رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم باقى الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات
رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم باقى الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات
رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم باقى الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات
باقي الفصل السابع والثلاثون(2)👇
فيلا سليم وماسه،6م.
كان مكي يجلس أسفل البرجولة، يدخن سيجارته وعيناه شاردتان في الفراغ.
لمحته سلوي التي خرجت تجلس في الشرفه، فابتسمت بخفة، وهبطت إلى الحديقة.
اقتربت حتي توقفت أمامه: عامل إيه؟
رفع عينيه إليها، وأجاب باقتضاب: كويس.
حاولت فتح حديث: عرفت إن كلنا هنقعد هنا؟
اومأ بصمت، فابتسمت بخفة وجلست على المقعد المقابل له: تعرف إن دي أول مرة نتكلم فيها من ساعة موضوع عائشة؟
لم يرد عليها وظل يدخن سيجارته بصمت، فقالت بشوق يفيض من عينيها: طب تعرف إنك وحشتني؟
ظل علي صمته، فقالت بنبرة امتزج فيها العتاب بالحنين: موحشكش تجيبلي ورد في شنطتي؟ أنا وحشني أوي.
رفع نظره إليها: أنتِ عايزه ايه يا سلوي؟
ابتسمت بحزن: عايزه اقولك إنك وحشتني، وحشني كلامنا، وهزارنا، والورد اللي في شنطتي.
صمتت لحظة، وكأنها تبحث في ملامحه عن إجابة قبل أن تنطق بسؤالها: هو أنا موحشتكش؟ موحشكش أي حاجة؟
أصابت كلماتها قلبه واهتزت جميع الحواجز التي بناها داخله، فأشاح عينيه عنها، ونهض محاولا الهروب منها ومن مشاعره تجاهها.
لكنها أسرعت، وأمسكت بذراعه: هتفضل تهرب مني لحد امتي؟
توقف مكانه، دون أن يلتفت لها: بصلي يا مكي، وبلاش تعاملني كأني بقيت غريبة عنك كده.
شد ذراعه برفق من بين أصابعها، لكنه لم يستطع أن ينتزع نفسه من ذلك الحنين الذي عاد يطرق قلبه رغما عنه.
تابعت بثقه، مستعطفه اياه: بطل مكابرة بقى، أنت بتحبني وخوفت عليا يومها، أنا شوفت دموعك ولهفتك، لو مكنتش بتحبني مكنتش خوفت بالشكل ده ولا دمعت عشاني.
أغمض عينيه للحظة، وقال بصوت متعب: آه خوفت ومش بكابر، بس خوفي عليكي حاجة ورجوعنا لبعض حاجة تانية، إحنا مننفعش مع بعض يا سلوى.
توقفت امامه تقول بألم: ليه مننفعش؟ أنا بحبك، وأنت بتحبني، يبقى ليه مننفعش؟
أطلق زفرة طويلة وقال بصدق مؤلم: علشان مخدتش منك غير الوجع، وعارف إن أول ماهتحصل مشكلة هتمشي تاني، وأنا مبقتش حمل وجع تاني منك.
امتلأت عيناها بالدموع، وهزت رأسها بعنف: والله ما هعملها تاني.
هز رأسه ببطء مرير: قولتيها قبل كده.
نظرت داخل عينه باصرار: المرة دي غير.
صمت للحظة، ثم قال بصراحة موجعة: سلوى، أنا لسه بحبك، وليكي مكانة كبيرة عندي، بس لو رجعنا واتكرر اللي حصل مرة تانية هكرهك، وأنا مش عايز أوصل للمرحلة دي.
انكسرت نظرتها لحظة قبل أن ترفع عينيها إليه مجددا: ليه مصر تحاسبني على غلطة واحدة؟ يعني أنت هتبقى مبسوط لو شوفتني بتجوز حد غيرك؟
لم يجب.
فسألته باصرار موجع: هتعرف تحب واحدة غيري؟
ظل صامتا.
فتابعت بألم: هتعرف تعيش حياتك كأننا عمرنا ما كنا لبعض؟ رد عليا بصلي؟!
بدأت ملامحه تتغير شيئا فشيئا، لم يعد يهرب بعينيه منها بل صار ينظر إليها مباشرة.
اكملت بمرارة ووجع: كفاية العمر اللي ضاع مننا يا مكي، إحنا خسرنا سنين كتير، خلينا نلحق اللي فاضل.
ابتلع ريقه بصعوبة، وشعر أن كلماتها تصيب مكان بداخله حاول طمسه منذ سنوات.
أمسكت ذراعيه وهمست من بين دموعها: بصلي وقولي إنك مش عايزني، قولي سلوى روحي كملي حياتك مع راجل تاني غيري أنا مش عايزك؟!
طالت النظرة بينهما حتي ارتجفت أنفاسه وبدأت قسوته تنهار شيئا فشيئا.
شعرت سلوى بذلك، ورأت التردد يلمع في عينيه، بنظره كانت تعرفها جيدا.
كاد أن يتحدث، ولكن قاطعه صوت سعدية: سلووووى!
تجمد الاثنان.
وأغلق مكي فمه فورا، وكأن بابا كان على وشك أن يفتح ثم أُغلق من جديد.
: سلوى يا بنتي!
أطلق زفرة طويلة، وكاد أن يبتعد، ولكن أتاه صوتها الباكي: مكي...!
تهرب من عينيها: أمك بتناديكي.
قال كلمته واستدار يغادر سريعا وكأنه يهرب من نفسه.
بينما بقيت سلوى تنظر إلى ابتعاده لثواني، قبل أن يصدح صوت سعديه من جديد: مبترديش ليه يا بت، بقالي ساعه بنادي عليكي!
أغمضت عينيها بحسرة: الله يسامحك يا ماما، كان خلاص هينطق.
ثم التفت إليها بغيظ مكتوم: نعم يا ماما، عايزه ايه؟
سعدية بحزم: ازاى تقعدي مع مكي كده؟
سلوى بتعجب: فيها إيه يعني، هو مكي غريب؟
قالت موبخه: آه غريب، ولو حد من إخواتك شافكم هيفتح صوته عليكي قد كده، وأبوكي كمان مش هيسكت.
تنهدت بضيق: طب ما أنا لازم أتكلم معاه، وأحسسه إني خلاص ادتيله فرصة، وإني لسه...
قاطعتها بحزم: لا الكلام ده مينفعش، أنا وافقت إنك ترجعيله لكن مش بالطريقة دي! مينفعش تقعدوا لوحدكم بالشكل ده كأن ملكيش رجاله.
خفضت رأسها: أومال أعمل إيه؟ مش أنتِ اللي قولتيلي اشوف مايته؟
سعدية: اه، بس مش بالشكل ده، قولى لجوز اختك يكلمه.
هزت رأسها: مش هينفع يا ماما، سليم وماسة دلوقتي دماغهم مش فيهم.
سعديه بحزم: يبقي تصبري لحد ما ربنا يقوم أختك بالسلامة، وبعدها نفتح الموضوع بالأصول، غير كده مفيش أي كلام بينكم، فاهمة؟
أطرقت برأسها، وقد اختلطت خيبة الأمل بالرضا: حاضر يا ماما
في الأعلي.
كانت ماسة ممددة على الفراش، بينما جلس سليم بجوارها، يطعمها باهتمام بالغ.
مد قطعه الدجاج نحوها: يلا بقى اسمعي الكلام، دي آخر حاجة.
تنهدت بيأس: كفايه بجد والله مش قادرة، أنت أكلتني نص الفرخة.
سليم: الدكتورة قالت لازم تتغذي كويس علشان النونو.
أجابته بتذمر: قالت تتغذى كويس، مش تتزغط زي البطة!!
ضحك وأمسك إصبع محشي: طب خدي دي بس، عشان خاطري.
رفعت إصبعها: ده وكفاية.
اومأ لها: حاضر، دي وكفاية.
تناولتها على مضض، ثم أمسكت يده وقبلتها بخفة: أرجوك بقى كفاية.
ابتسم باستسلام: ماشي، شويه كده ونكمل الباقي!
نظرت له بعدم تصديق، بينما تناول منديلا مبللا ومسح فمها برفق، قبل أن ينهض ويضع الصنية على الطاولة القريبة.
تساءلت باستغراب: أمال بابا وماما وأخواتي فين؟
أجابها وهو يجلس بجوارها: طلعوا أوضهم يرتاحوا، ويفضوا الشنط.
أومأت برأسها: بس بجد فكره حلوه اوي انك جبتهم يعيشوا معانا.
ابتسم ومد يديه يمسح على خدها بحنان: كنت عارف ان الحاجة دي هتفرحك اوي، عشان كده عملتها.
قبلت يده الموضوعه علي خدها: ربنا يخليك ليا يا احلي سلوملوم في الدنيا.
وفجأه تعالي رنين هاتفها، فتساءلت باستغراب: ده صوت تلفوني؟!
اومأ وقام يلتقطه من علي التسريحه: آه، خليت سحر تجبهولك.
التقطت الهاتف وقال: ده مصطفي!
ضغط علي زر الإجابه وفتح مكبر الصوت فصدح صوت مصطفي القلق: أنتوا كويسين يا ماسه؟ بكلم سليم تلفونه مقفول قلقت عليكم.
أجابه سليم بهدوء: متقلقش يا دكتور إحنا تمام.
مصطفي بارتياح: الحمد لله، طمني على ماسة.
أجابته بمرح: أنا كويسة يا مصطفى، بس فيه بوكس هتاخده مني لما اشوفك، حبكت يعني تحكيله في اليوم ده، ضيعت عليا المفاجأة منك لله..
مصطفى بابتسامه: حقك عليا، بس والله خوفت يحصل حاجة لو مقولتش، خصوصا بعد ما قولتيلي إنك حامل.
ضحكت بخفة: هتاخد البوكس برضو يا مصطفى..
ضحك عاليا: يستي أنا موافق أخذ بوكسين كمان، المهم أنتِ كويسه دلوقتي؟!
ماسة: الحمد لله، كله خير.
تدخل إيهاب بلهفه: إزيك يا ماسة؟
أجابته بابتسامه: الحمد لله يا إيهاب، أنت عامل ايه، وماما نبيله وعائشه، كلكم كويسين؟
ابتسمت نبيلة وهي تقترب من الهاتف: الحمد لله يا حبيبتي، ربنا يطمنا عليكي ويتمم حملك علي خير.
بينما تدخلت عائشه بمرح: عامله ايه يا ماسه يا وحشه، وحشتيني أوي، ألف مبروك.
ماسة بحرج: الله يبارك فيكي، أنتم كمان وحشتوني جدا والله، وحقيقي آسفة إني مجتش زرتكم، بس أديكم شايفين، عايشه في فيلم أكشن مش بيخلص.
ضحكت نبيلة: ربنا يسترها عليكم يا بنتي.
عاد مصطفى إلى الحديث بحرج: سليم أنا عارف إنه مش وقته، بس آلاء عندها امتحان كمان يومين، ولازم تروح.
جاءه الرد سريعا: خليها تروح، واخرجوا ومارسوا حياتكم عادي، والحراس هيبقوا معاكم، أنا هكلم صبحي افهمه..
انعقد حاجبي مصطفى بدهشة: نمارس حياتنا أزاي؟
اجابه: يعني أرجع لشغلك وحياتك عادي.
تردد مصطفى قليلا: بس يا سليم عيلتك فاكرين إنك قتلتني، لو عرفوا إني لسه عايش هنبقي بنرجع للصفر تاني..
اجابه بهدوء: مش فارقه، كده كده إللي كنت محتاج أعرفه عرفته واللعب هيبقي على المكشوف، من هنا ورايح أعمل إللي أنت عايزه، بس خلي الرجاله معاك احتياطي، ولو حابب تكمل في الفيلا براحتك البيت بيتك..
أومأ مصطفى: تمام يا سليم هظبط اموري وابلغك، المهم أنت مش محتاج حاجة؟
سليم بامتنان: لا، وشكرا علي تعبك معايا الفتره اللى فاتت، حقيقي جمايلك دى هتفضل في رقبتي العمر كله.
مصطفي بموده: متقولش كده انت وماسه اخواتي، وشكرا ليك انت كمان علي اللي عملته في موضوع آلاء.
سليم بجدية: لا شكر علي واجب، دى اقل حاجه اقدمهالكم، وبلغهم ميقلقوش علي محمود أنا مش فايقله دلوقتي، بس أطمن علي ماسه وهظبطه واخليه يرجع تانى راجل يشيل مسؤليه امه واخته.
مصطفي: تمام يا سليم، في رعايه الله.
انهي المكالمة، وخيم الصمت على الجميع لثواني، قبل أن تتساءل عائشة: إشمعنى دلوقتي؟!
هز كتفيه: معرفش، سليم محدش بيفهم دماغه.
أنهار بقلق: المهم يا ابني إنك تبقى بعيد عن أي حاجة ممكن تأذيك.
هز رأسه بثقة: أنا متأكد إن سليم لو كان حاسس إن فيه أي خطر عليا، عمره ما كان هيقولي أخرج.
ثم نظر إلى آلاء بابتسامه: عموما، آلاء تخلص امتحاناتها الأول، وبعدها نشوف موضوع الرجوع للشقة ده؛ لإن فعلا مش هينفع نفضل هنا بعد ما خلاص الموضوع اتحل.
أومأوا بالموافقة، وقد خيم على وجوههم ارتياح حذر، إذ شعروا لأول مرة منذ فترة أن الأمور بدأت تستعيد مسارها الطبيعي، ولو قليلا
عند ماسة وسليم.
نظرت لسليم باستغراب، بعد أن أغلق مع مصطفى المكالمة وتساءلت بتعجب: أزاي يعني يخرج ويروح وييجي؟ ما تخلي آلاء تروح تمتحن مع حد من الحراس وخلاص.
أجابها بهدوء: وهفضل حابسه ليه؟ كفاية بقاله كذا شهر محبوس، كتر خيره.
تساءلت بقلق: طب كده مش هيبقي فيه خطورة عليه؟
امسك يدها، وابتسم بثقة: تفتكري ممكن يكون فيه خطر عليه وأسيبه؟ هما دلوقتي مشغولين في مشاكلهم وعندهم حاجات أهم، وبعدين هيشوفوا مصطفى فين؟ الموضوع بالنسبة لهم اتقفل.
ظلت صامتة لثواني، ثم قالت: طب خليهم قاعدين في الفيلا، مصطفى شقته مش هتكفيهم، وأكيد دلوقتي ظروفه المادية مش أحسن حاجة.
هز كتفيه: طب ما أنا قولتله يقعد لو عايز.
ابتسمت تهز رأسها: مش هيقعد، أنا عارفاه، اكتبها باسمه واديهاله بالاجبار.
ابتسم بخفة: معنديش مشكله، بس تفتكري هيقبل؟
ضحكت بخفه: قوله هدية جوازك، أو هدية وخلاص، أي حوار يعني يا سليم، أنت هتغلب.
اومأ: ماشي، هعمل كده.
ابتسمت ومدت ذراعيها نحوه بدلال: طب قوم بقي شيلني، خلينا نقعد في الجنينة قصاد النيل ونسمع أغاني وناكل درة.
ابتسم بحب: بس كده؟ عيوني يا أحلى قطعة سكر.
ثم أضاف وهو ينظر إليها بنظرة يغلب عليها شيء من الغيرة: بس بقولك إيه، خفي هزار مع مصطفى، علشان بجد بدأت أضايق.
اتسعت عيناها بدهشة: أنا مقصدش.
أومأ برأسه: أنا عارف إنك متقصديش بس لازم ناخد بالنا، ماشي؟
ابتسمت بدلال ووضعت يدها علي بطنها: طب متكشرش في وشي كده، لنونو يطلع كشري زيك، تبقي مصيبه.
ظل ينظر إليها دون أن تهتز ملامحه: سمعتي قولت ايه؟ قولي حاضر.
ضحكت بمرح: حاضر يا كرملتي.
قرصت خديه بابتسامه: يا خراشي عليك لما بتغير، بموت فيك.
لم يستطع منع ابتسامته هذه المرة، وانحنى يحملها برفق، ثم أتجه بها إلى الحديقة المطلة على النيل.
المستشفى التي تمكث بها مي،6م
كانت ممددة على الفراش، ولاتزال آثار التعب واضحة عليها، بينما جلس رشدي بجوارها، والتفت عائلتها حولها، ومعهم ياسين ولوجين الذين جاءا للاطمئنان عليها.
لوجين بابتسامه: سوري يا مي والله معرفناش نجيلك قبل كده.
اجابتها ابتسامة واهنه: يا بنتي عادي، أنا أصلا لسه فايقة من يومين.
جلست بجوارها وسألتها باهتمام: طب حاسة بإيه دلوقتي؟ بقيتي أحسن؟ ولا لسة تعبانة؟
تنهدت قليلا: الحمد لله، بس ساعات لما بحرك إيدي بحس بتعب، وساعات بحس إني مدروخة شوية.
ربتت على يدها برفق: معلش إن شاء الله هتبقي كويسة.
حاول رشدي تغيير الأجواء: أعملوا حسابكم بقى أول ما مي تقوم بالسلامة، نسافر سوا سفرية جامدة.
نظر إلى لوجين بمشاكسة وتابع: أنا سامع إن القطة الشيرازي بتعرف تعمل برامج جامدة.
نظرت إليه لوجين من طرف عينيها دون رد، ثم حولت نظرها إلى مي مرة أخرى، وكأنها لم تسمع شيء.
لاحظ ياسين الموقف، بينما تنحنح رشدي بخفة، بعد أن أدرك أن مزحته لم تلقَ استجابة.
ومرت الدقائق التالية في أحاديث متفرقة، كانت تتحدث فيها لوجين مع الجميع إلا رشدي، وكلما وجه إليها حديثا، كانت تكتفي بإجابة قصيرة، أو تتجاهله تماما، فصار واضحا للجميع عدم تقبلها لوجوده، مهما حاول أن يبدو مرحا أو خفيف الظل.
وبعد مغادرتهم نظر رشدي لمي باستغراب: مش ملاحظة إن لوجين كانت بتعاملني بطريقة وحشه!
اومات: اممم لاحظت، يمكن تعبانة أو فيه حاجة مضيقاها.
مد وجهه بعدم اقتناع: يمكن!
سيارة ياسين...
نظر إليها بطرف عينه: إيه اللي عملتيه مع رشدي ده؟!
هزت كتفيها: عملت إيه؟
أجابها بعتاب: كنتي بتكلميه بأسلوب مش حلو خالص، وكان باين جدا إنك متضايقة منه.
اومأت بتأييد: أنا فعلا مش طايقاه، بعدم ما عرفت إنه استغلني قبل كده، واللي عمله مع ماسة وسليم، بجد إنسان مقرف.
