ستي، أنا فكرت في كل حاجة عشان نريح الكل.. بابا وماما ياخدوا الأوضة الماستر تحت عشان صحته. وإبراهيم ومراته ياخدوا الأوضتين اللي ورا. وهدى تنزل أوضة الضيوف لما تتخانق مع جوزها وتيجي تقعد عندنا.. وإحنا بقى نحول المكتب الصغير اللي جوة لأوضة نوم لينا!»


بصيت له بذهول وعدم تصديق، وقلت بصوت مش طالع:


– «المكتب؟! نحول المكتب أوضة لينا في بيت أمي؟!»


رد ببرود:


– «آه هو صغير شوية، بس إحنا أصلًا بنقضي طول اليوم في الشغل ومش بنقعد في البيت كتير!»


زقيت إيده بعيد عني بكل قوتي وقُلت:


– «وإنت أمتى إن شاء الله كنت ناوي تستأذنني أو تسألني عن رأيي في بيتي؟!»


وشه اتغير وأحمر، وقال بين سنانه بصوت واطي وشرس:



– «ندى بلاش تعملي مشاكل وتفضحينا قدام أهلي!»


وفجأة.. البيت كله سكت!


حماتي خرجت من الأوضة وهي شايلة بطانية من بتوع أمي، وإبراهيم نزل من فوق، وهدى بطلت ضحك. كلهم بصوا عليا بصه واحدة.. كأني أنا الغريبة والدخيلة في بيت أمي!


طارق قال بعصبية ونرفزة:


– «مالك يا ندى؟ هتحرجيني قدام أهلي وتقللي مني؟!»


في اللحظة دي.. كل حاجة وضحت قدامي زي الشمس.


بصيت لحماتي.. وبعدين لإبراهيم.. وبعدين للولد اللي نازل نط على الكنبة اللي أمي طفحت الدم عشان تجيبها وتسترني.. وأخيراً، بصيت لجوزي.


وقلت بصوت هادي كأنه س\كين:


– «اللي بيعمل فضيحة هنا مش أنا يا طارق.. الفضيحة إنكم داخلين بيت مش بتاعكم وبتقسموه كأنه غنيمة حرب طالعة لكم!»


حماتي فتحت بقها وشهقت:


– «مش بتاعنا؟! ده بيت ابني وحلاله!»


هدى قالت وهي مكتفة إيديها وبتلوي بؤها:


– «إيه الأنانية والغل ده؟ بيت بالحجم ده لناس اتنين بس؟!»


إبراهيم ضحك باستهزاء وقالي:


– «أخويا عرف يختار المرة دي واحدة ورثت ورث صح!»


فجأة.. طارق مسك دراعي بعنف وجذبني ناحيته وقال بغضب:


– «كفاية بقى قلة أدب! لمي الملف اللي في إيدك ده، واتصرفي بعقل وبلاش جنان!»


بصيت على إيده وهي معلمة في دراعي بعنف.. ورفعت عيني في عينه بثبات يهد جبال، وقُلت:


– «سيب إيدي.»


ما سابهاش وحاول يضغط أكتر.. فقلت بصوت أوطى.. وأخطر بكثير:


– «قلت لك.. سيب إيدي.»


لأول مرة في حياته.. شاف في عيني حاجة خاف منها، وساب إيدي فوراً وترجع خطوة.


فتحت شنطتي بهدوء ثلجي، وطلعت الملف البيج اللي كنت ماضية عليه الصبح في مكتب المحامي الأستاذ عادل.


أول ما حماتي شافت الملف، ابتسامتها اختفت تماماً.. وطارق وشه بقى أبيض زي القماش الميت، لأنه عرف الختم الرسمي النسر اللي عليه، وعرف إن الملف ده مش مجرد إعلام وراثة وعقد ملكية.. أمي، حتى بعد ما ماتت وراحت لربها، كانت سايبة آخر ورقة لحمايتي وكسر عين كل طماع!




