أحرقني والده
أحرقني والده
لما كان عندي تلاتاشر سنة، المطبخ انفجر بينا.
في ثانية واحدة، كنت واقفة حافية على أرضية بيتنا الصغير في طنطا، بمد إيدي أجيب كوباية ميه.. وفي الثانية اللي بعدها، العالم كله اتحول لنار، وقزاز مكسور، ودخان، وصراخ ملوش آخر.
البوليس وقتها قال لي إن اللي حصل كان تسريب غاز.
قالوا لي غالباً حد من الجيران اتعامل غلط مع حاجة.. إنتي محظوظة إنك لسه عايشة.
محظوظة.
الكلمة دي سهلة قوي على لسان الناس اللي مبيعيشوش جوه الجسم اللي نجى من النار.
محظوظة كان معناها إني أصحي في المستشفى ووشي كله ملفوف بشاش.
محظوظة كان معناها إن الغرباء يفضلوا يبصوا عليا في السوبر ماركت بذهول.
محظوظة يعني الأطفال يستخبوا ورا أمهاتهم أول ما يشوفوني.
محظوظة يعني العيال في المدرسة يراهنوا بعض مين فيهم يقدر يطلب يخرج معايا كنوع من الهزار السخيف.
الانفجار ساب علامات وشقوق في وشي، ورقبتي، وكتفي، وحتت في جسمي اتعلمت إني أغطيها حتى في عز الصيف.
لما وصلت لسن التلاتين، عمري ما كنت دخلت في علاقة بجد.
ولا مرة كان ليا حبيب.
ولا راجل بص لي كأني ست جميلة.
ولا بني آدم خلاني أصدق إني ممكن أتحب من غير صعبانية أو شفقة.
لحد ما قابلت كريم.
كريم كان مدرس بيانو للأطفال
في قاعة صغيرة تبع جمعية خيرية، وكان فاقد بصره من وقت حادثة عربية حصلت له وهو عنده ستاشر سنة.
أول مرة سمعته بيعزف، وقفت في الطرقة وأنا شايلة كرتونة كتب، ونسيت إزاي أتنفس.
صوابعه كانت بتتحرك على البيانو كأنه بيكلم ملايكة.
ملفش وشه ناحيتي لما دخلت.
بس ابتسم وقال إنتي واقفة مكانك ومبتتحركيش.. يا إما بتكرهي المزيكا، يا إما بتحاولي ماتعيطيش.
ضحكت غصب عني.
ومن هنا بدأت الحكاية.
قهوة بعد الدروس.
مشاوي طويلة كان بيمسك فيها كوعي براحة، عمره ما شدني بقوة.
مكالمات تليفون كانت بتوصل لنص الليل.
أول مرة عزمني على العشا، كنت هرفض.. كان فيه صوت حقير جوايا بيوشوش لي ويقولي إني شجاعة بس عشان هو مش شايفني.
في أول خروجة لينا، قعدت قدامه في مطعم هادي، وكنت بفرك في فوطة السفرة لحد ما صوابعي وجعتني.
همست له لازم أقولك حاجة.. أنا شكلي مش زي بقية الستات.
كريم متهزش.
مد إيده على التربيزة ولقى إيدي ومسكها.
قال لي بصوت حنين كويس.. أنا عمري ما حبيت الحاجات العادية.
كنت عايزة أصدقه.
والله العظيم كنت هموت وأصدقه.
لأول مرة من سنين، سمحت لنفسي أتخيل حياة تكون فيها علامات حروقي مش هي أول حاجة الشخص يلاحظها.
حياة حد يلمسني فيها من غير ما يدور
وشه الناحية التانية.
حياة ميبقاش فيها الحب زي باب مقفول بالترباس من الناحية التانية.
اتجوزنا في يوم شتوي هادي، في جامع صغير بوسط البلد.
فستان فرحي كان برقبة عالية ودانتيل طويل، مش عشان أنا محجبة أو محتشمة بس، لكن عشان كنت لسه بستخبى.
تلاميذه في البيانو عزفوا مقطوعة حب قديمة ببوظان خلى نص المعازيم يضحكوا ويعيطوا في نفس الوقت.
كان واقف لابس بدلة غامقة، ساند بإيده على عصايته، ومبتسم كأنه عارف إني جاية ناحيته بالظبط.
لما وصلت جنبه، همس لي أهي جت ست الكل.
ولأول مرة، محستش إني بني آدمة مكسورة.