تنهد قائلا: طب ممكن تهدي؟ مينفعش رشدي يحس بحاجة.
اومات بإيجاب: إحنا اصلا لازم نمشي من القصر، أنا مش قادرة أتعامل مع حد هناك بعد اللى عرفته.
أجابها بتأكيد: هنمشي أكيد، بس لازم نشوف سليم هيعمل ايه؟! معتقدش انه هيكمل وهيخاف علي ماسه، عموما أنا هكلمه أبلغه باللي حصل على السفرة وأباركله أكيد زمانه عرف.
ابتسمت بحماس: طب يلا كلمه دلوقتي!
التقطت هاتفه وبدأ بالاتصال به، ولكن هاتفه كان مغلق.
نظر لها: قافل تليفونه
لوجين بابتسامة: يبقى عرف واكيد حابب يقضي وقت معاها بعيد عن اي مشاكل، سيبه دلوقتي ولو حصل مشكلة كبيره بلغ مكي
اوما بايجاب، وتابع القياده بابتسامه تزين وجهه فرحا بأن سليم سيرزق بمولود أخيرا.
قصر الراوي،8م
دخل عزت المكتب مستندا على عكازه وخلفه فايزه وفريده، كانت آثار المرض واضحة عليه، إلي أن نظراته بقيت حادة لا تفقد هيبتها.
وفور دخوله توقف المديرين احتراما، فأشار لهم بالجلوس، وأخذ مكانه على رأس الطاولة، وبدأ الاجتماع بهدوء لم يستمر طويلا.
سرعان ما تحولت المناقشات إلى جدال حاد، خاصة بعد إطلاعه علي التقارير الأخيرة واكتشاف حجم التراجع الذي أصاب المجموعه في غيابه.
وبعد أكثر من ساعتين، أصدر تعليماته وأنهى الاجتماع، فخرج المديرون تباعا، وكل منهم يحمل فوق كتفه عبئا جديدا.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يلقي أحد الملفات قائلا: أنا عايز أفهم إيه اللي أنا شايفه ده؟ أنا لو سايب المجموعة في إيد طلبة مكانتش وصلت للمهزلة اللي شايفها دي.
ضرب الطاولة بيده: وسليم اللى كل ما اكلمه يقولي تمام يا باشا فين؟ يعني إيه مبيروحش؟!
فريدة باستغراب: حاجه غريبه فعلا، أنا كل مرة كنت بكلمه كان بيقولي كله تمام..!
قلب الأوراق أمامه بعصبية: واضح إن كله تمام، هو فين سليم اصلا؟
ردت فايزه بسرعة: مش عارفه مختفي من امبارح هو وماسه، حتي سحر مش موجوده هي كمان.
في تلك اللحظه دخل ياسين يتسأل بقلق: فيه إيه يا جماعه؟ صوتكم عالي ليه كده؟!
التفت إليه عزت بنظرات تشتعل غضبا: صوتي عالي علشان ولاد الراوي جايين يخيبوا علي كبر.
دفع الملف لأمام بضجر: هو ده الشغل اللى كنت بتقولى عليه تمام ومتقلقش يا باشا، أنت والبيه اخوك؟ إيه سايب الشغل في إيد أطفال؟
أخفض ياسين رأسه: يا باشا، أنا حاولت ألم اللي أقدر عليه، بس سليم هو اللي كان ماسك كل حاجة.
عزت بسخط: آه سليم!! هو فين سليم اصلا، أنا بلغني انه مبيروحش من الأساس..
حاول ياسين التبرير بتوتر: يا باشا هو قالي إنه قاصد يبين كده، علشان يوقع الخاين اللى ورا كل ده.
لم تظهر علي وجه عزت ذرة اقتناع واحده، وصمت لحظه قبل أن يبتسم ابتسامه بارده لا تبشر بالخير: ماشي يا ياسين، أنا هعرف أزاي أحلها وارجع المجموعه زي ما بنتها لوحدي، واخوك ليا حساب تاني معاه لما اشوفه.
ثم رفع صوته: يلا كل واحد علي اوضته، سبوني لوحدي
غادر الجميع عدا فايزه التي ظلت جالسه بجواره تنظر له بقلق واضح قبل أن تقول: أنا اختفاء سليم ده مش مطمني يا عزت، تفتكر يكون عرف حاجة، أو ماسه حكتله زى ما كانت بتهددني؟
أجابها بثقه: سليم لو عرف عمره ما هيسكت، أنتِ تايه عن سليم يعني؟!
ثم أضاف وهو ينظر أمامه بشرود: أنا بس اللى مستغربه ليه معملش أي حاجة من اللي كان بيقولي عليها؟
هزت كتفيها بتوتر: ما ياسين بيقول إنه قاصد ده علشان يكشف الخاين!
نظر لها بابتسامه ساخره: أنتِ اكبر من انك تصدقي كلام فارغ زى ده يا فايزه!
هز رأسه بهدوء خطر: عموما أنا هعمل كام مكالمه وهعرف اذا كان بيدور وقاصد ده فعلا، ولا فيه حاجه تانيه...!
♥️______________بقلمي_ليلة_عادل
فيلا سليم وماسة،11م.
كانت نسمات الهواء تداعب خصلات شعرها، وهي جالسة براحه علي أحد الأرائك أمام ضفة النيل، بينما جلس سليم بجوارها، يضمها اليه بحمايه ويمسح على بطنها بابتسامة حانية: حبيبي أنت سامعني؟ أنا بابا سليم، هتيجي إمتى بقى؟ أنا مستنيك من دلوقتي، بعد الثواني عشان أشوفك.
انحنى ووضع قبلة طويلة على بطنها، قبل أن يرفع عينيه إليها ويقول بحماس: مش أنتِ قولتيلي معاكي تسجيل لدقات قلبه؟
اومأت بابتسامه حانيه: أه يا حبيبي، ناولني التليفون.
التقط الهاتف، وأعطاه لها وعيناه تلمع بالحماس.
فتحت الهاتف، وبدأت تبحث بين الملفات، حتى وصلت إلى تسجيل ضغطت على زر التشغيل، فارتفع صوت دقات قلب صغيرهما تشق سكون المكان.
أغمض عينيه للحظه باستماع، وكأنه يستمع أعذب معزوفة مرت على أذنيه.
وبعد انتهاء التسجيل، فتح عينيه وقد بدأت الدموع تتجمع فيهما دون أن يشعر، وهمس بصوت اختلطت فيه الفرحة بالشوق وهو يضع يده علي بطنها: ياااه، امتى بقى أسمعه بيقولي يا بابا.
ابتسمت بحنان، وربتت على يده: إن شاء الله قريب، كلها 6 شهور بالظبط.
تنهد بشوق: نفسي اغمض عيني وافتح الاقيهم عدوا بسرعة.
ثم هز رأسه بابتسامة: وفي نفس الوقت مش عايز اضيع مني ولا يوم وأنا بشوفه بيكبر جواكي.
ضحك بخفوت: حاسس إني هتجنن.
ضحكت بتأيد: لا اتاكد، أنت اتجننت خلاص يا حبيبي، أنا وأنت بقينا مناخوليا.
ضحك عاليا، وضمها إليه يطبع قبلة على جبينها بحب: المهم نبقى مجانين مع بعض طول العمر.
ضحكت وحاولت النهوض، فاوقفها سريعا: رايحة فين؟
اجابته: هدخل الحمام.
أومأ برأسه، ونهض يحملها بين ذراعيه، فسألته بتعجب: أنت بتعمل ايه يا سليم!
اجاب ببساطه: هوديكي الحمام، الدكتورة قالت متتحركيش...
ضحكت بتعجب: بس مش لدرجه الحمام!
اجاب بحسم: لا لدرجة الحمام، وأكتر كمان.
ادخلها الحمام، وانزلها برفق ثم بدأ يساعدها في خلع ملابسها، فأمسكت يده: أنت بتعمل إيه؟
أجابها بابتسامه: اكيد مش هتتكسفي مني؟
ضحكت بخجل: لا مش مكسوفة منك، بس يا روحي أنا تمام، استناني برا علي ما أخلص.
هز رأسه معترضا: ماسة، بطلي عبط ومتضايقنيش، أنا مش هسيبك.
ضحكت رغما عنها: أنت اتجننت بجد، بس ماشي، حد يلاقي دلع يقول لأ؟
ساعدها حتى انتهت، ثم حملها مرة أخرى، وتساءل: تحبي نخرج الجنينه تانى ولا نرجع الاوضه؟
تثائبت قائلة: لا الجو ليل، وعايزه أنام.
اومأ لها، وتابع سيره إلي الغرفة، ووضعها علي الفراش برفق.
ظلت تبتسم وهي تنظر له، فتساءل: نفسي أفهم بتضحكي علي ايه؟
تبسمت بخفوت: أصل بحبك أوي لما بتدلعني وتعاملني كده.
رفع حاجبه: يا سلام! علي أساس مش بدلعك علطول؟
أجابت بمشاكسة: بس النهارده الجرعة زايدة شوية.
ثم أغمضت عينيها بتعب: المهم بقى طفي النور عشان تعبانة وهموت وأنام.
مسح على شعرها بحنان: حاضر يا حبيبتي، تصبحي على خير وسعادة.
اطفاء الانوار، وساعدها في الاستلقاء على ظهرها، ثم تمدد بجوارها.
وما إن مالت لتنام على صدره، حتى اعتدل سريعا: أنتِ بتعملي إيه؟
نظرت إليه باستغراب: خضتني يا سليم! هنام على صدرك، في إيه؟
قال بجدية شديدة: مينفعش تنامي على جنبك، الدكتورة قالت تفضلي نايمة على ضهرك.
حدقت فيه بعدم تصديق: أنت بتهزر!!
هز رأسه بحزم: لا بتكلم جد، بطلي دلع.
عبست ملامحها: دلع إيه يا سليم؟! أنا هنام على جنبي!! وبعدين أنا متحركتش النهارده كتير، وأنت عارف.
رد باعتراض حاسم: برضو تنامي على ضهرك، استحملي. وبطلي دلع، اكبري شوية.
نظرت إليه بصدمة: لو سمحت متزعقليش كده أنا معملتش حاجة، أنت اللى قلقان بزياده، وبعدين مستحيل الدكتورة تمنعني أنام على جنبي، أنا عمري ما سمعت الكلام ده!!
رد بجدية: لا قالت تنامي على ضهرك 10 أيام.
ضحكت بتعجب: أكيد متقصدش الكلام حرفي كده يا سليم!!
ظلت ملامحه عابسه ولم يبدُ عليه أي بوادر اقتناع، فاشارت للهاتف بمهاوده: طب اتصل بالدكتوره واسألها وشوف هتقول ايه.
أمسك الهاتف: ماشي، وهسمعك بنفسك عشان تبطلي عند.
اتصل بالطبيبه وبعد لحظات، جاءه الرد: السلام عليكم.
سليم: وعليكم السلام، أنا سليم الراوي يا دكتور جوز مدام اللي كلمك النهارده بخصوص النزيف اللى حصلها.
الطبيبه: أيوه طبعا يا أستاذ سليم فاكره، خير إن شاء الله؟
سليم بتوضيح: حضرتك قولتي إنها تنام على ضهرها 10 أيام، وهي مصممة تنام على جنبها، فمن فضلك فهميها.
انصدمت الطبيبة من الجملة، وساد صمت قصير قبل أن تتنحنح وتقول: واضح إن حضرتك فهمتني غلط، لما قولت تنام علي ظهرها دى كان تعبير مجازي، أقصد بيه إنها ترتاح ومتبذلش مجهود كبير، إنما مش قصدي احدد وضعيه نومها!!
عقد سليم حاجبيه: يعني مفيش خطوره لو نامت علي جنبها؟
ابتسمت الطبيبه بخفوت: لا مفيش خطوه، تنام في الوضعيه اللى تريحها عادي.
التفت نحوها، فوجدها تنظر إليه بابتسامة منتصرة، وتحرك حاجبيها بغيظ، ثم همست: شوفت؟
ثم استدارت تنام علي جنبها، وهي تقول بشماته: أحسن
تنهد، وحك مؤخرة رأسه باحراج: تمام يا دكتور، شكرا، وآسف لو ازعجت حضرتك، بس كنت خايف.
الطبيبه: ولا يهمك يا فندم.
سليم: شكرا لحضرتك.
أنهى المكالمة ونظر لها فوجدها تضحك باستفزاز، تمدد بجوارها يتمتم بتذمر: بطلي ضحك بقي، علي فكره من حقي أخاف عليكي انتِ والبيبي، ده مجاش بالساهل!
اشفقت عليه وتفهمت خوفه، واقتربت تطبع قبله علي وجنته: أنا آسفة والله مش قصدي أضايقك، أنا حاسة بكل اللي إنت حاسس بيه ومقدرة خوفك، وأنا كمان والله خايفه عليه زيك.
ضمها إليه بحنان، وقبل رأسها قبلة طويلة: متعتذريش، نامي بقى وارتاحي.
ابتسمت وأسندت رأسها إلى صدره، بينما ظل يضمها بحنان وكأنها أثمن ما يملك.
لم تمضِ سوى دقائق قليلة، حتى أغمضت عينيها، وذهبت في سباتٍ عميق، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة.
أما سليم...
فلم يستطع النوم.
ظل ينظر إليها، ثم إلى بطنها، غير مصدق أن الله أكرمه أخيرا بذلك الطفل الذي طالما حلم به.
رفع يده، ومسح علي بطنها برفق: الحمد لله، ربنا يخليكوا أنتم الاتنين ليا.
وبعد دقائق، أثقل النعاس جفنيه فأغمض عينيه، ليغرق هو الآخر في سبات عميق.
وخلال اليومين التاليين.
ظل يبالغ في اهتمامه بها بصورة واضحة؛ لم يكن يتركها للحظة، ولم يجعلها تغادر الفراش، وعندما تريد الذهاب إلى الحمام، كان يحملها ويذهب معاه، وإذا أرادت تغير وضعية نومها، كان يسبقها ليساعدها برفق، خوفا عليها من أي حركة قد تتعبها.
أما الطعام، والدواء... فكان هو من يحضره إليها بنفسه، رافضا أن يترك ذلك لأي شخص آخر، وحين تشعر بالملل وتطلب الجلوس في الحديقة، كان يحملها إلي هناك ويجلس بجوارها يراقبها بعينيه أكثر مما يتابع حديثها، كان خوفه عليها واضحا في كل تصرفاته، وفي عشرات المرات التي كان يتساءل فيها:
"تعبانة؟"
"محتاجة حاجة؟"
"حاسّة بدوخة؟"
ورغم أنه لم يمض سوي يومين، الي أنه هاتف الطبيبه فيهم لمئات المرات يتسأل عن كل صغيره وكبيره.
أما ماسة، فلم تنزعج من ذلك الاهتمام، بل كانت تراه دلالا وحبا كبيرا، حتى أنها كانت تبتسم كلما رأته يركض خلفها لمجرد أنها قالت إنها تريد شيئا بسيطا.
علي اتجاه آخر...
كان عماد ينتظر ظهور تمساح بقلق شديد، لكن الأخير اختفى تماما وكأنه تبخر، مما زاد شكوكه، وجعله يعيش في حالة ترقب لا تنتهي.
بينما كانت حالة صافيناز من سيء لاسواء
أما نالا، فقد بدأت علاقتها بلوجين تتحسن شيئا فشيئا، خاصة في وجود ياسين
بينما عاد عزت إلى المجموعة، يعمل علي قدم وساق حتي استطاع تعويض بعض من خسارة الفترة السابقه، ولكن ما أثار حفيظته هو اختفاء سليم وعدم قدرته علي التواصل معه، فكلما حاول الاتصال به وجد هاتفه مغلقا.
بينما كانت آلاء تلقي دعم هائل من مصطفي الذي لم يتركها لحظه، مع اقتراب موعد امتحانها.
كان يشرح لها الدروس بصبر، ويعيد المعلومة أكثر من مرة ليتأكد من اسيعابها لها جيدا، بينما كانت هي تذاكر بجدية، مصممة تحقق نتيجة تُفرحه قبل أن تُفرح نفسها.
أما سلوي، فما زالت عاجزة عن الحديث مع مكي، نظرت لوجود إخوتها ووالدها بشكل دائم، فكانت تختلس إليه نظرات سريعة، تحمل من المشاعر أكثر مما تستطيع الكلمات وصفه.
♥️___________بقلمي_ليلة_عادل.
فيلا سليم وماسة،12ظ.
جلس سليم في الحديقه، يضع الهاتف علي أذنه، ويستمع للطرف الآخر باهتمام: عزت باشا بدأ يشك، وكلم ناس كتير علشان يتأكد من المعلومات اللى وصلتله، فلازم تاخد بالك.
هز رأسه بهدوء: طب وانتم ناوين تختاروا مين؟ الماضي ولا الحاضر؟ أصل خلاص الامبراطور عزت الراوي بقى ماضي.
ساد الصمت لثواني، قبل أن يأتيه الرد: تفتكر لو كنا مختارين الماضي، كنا وافقناك من الأساس؟
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه: يبقى كده متفقين، قولوله الكلام اللى اتفقنا عليه، مش عايز زيادة ولا نقصان.
: وأنت هتعمل إيه؟ وهتفضل مختفي كده؟ لازم نجتمع.
أجابه بثبات: اليومين دول عندي حاجات أهم، أول ما أخلص اللي في إيدي هنجتمع.
أنهى المكالمة، وبقي للحظات صامتا، يحدق أمامه بشرود.
كانت الأحداث تتشابك من حوله، وكل خيط منها قد يقوده إلى مواجهة لا يريدها الآن. كان يعلم أن أي خطوة خاطئة قد تُسقط كل ما بناه خلال الأشهر الماضية.
رفع رأسه نحو الواجهة الزجاجية للفيلا، حيث ظهرت غرفة ماسة، لمحها تجلس مع شقيقتها، فتغيرت ملامحه قليلا، وهمس لنفسه: ماسة دلوقتي أهم من أي حاجة، وبعدها كل حاجة تهون.
أطلق زفرة طويلة، وأجرى اتصالًا آخر، ما إن جاءه الرد حتى تحدث بالإيطالية: كيف حالك ماركو
ماركو: بخير
سليم: هل تواصل عزت معك خلال الفترة الأخيرة؟!
ماركو: نعم، وحدث ما اتفقنا عليه.
سليم بنبرة حاسمة: أريدك أن تُبقي كل شيء تحت السيطرة حتى أنتهي مما أفعله.
ماركو بثقة: بالتأكيد، أبي أيضا سيتواصل معك.
ابتسم سليم ابتسامة خافتة: لا تقلق، ما زلنا على عهدنا.
ماركو: ونحن كذلك.