فتحت أول صفحة في الملف.. أخدت نفس عميق يمالي صدري، وقُلت بصوت واضح وقوي وصل لكل ركن في الصالة وسكت البيت كله:


– «دي المستندات ال بتثبت نقل كل شئ باسمي بيع وشراء من امي ، موثقة من المحكمة وموقعة من ثلاث شهود ومحاميها الخاص اللي اتعامل معاها لآخر يوم في حياتها.»


رفعت الورقة الأولى فوق عشان كلهم يقرأوا الكلام المكتوب بخط المحامي الواضح، والختم الحكومي النسر اللي في الزاوية بيلمع تحت ضوء الشمس اللي داخل من شباك الصالة.


فيها نص صريح وقاطع:


كل ما تملكه السيدة فاطمة، منقول وغير منقول، من بيت أو فلوس أو أوراق، كله يؤول لابنتها الوحيدة ندى بيع وشراء ، بالكامل وبلا أي شريك، ولا يحق لأي أحد غيرها التصرف فيه، ولا يملك أي حق فيه، سواء كان زوجاً أو أقارب زوج أو أي شخص آخر، إلا بإذنها الصريح والكتابي لانه ملكية خالصة لها .


سكتة تقيلة وصعبة سادت المكان كله. حماتي صفية كانت بتبص على الورقة والختم كأنها مش مصدقة عينيها، وإبراهيم فتح بؤه بذهول، وهدى كانت بتقل عينيها بيني وبين طارق كأنها مستنية إيه اللي هيقوله عشان يرد عليا ويسترد كرامته!


أما طارق، فكان واقف مكانه متجمد زي الصنم، عينيه متثبتة على الختم النسر، وشفايفه بتتحرك من غير صوت وهو بيقرأ الكلام، ووشه بيتحول لون لون من الغضب والصدمة والكسرة مع بعض!


فجأة صرخت حماتي صفية بصوت عالي وهزت الصالة:


– «كلام فاضي وهري! ده بيت ابني وحلاله! أنتِ متجوزة منه وفي عصمته، فكل حاجة ليكي هي ليه في الآخر! وإحنا أهله وناسه، ومن حقنا نعيش معاه في العز ده ونوضع إيدنا!»


هزيت رأسي بهدوء ثلجي، وطلعت ورقة تانية من الملف البيج، اللي كانت عبارة عن نسخة من عقد التبرع والهبة اللي عملته أمي قبل ما تموت بثلاث أشهر، قبل ما تمرض مرضتها الأخيرة:



– «أمي كانت عارفة ومفكرة إن ممكن يحصل كده بالظبط.. فقبل ما تكتب الوصية، وقعت عقد رسمي بالبيت ليا شخصياً في الشهر العقاري، من غير ما يكون له أي علاقة بالجوازة دي بأي شكل من الأشكال! يعني حتى لو حصل أي حاجة بيني وبين طارق، البيت ده ليا أنا وبس، ولا طارق ولا أي حد من عيلته ليه فيه ولا سنتيمتر واحد ولا حتى قلامة ظفر! انتوا بجد ناس غريبة الورث ورثي من امي وعاوزين تشاركوا فيه»


إبراهيم أخوه اتدخل بلهجة عدوانية ووشه أحمر من الغل:


– «مالناش دعوة بمحاكم هو العرف كدا قال مالك هو مال جوزك واهله كمان وازا كان عجبك !»


طارق كان بيبص لي بنظرة عمري ما شفتها في عينيه من يوم ما اتجوزته.. نظرة غريبة مزيج من الغضب والخوف والندم والكسرة، أو يمكن كله غضب وغل عشان خطته النذلة مشيتش زي ما كان متوقع ورتب مع أهله!


 


قرب مني طارق خطوة، وقال بصوت واطي ومكسور عشان بقية أهله ما يسمعوش:


– «ندى، تعالى نروح نتكلم في مكان تاني، بلاش الفضيحة دي قدام الناس والشارع، ونعرف نتفاهم بالعقل.. كل حاجة بتتحل بالهدوء.»


