كسر السيطرة
كسر السيطرة
يا عالة على ابني!
يا مأنتخة! يا اللي بتاكلي في خيرنا وتنكحي!
صرخت حماتي بكلماتها دي وهي بترميني ب طاسة القلي بكل قوتها. سكتّ خالص، وقمت لمّيت المطبخ ونضفته، ومن غير ولا كلمة طلعت من بوقي.. وتاني يوم الصبح، كل كروت البنك بتاعتها اتعمل لها بلوك! بقلم منال علي
الحكاية بدأت لما صوت حماتي الحاجة راوية قطع هدوء البيت وزلزل وداني
أدي قاعدة تانية ومرقعة! ابن شقيان في المصنع وطالع عينه في الأقساط والجمعيات، والهانم قاعدة بتشرب القهوة في عز الضهر ولا على بالها!
الحاجة راوية كانت واقفة في نص المطبخ، فاتحة الباب بمفتاحها اللي عاملة منه نسخة من غير ما تخبط حتى. حطيت الفنجان من إيدي براحة، وأنا حاسة بوجع وتعب مكتوم في قلبي.. المسرحية دي بقالها تلات سنين، الابن الغلبان والكنة الكسلانة بقلم منال علي
أنا مش بتمطّع يا حاجة راوية، دي استراحة عشر دقايق، رديت وأنا بحاول أهدي أعصابي اللي كانت بتترعش أنا شغلي كله على الكمبيوتر، وحضرتك عارفة كدة كويس.
شغل إيه يا أم شغل! ردت باستهزاء وهي بترمى شنطتها التقيلة على الكرسي بقى الضغط على الزراير بقى شغل؟ اللي مبيشيلش وما بيهدش حيله ميبقاش بيشتغل.. إحنا عمرنا ما شفنا مليم من فلوسك دي، أشرف
هو اللي شايل الشيلة لوحده ومطحون! بقلم منال علي
سكتّ وما ردتش. جوزي أشرف فعلاً شغال في مصنع، بس مرتبه يا دوب بيكفي ديونه. الأكل، والكهرباء، واللبس، وحتى تصليح العربية.. كله كان من جيبي أنا. أنا شغالة مصممة جرافيك من البيت، وبدخل دخل كويس جداً، بس إزاي تفهم واحدة زيها إن الشغل مش لازم يكون بالمرمطة في الشوارع؟
وفجأة، لقيتها بتقول بكل عين قوية بقلم منال علي
بقولك إيه، طالما إنتي ست عاملة ومعاكي قرشين، انزلي البنك خديلي قرض!
قرض؟ قرض إيه يا حاجة؟ سألتها بذهول من جراءتها.
قرض شخصي! ميةين تلاتة كدة يمشوا الحال.. أنا عايزة أجدد الحمام والمطبخ، السباكة باظت والسراميك بيقع. أشرف مش هيعرف يسحب مليم لأن شقتكم متقسطة باسمه، لكن إنتي اسمك نضيف وما عليكييش مديونيات.. بكره تروحي الفرع وتخلصي الورق، ده أنا زي أمك برضه، ولازم تسندي معايا في الأيام الصعبة دي! بقلم منال علي
أنا مش هحمل نفسي ديون عشان توضيبات، رديت بجمود وأنا باصة في عينيها حضرتك ممكن تحوشي من معاشك، أو أشرف يساعدك من مصروفه لو حب.. لكن أنا مش هدفع مليم في حاجة مش بتاعتي.
يتبع......