أنهى المكالمة، وأعاد نظره إلى الحديقة أمامه بشرود، يشعر وكأنه في خضم معركه، يحارب فيها بكل قوته لحماية الشيء الوحيد الذي لم يعد مستعدا لخسارته (ماسة وطفله)
لمحته سعدية يجلس بمفرده، فتقدمت نحوه وتسألت بابتسامه متعجبه: يعني سايب ماسة؟
اجابها بابتسامه: سبتها قاعده مع سلوي، وخرجن اعمل كام مكالمه.
أومأت برأسها: طب فاضي أتكلم معاك شويه؟
اومأ سريعا: آه طبعا اتفضلي.
جلست على المقعد المقابل له، ونظرت إليه للحظات، قبل أن تقول بجدية: قولي بقى بصراحة فيه حاجة؟
نظر إليها باستغراب: حاجة إيه؟
وضحت بقلق: أنا حاسه إن في حاجة مخبيها، اهتمامك الزايد بماسه اليومين اللى فاتو دول مقلقني
ابتسم بخفوت محاولا التهرب: مش عايزاني أدلع مراتي ولا إيه يا سعدية؟
هزت رأسها: يا ابني أنا ست كبيرة وجبتهم أربعة، وشوفت في الدنيا كتير، خوفك ده مش خوف راجل بيدلع مراته، أنت فيك حاجة عارفها وساكت.
صمت ولم يعرف ماذا يقول، فأكملت بقلق: قولي يا ابني لو فيه خطر عليها أو عللي في بطنها، نورني على الأقل أبقى عارفة، وآخد بالي منها.
ظل صامتا للحظات، قبل أن يطلق تنهيده طويلة، ويقول بخفوت: الدكتور قالي إن حملها لسه مضطرب وفيه خطر علي البيبي، وممكن لقدر الله نخسره.
اتسعت عينيها وشحب وجهها، فقال سريعا: أهدي أرجوكي، بلاش تخليني أندم إني حكتلك..
أكمل بهدوء: الدكتور قال إن لو ال10 أيام دول عدو علي خير هتكون عدت مرحلة الخطر بإذن الله.
صمت لحظة، ثم واصل: بس ماسة متعرفش حاجة من الكلام ده.
نظرت إليه باستفهام، فتابع مفسرا: لو عرفت أو حست إن فيه خطر على البيبي هتتوتر، وتوترها ده ممكن يضرها أكتر، علشان كدة مخليها فاكرة إني موسوس، وكل إللي بعمله ده مجرد خوف زيادة.
تسألت بقلق: يعني يا ابني لو عدينا ال10 أيام دول، هتبقى كويسة؟
هز سليم رأسه: إن شاء الله، وبرضوا بعدهم لازم ناخد بالنا، لكن على الأقل المرحلة الأصعب هتكون عدت، والدنيا هتبقى أهدى شوية.
رفعت يديها إلى السماء وهمست: إن شاء الله، ربنا كريم ومش هيكسر فرحتنا بيها.
ثم ابتسمت ابتسامة مطمئنة: ومتقلقش سرك في بير، ماسة مش هتعرف مني حرف واحد، وأنا بنفسي هاخد بالي منها ومش هخليها تتحرك خالص.
على اتجاه آخر...
كانت ماسة تستند بظهرها إلى الوسائد، بينما جلست سلوى أمامها، تتبادل معاها الأحاديث.
تنهدت ماسه: طب وهتعملي إيه؟ كده الموضوع مبقاش نافع، وأمك عندها حق لو أبوكي أو حد من إخواتك شافك، هيعملوا مشكلة كبيرة.
خفضت رأسها تعبث بأصابعها: مش عارفة يا ماسة، أنا لسه بحبه، وحاسة من آخر مره اتكلمنا إنه كان خلاص هيلين وينطق لولا امك بقي...بقولك يوم موضوع عائشة ده كان خايف عليا ومرعوب
رفعت حاجبها باستهجان: متفكريش بموضوع عائشة ده، لأن سليم لما حكالي كان هاين عليا اجي الطشك، أنتِ ازى تعملي كده وتعرضي نفسك للخطر؟!
ضحكت سلوى بسخرية: شوف مين اللى بتتكلم، دى أنتِ مجرد ما عرفتي إن سليم في خطر، جريتي ونسيتي اللي في بطنك وكنتي هتسقطي.
ماسة بتبرير: دى مش زى دى، فيه فرق.
هزت سلوي راسها: خلاص بقي موضوع وعدي، خلينا في المهم وقوليلي اعمل ايه؟
زمت ماسة شفتيها بحيرة: خايفة اقولك كلميه تاني يبقي بتقللي من كرامتك، وبرضوا مش قادرة اقولك وقفي محاولات، لانه بصراحه يستاهل، وأنتِ غلطي في حقه جامد.
أطرقت سلوى برأسها في صمت، بينمت مدت ماسة يدها وربتت على يدها برفق: بصي استني شوية، وأنا هكلم سليم، أخليه يكلمه الأول، ونشوف الدنيا..
اومأت بصمت، وقد عاد الأمل يلمع في عينيها.
المشفى التي تمكث بها مي،1ظ.
استندت علي ذراع رشدي تتنقل معه بخطوات بطيئة في أحد الممرات، وقد بدا على ملامحها بعض التحسن.
نظر لها بابتسامة: تعبتي ولا نلف كمان شويه؟
أجابته: لا، خلينا نكمل لحد الجنينه، زهقت من القعدة في الأوضة.
أكملا السير ببطء حتى وصلا إلي الحديقه، فجلست علي أحد المقاعد، وهي تزفر بهدوء.
رشدي بحنان: استريحي شوية، وبعدين نرجع الأوضة.
قالت بتذمر: طب ما تخلينا نخرج، الدكتور قال إن حالتي بقت أحسن وممكن أكمل علاج في البيت.
هز رأسه: حالتك بقت أحسن آه، لكن لسه مخفيتيش 100%، مستعجله علي ايه؟
تنهدت باختناق: مبحبش المستشفيات بتخنق منها، بسبب إللي حصل زمان.
انحنى يقبل جبينها قبلة طويلة: معلش يا حبيبتي هانت، كلها أيام وتخرجي ونسافر وهعملك حتة رحلة هتجننك.
ابتسمت رغما عنها وأسندت رأسها على كتفه في صمت.
وفجأة تعالي رنين هاتفه، اخرجه من جيبه واجاب: ايوه يا شوقي.
جاءه الرد من الطرف الآخر: كنت عايز أبلغك يا باشا إني جهزت الورق بتاع البنت اللى قولتلي عليها، لقيتلها مدرسه في كندا وواحده كمان في استراليا، اقدم في أنهي واحده؟
أجابه: قدملها في كندا، واقطعلها تذكرة طيران كمان اسبوع، وخلي الورق جاهز معاك.
شوقي: اوامرك يا باشا.
أغلق الهاتف، فرفعت عينيها بتساؤل: فيه ايه؟ وورق مين؟
أجابها بابتسامه: ورق جنه، علشان تسافر معانا.
تهللت ملامحها: بجد!
اومأ: أيوه هقدملها علي مدرسه في كندا علشان تبقي معانا، وأنا بتعالج زى ما كنتي عايزه.
أمسكت ذراعه بحماس: أنا بجد مبسوطه اووى إنها هتبقي معانا.
مسح علي خدها بحنان: وأنا مش عايز اي حاجه غير إنك تبقى مبسوطه.
ألقت بنفسها بين احضانه: أنا بحبك أوى يا رشدي.
احاطها بذراعيه وقال بصدق: ورشدي معرفش يعني إيه حب غير معاكي
أمام مستشفى القصر العيني،2ظ.
جلس مصطفي داخل سيارته، وعيناه لا تفارقان بوابة المستشفى ينظر خروج آلاء، وما إن لمحها حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة.
ترجل من السيارة متجها إليها: عملتي إيه؟
أجابته بتنهيده: الحمد لله عدى، بس حصل موقف غريب أوي.
قطب حاجبيه بقلق: موقف ايه؟ تعالي نروح نشرب حاجة الأول، واحكيلي
اومأت بخفة، ففتح لها باب السيارة، فجلست وهي تشكره بنظرة ممتنة، ثم استدار إلى مقعده وأدار المحرك، لينطلقا نحو أحد المطاعم القريبة.
بعد دقائق...
كانا يجلسان متقابلين، وبينهما كوبان من العصير.
نظر إليها باهتمام: ايه بقي الموقف اللى حصل؟
اجابته: سحبت الورقة، وطلع فيها 3 أسئلة من اللي مذاكراهم.
اتسعت ابتسامته: هايل.
عبثت بطرف المنديل بين أصابعها وهي تبتسم بخجل: جاوبت أول واحد حلو، ولسه هكمل التاني، لقيت الدكتورة بتقولى أنتِ الكام على الدفعة؟
توقفت لحظة ثم قالت بخجل: اتكسفت أو وقولتلها الأولى، قالت لى طب خلاص ومخلتنيش أكمل.
اجابها بابتسامه: اتكسفتي ليه، أكيد أعجبت باجابتك وادتك النهايه علشان كده سألت.
هزت كتفيها بابتسامه خجوله: معرفش أنا بتكسف لما حد من الدكاترة يسألني السؤال ده.
ضحك عاليا: عشان تعبانة في دماغك يا آلاء.
وفي اللحظة نفسها، انفجرت آلاء ضاحكة هي الأخرى...
لكن ضحكتها اختفت تدريجيا وشردت في ضحكته، بقيت عيناها معلقتين به دون أن تشعر، وهي تتأمل ضحكته الصافية، والغمازتين اللتين ظهرتا على وجنتيه فزادته وسامه.
لأول مرة تنتبه لكل تلك التفاصيل، وكأنها انسحبت داخل تلك الابتسامة، ولم تعد تسمع ما يدور حولها ودون ان تشعر ارتسمت ابتسامه إعجاب على وجهها، حتي مرت ثواني وهي على تلك الحالة..
انتبه لشرودها، فلوح بيده أمام عينها: إيه روحتي فين؟
انتفضت من شرودها اخيرا، وابتلعت ريقها بتوتر وخجل، لم تعرف بماذا تجيب، وحاولت تغير الموضوع بتوتر: متعرفش حاجة عن محمود؟
تنهد وهز رأسه: لا، بس اللى متأكد منه إن سليم طالما وعد يبقي عمره ما هيأذيه.
خفضت بصرها وهمست بقلق: يا رب، قلبي مش مطمن خالص.
نظر إليها طويلا، ثم قال باستغراب ممزوج بابتسامة: بعد كل اللي عمله معاكي لسه خايفة عليه؟
رفعت كتفيها في حيرة: ده مهما كان اخويا، وأنا عارفه إن معدنه مش وحش، هو بس بيتصرف بغباء من جهله.
ابتسم ابتسامة دافئة: أنتِ طيبة، وقلبك جميل أوي يا آلاء، خليكي زي ما أنتِ كده أوعي تتغيري.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة.
وأضاف بغزل بكلمات لا يعرف كيف ولا لماذا تفوه بها: وحلوة كمان.
اتسعت عيناها، واحمرت وجنتيها سريعا، فانتبه لكلماته، وحاول تصحيح الموقف: اقصد إن فيكي صفات كتير حلوه بقت نادرة في الزمن ده
ابتلعت ريقها بارتباك، وحاولت تركيز نظرها علي الكوب أمامها، لكنها شعرت بنظراته الثابتة عليها، وكأن العالم كله اختفى ولم يعد يرى سواها.
وساد بينهما صمت قصير، لم يكن محرجا بقدر ما كان مليئا بمشاعر لم يجد أي منهما الشجاعة ليعبر عنها بالكلمات.
فوق سطح أحد المباني،4ع.
جلس تمساح على أريكة قديمة، يحتسي كوبا من الشاي ويدخن سيجارته، وهو يشاهد أحد الأفلام، بعد ثواني، فُتح الباب ودخل صديقه.
جلس بجواره يقول: أنا دفعت الإيجار وظبطت الدنيا، بس حاول بقى تشوف هتعمل إيه، اكيد مش هتفضل مستخبي كده كتير.
اومأ برأسه، تابع صديقه: أنا هدخل الحمام وأمشى وهجيلك كمان يومين.
ثم وضع هاتفه وساعته وعلبة السجائر فوق الكومودينو، ودخل إلي المرحاض
تابع حركته بطرف عينه، وما إن دخل حتى ألتقط الهاتف بسرعة وأجرى مكالمة سريعة.
بعد لحظات، جاءه الرد من الطرف الآخر: ألو؟
ابتسم تمساح بسخرية: بقي تعمل في حبيبك كده يا عماد باشا؟
ساد الصمت لثواني، قبل أن يتساءل عماد: مين معايا؟
ضحك تمساح: نسيت صوتي ولا إيه؟ أنا تمساح إللي كنت عايز تضحك عليه وتجيب رقبته.
تجمد عماد في مكانه، بينما تابع تمساح ببرود: وعقابا ليك علي اللى عملته الفلوس هتزيد وهيبقوا 500ألف جنيه، وأنت بنفسك إللي تجيبهم.
صمت قليلا ثم أكمل بنبرة أخطر: وخليك عارف إنك لو لعبت بديلك معايا مره تانيه، هتزعل اوي.
عماد ساخرا: وهتزعلني ازى بقي؟
أجابه بفحيح: معايا تسجيل بكل اللى دار بينا، هبعته لرشدي بيه اخو الهانم، واستلقي وعدك بقي.
أشتد تنفس عماد من الطرف الآخر، بينما تابع تمساح ساخرا: ولو مش مصدقني، بعد ثانية التسجيل هيكون عندك.
وتابع محذرا: ومتتصلش بالرقم ده، عشان ده رقم واحد معرفوش، شوفته ماشي في الشارع واستلفته منه دقيقتين.
ثم قال بلهجة حاسمة: استنى مني مكالمة تانية أقولك فيها الميعاد والمكان، والمرة الجاية الغلطة هتبقي برقبتك.
أنفجر عماد غاضبًا: إنت بتهدد مين يا ابن الكلب؟!
تمساح بابتسامة باردة: بهددك أنت يا عماد باشا، رقبة تمساح تمنها غالي أوي، وإنت إللي بدأت بالغدر يبقى أستحمل بقى.
قال كلماته، وأغلق الخط وهو ينظر نحو باب الحمام، حيث كان صديقه ما يزال بالداخل.
أخرج هاتفه وبعث التسجيل علي هاتف صديقه، ثم أرسله لعماد، وبعد ذلك بدأ بمسح أي أثر يدل على ما فعله.
أعاد إلى مكانه مره أخري، وجلس على الأريكة بهدوء وكأن شيء لم يكن.
بعد لحظات خرج صديقه من الحمام، وألتقط أغراضه قائلا: أنا همشي بقي يا تمساح، عايز حاجه؟
تمساح: تسلم يا شقيق، منحرمش منك.
غادر المكان، بينما بقي تمساح جالسا يفكر في خطوته التالية.
على إتجاه آخر...
جلس عماد خلف مكتبه، والغضب يشتعل في عينيه وهو يستمع إلي التسجيل، وعقب انتهاءه ضرب المكتب بعنف حتى اهتزت محتوياته.
ثم أجرى اتصالا، وما إن جاءه الرد حتى صاح بغضب: أنت يا زفت مش قولت اول ما يفتح الشنطه هينفجر!لسة عايش إزاي؟
جاءه الصوت الطرف الآخر: عايش أزاى يا باشا هو أنا أول مره اشتغل الشغل ده؟
جز على أسنانه بغضب: لسه عايش، ومكلمني بنفسه وبيهددني.
ساد الصمت للحظة، قبل أن يقول الرجل بثقه: يبقى مفتحش الشنطة...
عماد: أو يمكن عرف إللي فيها؟!
الرجل: هيعرف أزاى يا باشا؟
ثم أنفجر غاضبا: معرفش، أنت بتسألني أنا؟ اقفل! ما أنا بتعامل مع شويه بهايم.
أغلق الهاتف بعنف، وظل يحدق أمامه لثواني، وصدره يعلو ويهبط من فرط الغضب والتوتر، فلأول مرة منذ سنوات شعر أن الأمور بدأت تنفلت من بين يديه.
ألتقط هاتفه مكتبه: أحجزيلي علي أول طيارة راحه روما، اي طياره مش مهم المعاد.
وضع السماع، وامسك هاتفه واتصل بسارة: سارة اسمعيني كويس، دلوقتي حالا تحجزي تذكرة على دبي، ومن دبي تيجيلي روما.
جاءه صوتها مرتبكا: ليه؟ إيه إللي حصل؟
عماد بسرعة وقلق: أسمعي الكلام وبس، مفيش وقت للشرح.
أغلق الخط، ومرر يده على وجهه محاولا السيطرة على توتره، ثم أخرج شريحة أخرى وبدلها بسرعة.
وأجرى مكالمة جديدة بالإيطالية: هل تمكنت من تحديد موعد معه؟
استمع لثواني ثم قال بحسم: لا يهم كيف، أريد موعدا غدا، سأكون في روما خلال ساعات، وينبغي عليا مقابلته بأي طريقة.
أنهى المكالمة، ونهض من مقعده متجها إلى السكرتيرة: حجزتي التذكرة؟
السكرتيرة: بحجزها أهو يا فندم.
أشار إليها بحدة: أول ما تتأكد ابعتيلي التفاصيل.
ثم استدار وغادر دون انتظار رد.
وبعد دقائق كان يجلس داخل سيارته، وعلامات القلق والغضب تسيطر على ملامحه، فلأول مرة منذ سنوات، لم يكن يفكر في كيفية تنفيذ خطته، بل في كيفية الهرب من الورطه الذي حلت عليه.
على إتجاه آخر...
كان أحد الرجال يجلس أمام عدة شاشات وأجهزة مختلفة، يتابع المكالمة التي دارت بين تمساح وعماد لحظة بلحظة.
أنهى التسجيل، ثم ألتقط هاتفه وأتصل بعرفان فورا: باشا، تمساح كلم عماد، وقدرنا نحدد مكانه، بس الهدف بدأ يتحرك قدامي
اعتدل عرفان في جلسته: ابعتلي العنوان اللى كلمه منه، وخليك متابع الحركه وابعتلي كل التفاصيل.
أغلق معه وارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة، وما هي إلا ثواني حتى وصلته رساله بالبيانات كامله.
نظر عرفان إلى العنوان، فوجده في المنطقه العشوائية التي هرب إليها من قبل ولم تلتقه الكاميرات، وكان قد ترك رجاله هناك بالفعل للبحث ومحاولة إيجاد أي معلومه عنه.