رديت عليه بنفس البرود والهدوء اللي كان بيزودهم غيظ ونار:


– «إحنا لازم نتكلم، بس مش في سر ولا ورا الكواليس.. كل كلمة هتتقال هنا قدام الكل، عشان محدش يفهم غلط بعد كده! لو كنت عاوز تتفاهم وتتكلم من الأول، كنت جيت سألتني وقدرتني قبل ما تجيب أهلك كلهم وتقسم البيت كأنه بتاعك وورثك! كنت قلت لي: يا ندى، أهلي عاوزين يعيشوا معانا في البيت الجديد، إيه رأيك؟ وقتها كنا نقدر نتفاهم ونشوف الأمور. بس اللي عملته ده مش تفاهم ولا أصول.. دي سرقة بالعلن واستغفال!»




حماتي صفية قعدت على حافة السرير في الأوضة الماستر، وبدأت تعيط بصوت عالي وهمي وتمثل:


– «يا عيني على بختك يا ابني اللي اتجوز واحدة قاسية كده! تمنع أهله وناسه من العيشة معاه؟! ده إحنا تعبانين وكبرنا، ومش لاقيين مكان نروح له وساترينا الأيام، وإحنا كنا فاكرين إننا هنعيش معاكم في راحة ونرتاح في كبرنا!»


رفعت حاجبي بتعجب واستنكار وقُلت لها:


– «بيتكم القديم اللي بتتكلمي عنه ده.. شقة تمليك أربع أوض وصالة كبار وحمامين ومطبخ، ومساحتها تعدي المية وخمسين متر، واشتريتوها من خمس سنين بفلوس كتير، ومش فيها أي مشكلة إدارية ولا مباني غير إنكم عاوزين مكان أكبر وأفخم وببلاش على حساب شقا أمي! وجاية تقولي لي مش لاقيين مكان تروحوا له؟!»


ده كان سر عرفته من صديقة قديمة ليا كانت شغال في مصلحة الشهر العقاري، وقلت لنفسي ساعتها إني ممكن أحتاجه في يوم من الأيام، وها أنا استخدمته في وقته المضبوط. أول ما سمعت كلامي، حماتي اتخرست وتوقفت عن العياط فجأة، ووشها أحمر من الحرج والكذب اللي اتكشف، وإبراهيم أخو طارق بصلها بعتاب، وهدى أخته كانت بتلعب في أصابعها عشان تتهرب من النظرات الصعبة.


أكملت كلامي بثبات هز الأوضة:


– «وبعدين، ليه مفيش حد فكر يسألني أنا عاوزة إيه؟ ده بيتي أنا.. اللي دفعت فيه أمي عمرها كله، تعبت وشقت وحرمت نفسها من كل حاجة عشان تسيبه لي أتسند بيه، عشان أعيش فيه أنا وجوزي وأولادي لو ربنا رزقنا، مش عشان يكون فندق ببلاش لعيلتك كلها يا طارق! كنت متوقع إني أفتح إيدي وأقولكم خدوا كل حاجة وشيلوني من الحسبة، وتنسوا إني أنا اللي دفعت التمن من دمي وعرق أمي؟!»



طارق حاول يغير مسار الحديث ويلعب على وتر العاطفة:


– «يعني إيه يا ندى؟ عاوزة تقولي إنك مستعدة تضحي بعلاقتنا وجوازنا كله عشان بيت وأرض؟ عاوزة الناس في الشارع والمنطقة تقول إنك طردتي أهل جوزك من بيتك ومسحتي بيهم الأرض؟!»


ضحكت بصوت مر وفيه وجع، وقُلت:


– «الناس اللي تعرف الحقيقة والأصول مش هتقول كده يا طارق! الناس هتقول إنكم جيتوا تاخدوا حاجة مش بتاعكم ورخاص، وإنكم نسيتوا إن لي كرامة وحقوق وأصل. وعلاقتنا مش هتضيع عشان البيت.. هي هتضيع عشانك أنت! عشانك خنت الثقة اللي كنت واثقة فيك فيها، عشانك كنت شايفني مجرد وسيلة وسلّم توصل بيه للي أنت وعيلتك عاوزينه، مش شريكة حياة وبنت أصول!»