الحاجة راوية اتسمّرت مكانها، كأن الكلام نزل عليها زي القلم على وشها. اللحظة
دي المطبخ سكت تماماً، مكنش مسموع غير صوت تكتكة خفيفة في المواسير وصوت باب العمارة وهو بيترزع بعيد. فضلت ترمش بعينيها وهي بتبص للفنجان اللي في إيدي، وللترابيزة، وللشباك.. كأنها بتدور على رد فعل مناسب ل قلة الأدب اللي شايفتها مني دي!بقلم منال علي
أهو بان على أصله! قالتها وهي بتفلّ الكلام من بين سنانها بمرارة دي آخرة المعاملة بالحسنى؟ بكلمك بالذوق وبقولك إحنا أهل، تقومي تقولي لي معاش؟ معاش يا مريم! إنتي عارفة أنا بقبض كام أصلاً؟
عارفة يا حاجة راوية، رديت ببرود وعشان كدة مش فاهمة ليه حضرتك متخيلة إن قرض باسمي هو اللي هينقذك. القرض ده ديون، والدين بيسدده اللي خده، وحضرتك عايزاني آخده وأنا اللي أشيل شيلة سداده في الآخر!بقلم منال علي
اتنترت من مكانها وراحت ناحية الحوض، ومدت إيدها تفتح ضلفة المطبخ من غير استئذان كعادتها، وقعدت تفتش فيها كأنها بتدور على دهب أنا مخبياه عن ابنها! الحركة دي وجعتني قوي، مش عشان خايفة تلاقي حاجة، لكن عشان هي بتتعامل في بيتي كأنها صاحبة ملك وأنا اللي ضيفة ومضطرة أدافع عن نفسي بقلم منال علي
إنتي مش فاهمة حاجة، بدأت تتكلم بنبرة ناعمة بس تخوف أنا مش بطلب لنفسي، ده عشان أشرف كمان.. ما إنتو
عايشين في الشقة دي وكل حاجة فيها محتاجة تتغير، والحمام.. الحمام لازم يبقى زي الناس. وبعدين طالما إنتي عاملة فيها ست مستقلة، ليه ابني يشيل شيلتك؟ ليه يهد حيله في المصنع وإنتي قاعدة في البيت؟بقلم منال علي
عشان حضرتك عايزة كدة، رديت بصوت واطي حضرتك عايزة تشوفي أشرف تعبان ومطحون، عشان كدة بترتاحي.
الحاجة راوية لفت وشها بسرعة لدرجة إن شنطتها وقعت من على الكرسي، وعينيها اتملت دموع، بس مكنتش دموع حزن، كانت دموع غل.
إنتي بتغلطي فيا؟ أنا؟ قربت مني لدرجة إني شميت ريحة برفانها التقيلة الخانقة أنا اللي قضيت عمري بشتغل شغلانتين عشان أكبره لوحدي بعد ما أبوه.. سكتت كأنها كانت هتقول سر وتراجعت أنا أكله بسناني اللي يجي عليه، إنتي مين بقى عشان تحطي لي شروط في بيتي؟
أنا مراته، رديت، واستغربت من قوة وثبات صوتي.
ضحكت ضحكة صفرا وقالتبقلم منال علي
مراته! اتعلمي الأول تبقي ست بيت.. بصي الأرض عاملة إزاي، كلها بقع، وإيه الكوبايات المرصوصة دي؟ إيه التسيب ده!
حسيت بدمي بيغلي، بس مسكت نفسي، لأنها بتتغذي على الخناقات زي النار ما بتاكل الحطب بقلم منال علي
الأرض نظيفة، والكوبايات دي كوباياتي، والمفتاح.. بصيت ناحية الباب المفتاح ده حضرتك مش هتدخلي بيه تاني من
غير استئذان.
يا عيني على الجبروت! خبطت بإيدها على الترابيزة وبأي حق؟ الشقة دي شقة أشرف، وهو سيد البيت هنا، أما إنتي.. إنتي تيك أواي، موجودة النهاردة وبكره الله أعلم فين! وشاورت بإيدها كأني حاجة رخيصة وملهاش قيمة بقلم منال علي
قمت وقفت براحة، من غير نرفزة عشان محققش لها متعتها في إنها ترجفني
حضرتك هتتفضلي دلوقتي، ولو فكرتي تمدي إيدك تاني أو ترمي حاجة عليا، أنا هطلب البوليس.. أنا مش بهزر.
اتلجمت للحظة، كلمة بوليس مكنتش في حساباتها، بس بسرعة رجعت لتمثيلها ورفعت إيديها
يا مامي! بتخوفني! خدت شنطتها وطلعت وهي بتتحلطم أنا هقول لأشرف على كل حاجة، خليه يعرف اتجوز مين!بقلم منال علي
قولي له، قاطعتها بس قولي له الحقيقة.. قولي له إنك جاية تطلبي قرض باسمي لبيتك، وإنك دخلتِ من غير خبط، وإنك زعقتِ وغلطتِ.
قفلت بوقها وبصت لي بصه تسمّ، ورزعت الباب وراها رقعة خلت ميدالية المفاتيح ترن في الطرقة.
سكتّ وضهري للباب، وحسيت بتعب رهيب.. مش خوف، تعب يخلي الوحدة عايزة تقعد في الأرض وما تقومش. بصيت في الساعة، البريك خلص، وعندي
ميتينج مع عميل كمان عشر دقايق. غسلت وشي واستغفرت، وحاولت أجمع أعصابي بقلم منال علي
بالليل لما أشرف رجع، عرفت إنها قامت بالواجب. دخل قلع جزمته وسكت، ومبصش في عيني.. والسكوت ده كان أوحش من الزعيق بقلم منال علي
أمي كلمتني، قالها وهو باصص في الأرض بتقول إنك.. هزقتيها.