رفع هاتفه واجري مكالمه سريعه بأحد رجاله: أيوه يا ابراهيم، ركز معايا، هبعتلك عنوان دلوقتي عايزك تجمع الرجاله وتروحوا تجيبولي الواد اللى بندور عليه من هناك حي، مش عايز خدش يمسه يا ابراهيم، مفهوم؟
جاءه الرد: أوامر يا باشا.
ارسل إليه العنوان، وبالفعل، تحركوا جميعا إليه.
في تلك الأثناء، كان تمساح جالسا في الغرفة، يحاول التفكير في خطوته التاليه.
وفجأة...
أندفع الباب إلى الداخل بقوة حتى كاد يتحطم، ودخل رجاله عرفان دفعة واحدة.
قفز تمساح من مكانه في صدمة، وأخذ ينظر يمينا ويسارا باحثا عن أي طريق للهروب.
لكن لم يكن هناك مفر.
ابتسم إبراهيم وهو يراقبه، وأشار نحو النافذة: هتروح فين؟ لو نطيت من هنا هتنزل ميت، إحنا في الدور السابع.
أبتلع ريقه بصعوبة: إنتم مين؟ وعايزين إيه؟
أجابه بسخرية: محتاجينك معانا في مشوار صغير.
رفع صوته فجأه: هاتوه.
تقدم الرجال نحوه من كل زاويه، حتي استطاعوا تقيده، وهو يقاوم ويصرخ: استنوا طيب! عايزين إيه؟ وأنا هقولكم كل إللي أعرفه!
هز ابراهيم رأسه بضيق: إنت بتتكلم كتير أوي، وصوتك عالي.
وفجأة تلقى تمساح ضربة قوية على رأسه أفقدته توازنه، وفقد وعيه في الحال.
حمله الرجال سريعا، وفي خلال دقائق بسرعة، كان مستلقيا في المقعد الخلفي لإحدى السيارات، بينما انطلق الموكب نحو وجهة مجهولة.
وفي أثناء الطريق...
أخرج ابراهيم هاتفه واجري اتصالا: الواد معانا يا عرفان باشا.
تهللت ملامح عرفان: عفارم عليك يا إبراهيم هاته علي مخزن القطاميه.
اغلق معه واتصل بمكي: عايزك في موضوع مهم.
مكي: موضوع إيه؟
ابتسم قائلا: تعالي علي مخزن القطاميه
مكي بنفاذ صبر: ما تقول فيه إيه يا عرفان؟
عرفان: تعالى بس، هتنبسط أوي.
❤️_______________بقلمي_ليلة_عادل.
قصر الراوي،5م.
جلست صافيناز تضم ساقيها إلى صدرها بذراعيها، وجسدها يتحرك إلى الأمام والخلف في حركة رتيبة لا تتوقف.
كانت حالتها تتدهور يوما بعد يوم بفعل العقاقير الذي حرص عماد علي إعطاءها اياها بانتظام، حتي بدت وكأنها شبح لإمرأة كانت يوما مليئة بالحياة، وجهها شاحب يميل إلى الإصفرار، وعيناها غائرتان، تحدقان في نقطة بعيدة لا يراها أحد سواها.
جلست فايزة أمامها، وقد ارتسم التوتر على ملامحها: إحنا في مصيبة! ماسة بقالها يومين مختفيه هي وسليم، والباشا أكتشف إن سليم طول الفترة إللي فاتت مكانش بيعمل أي حاجة في المجموعة، ورشدي خلاص رفع إيده وقال مليش دعوة.
لم ترد عليها، وظلت تهتز في مكانها، وعيناها معلقتان بذلك الفراغ المخيف.
نفد صبر فايزة: ردي عليا! أنطقي! إيه الضعف إللي وصلتيله ده؟ إيه إللي جرالك؟ خلاص الخبر اتكذب، واتكتبلك اعتذار رسمي، وعزت جاب حد شال القضية مكانك، فوقي بقى!
دفعتها في كتفها بعنف فانتفضت صافيناز، تهمس بارتجاف: هم... همم مشيوا؟
عقدت فايزة حاجبيها: هم مين؟
ازدادت رعشة صافيناز: قوليلهم يمشوا...أنا... أنا خايفة منهم.
زفرت فايزة بضيق وهي تعتدل واقفة: يوه يا صافيناز! أنا مش عارفة إمتى هتخرجي من الجنان إللي أنتِ فيه ده!
هزت رأسها بيأس، ثم اتجهت نحو الباب وفتحته.
في الخارج كانت الخادمة تقف في انتظارها: خليكي معاها.
الخادمة: حاضر يا هانم.
أغلقت الباب خلفها، وبقيت صافيناز وحدها مع خادمتها.
استمرت في ضم نفسها، تتحرك إلى الأمام والخلف، بينما راحت تهمس بكلمات غير مفهومة، وكأنها ترى أشخاصا لا يراهم سواها...رغم أن الغرفة كانت خالية تماما
❤️_______________بقلمي_ليلة_عادل.
مخزن القطاميه،5م.
كان تمساح مقيدا من يديه إلى أعلى، بينما غطى كيس أسود رأسه بالكامل، ووقف رجال عرفان في أرجاء المكان، يراقبونه بصمت، فيما كان عرفان يقف بالقرب منه منتظرا وصول مكي.
وبعد دقائق، فُتح الباب ودخل ميكي بهيبته المعتادة.
توقف أمام عرفان: خير، عايزني في ايه؟
ثم نظر للشخص المقيد أمامه، فمد وجهه بتساؤل: مين ده؟
ابتسم عرفان بثقه، واقترب ينزع الكيس الأسمر عن وجهه وهو يقول: اقصدملك رضا الشهير بتمساح.
نزع الكيس فظهر وجه تمساح وهو ينظر حوله بتوتر.
بينما اتسعت عينا مكي: عفارم عليك يا عرفان.
ثم اقترب من تمساح بخطوات بطيئه حتى توقف أمامه، ووقف ينظر إليه بنظره تقيميه قبل أن يتساءل: هو أنت تعرف واد اسمه دغمش!
تلعثم تمساح: دغغغمممشش، مين دغغمش ده يا باشا، معرفس حد بالاسم ده.
ضيق مكي عينه بعدم اقتناع، وقال بهدوء: هنشوف!
تمساح بتوتر: إنتم عايزين مني إيه يا باشا.
عنفه احد الرجال من الخلف: اتلم يلا ورد علي اد السؤال.
بينما نظر مكي لعرفان: أنا هخرج أبلغ سليم واشوف عايز يعمل معاه ايه بالظبط.
خرج مكي وتبعه عرفان، بينما اتسعت عينا تمساح برعب عند ذكر اسم سليم، وأخذ يحدث ذاته: لابد وأنهم يتحدثون عن سليم آخر، غير سليم الراوي!
علي اتجاه آخر.
كان سليم جالسا بجوار ماسة كعادته.
رن هاتفه الخاص، فابتسم قائلا: استني ارد علي مكي.
: ألو؟
جاءه صوت مكي: عرفان وصل لتمساح، وموجود دلوقتي في مخزن القطاميه.
اعتدل سليم في جلسته: أنت بتتكلم جد...؟!
بينما نظرت إليه ماسة بقلق: في إيه؟
ربت على يدها يطمئنها، قبل أن يجيب: طب يا مكي كويس إنكم وصلتوله، خلي بالكم منه، ومحدش يقربله لحد ما أجيله بنفسي.
مكي: تمام.
اقترب عرفان بترقب: في حاجة كمان لازم تعرفها.
مكي: خير؟
عرفان: عماد حجز طيارة لروما، وكمان بلغ سارة إنها تروحله هناك، وفي شخص اسمه تيمو بيحاول يقابله بأي طريقة.
اتسعت عينا مكي: تيمو؟
ثم فتح الميكروفون: سليم سمعت؟
رد بهدوء: اها سمعت
تدخل عرفان من جانبه: مش أول مرة نسمع الاسم ده، واضح إنه بيحاول يوصله من فترة.
ساد الصمت لثواني، قبل أن يقول سليم: تعرف تجيبلي رقم الشخص اللي بيرتب المقابلة؟
عرفان بثقه: اعتبره عندك.
سالة مكي: هتعمل ايه يا سليم؟!
نظر إلى ماسة، ثم مرر يده على شعره وهو يشعر بتزاحم الأسئلة في رأسه.
كان يحتاج إلى فهم الصورة كاملة، لكنه لم يكن مستعدا لترك ماسة الآن، فكل شيء يستطيع تاجيله الا أن يترك ماسه وحدها في ذلك التعب الذي لم يزول خطره بعد!
لذلك قال بحسم: اجل كل حاجه يا مكي الفتره دى.
اومأ مكي بتفهم: تمام.
سليم: اجمعلي كل حاجة عن عماد، عايز اعرف رايح يعمل إيه في روما، وعايز ايه من تيمو، ومين الوسيط اللي هيوصله لتيمو.
ثم أكمل: ودور ورا زيدان ممكن عنده شغل معاهم هو واريك من تحت الترابيزه، أي معلومة تخص شغلهم أو تحركاتهم أو الناس اللي شغالة معاهم... عايزها كلها.
مكي بثقه: حاضر يا سليم كل المعلومات اللى عايزها هتبقي عندك.
أنهى سليم المكالمة.
نظر مكي إلى عرفان: سمعت المطلوب؟
ابتسم عرفان: كله سهل، انا عندي ناس في كل حتة.
مكي بجدية: تمام وانا هتابع معاك الفتره الجايه لحد ما سليم يفضي
تسأل عرفان: هو سليم مشغول في إيه أصلا؟
نظر إليه مكي بتهكم: متسألش في اللى ملكش فيه، لو كان عايز يقول كان قال.
ثم أشار إلى اثنين من رجاله: هسيبلك اتنين من رجالتنا هنا، الواد دى تحافظ عليه ما بين جلدك ولحمك، ميصبوش خدش، مفهوم؟
اومأ عرفان: تمام.
غادر مكي وهو يشعر أن ذلك الرجل " تمساح" قد يكون مفتاح كل ما يحدث
عند سليم وماسة.
ظل سليم جالسا ينظر أمامه بشرود، وكأن عقله ذهب إلى مكان بعيد بعد تلك المكالمه.
انتبهت ماسة إلى تغير ملامحه، فتساءلت بقلق: في إيه يا سليم؟ المكالمة دي كان فيها إيه؟
انتبه لصوتها، فالتفت إليها سريعا وابتسم مطمئنا: مفيش حاجة يا عشقي، مكالمة عادية.
هزت رأسها بعدم اقتناع: لا، واضح جدا إنها مش مكالمة عادية، في حاجة حصلت.
تنهد قائلا: مكي كلمني وقال إنهم وصلوا لتمساح.
عقدت حاجبيها بعدم فهم: مين تمساح ده؟
اخرج نفسا طويلا، قبل أن يقول: ده شخص ممكن يكون له علاقة بالحادثة، خصوصا إنه من نفس المنطقة اللي اتقتل فيها الواد اللي كان هيقولي معلومات عن الحادثه زمان.
ساد الصمت للحظة، ثم قالت بهدوء: طيب يا حبيبي، لو عايز تروح وتشوف الموضوع روح، أنا كويسة وماما وأخواتي قاعدين معايا، بس خلي بالك من نفسك.
هز رأسه بالرفض، ورفع يده يمسح على خدها برفق: مفيش الكلام ده.
ابتسم ابتسامة صغيرة وأكمل: أنا مش هسيبك غير لما أطمن إن أنتِ...
وخفض يده إلى بطنها: والقمر الصغير ده بخير...
ابتسمت رغم تعبها: بصراحة؟ أنا اصلا عايزة أسربك عشان زهقت من القعدة على السرير..
ضحك بخفة: طب ما أنا كل يوم بطلعك تقعدي في الجنينة.
ماسة بدلال: برضوا زهقت من النوم والراحة طول الوقت..
قبل خدها بحنان: معلش استحملي شوية كمان.
ثم ابتسم وحاول تغيير مزاجها: إيه رأيك أخلي سحر تعملنا فشار، ونقعد نتفرج على كرتون سوا؟
ابتسمت وهزت رأسها: ماشي.
ابتسم هو الاخر تلقائيا مع ابتسامتها، جذبها إلي أحضانه، وهو يردد داخله أن لا شيء أهم منها هي وصغيره، وكل مايحدث خارج هذه الغرفة يمكنه الانتظار...
♥️____________بقلمي_ليلة_عادل.
بعد عشرة أيام...
أخيرا جاء اليوم الذي انتظرته ماسة بفارغ الصبر، فاليوم معاد متابعتها، واخيرا ستتمكن من الخروج خارج أسوار ذلك المنزل ورؤيه الشارع.
وكعادته، ساعدها سليم في تبديل ملابسها.
تنهدت ماسة باختناق: سليم خلاص بقى، ال 10 أيام عدوا.
رد وهو يعدل ياقة ملابسها: لما الدكتورة تقول.
نفخت خديها بغيظ: ماشي.
قال وهو يتجه إلى الحمام: أنا هدخل التواليت وجايلك.
أومأت برأسها، وما إن أغلق الباب، حتى أخذت نفسا عميقا، ونهضت من على الفراش بهدوء.
سارت ببطء حتى جلست أمام التسريحة، وبدأت تصفف شعرها، ثم وضعت بعض مستحضرات التجميل الخفيفة، وهي تبتسم بسعادة.
وضعت يدها على بطنها، وضحكت بخفه: خلاص يا روحي هناخد افراج النهارده ونخرج ونشوف الشارع.
مسحت على بطنها بحنان وواصلت تحدث طفلها وكأنه يسمعها: عارفة إنك زهقت بس هنعمل إيه؟ بابا موسوس وبيحبنا أوي، وبيخاف علينا خالص..
ابتسمت بحب وهي تكمل: اوعي تزعل منه، ده طيب أوي، وعسول خالص، بس ساعات لما بيخاف بيعمل كدة من حبه فينا.
ثم ضحكت وهي تسأل صغيرها: يا ترى هتطلع بتحب الحركة والخروج زي ماما؟ ولا هتطلع كاريزما زي بابا؟ ولا هتخلينا نتخانق عليك؟
أنهت تجهيز نفسها، فلم تكن تحب المبالغة في الزينة، واكتفت بلمسات بسيطة.
في تلك اللحظة خرج سليم من المرحاض، وما إن رآها جالسة أمام التسريحة، حتى اتسعت عيناه وصاح: إيه إللى قومك من علي السرير؟
ضحكت وهي تشير بيدها: دي مسافة صغيرة أوي يا سليم، متأفورش.
نظر إليها بضيق: يعني إيه مسافة صغيرة؟! أنتِ بتستهبلي؟
توقفت تحيط عنقه بدلال: وحياة ربنا أنا كويسة، وبعدين دول 10 خطوات بالظبط، وعلى فكرة الدكتورة أكتر من مرة إني أقدر أتحرك للحمام وفي الاوضه عادي، أنت اللى خواف بزياده.
ظلت ملامحه عابسه، فقرصت وجنته بدلال: خلاص بقى يا سليم، بطل تكشير يا كرملتي..
ثم قبلته على خده: يلا نروح نشوف النونو؛ جسور الصغنن.
أخرج زفيرا طويلا: ماشي يا ماسة.
ثم حملها بين ذراعيه كعادته، فابتسمت وهي تحيط عنقه، وهي لا تتخيل اللحظه التي ستغادر فيها الفيلا وتري فيها الشوارع من زجاج السياره.
لكنه فاجأها باتجاهه إلي جناح آخر بدلا من باب المنزل!
عقدت حاجبيها باستغراب: إيه ده؟ إحنا رايحين فين؟
أجابها موضحا: هنستنى الدكتورة، هي خلاص تقريبا وصلت.
عقدت حاجبيها نعدم فهم: نستناها فين؟ مش فاهمه؟!
ابتسم بخفه: استني، عاملك مفاجأة حلوة.
قالت بتذمر: مفاجأة كده هنتأخر على الدكتورة.
توقف أمام إحدى الغرف، ثم فتح الباب، فتجمدت ماسة من الصدمه.
فقد كانت الغرفة مجهزه بالكامل، وتحتوي علي؛ سرير طبي، وجهاز سونار، وأجهزة طبية مختلفة وكأنها غرفة صغيرة داخل مستشفى.
فتحت فمها من شدة الصدمة: إيه إللى انت عامله ده؟
ابتسم: إيه؟ المفاجأة معجبتكيش؟
حدقت فيه بصدمة أكبر فقط فقد كسر جميع آمالها في الخروج، فقالت بتزمر: لا وحشة جدا! دي بشعة!
ثم أشارت إلى الغرفة: أنا عايزة أروح للدكتورة في عيادتها، مش العيادة هي إللي تيجي عندي!
ادخلها ووضعها علي الفراش برفق، وكأنه لم يسمع اعتراضها.
نظرت إليه بعتاب وخيبة امل: حرام عليك يا سليم، كان نفسي اخرج.
جلس بجوارها: أطمن عليكي الأول وبعدها أعملك إللي أنتِ عايزاه.
ثم ابتسم وتابع: لازم أعالج فرط الحركة إللي فيكي ده.
تنهدت باحباط: حرام عليك بجد، حطمت كل طموحاتي، إنا كنت متخيلة إننا هنروح نطمن علي النونو، وبعدها وإحنا راجعين تاخدني نتعشى بره وتجيبلي ورد، ونروح سينما، ونرقص على أغنية، وعملت فيلم كامل في خيالي..
أضافت بتزمر وهي تضربه بكتفه: بس انت ضيعت كل حاجة..
ابتسم وربت على يدها.: حاضر، هنعمل كل إللي في خيالك، بس بعد ما الدكتورة تطمنا.
وفي تلك اللحظة، دخلت الطبيبة ومعاها سعدية: مساء الخير، آسفة إني اتأخرت.
وقف سليم: لا أبدا، اتفضلي.
ابتسمت الطبيبة لماسة: إزيك يا مدام ماسة؟ عاملة إيه؟
ردت بابتسامة: الحمد لله.
ساعدها سليم على الاستلقاء.
نظرت الطبيبة حولها: كله جاهز؟
اوما سليم: أيوة، كله تمام.
وقبل أن ينادي على الممرضة، كانت قد دخلت بالفعل.
الممرضة: آسفة على التأخير.
ابتسم سليم: ولا يهمك، بس خليكي موجودة، علشان لو الدكتورة احتاجت حاجة.
بدأت الطبيبة في تجهيز السونار، بينما كان سليم يساعد ماسة في كل شيء، حتى إنه لم يسمح لأحد أن يلمسها ما دام يستطيع أن يقوم بالأمر بنفسه.
وضعت الطبيبة الجل على بطنها، ثم مررت جهاز السونار.
كان سليم يكاد يتوقف قلبه من التوتر، حتى سعديه ايضا كانت تدعو الله في سرها ان يكون الطفل بخير، وان تكون تجاوزت تلك المرحله، أما ماسة فكانت هادئة، لأنها لا تعرف الحقيقة كاملة.