سكت شوية، وبصيت لكل واحد فيهم واحد بواحد وبثبات:


– «اسمعوني كويس كلكم.. البيت ده بتاعي أنا بالقانون وشرع ربنا. من حق طارق يعيش معايا هنا كزوج ليا، بس ده بشرط يحترم رغباتي، ويحترم البيت، ومش يجي أي حد يقعد معانا إلا لو أنا وافقت بكامل رضاي وأصولي. ولا حماتي ولا حمايا ولا إبراهيم ولا هدى ولا أي حد منكم ليه أي حق سكن هنا، إلا زيارة كأهل وضيوف على راسي، مش سكن دائم واستنزاف! ولا تحاولوا تضغطوا عليا ولا تهددوني، لأن عندي كل الحقوق قانونياً، ولو حاولتم تدخلوا البيت أو تقعدوا فيه من غير إذني، هبلغ البوليس فوراً وهعملكم محضر اقتحام ملكية خاصة وتعدي!»


إبراهيم قال بغضب وعروقه ناطة:


– «وأنتِ فاكرة إن طارق هيرضى بالكلام ده وهيسكت لك؟! هو جوزك، وله كلمة راجل في البيت ده!»


رديت بسرعة وشموخ:


– «كلمته هنا بقدر كلمتي بالظبط لما يكون الحق معاه والأصول حاضرة. ولما يكون الحق معايا والقانون في إيدي، فكلمتي هي اللي تمشي وتنفذ. ولو هو شايف إن كلامي غلط وحقي افتراء، فده شأنه وقراره، بس مش هيرغمني على حاجة أنا مش عاوزاها ولا أقبلها على نفسي وشقا أمي!»



لأول مرة في حياتي، شفت في عين طارق إنه بدأ يفهم ويستوعب إن مش هينفع يضغط عليا ولا يكسرني، وإن كل اللي كان بيخطط له مع أهله من ورايا مش هينجح أبداً. بص لأهله، ولما شاف نظراتهم المستنية منه موقف راجل، اتنهد بثقل ووشه في الأرض وقال بصوت تعبان ومكسور:


– «خلاص يا جماعة.. ندى عندها حق من الناحية القانونية، والبيت بتاعها فعلاً ومش ينفع نعمل حاجة من غير رضاها وأمرها.. يلا نرجع البيت دلوقتي، ونفكر في الموضوع ده بعدين.»


 


حماتي صفية حاولت تعترض وتصوّت:


– «يعني إيه يا طارق؟! هنرجع ونقفل الباب ونخسر ونسيب البيت ده كله ليها لوحدها؟!»


قالها بحدة وشديد عمرها ما شافتها منه قبل كده:


– «قلت كفاية يا ماما! إحنا كنا غلطانين، ومش ينفع نكمل في المهزلة دي. يلا بينا نمشي من هنا بكفايانا!»


بدأت تجمع أغراضها وشبشبها بغضب وغل، وهدى نزلت ابنها من فوق الكنبة، وسحبت إيده وهو بيعيط ويزعق عشان عاوز يلعب، وإبراهيم ومراته سارعوا وراهم، وكل واحد كان بيطلع نظرة غاضبة أو محرجة ليا، ولا حد فيهم تجرأ يقول لي كلمة ولا سلام ولا حتى يبص في عيني.


لما مشوا، وفضلت أنا وطارق لوحدينا في البيت الكبير، ساد صمت طويل جداً، كنا بنسمع فيه صوت العربيات بتاعتهم وهي بتبعد وتغيب في الشارع، وبعدها صوت العصافير الهادي في الجنينة الخلفية.