حسيت إني مختارة.
ليلتها، رجعنا شقتنا الصغيرة.
مكانش فيه ورد غالي ولا فندق، ولا تذاكر سفر لشهر العسل.
يا دوب كوبايتين شاي، وصوت المطر وهو بيخبط على الشباك، وكريم قاعد جنبي على طرف السرير كأنه خايف يتحرك بسرعة فيخوفني.
قلعت الطرحة وإيدي بتترعش.
وبعدين فضلت ثابتة مكاني.
لأني كنت عارفة إيه اللي هيحصل دلوقتي.
اللحظة اللي كنت مرعوبة منها من يوم ما طلب إيدي.
كريم مد إيده براحة.
سألني تسمحي لي؟
هزيت راسي بالموافقة، رغم إن ريقي كان ناشف.
إيده كانت بتترعش، بس مش قرف.. كانت حنية.
همس لي إنتي جميلة يا مريم.
حاجة جوايا انكسرت.
عيطت في
حضنه زي واحدة كانت كاتمة نفسها بقالها سبعتاشر سنة.
لأول مرة من وقت الانفجار، حسيت إني آمنة جوه جسمي.
لأول مرة، صدقت إن الحب مش محتاج وشوش مثالية.
يمكن محتاج بس إيدين صادقة.
فجأة، كريم جسمه اتخشب.
حضنه ضاق عليا أكتر.
وصوته اتغير.
قال لي بهدوء مريم.. أنا محتاج أقولك على حاجة هتغير نظرتك ليا تماماً.
بعدت عنه وأنا بمسح دموعي.
لثانية واحدة غبية، افتكرت إنه بيهزر.
ضحكت بخفة وقلتله إيه؟ هتقولي إنك بتشوف؟
بس كريم مابتسمش.
ولا حتى ضحكة خفيفة.
بدل ده، مسك إيديا الاتنين بقوة كأنه خايف إني أتبخر من قدامه.
سألني إنتي فاكرة موضوع انفجار المطبخ؟
الأوضة لفت بيا.
بصيت له بذهول.
أنا عمري ما حكيت لكريم تفاصيل الليلة دي.
محكيتش عن ريحة الغاز.
ولا صوت الشبابيك وهي بتنفجر.
ولا إني صحيت في المستشفى وأنا بصوت عشان فاكرة إني لسه بتحرق.
أنا بس قلت له إن حصلت لي حادثة وأنا صغيرة. مكلمتش أكتر من كده.
همست له إنت عرفت الموضوع ده منين؟
وشه اتشنج من الألم.
قال لي الحقيقة.. فيه حاجة إنتي ماتعرفيهاش عن اللي حصل ليلتها.
نبضي بدأ يدق بسرعة لدرجة إني حسيت بيه في صوابعي اللي هو ماسكها.
برا، المطر كان بيسيح على الشباك زي دموع سودة.
وجوه، جوزي اللي لسه متجوزاه من ساعات، قاعد قدامي ومعاه سر تقيل لدرجة إنه سحب الهوا من الأوضة.
سألته
قصدك إيه؟
كريم وطى راسه في الأرض.
لأول مرة من يوم ما عرفته، شفت في عينه الخوف.
مش خوف من الضلمة.. ده كان خايف مني أنا.
رفع وشي وبص لي وقال الكلمات اللي هدت كل ذكرى حاولت أعيش بيها عشان أنجو طول العشرين سنة اللي فاتوا
مريم.. الانفجار ده مكانش حادثة.
نفسي انقطع.
ضغط على إيدي مرة واحدة كأنه بيترجاني مابعدش.
همس لي والسبب اللي مخليني عارف.. هو إن أهلي كانوا هناك في الليلة اللي حصل فيها كده.
جسمي كله سقع.
الحروق اللي في وشي فجأة حسيت إنها بدأت تولع فيا من تاني.
أنا اتجوزت راجل عشان افتكرت إنه مش هيشوف الوجع اللي فيا..
بس في ليلة فرحنا، عرفت إنه ليه علاقة بالحريقة اللي دمرتني.
والأصعب؟
إن كريم لسه مقالش السر اللي مخبيه بقاله عشرين سنة.
لسه..
لأن الكلام اللي قاله بعد كده خلاني أعرف إن الراجل اللي لسه واعدة إني أكمل معاه عمري، ممكن يكون هو الشخص الوحيد اللي يعرف مين اللي دمر حياتي بجد.