ابتسمت الطبيبة وهي تنظر إلى الشاشة: الحمد لله، الأمور بقت أحسن بكتير وخلاص الاضطرابات اللي كانت في الرحم مبقتش موجوده، يعني الوقعه اللى كنت متخوف منها يا سليم بيه مبقتش مشكله قلق حاليا، والحمل الحمد لله استقر بشكل كبير، نقدر دلوقتي نزود الحركه شويه، لكن طبعا ممنوع طلوع السلالم، أو الجري، أو شيل الحاجات التقيلة، والعلاقة الزوجية طبعا لسة ممنوعة.
تنفس سليم وسعديه الصعداء فور الاستماع الي حديثها، بينما تساءلت ماسه بابتسامه: يعني خلاص يا دكتورة، ابني كويس والوقعه مأثرتش عليه، الحمد لله؟
اومات: ايوه الحمدلله، نموه كويس جدا.
ماسة بحماس: يعني أتحرك، وأخرج، وأتمشى عادي؟
سعدية بتهكم: يا اختي مسروعه على الجري والتنطيط، اكبري بقى
بينما تبسمت الطبيبة: أيوة ياماسة اتحركي بس بالعقل، هنكمل علي حقن التثبيت أسبوع كمان، مع الأدوية.
ظل سليم ينظر إلى الشاشة: حضرتك متأكدة إن كل حاجة تمام؟
ابتسمت الطبيبة: ايوه متأكدة، زى ما أنا شيفاك دلوقتي كده.
أمسكت ماسه يده بلطف: شوفت بقى يا بابي سليم، أنا وهو بقينا كويسين اهو الحمد لله، بطل بقي تخاف علينا.
ابتسم لها، وقبل جبينها براحه: الحمد لله، أنا كده اطمنت.
سعدية بسعادة: الحمد لله يا بنتي، الحمد لله والشكر ليك يا رب، انت لازم تدبح حاجه ياسليم وتفرقها لله.
اومأ لها: حاضر
ثم نظر إلى الشاشة واضاف بابتسامة مترقبه: هو ممكن أسمع دقات قلبه؟ وأشوفه؟
ابتسمت الطبيبة: طبعا.
ضغطت زر التشغيل، وامتلأت الغرفة بصوت دقات قلب الصغير.
وأشارت الطبيبه إلى الشاشة: هو هناك اهو.
حدق في الشاشة، بعينان تمتلئان بالدموع، وبدات دقات قلبه تتصارع وهو يستمع الى دقات قلب طفله الذي ظل ينتظره لسنوات، نعم استمع لدقات قلبه من قبل ولكن تلك المره كانت مختلفه فلم يكن تسجيلا إنما كان يستمع إلي دقات قلبه مباشرة
هبطت دموعه، ومد يديه ببطء يحرك اصابعه علي الشاشه، وهو يقول بنبرة مهتزه: ده ابني!
اومات الطبيبة: ايوه.
ردد سليم بفرحه متأثر بفكر أنه أخيرا سيصبح ابا: الحمد لله الحمدلله
لاحظت ماسة ذلك، فتأثرت هي الأخري وهبطت دموعها، وقبضت على يديه تعطيه دعما وحبا.
مسح دموعه بسرعة وقال وهو يضحك: أنا مش هعيط، إحنا هنفرح بس.
ابتسمت ماسة وعيناها تلمعان بالدموع: أيوه، هنفرح بس.
أنهت الطبيبة الفحص، ثم قالت: حمد لله على سلامتك يا مدام ماسة، كده أنا خلصت، والمتابعة الاسبوع الجاي إن شاء الله.
أومأ سليم: تمام.
غادرت الطبيبة، وتبعتها الممرضة.
بينما ساعد سليم ماسة في ترتيب ملابسها، وأطلقت سعديه زغروطه مهلله، قبل أن تقترب من ابنتها وتربت على صدرها: مبروك يا حبيبتي، ربنا يكملك على خير يارب، بس برضو خليكي هاديه كده ومتعمليش شقاوة، ده جاي بعد شوقه.
تبسمت ماسه: حاضر يا ماما.
توقفت ماسة امامه وتسالت بدلال: خلاص اطمنت، وهتفكها عليا بقى؟
ابتسم، وأحاط خصرها بذراعيه: أوعي تكوني فاكرة إني كنت بعمل كده رزالة، أنا كنت خايف عليكي.
ابتسمت وربتت على صدره: عارفة والله.
ثم قالت بحماس: نفسي بقى ننزل نجيب لبس للنونو ونفرح، زي ما عملنا مع حو..
صمتت فجأة، وكأنها لا تريد استحضار ذكرى مؤلمة.
فربت على يدها: هنجهز كل حاجة، بس نعرف نوعه الأول، عشان نختار لون الأوضة وكل حاجة.
أومأت بابتسامة: ماشي.
حملها سليم بين ذراعيه فجأة، فنظرت بتذمر: إيه ده بقي، مش الدكتوره لسه قايله اتحركي عادي.
ابتسم بخبث وهو يردد بمرح: وأنا من امتي بعترف بكلام الدكاترة يا قطعه السكر؟ أنا قلبي دليلي.
ثم التفت وهو يتحرك بها نحو غرفتها: تعالي ورانا يا ماما سعدية...
ادخلها الغرفه، وانزلها برفق علي الفراش، ووقف أمامها واضعا يديه في جيبيه: على فكرة، الدكتورة قالت أسبوع كمان نكمل احتياط.
تذمرت بضيق: متبقاش رخم يا سليم.
عقدت ذراعيها أمام صدرها: والله العظيم قالتلي أمشي عادي.
دخلت سعدية تضحك: يا بنتي اقعدي شوية واهدي وبطلي فرك
تنهدت باحباط: أنا مش عارفة إنتم الاتنين اتجمعتوا عليا ليه! الله يسامحكم.
التفت سليم إلى سعدية وغمز لها: خدي بالك منها يا ماما سعدية، هروح أعمل حاجة وراجع علطول، اياكي تساهيكي وتتحرك.
تابع وهو ينظر لها كانه متفق معاها على شيء:: وما تخليهاش تتحرك... ها؟
ضحكت سعدية بمرح: متقلقش هربطها في السرير لو قامت.
فتحت ماسة فمها بصدمة: أنت معايا ولا معاه؟ أنا اللى بنتك مش هو.
انفجر سليم ضاحكا، وانحنى يقبل رأس سعدية قاصدا اغاظتها، بينما قالت سعدية بمرح: الله أكبر من عينك الزرقا اللي بتحسدنا، سليم ده ابني اللى مخلفتوش.
ربت علي كتفه بابتسامه: روح يا حبيبي شوف عايز تعمل ايه ومتخافش، أنا قاعدلها.
نظرت إليهم ماسه كجرو حزين، تجمع عليه الأشرار وحرموه من سعادته البسيطه، بينما توقف سليم بابتسامه: كده أنا اطمنت، اشوفك كمان ساعه يا قطعه السكر!
غادر سليم، بينما نظرت ماسه لسعديه بغيظ: هاتيلي مانجا يا ماما، نفسي فيها.
التفتت إليها سعدية: المانجا غلط عليكي يا ماسه، فيها أملاح.
ضمت شفتيها بتدلل: علشان خاطري، نفسي فيها أوى، يرضيكي ابن بنتك يطلعه منجايه في قفاه؟
هزت رأسها بيأس: أنا عارفه مش هخلص من زنك، حاضر، هجيبلك حتة صغيرة، بس والله لو رجعت ولقيتك اتحركتي من مكانك، هزعقلك.
قالت كلماتها وغادرت، بينما بقيت ماسه تحدق أمامها بملامح عابثه، قبل أن تلتق هاتفها وتجري اتصالا: ألو دكتور ياسر؟
جاءها صوته من الطرف الآخر: أيوه يا ماسة، خير؟
تنهدت بقلق: في مشكلة مش عارفه اتصرف فيها أزاي، أنا حاسة إن سليم بدأ ينتكس تاني.
تذكرت حصاره لها الفتره السابقه وتمتمت: بس الانتكاسه المره دى صعبه أوي!
ساد الصمت لثانية، ثم قال بهدوء: حصل إيه؟ احكيلي بالراحة.
القت نظره علي الباب قبل أن تتنهد وتقول: حاضر، هحكيلك..
المشفى التي تمكث بها مي،4م.
انتهي الطبيب من فحص مي للمرة الأخيرة، وقال بابتسامة: حمد لله على السلامة يا مي، مش عايزين نشوفك هنا تاني بقي غير في الخير إن شاء الله.
اومأت بابتسامه: شكرا يا دكتور.
بينما تسأل رشدي بقلق: حضرتك متأكد إنها بقت كويسة؟
اومأ الطبيب: أكيد، هي اصلا بقالها كام يوم حالتها مستقرة، وأنا قولتلك قبل كده إنها تقدر تكمل علاج في البيت، بس أنت إللي أصريت تفضل كام يوم زيادة عشان تطمن، كل إللي مطلوب دلوقتي إنها تلتزم بالأدوية دي، وترتاح وإن شاء الله هتبقى زي الفل، عن إذنكم.
وعقب خروج الطبيب، نظرت إليهم بابتسامه: أطلعوا بره بقي خلوني أساعدها تلبس.
اقترب رشدي منها ومسح علي كتفها: حبيبتي أنا هروح أخلص الحساب، وأخليهم يحضروا العربية علي ما تجهزي ماشي؟
اومأت له، وكاد أن يتحرك ولكن اوقفه صوت راشد: رشدي...
التفت إليه باستغراب من بنبرته، بينما تابع راشد بحزم: أنا طول الفترة إللي فاتت كنت ساكت، ومش عايز أعمل مشاكل علشان خاطر مي، لكن بنتي هتخرج من هنا علي بيتي، اعتقد كفايه أوي اللى حصلها لحد كده..
تفتكروا والد مي يقصد ايه بالكلام ده؟
ورد فعل رشدي هتبقي إيه
باقي الحلقه ممكن ينزل كمان شويه أو بكره، أول ما يخلص تصحيحه هينزل إن شاء الله.
باقي الفصل السابع والثلاثون (3)👇
ساد الصمت للحظات، قبل أن يقطعه رشدي بهدوء: إحنا أصلا مش هنرجع القصر، إحنا هنروح علي شقتي.
راشد بحدة: ولا قصر ولا شقتك، بنتي هترجع علي بيتي، أنا مش هستأمنها معاك تاني، لحد النهاردة أنت معرفتش توصل للي عمل فيكم كده! انا إيه يضمنلي إن بنتي لما تخرج ميحصلهاش حاجة تاني؟
شعرت مي بالتوتر: بابا...
التفت إليها بنظرة حادة: مسمعش حسك، بابا إيه؟!عايزاني اسيبك تروحي معاه علشان المره الجايه تجيلي ميتة؟
رشدي بثقة: مفيش مرة جاية...أنا متأكد.
ضحك راشد بسخرية: وإنت عرفت منين؟! أنا شفت بعيني إن عيلتكم طول عمرها في مشاكل و وحوادث من النوع ده، أخوك الكبير بنفسه خرج من حادثة أكبر من دي بمليون مرة وفقد فيها بنته، وخرج منها عاجز، ده غير كم المشاكل والبلاوي والحوادث إللي حصلت لكم الفترة الأخيرة، أنا مش عايزة اخسر بنتي بسببك.
خفض رشدي رأسه، وقال بتلعثم: موضوع سليم مختلف عني.
راشد بحسم: مليش دعوة، أنا بنتي حياتها في خطر وهي معاك ولازم احميها، أنا مليش غيرها، بنتي هتيجي تعيش عندي لحد ما تخلص كل مشاكلك، والله لو عايز تيجي تعيش معانا، أهلا وسهلا، مش عايز يبقى نصيبكم يقف لحد هنا، لكن بنتي، مش هسيبها معاك تاني.
تدخلت مي بعينين دامعتين: يا بابا لو سمحت رشدي ملوش ذنب، ده قضاء وقدر.
لوح راشد بيده بإنفعال: أعقلي شوية، بطلي الحب اللي بقي عاميكي ده
اقترب حاتم منه يحاول تهدئته: طب اهدى يا بابا، علشان خاطر مي على لأقل.
نظر إليه راشد: وأنا بعمل كل ده علشان خاطر مين؟ مش علشانها.
التفتت ينظر لرشدي برجاء اب: يا رشدي لو بتحبها بجد سيبها وابعد عنها، لأن حياة بنتي معاك في خطر.
تنهد رشدي وقال بصدق: أنا مقدر خوفك، وعندك حق تخاف، لكن أقسم بالله إللي حصل ده مش هيتكرر، وأنا مش هتحرك بعد كده من غير حراسة، مش هبقى متهور تاني.
راشد سريعا: خلاص تعالى عيش معانا، مدام متمسك بيها أوي كده.
خفض وجهه بخجل وقال بإعتذار: مش هبقى مرتاح.
راشد بنفس السرعة: وأنا كمان مش هبقى مرتاح طول ما بنتي عايشة معاك!
أمسكت مي يد والدها، وقالت برجاء واهن: يا بابا علشان خاطري، أنا هبقى مرتاحة مع رشدي، ومش خايفه من حاجة، وواثقه إنه مستحيل ياذيني، وبعدين اللي حصل ده كان غصب عنه وهو كمان اتصاب، عشان خاطري سبني اكون معاه، ومتحطنيش في الموقف ده أرجوك.
ر اشد بضجر واصرار: لو بيحبك كفايه هيتنازل ويجي يعيش معانا، لكن تبعدي عني تاني لا.
ساد الصمت مره أخري
حتي قطعه حاتم: طب أنا عندي اقتراح وأعتقد محدش هيعترض عليه، تيجوا تقعدوا في شقتي، هي أصلا قصاد شقة بابا، كدة نبقي مسكنا العصايه من النص، رشدي هياخد راحته ومش هيحس بالكسوف، وفي نفس الوقت مي هتبقى قدام عينك يا بابا زى ما هو عايز.
نظر إليه راشد: وأنت هتعيش فين؟
ابتسم حاتم بمرح: اجي أعيش معاك، فيها إيه يعني؟ اعتبرني مي.
ضحكت تقى: وأنا معنديش مشكلة.
تساءل راشد بتعجب: هتسيب شقتك إزاي؟! هتفضلوا كده علطول.
ابتسم حاتم : لا طبعا، أنا سمعت إن الشقة إللي في السابع هتفضى قريب، ممكن رشدي يشتريها، ويقعدوا فيها، فيفضلوا عندي مؤقتا لحد ما الشقة تجهز.
ثم غمز لرشدي بخفة: إيه رأيك؟
ابتسم رشدي لأول مرة منذ بداية الحديث، وقال بهدوء: معنديش مشكلة، بس مش عايز أكون مضايقكم، لو فيه شقة في نفس العمارة فاضية من دلوقتي ممكن اخدها عادي.
حاتم بإبتسامة: متقولش كده يا رشدي إحنا إخوات، المهم بس الحج يوافق.
نظرت مي إلى والدها برجاء: خلاص بقى يا بابا أهو حاتم حلها.
اقترب حازم من راشد، وهمس يحاول إقناعه: بابا مي لسه تعبانه، متزودش عليها أكتر، ووافق ومشي الدنيا وبعد ما تبقي كويسه نبقي نشوف هنعمل إيه.
ظل راشد صامتا للحظات، غارقا في أفكاره، لم يكن عنيدا أو قاسيا، بل كان أبا خائفا حتى النخاع، أي أب مكانه كان سيفعل ذلك... وربما أكثر، فابنته خرجت من بين يدي الموت بأعجوبة، ولم تكن تلك المرة الأولى التي يرى فيها حياته تتهاوى أمام عينيه.
فمنذ سنوات، فقد زوجته في حادث أليم، وكادت مي أن تضيع معها، حتى أنها عاشت شهورا طويلة أسيرة شلل نفسي، وبالكاد استعادت بعدها رغبتها في الحياة.
والآن... وبعد كل ما عرفه عن عائلة الراوي؛ من حوادث متكررة، وأعداء يتربصون من كل إتجاه، أصبح خوفه مضاعفا، بالنسبة له الأمر لم يعد مجرد حادث عابر، بل خطر يلاحق ابنته كلما كانت بينهم.
لذلك، لم يكن يرى نفسه ظالما أو متحكما، بل أبا يحاول بكل ما يملك أن يحمي آخر ماتبقى له في هذه الدنيا، حتى وإن اضطر أن يقف في وجه سعادتها، لكن حازم
فالوقت ليس مناسبا الآن.
زفر بقوة، ثم هز رأسه موافقا: ماشي... موافق على الفكرة دي مؤقتا، لكن لازم تحل مشاكلك وتوصل للي عمل كده، لإن لو فضلت حياتك كلها حوادث ومشاكل بالشكل ده، أنا مش هبقى مطمن على بنتي معاك.
ثم ألتفت إلى تقى: يلا يا تقى، جهزيها.
خرج راشد من الغرفة، بينما ربت حازم على ظهر رشدي: معلش يا رشدي بابا بيخاف على مي زيادة، خصوصا بعد حادثة ماما الله يرحمها.
ابتسم رشدي ابتسامة باهتة: والله أنا مش متضايق منه خالص، ولو كنت مكانه كنت هعمل زيه وأكتر، بس أوعدك مش هرتاح غير لما أوصل للي عمل فيها كده، وأجيب حقها.
ثم نظر إلى مي بإبتسامة حنون: حبيبتي أنا هروح ابلغ الحراس عشان يجهزوا العربيات واشوف الحسابات؟
غادر رشدي، فنظرت مي لشقيقها باحراج: طب إحنا كده مش هنضايقك يا حاتم؟
ضحك حاتم بخفه: هتضايقيني في إيه؟ أنا اصلا كنت مقيم عند ابوكي طول الوقت أنا وتقي، وبعدين الموضوع مش هيطول إن شاء الله هو شهر ولا اتنين بالكتير، لحد ما بابا يهدى.
تقى بابتسامة: يا بنتي إحنا إخوات، الكلام ده ميتقالش بينا.
ابتسمت مي بإمتنان: شكرا بجد... ربنا يخليكوا ليا.
خرج حازم، بينما بدأت تقى والممرضة في مساعدة مي علي ارتداء ملابسها
وبعد قليل، طرق حاتم الباب طرقات خفيفة ونادي علي زوجته.
خرجت تقى وتوقفت أمام الباب، فسألها: بقولك إيه الشقة جاهزة ولا محتاجة تتوضب؟
ابتسمت: جاهزة يا حبيبي متقلقش، بس مش هينفع يقعدو في اوضه نومنا، يبرطعوا في باقي الشقة براحتهم.