كنت واقفة مكاني في نص الصالة، ماسكة الملف البيج بقوة، وقلبي كان بيدق بسرعة.. مش عارفة أنا فرحانة إني حافظت على حقي وشقا أمي، ولا حزينة عشان الحالة والوضع اللي وصلنا ليه أنا وطارق.


طارق جلس على أول درجة في السلم الداخلي، ودفع رأسه بين كفيه، وقال بصوت ضعيف يقطر ندماً:



– «أنا آسف يا ندى.. كنت غلطان، وكنت أناني، وكنت فاكر إنك هتتقبلي الأمر وتعديها عشان خاطري وعشان خاطر أهلي. ما كنتش أتخيل إن الموضوع يوصل للدرجة دي، وإنك تشوفي طمعنا وندالتنا بالشكل ده.»


قربت منه شوية، بس ما قعدتش جنبه، وقلت بصوت هادي ورصين:


– «المشكلة مش إنك عاوز أهلك يعيشوا معانا يا طارق.. المشكلة إنك ما سألتنيش، وإنك شفت البيت بتاعي وشقا أمي كأنه ميراث ليك غنيمة، وإنك تعاملت معايا كأني مش موجودة أساساً.. كأني مجرد صاحبة المفاتيح اللي هتفتح لكم الباب وبس وتطلع برة الحسبة! أمي حذرتني من كده زمان، قالت لي الناس لما تشوف عندك حاجة حلوة، بتنسى كل الحب والعلاقات، وبتشوف بس الحاجة اللي عاوزين ياخدوها. وصدقت كلامها للأسف.»


رفع رأسه وبص لي، وعينيه كانت مليانة دموع:


– «أنا ما كنتش بكرهك ولا قاصد أستغلك يا ندى.. بس أهلي قالولي إن البيت كبير ومش هتعرفي تخدميه وتراعيه لوحدك، وإن وجودهم هيساعدك، وإنك هتتضايقي وتعملي مشكلة لو قلت لك قبلها، عشان كده خبيت عليكي لحد ما نجهز كل حاجة وتتحطي قدام الأمر الواقع. كان لازم أكون أذكى من كده، وأفهم إن دي حاجة تخصك أنتِ أولاً وأخيراً وأنك صاحبة البيت.»


سكت شوية، ثم أكمل وهو بيبص لي بترجي:


– «أنا مستعد أتعوض عن غلطتي دي وأعمل أي حاجة. كل حاجة في البيت هنختارها سوا، الأوض اللي هنقعد فيها، والأثاث اللي هنحطه، ومش هدخل أي حد من أهلي إلا لو أنتِ وافقتِ بكامل رضاكِ، ومش هضغط عليكِ أبدًا. وعد مني، من النهاردة كل قرار في البيت ده هناخده سوا، زي ما المفروض يكون بين الزوجين بجد.»


بصيت له طويلًا.. كنت عاوزة أصدقه، بس الجرح كان لسه جديد وبيوجع، والندالة اللي شفتها منه كانت صعبة تتنسى بسرعة. قلت له:



– «أنا مش عارفة أصدقك دلوقتي يا طارق.. الغلط اللي عملته كبير، والثقة فيك اتهزت كتير. ممكن نبدأ من جديد، بس ببطء شديد، وعليك تثبت لي إنك تستاهل الثقة دي تاني. أول خطوة هنقعد سوا نرتب البيت زي ما أنا عاوزة بالظبط؛ الأوضة الرئيسية الماستر لينا، والمكتب هنخليه مكتب وشغل مش أوضة نوم، والغرف التانية نستخدمها لضيوف أو أي حاجة تانية، بس مش لسكن دائم لحد! وتاني خطوة تكلّم أهلك وتقولهم الحقيقة بكل وضوح من غير لف ولا دوران، وتقولهم إنهم غلطانين، وإن البيت بتاعي، ومش هينفعهم أي حاجة إلا بالطريقة الصحيحة واللي ترضيني وتصون كرامتي.»


هز رأسه بسرعة وبلهفة:


– «حاضر، كل اللي عاوزاه هعمله.. هتصل بيهم النهاردة وأقولهم كل حاجة، ولن أسمح لهم بالتدخل في شئوننا ولا في البيت ده أبدًا.»