سحبت إيدي من إيده ببطء، وكأن
صوابعه بقت جمر نار. أهلك كانوا هناك؟ بيعملوا إيه في بيتنا يا كريم؟ إحنا مكنش لينا علاقة بحد!
كريم بدأ يتنفس بصعوبة، وصوته بقى مرعوش أبويا مكانش رايح بيتكم يا مريم.. أبويا كان شغال فني غاز، وكان بيصلح ماسورة رئيسية في البيت اللي لزق فيكم. غلطة واحدة.. مجرد إهمال في ربط صمام، خلى الغاز يتسرب لبيوت الشارع كله من تحت الأرض. بيتكم أنتوا كان أكتر بيت اتأثر لأن المواسير كانت قديمة.
نزلت الكلمة عليا زي الصاعقة. يعني السنين اللي ضاعت من عمري، ووشي اللي راح، وحياتي اللي اتدمرت.. كانت مجرد غلطة فني؟
كريم كمل وهو بيعيط أبويا لما عرف إن فيه بنت اتصابت وعاهة مستديمة حصلت لها، مقدرش يستحمل الذنب. سلم نفسه واعترف، واتسجن 5 سنين.. ومات جوه السجن من قهرته. أنا كنت ساعتها عندي 16 سنة، ودي كانت الحادثة اللي عملت فيها حادثة العربية وأنا رايح أزوره في السجن.. وفقدت نظري فيها.
ضحكت بمرارة، ضحكة مخنوقة يعني إنت كنت عارف؟ كنت عارف
أنا مين من أول يوم قابلتني فيه في الجمعية؟
كريم هز راسه بالرفض وهو بيترجاني والله العظيم لا! أنا عرفت اسمك بالصدفة من ورق الجواز.. مريم عبد الحميد الهواري. الاسم ده كان محفور في ذاكرتي، هو ده الاسم اللي كان مكتوب في محاضر الشرطة اللي خربت بيتنا وبيتك. أنا فضلت سنين بدور على البنت دي، مش عشان أتجوزها، عشان أطلب منها السماح.. عشان أعوضها عن اللي أبويا عمله فيها من غير قصد.
قمت وقفت بعيد عنه، كنت حاسة إني تايهة. إنت اتجوزتني عشان تكفر عن ذنب أبوك؟ يعني الحب اللي حسيته، والكلام اللي قلتهولي، كان مجرد تمثيلية؟ كنت بتمثل دور الحبيب عشان تريح ضميرك؟
كريم قام وقف وهو بيتحسس طريقه لحد ما وصل لي، ومسك كتفي بقوة لا يا مريم! أنا حبيت مريم بتاعة النهاردة قبل ما أعرف مريم بتاعة زمان. أنا لما لمست وشك الليلة دي، ملمستش حروق، أنا لمست الروح اللي خلتني أحب الحياة تاني. لو كنت عايز أكفر عن ذنب، كنت بعتلك فلوس، كنت ساعدتك من
بعيد.. لكن أنا سلمتك قلبي وحياتي.
سكتنا والاثنين كنا بنعيط. هو فاقد بصره بسبب ذنب أبوه، وأنا فاقدة وشي بسبب نفس الذنب. الحقيقة كانت أغرب من أي خيال.. إحنا ضحايا لنفس اللحظة المنحوسة من عشرين سنة.
بصيت لوشه الهادي، اللي مش شايفني، بس حاسس بيا أكتر من أي حد شافه وشي قبل كده.
قلتله بصوت واطي كريم.. إحنا الاثنين اتحرقنا في ليلتها، بس بطرق مختلفة.
كريم قرب مني وهمس مريم.. أنا مش شايف حروقك، وعمري ما هشوفها. أنا شايف الست اللي خلت الأعمى يشوف الدنيا بالألوان تاني. هل هتقدري تسامحي ابن الراجل اللي عمل فيكي كده؟
قعدت على الأرض، وشددت على إيده. مكنتش عارفة لسه هقدر أسامح ولا لأ، بس كنت عارفة حاجة واحدة.. إن السر اللي كان خانقنا إحنا الاثنين طول السنين دي، أخيراً طلع للنور.
وفي ليلة فرحنا، وسط الدموع والوجع، بدأنا نبني حياة جديدة.. حياة متبنية على الحقيقة المرة، بس يمكن تكون دي البداية الوحيدة اللي تخلينا نخف بجد.
النهاية.


تعليقات
إرسال تعليق