حاتم: مش مشكله، يقعدوا في اوضة الضيوف.
في الداخل، انتهت الممرضة من مساعدتها: حمد لله على سلامتك يا بنتي.
ابتسمت مي:الله يسلمك، وشكرا جدا تعبتك معايا الفترة إللي فاتت.
لوحت الممرضة بيدها: ولا أي تعب ده شغلي، وبصراحة جوزك ربنا يخليهولك، بيحبك أوي.
ابتسمت مي بخجل ثم أكملت الممرضة بعفوية: بس بكرة ولا بعده بالكتير، روحي تابعي مع دكتور نسا، علشان موضوع الإجهاض ده، متهمليش في نفسك.
تجمدت ملامح مي بصدمة: إجهاض ايه؟ انا مش فاهمه حاجه؟!
نظرت إليها الممرضة باستغراب: الإجهاض إللي حصلك يا بنتي وقت الحادثة.
اتسعت عينا مي بصدمة: إجهاض؟! هو أنا كنت حامل؟!
وضعت الممرضة يدها على فمها وقد أدركت خطأها، فقالت باعتذار: شكلك مكنتيش تعرفي، أنا آسفة جدا، افتكرتهم قالولك، علشان كده قولت انصك تهتمي بنفسك وتتابعي مع دكتور.
شحب وجه مي وشعرت وكأن الأرض تميد بها، واغرورقت عينيها بالدموع، لكنها تماسكت بقوة غريبه لا تعرف من أين أتت بها.
مي بصوت خرج بصعوبة: لا متتأسفيش، كان لازم أعرف شكرا.
أخفضت الممرضة رأسها بحرج، بينما أخذت مي نفسا عميقا تحاول به كبح دموعها
نظرت حولها سريعا، ثم قالت: أظن خلاص...يلا نخرج.
خرجت من الغرفة بوجه هادئ ظاهريا امام والدها، لكن عينيها كانتا تحملان وجعا لم يره أحد.
راشد: يلا يا حبيبتي.
نظرت حولها: أمال فين رشدي؟
حاتم: هيقابلنا تحت، بيخلص شوية حسابات.
أومات بحزن تحاول اخفاءه: صح قالي، بس شكلي نسيت.
انتبه والدها للحزن الظاهر علي ملامحها، فتسأل بقلق: مالك يا مي!
تبسمت رغما عنها: انا كويسه، بس تعبت من المشكلة إللي حصلت
راشد موضحا: انا عملت كدة من خوفي عليكي يا حببتي.
أومات بتفهم: عارفه تعالوا نستنى رشدي تحت.
وفي تلك اللحظة ظهر رشدي: أنا جيت أهو، خليت شوقي يخلص باقي الإجراءات.
أمسك يديها وهو يقول: يلا يا روحي.
اومات بإيجاب وتحركت معه
وتحرك الجميع خلفهم حتى وصلوا إلى السيارة، ثم توجهوا إلى منزل والد مي.
وبمرور بعض الوقت
توقفت السيارة أمام العمارة، وصعد الجميع حتى وصلوا إلى الشقتين
مي بإرهاق: أنا هدخل أرتاح شويه يا بابا، حاسة إن الطريق تعبني.
اقترب منها رشدي بقلق: مالك؟ حاسة بإيه؟ ننزل نروح للدكتور؟
هزت رأسها: لا يا حبيبي، مفيش حاجة، مجرد إرهاق من الطريق، هنام شوية وبعدين نتجمع على العشا.
أومأ راشد: ماشي.
ابتسمت تقى: وأنا هعملك كل الأكل إللي بتحبيه.
فتحت لهم باب الشقة، ودخلت أولا، بينما حمل حاتم الحقائب، وإتجه بها إلى غرفة الضيوف.
تقى: اتفضلوا، البيت بيتكم.
خفض رشدي رأسه بامتنان: شكرا يا جماعة، والله مش عارف أقولكم إيه.
ابتسم حاتم وربت على كتفه: متقولش حاجة إحنا إخوات.
خرج الجميع واغلقوا الباب خلفهم، فجلست مي على حافة الفراش بعينان شاردتان، وحزن واضحا على ملامحها.
وجلس رشدي بجوارها وأمسك يدها بابتسامه دافئة: مش مصدق إنك أخيرا خرجتي من المستشفى، وبقيتي كويسة.
لكنها لم تبادله الابتسامة، وظلت صامتة، تلاشت ابتسامته شيئا فشيئا، وسألها بقلق: مالك يا حبييي؟ فيكي إيه؟
رفعت عينيها إليه، وقد امتلأتا بالدموع: ليه خبيت عليا يا رشدي؟
عقد حاجبيه بعدم فهم: خبيت إيه؟
خرج صوتها مكسورا: البيبي...إني كنت حامل، وسقطت، أنا مرضيتش أتكلم قدام بابا عشان معملش مشكلة بس أنت كان لازم تقولي.
تنهد بحزن: خوفت عليكي يا مي، علشان كده طلبت من الدكتور و الممرضات محدش يبلغك، وده كان برضوا رأي والدك وإخواتك.
نظرت إليه بصدمة: يعني كلكم كنتوا عارفين؟
أخفض رأسه: أيوه، الدكتور قالنا وقتها، لكن حالتك كانت صعبة، مكانش ينفع نقولك حاجة.
انسابت دموعها، وقالت بنبره مهتزه: أنا زعلانة أوي، كان نفسي فيه يا رشدي، كان نفسي ييقي عمدة بيبي أوي.
مسح دموعها بإبهامه: وأنا كمان، والله كنت مستنيه زيك..
رفعت عينيها اليه بعدم اقتناع: يا سلام، إنت مكانش نفسك تخلف دلوقتي أصلا يا رشدي.
اومأ برأسه: يمكن في بداية جوازنا كان ده رأيي، يمكن كنت عايزه يجي وأنا وضعي أحسن، بس لما الدكتور خرج وقال إنه مات اتوجعت أوي.
ترقرقت عينه بالدموع وأضاف: حسيت إحساس غريب عمري ما حسيته قبل كده رغم إني مكنتش اعرف إنه موجود اصلا علشان اتعلق بيه.
ابتسم بخفوت، وأسند جبهته إلى جبهتها: بس أهم حاجة عندي كانت أنتِ، لو كنت خسرتك إنتِ كمان والله ما كنت هعرف أعيش، وبعدين أنا وانتِ كويسين وده الاهم، وبكره نجيب غيره واقولك يا أم رشدي.
رفعت عينيها الممتلئتين بالدموع باستغراب: أم رشدي؟!
ابتسم بثقة وأجاب: أيوه، أعملي حسابك... إحنا هنسمي أول ولد رشدي الراوي.
انفجرت ضاحكة وهي تهز رأسها: ايه النرجسيه دي! لا طبعا، أنا مش هسميه رشدي، أنا عايزة أسميه عمير.
قطب حاجبيه متظاهرا بالحيرة: إيه عمير ده؟ هو كان عمر وعمرو!
ضحكت أكثر: لا يا جاهل...فيه اسم عمير.
اوما بابتسامه: يا ستي، نجيب عمير، وعمر، وعمرو... وعميرين كمان لو تحبي، المهم متزعليش.
ضمها إليه لحظة، قبل أن يبتعد وينظر إليها بابتسامة صغيرة يحاول بها أن ينتشلها من حزنها: هتفضلي مكشرة ومتضايقة كده؟ إحنا لسه خارجين من معركة قاتلة، المفروض نبقى فرحانين إن ربنا جمعنا ببعض تاني.
أطرقت رأسها بحزن دون أن تجيب، فمال عليها بابتسامه: خلاص يا مشاميشوبقي، قولتلك هنجيب عمير، وعمر، وكل الأسماء إللي نفسك فيها، بصي هنجيب ستة.
رفعت رأسها بسرعة واتسعت عيناها: ستة؟! لا كتير، هما أربعة، بنتين وولدين، وكمان كلهم توائم، نفسي اخلف توام اوي
ضحك حتى اهتز كتفاه: وأنا موافق وهنجيب أول اتنين حالا
سحبها اليه، برفق محبب، فحاولت التملص منه وهي تضحك: بتعمل إيه يا مجنون
ضحك وهو متمسك بها بشدة بنظرات ذات معنى: هجيب أول توأم.
❤️______________بقلمي_ليلة_عادل.
فيلا سليم وماسه.
كانت ماسه تتناول شرائح المانجو بشهية واضحة، بعد أن بدلت ملابسها وارتدت بيجاما، بينما كان وجهها ويداها ملطخين بالمانجا، حتى بدت كطفلة صغيرة لا تهتم إلا بالاستمتاع بما تأكله.
جلست سعدية إلى جوارها تراقبها وهي تضحك: والله يا بنتي شكلك يضحك، هو فيه حد ياكل مانجا بالطريقة دي؟
رفعت كتفيها وهي تأخذ قطعة أخرى: المانجا مش بتتاكل غير كدة.
في تلك اللحظة، دخل سليم إلى الغرفة بحماس: ماستي...
ولكن توقفت الكلمات في حلقه فور أن وقعت عيناه عليها.
ظل يحدق بها لثواني، ثم قال بعدم تصديق: إيه المنظر ده؟
نظرت إليه من اسفل عينيها بتذمر: براحتي.
اشار بيده: هو إيه إللي براحتي؟ حد يبهدل نفسه كده؟
إنحنى، وأخذ طبق المانجو من يدها ووضعه على الطاولة.
زمت وجهها بضجر: بتاخدها مني ليه يا غلس، لسه فاضل فيها حته؟
ابتسم وهو يمد يده إليها: تعالي بس.
وقبل أن تعترض، حملها بين ذراعيه واتجه بها إلى المرحاض.
ماسة بضجر: نزلني يا سليم...
أنزلها برفق أمام الحوض، فتح الماء، وبدأ بغسل وجهها ويديها من آثار المانجو، وكأنه يعتني بطفلته الصغيرة، قال مبتسما: إيه بس إللي عملاه في نفسك ده يا قطعة السكر؟
نفخت وجنتيها، فهي مازالت منزعجة من فعلته: براحتي.
ضحك وهو يكمل تنظيف يديها: أيوه، أكيد براحتك.
لمح تكشيرة وجهها، فمد أصابعه وخبط أنفها بدلع: لسه مكشرة؟
عقدت ذراعيها أمامها، واشاحت بوجهها: أيوه وهفضل مكشرة وهخاصمك تلات أيام.
نظر لها بابتسامه عابثه: تلات أيام؟!
أومأت بثقة وهي تدفعه من كتفه: آه...وأمشي بقى.
حرك حاجبيه مشاكسا: أنتِ مش بتقدري تخاصميني تلات ثواني.
رفعت ذقنها بعناد: هقدر.
هز رأسه: هنشوف
ودون سابق إنذار، حملها بين ذراعيه مرة أخرى، فتشبثت بعنقه وهي تنظر إليه باستغراب: بتشيلني تاني ليه؟ أوعي أنا مخصماك..
نظر إليها بعينين مليئتين بالحب، ثم قال وهو يسير بها خارج الحمام: علشان أثبتلك إنك فعلا متعرفيش تزعلي مني.
ضربته بخفة على كتفه: هعرف... والله هعرف.
اقترب بوجهه منها وهو يبتسم بمكر: طب جربي.
نظرت إليه لثواني، تحاول الحفاظ على تكشيرتها، لكن ابتسامتها خانتها رغما عنها.
قهقه بانتصار: شوفتي؟ قولتلك... متقدريش.
أخفت وجهها في عنقه وهي تتمتم بخجل: أنت مستفز.
ضمها إليه أكثر، وقبل رأسها بحنان: والمستفز ده بيعشقك.
تحرك بها خارج الفيلا، وماسة ما زالت بين ذراعيه، تنظر حولها في حيرة: إحنا رايحين فين؟
اجابها بابتسامة غامضة: عاملك مفاجأة.
عبست وهي تنظر إليه بشك: أنا مبقتش بحب مفاجآتك، إيه المرة دي عاملي أوضة عمليات!؟
ضحك بخفة: لا دي هتعجبك بجد، ثقي فيا.
زفرت باستسلام، وأسندت رأسها على كتفه: ماشي...
وصلا إلى ضفاف النيل، حيث كانت فلوكة صغيرة تنتظرهما، تتمايل برفق مع حركة المياه، صعد بها إلى متن الفلوكة، ثم أنزلها برفق على أحد المقاعد، وحرص أن يحيطها بالوسائد حتى تجلس بوضعيه مريحه.
رفعت عينيها إليه بابتسامة فضولية: هتوديني فين؟
اتسعت ابتسامته: هخطفك.
هزت رأسها بدلال: ماشي موافقه أخطفني.
جلس بجوارها، وأحاط بأحد ذراعيه خصرها يقربها منه، وأمسك باليد الأخري يدها، بينما شرع عامل الفلوكة في التجديف، فانطلقت فوق صفحة النيل الهادئة.
كانت نسمات الهواء تداعب شعرها، بينما، انعكست أشعة الشمس الذهبية على الماء في مشهد خاطف للأنفاس.
ظلت تتأمل المنظر في صمت، قبل أن تهمس بابتسامه: المكان هنا... يجنن.
نظر إليها بابتسامه عاشقه: بس ولا حاجة جنب جمالك.
ابتسمت بخجل وهي تضربه بخفة في ذراعه: برضو مخصماك
هز رأسه وهو يشبك أصابعه بأصابعها: متقدريش.
استمرت الفلوكة في الإبحار بهدوء، تشق صفحة النيل في سكون، بينما كانت نسمات الهواء الباردة تداعب خصلات شعرها، فتغمض عينيها أحيانا وتفتحهما مره أخرى وهي تستمتع بذلك الهدوء الذي افتقدته منذ زمن.
أما سليم، فلم تكن عيناه على المياه بقدر ما كانتا معلقتين بها، يراقب كل ابتسامة ترتسم على وجهها وكأنه يحفظها عن ظهر قلب.
وبعد دقائق، بدأت معالم جزيرة صغيرة تقترب أكثر، تلك الجزيرة المتواجده أمام فيلاتهما
كانت الجزيرة محاطة بالأشجار من كل جانب، وكأنها قطعة خضراء اختبأت بعيدا عن ضجيج المدينة.
وما إن اقتربت الفلوكة أكثر، حتى اتسعت عينا ماسة بادراك: الله إنت جايبني الجزيرة!
ابتسم دون أن يجيب، ورست الفلوكة علي الشاطىء، فقفز سليم أولا، ثم استدار ومد يده إليها: تعالي بالراحة.
وضعت يدها في يده، لكنه لم يتركها تنزل بنفسها، بل حملها بين ذراعيه، وهبط بها برفق إلى اليابسة.
ضحكت وهي تشد على عنقه: أنا بعرف أمشي على فكرة.
نظر إليها بمكر: وأنا بحب أشيلك.
ماسه بمحايلة: وحياتي بقى نزلني..الدكتورة قالت خليها ترتاح مش تعاملها علي إنها مشلوله.
ضحك وهو يهز رأسه بيأس، ثم أنزلها برفق، وشبك أصابعه بأصابعها، وبدءا يسيران معا.
كانت الجزيرة صغيرة، لكنها بدت وكأنها عالم كامل أعد خصيصا لهما.
خيمة كبيرة نصبت بين الأشجار، تتدلى عند مدخلها ستائر بيضاء خفيفة تتحرك مع نسمات الهواء، وعلى أحد الجوانب شواية تفوح منها رائحة المشويات الشهية، بينما انتشرت طاولة خشبية أعدت بعناية، تزينها الورود والشموع.
وبين شجرتين عريقتين، تأرجحت أرجوحة خشبية واسعة، ألتف حول حبالها سلك من المصابيح الصغيرة، حتى بدت وكأنها جزء من حكاية خيالية.
توقفت ماسة مكانها، وعيناها تجولان في كل ركن من الجزيرة، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة امتزجت بدهشة طفلة ترى حلما تحقق أمامها.
رفعت نظرها إليه ببطء، وقد لمعت عيناها: أنت إللي عملت كل ده؟
ابتسم وهو يراقب انبهارها: أيوة، خليت ماما سعدية تقبض عليكي علي ما اخلص.
هزت رأسها بعدم تصديق وهي تدور حول نفسها تنظر إلى كل التفاصيل: يا نهار أبيض، ده يجنن!
ضحك على حماسها، ثم اقترب منها: لسه مشوفتيش أحلى حاجة.
عقدت حاجبيها بفضول: لسة فيه كمان؟
أومأ وهو يبتسم ابتسامة غامضة: تعالى... هوريكي.
ابتسم سليم وهو يقودها حتى باب الخيمة الكبيرة، ثم رفع الستارة البيضاء برفق: اتفضلي يا قطعة السكر.
دخلت ماسة، فتوقفت مكانها وقد اتسعت عيناها من الدهشة.
في منتصف الخيمة كان يتدلى فستان أحمر في غاية الأناقة، وإلى جواره حذاء يناسبه، وصندوق صغير يضم إكسسوارات رقيقة، وبجواره مستحضرات تجميل مرتبة بعناية، وكأن أحدهم قضى ساعات ينسق كل تفصيلة.
استدارت إليه ببطء: ده كله ليا؟
أومأ بابتسامة فخور: فستانك، وإكسسواراتك، والميكبك، ألبسي، وأنا هستناكي بره، عشان متقوليش كل مرة مفاجآتي بتبقى وإنتِ بالبيجامة.
ضحكت وهي تضربه بخفة: بس إنت المرة دي لابس تيشيرت وبنطلون.
ابتسم وهو يشير إلى نفسه: لا ما هو أنا كمان مجهز نفسي.
اقتربت منه واحتضنته سريعا: إنت كده بقى أحلى كراميل في الدنيا.
ثم دفعت كتفه برفق: يلا بقى... روح استناني، وأنا هلبس علطول.
ابتسم وهو يتراجع للخلف: متتأخريش يا ماستي بسرعة.
ماسة: حاضر.
خرج سليم متجها إلى خيمة أصغر خصصت لتبديل ملابسه، فبدل ثيابه هو الآخر، وارتدي قميص وبنطال. كانت ملابسه بسيطة لكنها أنيقة تناسب أجواء الجزيرة.
أما ماسة، فارتدت الفستان الأحمر الذي ألتف حولها برقة، وأبرز بداية حملها بشكل خفيف وجميل.
وضعت لمسات بسيطة من مستحضرات التجميل، وارتدت الإكسسوارات، ثم أخذت نفسا عميقا وخرجت.
كان سليم ينتظرها، وما إن وقعت عيناه عليها، حتى توقف للحظات، وأخذت عيناه تتنقلان عليها من أعلى إلى أسفل، وقد انعقد لسانه من شدة انبهاره.
تبسمت بأنوثة: إيه مالك؟!