بعدها بدأنا نرتب البيت مع بعضنا.. شلنا البلاستيك من على الأثاث اللي أمي اشتريته بذوقها العالي اللي عرفته، واخترنا مع بعض الألوان للستائر والدهانات اللي كانت محتاجة تتغير، وزرعنا مع بعض ورود وريحان في الجنينة الخلفية زي ما كانت بتحب أمي الله يرحمها.


مرت الأيام، واتضح إن طارق كان صادق في كلامه وتغيّر فعلاً؛ اتكلّم مع أهله ووضح لهم كل حاجة وقفل الباب، وابتدوا يفهموا غلطهم بالتدريج، خصوصًا لما شافوا إننا فعلًا عايشين سوا براحتنا وبأصولنا، وإننا بنزورهم باستمرار وبنودهم، وبندعوهم للزيارة في البيت من وقت للتاني، فشعروا إنهم مش منبوذين، بس ما لهمش أي حق في الملكية ولا فرض السيطرة.


حماتي لما جت في أول زيارة رسمية، قعدت معايا في المطبخ، وقالت لي بصوت خجلان ومكسور:


– «سامحيني يا ندى يا بنتي.. كنت طماعة، ونسيت إن البيت ده تعب أمك وشقاها، وإنك من حقك تفرحي بيه زي ما أنتِ عاوزة. والله ما كنتش عاوزة أضايقك، ولا أتخانق معاكِ.»



سامحتها، لأن المسامحة من شيم الكرام، ولأن الحياة مش تستاهل نعيشها بكراهية وغضب وضغينة.


وبعدها بفترة، وأنا برتب الأوضة الرئيسية، اكتشفت إن أمي كانت خبية حاجة تانية في البيت؛ خبية صندوق حديد صغير ف الدولاب في الأوضة الماستر، مكتوب عليه اسمي بخط واضح. لما فتحته، لقيت فيه مذكرات كانت بتكتبها لي طول حياتها، وكل صفحة فيها كلام طيب ونصايح غالية، وآخر صفحة كانت مكتوبة بخط إيديها قبل ما تتوفى:


«يا بنتي، الحق أحق أن يُتبع، ولا تخافي من أحد لو كنتِ على حق، واعرفي إن الكرامة أغلى من كل بيت وكل فلوس الدنيا، ولو خيروكي بين الكرامة والدنيا كلها، اختاري كرامتك، لأنها هي اللي بتبقى معاكِ لآخر العمر. وأنا واثقة إنك هتكوني قوية كفاية تحققي نفسك، وتعيشي حياة سعيدة ومستورة.»


دموعي نزلت دافية وأنا بقرأ الكلام، وحسيت إن روح أمي معايا في كل لحظة، وإنها فرحانة فوق في السماء لما شافتني واقفة جبل قدام البيت اللي تعبت عشان يبقى ليا، وحافظت عليه وحافظت على كرامتي معاه.


والبيت ده، اللي كان هيتحول لساحة نزاع وسرقة وندالة، بقى بيت دفء وسعادة ورضا.. كل ركن فيه بيحكي قصة تعب أمي وقوتي، وكل يوم بيمر فيه بيزيد حبي له، وللأيام اللي جاية مع طارق، اللي اتعلم من الغلطة الكبيرة، وبقى شريك حقيقي ليا، يقف جنبي في كل موقف، ولا يفكر أبدًا في أي حاجة تانية غير سعادتنا مع بعض بأصول وكرامة.


وعرفت في النهاية إن أجمل ما في الميراث مش البيت الكبير ولا الفلوس.. هو القوة والشجاعة والأصل اللي ورثته من أمي، واللي خلتني أقدر أقف في وش كل واحد حاول ياخد حقي، وأقول له بكل ثقة: ده حقي وشقا أمي، ومحدش يقدر ياخده مني أبداً!



تمت.


 


تعليقات

close