حطيت البراد على النار، وإيدي كانت ثابتة تماماً
أنا مهزقتهاش، أنا قلت لها مش هاخد قرض، وقلت لها متدخلش البيت من غير استئذان، ولو رمت عليا طاسة القلي تاني هطلب لها البوليس.
أشرف اتنهد ومسح وشه بتعببقلم منال علي
ليه بتكبري الموضوع يا مريم؟
وهي ليه بترميني بالحاجة؟ سألته بهدوء.
رفع عينه، وشفت فيها لحظة كسوف هي.. هي عصبية، وإنتي عارفة أمي.
عارفة، رديت عارفة بقالي تلات سنين.. وعارفة كمان إنها مش هتبطل. النهاردة قرض، بكره هتعوزني أكتب لها حاجتي باسمها، وبعده هتقول إني تيك أواي وتوزك تطلقني.
هز إيده بضيق يا بنتي إنتي بتبالغي قوي!بقلم منال علي
مردتش، طلعت فايل الحسابات من الدرج وحطيته قدامه بص هنا.. إنت بتقول إنك شايل الشيلة، تمام. بص بقى
أنا بدفع إيه.. كهربا، نت، أكل، تأمين، وحتى تصليح عربيتك.
بلع ريقه وهو بيقلب في الوصلات. صوابعه اللي فيها أثر شحم المصنع كانت باينة قوي فوق الورق الأبيض، كأنها دليل على حاجة إحنا الاتنين خايفين نواجهها.
كل ده إنتي اللي بتدفعيه؟ سأل بصوت واطي.
أيوه، ومش بمنّ عليك، أنا بس عايزاك تبطل تعيد كلامها، وتحط حدود بقلم منال علي
الأيام اللي بعدها كانت هدوء يسبق العاصفة. الحاجة راوية مختفية، لحد يوم السبت.. جات وزقت جرس الباب أول مرة! ومعاها كيس مخبوزات وبسمة ممثلات
جبت قراقيش لأشرف، بيحبها بالعجوة.
دخلت وبدأت تفرش الحاجة كأنها في بيتها، وقعدت تشرب شاي وتقول أنا فكرت، يمكن كنت شديدة شوية، بس ده من خوفي عليكو.. والست بتاعة الحسابات قالت لي التوضيبات دلوقتي أحسن عشان الأسعار هتولع.
أشرف حاول يلطف الجو، بس هي لفت لي وقالت بضحكة سكر زيادة بقولك إيه يا مريم، طالما إنتي خايفة من القرض، هاتي كروت البنك بتاعتك وأنا هشتري الحاجة بنفسي، وإنتي ابقي حولي براحتك.. إحنا أهل ومفيش بينا مخبى، ولا إنتي بتخبي قرشك عننا؟
أشرف اتصدم وقال
أمي.. ده كدة كتير! بقلم منال علي
كتير إيه يا واد! إنت بتعلمني؟ أنا اللي ربيتك! قلبت في ثانية وبدأت تصرخ، وفجأة مدت إيدها ناحية طاسة كانت على الرخامة.. اللحظة دي أشرف كان أسرع منها ومسك إيدها
أمي! إنتي بتعملي إيه؟!
أشرف فتح الباب وقال بكلمة واحدة هزت البيت يا أمي.. اتفضلي روحي دلوقتي.
تاني يوم الصبح، صحيت على رسايل البنك.. محاولات دخول فاشلة، طلب تغيير كلمة السر. عرفت إنها صورت بيانات الكروت وأنا مش واخدة بالي!
أشرف لما شاف الموبايل، وشه جاب ألوان مش ممكن.. هي وصلت لكدة؟
وصلت يا أشرف، رديت بقوة أنا غيرت كل الباسوردات وعملت بلوك لكل المحاولات.. ودلوقتي إنت هتروح تجيب منها المفتاح، مش تطلبه، تجيبه. بقلم منال علي
وفعلاً، أشرف راح ورجع ومعاه المفاتيح، وقال لي وهو مكسور قالت لي إني مش ابنها، وإني اتغيرت.. بس أنا قلت لها إن ليكي حدود، وإن بيتي مش وكالة من غير بواب.
يومها، أشرف جاب النجار وغيرنا الكالون بتاع الباب. لأول مرة، شربت الشاي في مطبخي وأنا مش خايفة حد يفتح الباب فجأة. القصة مخلصتش، بس لأول مرة الحدود اتحطت.. والبيت بقى فعلاً بيتنا.


تعليقات
إرسال تعليق