اقترب منها ببطء وهمس: عند الجمال، يعجز الكلام
بس بتأمل
تبسمت برقة وعضت أسفل شفتيها
أمسك يديها برفق، وقبلهما بوقار: أنا محظوظ بيكي.
ثم انخفضت عيناه إلى بطنها، فوضع كفه عليها بحنان بالغ: تصدقي باين المرة دي.
ضحكت وهي تنظر إلى بطنها: هو باين من فترة يا سليم، بس إحنا كنا فاكرينه كرش.
أنفجر ضاحكا: كنت واخد بالي، بس مكنتش بحب أقولك علشان متزعليش.
ضحكت هي الأخرى: على فكرة أنت كمان زي القمر،
أحلى راجل بالكوكب.
تبسم ابتسامة صغيرة ثم تشابكت أصابعها مع أصابعه سارا معا بين الأشجار.
همست وهي تنظر حولها بإعجاب: كويس إنك جبتني هنا... تعرف إن دي أول مرة أجي المكان ده؟ رغم إنك جايبه من زمان، أنا أصلا حبيت الفيلا دي أكتر من أي مكان ساكنا فيه قبل كدة..
ابتسم وهو ينظر إلى النيل: وأنا كمان دي أول مرة أجي هنا،
التفت إليها وأضاف: بس خلاص... من النهاردة مش هنبطل نيجي كل حاجة انتهت، ومبقاش ليا غير قطعة السكر...
ثم وضع يده على بطنها برفق: والقمر إللي جاي ده.
ابتسمت، وأكملا تحركهما، حتي اقتربا من مكان الشواء، حيث كان أحد الحراس يقف أمام الشواية يقلب اللحم.
سليم متسائلا: إيه يا عطا... لسه؟
رفع رأسه وهو يحرك الفحم: خمس دقايق يا باشا.
أومأ سليم، ثم التفتت لها قائلا: تعال نقعد نستنى.
أومأت وكاد أن يتحركا، ما إن رأت الأرجوحة حتى أضاء وجهها.
ماسة بطفولة: سليم... ممكن أتمرجح؟
نظر إليها ثم إلى بطنها: مش هينفع يا روحي.
عبست وهي تضم شفتيها: مرجحني بشويش، الدكتورة قالت عادي.
هز رأسه برفض: لا يا ماسة أخاف عليكي إحنا ماصدقنا..
أشارت إلى الأرجوحة بتعجب: أمال عاملها ليه؟ بتحنسني؟
ابتسم: عاملها علشان أصورك عليها.
ضيقت عينيها وهي تنظر إليه: طب اتمرجح حبة صغنونة قد كده؟ وحياتي يا سليم مش تبوظ المفاجأة..
تنهد وهو يخرج هاتفه: طب بصي... نكلم الدكتورة، ولو قالت ينفع، همرجحك.
ابتسمت بسرعة: اتفقنا.
أتصل بالطبيبة، وبعد دقائق أخبرته أنه لا مانع، لكن بهدوء شديد ودون أي حركة قوية.
قفزت ماسة من الفرحة: شوفت!
ابتسم باستسلام: يلا.
قادها حتى الأرجوحة، وساعدها على الجلوس.
ثم قال وهو يبتسم: يلا... خليني أمرجحك بمرجلة.
انفجرت ضاحكة: إنت لسه فاكر الكلمة دي؟
اقترب من أذنها وهمس: أنا قولتلك قبل كده مستحيل أنسى حاجة إنتِ قولتيها.
مالت برأسها نحوه، والتقت عيناهما في نظرة طويلة، سكنت فيها الكلمات، ولم يبقَ سوى الحب الصامت بينهما.
بعد لحظات، أشاحت بوجهها وهي تبتسم بخجل: يلا.
وقف خلفها: جاهزة؟
قهقهت وهي تمسك الحبال: جاهزة.
وضع يده على الأرجوحة... ثم دفعها دفعة خفيفة للغاية، حتى إنها بالكاد تحركت.
التفتت إليه باستغراب: إيه يا سليم... مالك؟
ابتسم ببراءة: ما أنا بمرجحك أهو.
رفعت حاجبها: دي متحركتش أصلا، ده أنا حركتها برجلي.
حك مؤخرة رأسه وهو يبتسم: بصراحة مش قادر اتقبل فكرة إني أزقها وإنتِ عليها، استنى بجد لحد ماتعدي الشهر ده.
نزلت من الأرجوحة، ووقفت أمامه، ثم ابتسمت وربتت على صدره بتفهم: خلاص مش هبوظ عليا الحاجات الحلوة دي. بلاش مرجحة، خلينا نستمتع بباقي اليوم.
تنفس براحة: وأنا برضو بقول كده.
تشابكت أيديهما مجددا، واتجها نحو الطاولة الخشبية القصيرة المطلة مباشرة على النيل، تحيط بها جلسة عربية مريحة، وقد امتلأت بالمشاوي والمقبلات، والعصائر الباردة
جلس سليم، ثم ألتفت إلى الحراس: روحوا انتم، مش عايز حد هنا.
تردد أحدهم: بس يا باشا...
رفع سليم عينيه إليه بحزم: بس إيه؟ قولت كله يمشي.
أومأ الحراس، ثم ابتعدوا تاركين لهما المكان.
جلس سليم بجوارها، وقطع قطعة من اللحم، ووضعها في طبقها.
تناولت لقمة، ثم أغمضت عينيها باستمتاع: حلوة أوي...
ثم نظرت إليه بدهشة فقد عرفت الطعم: سليم، إنت إللي عامل اللحمة دي؟
ابتسم ببساطة: كل حاجة هنا أنا إللي عاملها بإيدي، حتى الخيمة والزينة كله.
نظرت إليه بإعجاب لا تخفيه: عملت كل ده إمتى؟
تناول قطعة سلطة: بالليل وإنتِ نايمة، كنت باجي هنا واظبطت شوية، وبالنهار، وإنتِ قاعدة مع سعدية وسلوى، اتفقت معاهم يشغلوكي شوية لحد ما أخلص.
تنهدت وهي تبتسم بحب: تسلم إيدك، كل حاجة حلوة أوي، بجد فرحت.
أمسكت يده وقبلته منها: ربنا يخليك ليا، وميحرمنيش منك أبدا، بحبك أوي.
ضمته بقوة بين ذاعيه لثواني ثم ابتعدت، فابتسم وهو يشير إلى طبقها: طب يلا كلي، بألف هنا يا قطعة السكر، النهاردة اليوم كله ليكي
♥️______________بقلمي_ليلة_عادل.
عند مي ورشدي
استلقت مي علي بطنها فوق الفراش، وقد انزاح شعرها المبلل جانبا ليكشف عن ظهرها، بينما غطت الجزء السفلي من جسدها بالغطاء.
جلس رشدي خلفها، يميل قليلا نحوها، ويوزع ببطء بعض الزيوت العطرية على كتفيها وظهرها، في تدليك هادئ يخفف عنها أثر الأيام الماضية.
أغمضت عينيها في استرخاء، وتركت تنهيدة خفيفة تفلت من بين شفتيها، فقد كانت لمساته حنونة، مليئة بالاهتمام أكثر من أي شيء آخر.
اقترب منها أكثر، ووضع قبل متفرقة حول ظهرها مرورا بعنقها، قبل أن يهمس بجوار أذنها بصوت دافئ جعل الشعريرة تهز جسدها: تعبانة؟ تعبتك..
هزت رأسها بالنفي وهي تبتسم ابتسامة هادئة: لأ خالص
ابتسم وتساءل بنبره دافئه: انبسطتي؟
هزت رأسها بخجل، بينما تابع بابتسامة دافئة: كنتي وحشاني أوي، حاسس إني لسه مشبعتش منك.
اعتدل في جلسته وعاد يدلك كتفيها برفق: المساج ده هيريحك خالص.
أغمضت عينيها في استرخاء وقالت بابتسامة: أنا فعلا مستمتعة بيه أوي، كمل يا رشدي.
ابتسم وهو يراقب ملامحها الهادئة، ومال نحوها مرة اخر وسالها بنبرة ذات معنى: طب الليلة دي أحلى، ولا المساج؟
فتحت عينيها وضربته ضربة خفيفة على كتفه وهي تضحك: يا رخم... اتلم.
ضحك بصوت منخفض: خلاص... خلاص..وبعدين المفروض احنا عدينا مرحلة الكسوف دي، انا بحب الست البجحة..
ردت بمزاح: اكتر من كده؟ انا حاسه ان انا بقيت سافله اوي..
دغدغها من ضهر: وانا بموت في السفاله، ربنا يكتر من سفالتك..
ضحك وواصل تدليك ظهرها، وحينما وقعت عيناه على الندبة الصغيرة التي تركتها الإصابة
سكنت ابتسامته، ومد أصابعه يمررها برفق بجوارها، ثم انحنى وطبع قبلة حانية فوقها: أنا آسف يا مي...
عقدت حاجبيها بعدم فهم، ثم استدارت إليه بقلق، وأمسكت وجهه بين كفيها: مالك يا رشدي؟
تنهد وهو ينظر إلى الندبة: كل ما بشوفها قلبي بيوجعني، ساعات بلوم نفسي، وأقول لو مكناش اتجوزنا، يمكن مكنتيش مريتي بكل ده.
ابتسمت بحنان وهزت رأسها: ولو كنت اتجوزت واحد غيرك، كنت هتبقي عادي؟!
ابتسم رغم الدمعة التي لمعت في عينيه: كنت هتجنن.
اقتربت منه وربتت على خده: يبقى بطل تشيل نفسك ذنب حاجة عمرها ما كانت بإيدك، اللي حصل قدر، وإحنا عديناه سوا وهنكمل سوا.
ظل ينظر إليها لحظات طويلة، ثم قال بصوت ممتلئ بالمشاعر: أنا بحبك أوي يا مي.
ابتسمت له ابتسامة واسعة، وأجابت دون تردد: وأنا كمان بحبك اوي اوي يا رشدي.
ضمها إلى صدره في عناق طويل، واستقرت رأسها على كتفه، ثم بدا بوضع قبلات متفرقه على عنقها المرمري، اشعرتها بقشعريره لطيفه ما تجاوبت مع وأخذت تبادله قبلاته حتي غابا معا في بحر العشق والهوى...
*********
عند سليم وماسة.
انتهوا من تناول الطعام، وكان الليل قد أرخى سدوله على الجزيرة.
فتحول المكان إلى لوحة ساحرة؛ الأضواء الصفراء الصغيرة كانت تتدلى بين الأشجار وعلى الحبال، فتبدو كنجوم هبطت من السماء لتضيء المكان، بينما اشتعلت نار هادئة داخل الموقد الحجري في المنتصف، ينعكس وهجها البرتقالي على العشب الأخضر، فيمنح الجزيرة دفئا وسحرا خاصا.
نهض سليم أولا، ثم مد يده إليها، فتشبثت بها ونهضت وهي تبتسم: هنعمل إيه بقى دلوقتي؟
ابتسم وهو ينظر إليها: ممكن نرقص، وممكن نقعد قدام النيل وإنتِ في حضني نشرب حاجة، وممكن نتفرج على فيلم.
نظرت إليه من أسفل عينيها باستغراب: فيلم هنا؟ إزاي؟!
ابتسم ابتسامته الغامضة: تعالي.
تشابكت أصابعهما، وسار بها حتى وصلا إلى مكان آخر داخل الجزيرة.
توقفت ماسة فجأة، وقد اتسعت عيناها بدهشة.
كان أمامها شاشة ضخمة تشبه شاشة السينما، وأمامها جلسة عربية مريحة مليئة بالوسائد، وعلى الطاولة الصغيرة تنوعت الحلويات، والفشار، والعصائر، والمشروبات الساخنة.
ظلت تنظر إلى المكان للحظات، ثم التفتت إليه: أنا... منبهرة بجد.
ضحك بخف: عجبتك فعلا؟
هزت رأسها بسرعة: تحفة أوي يا سليم.
اقترب منها وسألها بحنان: طب قطعة السكر تحبي نعمل إيه الأول؟
وضعت إصبعها أسفل ذقنها وكأنها تفكر بجدية: إحنا ممكن نرقص الأول، وبعدين نقعد شوية نتكلم، وبعدها نتفرج على فيلم وناكل فشار وانا في حضنك تقعد تلعب في شعري
ابتسم : بس كده؟
تبسمت بدلال: بس كده.
اومأ: تؤمري.
أخرج هاتفه، وضغط على أحد المقاطع، فانطلقت اغنية تركيه رومانسيه، من مكبرات الصوت المنتشرة بين الأشجار.
اقترب منها، وأحاط ظهرها بحذر، بينما تشابكت يده الأخرى بيدها، أما هي، فلفت ذراعها حول عنقه برقة، وبدآ يتحركان ببطء مع أنغام الأغنية.
لم يتحدث أي منهما، كانت العيون تتكلم بدلا من الكلمات، وتقول كل شيء داخل قلبهما، نظرات طويلة، وابتسامات صغيرة، وأنفاس هادئة امتزجت مع نسمات الليل، وكأن الأغنية خُلقت خصيصًا لتلك اللحظة.
بعد انتهاء الموسيقى، توقفا أمام بعضهما، ظل كل منهما ينظر إلى الآخر لثوانٍ طويلة، بشوق، وحب..
اقتربا من بعضهما ببطئ ثم تبادلا قبلة بعشق، وشوق، وهيام، لدقائق.. كأنها يعبران فيها عن كل ما يحمل الاخر من حب شوق
ثم أحاطها بذراعيه، وضمها إليه في عناق طويل، وكأنه يريد أن يحتفظ بها داخل قلبه.
ابتسمت وهي تغمض عينيها بين ذراعيه، همس بالقرب من أذنها: ربنا يخليكي ليا.
ووضعت قبلة على رقبته: ويخليك ليا يا روح قلبي.
أبتعد عنها قليلا، ثم أمسك يدها وأتجه بها نحو حافة النيل.
جلس على الأرض، ثم ساعدها لتجلس بين ذراعيه، وأسندت رأسها على صدره، بينما راحت تتأمل صفحة النيل الهادئة.
تنهدت بسعادة: أنا مستمتعة أوي، ومش عايزة أمشي من هنا.
ثم رفعت رأسها إليه أضافت: ينفع نبات هنا؟
ابتسم وهو يقبل أعلى رأسها: أكيد ينفع، أصلا عامل حسابي على كده، عشان كده عملت الخيمة.
ابتسمت أكثر، ثم سمعته يتابع: على فكرة عندي ليكي مفاجأة كمان.
التفتت إليه بسرعة: إيه هي؟
أخرج هاتفه، وفتح مجموعة من الصور، ثم أعطاها لها: شايفة البيت ده؟
نظرت إلى التصميم، فإذا به منزل صغير من الخشب والزجاج، تحيطه الأشجار، وتطل واجهته بالكامل على النيل.
ابتسمت بإعجاب: جميل أوي شبه البيوت إللي أنا بحبها، وكان نفسي أسكن فيها.
ثم ضحكت بخفة: بس خلاص أنا مابقتش أتمنى تاني، من يوم ما اتمنيت، وإحنا داخلين في فيلم أكشن مش بيخلص.
ضحك وهو يهز رأسه: لا اتمني براحتك.
ثم أشار إلى الصور مرة أخرى: أنا ناوي أبني البيت ده هنا.
رفعت رأسها إليه بإندهاش: هنا؟
ابتسم: أيوة، مستغربة ليه؟
ثم أكمل وهو يشير إلى الجزيرة من حولهما: هيبقى بيت صغير، كل ما نحب نهرب من الدنيا، نيجي هنا أنا وإنت.
ووضع يده بحنان على بطنها: والقمر الصغير.
أخذ يقلب باقي الصور: بصي من جوه كمان، كله معمول على ذوقك، حتى ألوان الأثاث.
ظلت تتأمل الصور وعيناها تلمعان بالسعادة ودموع التأثر: الله كل حاجة حلوة أوي
ثم رفعت رأسها إليه بحماس: طب هتبدأ إمتى؟
ابتسم بثقة: من بكرة.
اتسعت ابتسامتها، ثم وضعت رأسها مرة أخرى على كتفه، وهمست بصوت دافئ: تعرف يا سليم أنا مبسوطة أوي، مش علشان المكان، ولا الأكل، ولا المفاجآت، أنا مبسوطة علشان أخيرا حاسة إننا بقينا نعيش حياة كنا بنحلم بيها.
ابتسم، وأحاطها بذراعه أكثر، ثم نظر إلى النيل وقال بهدوء: ووعد مني كل حلم لسه باقي عندك، هحاول أحققه، حتى لو أخد مني العمر كله.
اغرورقت عيناها بالدموع، ونظرت إليه بتأثر شديد: إنت جميل أوي يا سليم كل ما أشوف إللي بتعمله معايا، أزعل من نفسي على إللي كنت بعمله معاك.
مد سليم يده ومسح دمعتها بإبهامه برفق: مش عايزين كلام سلبي، ومش عايزين أي حاجة تعكر علينا الليلة دي.
ابتسمت وسط دموعها، فأكمل وهو ينظر في عينيها: إللي فات فات، وإوعي تزعلي من نفسك، إنتِ عملتي إللي عملتيه لإنك كنتِ مضغوطة، وأنا كمان غلطت، أنا كمان اتعاملت مع مواقف كتير بطريقة غلط، كان لازم أحتوي أكتر... وأفهم أكتر.
أمسك يدها وقبلها برفق: أنا وإنتِ اتعلمنا خلاص، أوعي تلومي نفسك تاني، ومش عايز الموضوع ده يتفتح تاني أنسي.
هزت رأسها برفض خفيفة: مش هينفع عشان مرجعش أغلط تاني.
ابتسم بحنان: أنا عارف، وحتى لو نسيتي مستحيل نرجع نعيد إللي حصل، إحنا الاتنين اتغيرنا.
ابتسمت أخيرا.: أكيد.
ساد بينهما صمت مريح، لم يكن يحتاج إلى كلمات.
وفجأة، اعتدلت ماسة، وتمددت برفق، وأسندت رأسها على فخذيه.
رفعت عينيها إليه وهي تبتسم: عايزة أنام كدة شوية.
مرر أصابعه بين خصلات شعرها برفق: نامي يا قطعة السكر.
أغمضت عينيها، بينما ظل هو ينظر إلى صفحة النيل، يستمتع بهدوء المكان وصوت المياه الخافت.
بعد فترة، اعتدل وساعدها على الجلوس، ثم توجها إلى شاشة العرض.
جلسا على الجلسة العربية، وأشعل أحد أحدث الأفلام وأحضر بطانية خفيفة، ولفها حول كتفيها.
مالت برأسها على كتفيه، بينما أحاطها بذراعه، وبدءا يشاهدان الفيلم.
كانا يتبادلان دلو الفشار بينهما؛ مرة يطعمها هو، ومرة تبتسم وتناوله قطعة، وسط ضحكاتهما وتعليقاتهما البسيطة على أحداث الفيلم.
ومع مرور الوقت، بدأت ماسة تتثاءب أكثر من مرة.
نظرت إليه بعينين نصف مغمضتين: أنا تعبت... تيجي ننام؟
أغلق الشاشة فورًا: يلا.
نهض وساعدها على الوقوف، توقفت فجأة وسألته بفضول: بس بقولك إيه، هو فيه هنا حمام؟
ابتسم: أيوة، عامل حمام صغير جنب الخيمة.
قادها إليه، وانتظرها بالخارج حتى انتهت، ثم اصطحبها إلى داخل الخيمة.
كان مكان النوم مجهزا بعناية؛ مرتبة كبيرة، وأغطية ناعمة، ومصباح صغير يبعث ضوءًا دافئًا، وكل شيء مرتب بعناية.
وقفت تنظر حولها ثم قالت بتردد: أنا مش هنام بالفستان ده.
ابتسم وكأنه كان يتوقع سؤالها، وفتح خزانة صغيرة بجوار الفراش، وأخرج منها بيجامة قطنية مريحة، ثم قدمها إليها: اتفضلي يا ستي.
اتسعت ابتسامتها: طب بصراحة، المعاملة المرة دي تستحق عشر نجوم.
ضحك: يعني مش هتروحي تشتكيني لياسر تاني؟
خفضت رأسها: هو كلمك.
اومأ بابتسامه: طبعا كلمني، وكان بيقنعني ارجع للجلسات تانى وقولتله إني ناوي اعمل كده فعلا بس مش دلوقتي، اخلص اللى ورايا الأول.
ابتسمت بخجل وقالت: طب ساعدني أفك سوستة الفستان.
أومأ برأسه، وساعدها بهدوء في فك السحّاب الخلفي للفستان وسعادها لتبديل ملابسها بيجامتها قطنية مريحة، بينما بدل ملابسه هو الآخر لملابس منزلية بسيطة.
ابتسمت عندما رأته: كده أحسن بكتير.
ابتسم لها، وأمسك يدها وقادها نحو الفراش.
تمددت وهي تزفر براحة، وما إن وضعت رأسها على الوسادة حتى شعرت بإرهاق اليوم كله يغلبها.
لكن دقيقة واحدة فقط مره، قبل أن يتسلل صوتها: سليم… إنت نمت؟
رد وهو مغمض العينين، بصوت محمل بالنعاس: لسه هنام.
اقتربت قليلا تتسال: هنا فيه حشرات؟
هز رأسه نافيا: لأ.
ماسة بقلق طفولي: إزاي؟ ما إحنا وسط زرع، يعني ممكن يدخل علينا تعبان بحر.
فتح عينا واحدة، ونظر لها قائلا باستنكار: تعبان بحر؟ ده نيل يا ماسة مش بحر.
رفعت الغطاء لفوق: طب تعبان نيلي!
ضحك بخفة: ولا تعبان نيلي، الجزيرة متحصنة بعشب بيبعد الحشرات والثعابين.
أغمضت عينيها، وتكورت تحت الغطاء: طيب، تصبح على خير.
لم تمر دقيقة، وقالت: سليم أنا حاسة إن فيه رجلين بره.
هذه المرة فتح عينيه الاثنتين، رفع نفسه، واستند على كوعه، وحدق فيها بنظرة رجل محب رغم الغيظ: ماسه نامي مفيش حد.
شهقت بخوف حقيقي: جبت الثقة دي منين؟ روح شوف!
جلس، مرر يده على وجهه بإنهاك، ثم قال بنبرة هادئة: لو فيه حد كان زمانه مات، أنا متأكد إن مكي حاطط قناصة تراقب المكان دلوقتي.
همست باصرار: ريحني وروح شوف.
نهض، وخرج، دار حول الخيمة، تفحص أطراف المكان، ثم عاد تمدد جانبها يطمئنها وأخذها بين أحضانه: مفيش حاجة نامي يا روحي أنا جنبك..
أومات: طيب تصبح على خير
لكن بعد لحظة، أتي صوتها مره آخري متوترا: سليم.
فتح عينه ببطء شديد وهو يتنهد بتعب: فيه إيه تاني؟
قالت بتزمر: هو إنت ليه مش طايقلي كلمة؟
ضحك رغما عنه: مقدرش، قولي.
بلعت ريقها: ممكن يدخل علينا صرصار؟
قال وهو يمسك ضحكته: إن شاء الله لأ.
ماسة بخوف: بس أنا بخاف.
هبطت عينه ونظر لها متعجبا وهي بين أحضانه: بطلي كدب، إحنا متجوزين بقالنا 10 سنين ونص، وعمرك ما خوفتي، بتديهم على وشهم.
رفعت حاجبها ببطء: تقصد إن أنا مش ست يعني؟
مسح على شعرها: لأ يا روح قلبي، بس بقولك متخافيش بعدين إنتِ في حضني أهو.
ساد الصمت لحظة، قبل أن يعود صوتها: سليم…
تنهد بتعب: طب نرجع الفيلا؟ علشان ترتاحي؟! أنا عايز أنام بجد.
سحبت الغطاء عليها وكأنها تحتمي به منه ومن الليل: لا خلينا، وبطل تزعقلي، أنا خايفة.
مد يده، ولمس يدها بخفة: لا يا حبيبة قلبي متخافيش، أنا جنبك ولو جه صرصار، أنا هجري وراه لحد ما أموتهلك.
ضحكت رغما عنها، فقال بغلب: ممكن ننام بقى؟
هزت راسها بإيجاب
ضمها إليه بذراع تشدها عليها برفق محسوب، فهمست، وشفتيها تكاد تلامس شفتيه: تصبح على خير يا كراميل
رد بصوت عميق، دافئ، يهبط على قلبها مثل غطاء صوف: وإنتِ بخير يا قطعة السكر.
وأخيرا… غفت غفت بين ذراعيه، في المكان الوحيد الذي لم تعرف فيه الخوف يوما.
♥️______________بقلمي_ليلة_عادل.
عند مي ورشدي.
خرج رشدي من الحمام مرتديا برنص أبيض، بينما كانت مي بين ذراعيه، ترتدي هي الأخرى برنص الحمام الأبيض، وشعرها المبلل ينسدل على كتفيها، كانت ملامحهما هادئة، تتزين بابتسامة دافئة بعد أن قضيا وقتا خاصا معا أعاد شيئا من الطمأنينة إلى قلبيهما.
اقترب من الفراش ووضعها عليه برفق، ثم جلس أمامها، وأمسك يديها بين كفيه وهو يتأمل وجهها بإهتمام: حبيبتي أنتِ كويسة؟
هزت رأسها بوهن خفيف، وابتسمت له: أيوة كويسة.
رفع يده ومسح على خدها بحنان، ثم قال وهو يراقب ملامحها: بجد، يعني الجرح متعبكيش؟
ضحكت بخفة وهي تهز رأسها: ياحبيبي تقريبا دي عاشر مرة تسألني، واقولك أنا كويسة.
تنهد وهو يشبك أصابعه بأصابعها: حاسس إني استعجلت وتقلت عليكي، وكان المفروض استنى شوية..
رفعت حاجبها وهي تنظر إليه باستغراب ممزوج بالمرح: هو أنت يعني غصبتني؟ أنا كنت راضية وحابة ده أوي.
ارتسمت ابتسامة صغيرة، ثم انحنى قليلا نحوها: كنتي وحشاني أوي، وكان نفسي بجد أمسح أي حزن جواكي، وأشوف الضحكة دي راجعة تاني علي وشك.
غمز لها: وكمان علشان نجيب التؤم أسرع
أنزلت عينيها إلى الأرض بخجل، فابتسم وهو يرفع ذقنها برفق حتى تنظر إليه: لا بصيلي هنا، مفيش كسوف بينا بعد كل إللي عدينا بيه.
ازدادت حمرة وجنتيها، فضحك وهو يهز رأسه: ده إحنا اتغيرنا خالص، والكسوف ده مبقاش لايق علينا، أنا بس عايز أعرف أنتِ كنتي في الرعاية ولا بتاخدي كورسات من ورايا؟
انفجرت ضاحكة وهي تضربه كتفه: بطل بقى.
هز كتفيه بمبالغة: أبطل إيه بس؟ والله لولا إني هحس إن معنديش دم، كنت قولتلك أرقصيلي.
ضحكت أكثر وهي تهز رأسها: لا كده تبقى طماع ومفتري
مال يطبع قبلة رقيقة على خدها: لازم أبقى طماع مع ميوشي.
حاولت النهوض، لكنه أمسك يدها بلطف: رايحة فين؟
مي: هلبس.
نظر لها بمشاكسة: لا النهاردة هنام جنب بعض كدة، علشان نقضي علي الكسوف ده..
جذبها إليه برفق، وهو يتمدد على الفراش فوقعت على صدره وضحكت وهي تقول: يا رشدي أهدى شوية، أنا لسه خارجة من المستشفى.
ابتسم وهو يربت على خصلاتها بحنان: هو أنا عملت حاجة؟ أنا كل إللي بطلبه إنك تفضلي هنا، بين إيديا.
ثم ضمها إلى صدره في عناق دافئ، وطبع قبلة طويلة على جبينها: يلا نامي وارتاحي يا روح قلبي، وكل إللي جاي، هيكون أحسن وأجمل.
ابتسمت وهي تستقر بين ذراعيه، وأغمضت عينيها في راحة، بينما ظل هو يربت على شعرها برفق حتى غلبها النعاس، وهو يهمس: تصبحي على خير يا أجمل ما في حياتي
♥️______________بقلمي_ليلة_عادل.
في صباح يوم جديد.
استيقظت ماسة، ومدت يدها تبحث عن سليم فلم تجده، ففتحت عينيها بخوف، ونهضت من الفراش مسرعة، وخرجت من الخيمة وهي تشد على أطراف البيجامة، وتتلفت حولها بخوف طفلة.
لكن ما إن خطت خطوتين حتى رأته، واقفا عند الطاولة الخشبية الصغيرة، الشمس الصباحية معلقة على كتفيه، وهو يقطع الطماطم ويرتب الفطور بعناية.
اقتربت منه بخطوات حذرة، تعيد خصلات شعرها خلف أذنيها: إنت صحيت إمتى؟
اجابها دون أن يلتفت، وهو يضع الطماطم في طبق:
من شوية أفطري، أنا خلصت.
ابتسمت ماسّة بخفة: صباح النور.
جلسا أمام الطاولة، وبدءا يتناولان الفطور، ويمتزج صوت الموج وزقزقة العصافير مع رائحة الخبز والشاي.
أمسكت بالكوب بين يديها، تنظر حولها: المكان هنا تحفة، حتى لو كنت خايفة شوية من الحشرات بس المكان حلو، وأكيد هقعد هنا النهاردة تاني.
ضحك سليم: وتفضلي كل خمس ثواني تقوليلى ألحق صرصار، ألحق مش عارف إيه.
ضربته برجلها تحت الطاولة بحركة طفولية: خلاص مش هعمل كده وبطل.
تابعوا تناول الفطور، وفجأة، وقعت عين ماسة على شيء يلمع فوق الشجرة.
شهقت، واتسعت عيناها، وصرخت بفرحة طفلة: إيييه ده! طيّارة!
قفزت واقفة، ركضت نحوها ببهجة خالصة، ثم استدارت نحو سليم، وعيناها تلمعان من الفرحة.
ركضت نحوه، تلفت ذراعيها حوله: يا روحي يا سليم!
التقطها بلهفه: براحه يا حببتي، الدنيا مش هتطير للجري دى كله.
ثم ابعد خصلات شعرها خلف أذنها: عجبتك؟
اومأت بسعاده تلمع في عينها: عجبتني بس، دي تهوس!
ثم أضافت بدهشة: إحنا بقالنا سنين كتير ملعبناش بالطيارة… مين إللي عملها؟
نظر لها بعينين مليئتين بالحب: أنا.
همست بدهشة وفرح: واو…
ثم هزت كتفها برجاء: طب بالله عليك نزلها ونلعب شوية.
ضحك: نكمل الفطار الأول، وبعدين نلعب.
ماسة بطفولة: لأ نلعب الأول وبعدين ناكل.
أمسكها بخفة من أنفها، وهو يمزح: أنا معلقها فوق كده مخصوص علشان عارف إنك هتعملي كده، أقعدي خلينا نكمل أكل الأول أسمعي الكلام.
زفرت بطفولية، وجلست، وبدأت تتناول بعجلة،
كأنها على موعد، وكان سليم يضحك على طفولتها
بعد دقائق، انزل سليم الطيارة من فوق الشجرة، وناولها الحبل ووقف خلفها.
كانت واقفة أمامه، ظهرها ملتصق لصدره، ويديه فوق يديها، يمسكان بالحبل سويا. ومع أول نسمة من الريح، بدأت الطيارة تحلق. شعرت ماسّة بقلبها يقفز من الفرح، كما لو أنها تطير مع الطيور. الريح تلامس وجهها، شعرها يتطاير حولها، والضحكات تتطاير مع الطائرة في الهواء.
كان سليم متوقف خلفها، يراقبها بعينين مليئتين بالشغف، كل حركة لها تبدو له معجزة صغيرة، كل ضحكة منها موسيقى تهز قلبه.
كان يسرق النظر إليها كل ثواني… بعينين مشبعتين بالشوق، لا ترمش بقلب يضخم داخل أضلاع من وهج الاقتراب الذي أذابه شوقا.
هي أيضا كانت تسرق النظر من طرف عينها، تراقبه وتبتسم، وتشعر بالبهجة تتسرب إلى جسدها، فكل لحظة بين يديه، تجعلها تعود طفلة حرة، خفيفة، بلا خوف، بلا قيود، بلا حدود.
صاحت بفرحة طفلة: واو يا سليم، الطيّارة طارت فوق أوي!"
ضحك بصوت مليء بالدفء والحذر: أوعي تقع منك!
رفرف قلبها من الفرح، وأخذت الطيّارة تتمايل برفق مع كل خطوة، ومع كل لحظة شعرا أن العالم بأسره يختزل في ضحكاتهما، وفي هذه اللحظة التي تفيض بسعادة لا توصف.
ظلّ الاثنان يجريان مع الطيّارة لكن بحساب، يضحكان، يركضان، والسعادة في أعينهما، وفي كل نفسٍ يتنفسانه معًا. مع خطوة، وحركة تزيدهما قربا من بعضهما، تزيد قلبيهما فرحا وبهجة،
بعد وقت
جلسا تحت المظلة المطلة على النيل، وقد لف الصمت المكان إلا من صوت المياه وهي تلامس ضفة الجزيرة برفق
كانت ماسة تستند برأسها على كتفه، بينما تشابكت أصابعها بأصابعه.
تنهدت بسعادة، ثم ابتسمت وهي تنظر إلى الأفق.: أنا انبسطت أوي، متهيألي إني منبسطتش كده من سنين.
التفتت إليه، وعيناها تلمعان بالامتنان: شكرا على كل حاجة.
ابتسم، ووضع كفه فوق يدها برفق: أنا مبسوط إنك فرحانة. عملت كل ده عشان أشوفك كده، وأشوف ابتسامتك الحلوة، علشان عارف إن الفترة إللي فاتت ضغطت عليكي أوي.
ابتسمت له بحنان: وأنا كمان عايزاك تبقى مبسوط.
ابتسم ابتسامة هادئة: ما أنا مبسوط.
هزت رأسها بالنفي فهي تعرفه أكثر من نفسه: لا يا سليم، إنت عملت كل ده علشان تخليني أنا مبسوطة، ضحكتك وفرحتك دي علشان تشوف ماسة مبسوطة...
مش علشان أنت تبقي مبسوط!
اقترب منها قليلا وقال وهو ينظر في عينيها: وفيه أكتر من كده؟ أنا انبساطي في انبساطك قطعة السكر.
ابتسمت، لكنها سرعان ما تنهدت: أنا عارفة إن راحتي بتخليك مبسوط... بس إنت لسه جواك حتة مطفية.
عقد حاجبيه وهو ينظر إليها: أنا عارفة يا سليم إن جواك خناقة كبيرة، وإن مهما ضحكت، لسه فين حاجة وجعاك..
اومأت بنبرة متأثرة: ودي حاجة أنا مستحيل أرضى بيها أبدا، مش هرضى إن أنا أشوف جواك الحزن ده.
ساد الصمت بينهما ثم أكملت بصوت هادئ: انا عارفة أنك مش هترتاح غير لما تاخد حقك، وحق حور، وحقي، وحق كل إللي اتعمل فينا...
خفض عينيه إلى الأرض، ولم يتحدث، فأمسكت بيده بكلتا يديها تابعت: خلاص أنا بقيت كويسة، وروحي ارتاحت...
ثم أضافت بثبات: روح أعمل إللي إنت شايفه صح، وريح قلبك وعقلك، روح أقفل كل الملفات إللي لسه مفتوحة..
توقفت لحظة، ثم نظرت إليه برجاء: بس عندي شرط.
رفع عينيه إليها، أضافت وهي تضغط على يده: أوعدني إن إيدك متتلوثش بالدم.
سكنت ملامحه، فأكملت وقد أغرورقت عيناها بالدموع: أنا مش عايزة ابننا ييجي على الدنيا، وباباه إيده متغرقة بدم عيلته.
وضعت يدها على بطنها بحنان: أنا عارفة إنهم ظلمونا ويستحقوا يتحاسبوا.
ثم هزت رأسها بأسى بعينين تسقط بدموع: بس هيفضلوا أهلك، ومش عايزة الذنب ده يبقى في رقبتك..
تنهدت وهي تمسح دمعة نزلت على خدها: مش هقولك سامح، لإن حتى أنا مش قادرة أسامح، ونفس اليوم إللي عرفت فيه إن هما سقطوني كنت عايزة أحرق صافيناز وفايزة من الغل اللى جوايا، غل محسيتوش في حياتي قبل كده، ويمكن لو كنت عرفت موضوع الحادثة قبل الحمل مكنتش هوقفك وكنت هرمي بنزين معاك كمان..
ابتسمت ابتسامة باهتة وهي تربت على بطنها: بس في اللحظة إللي عرفت فيها إني حامل فيه حاجة جوايا اتغيرت، حسيت إني مش عايزة ابني ييجي وسط الصراعات والخناقات والخوف والدم، عايزاه ييجي وهو في أمان، لآن الانتقام مش هيجيب غير انتقام، والدم مبيجيبش من وراه غير الدم، علشان كده وقفتك وبقولك الكلام ده، يمكن البيبي ده لما يكبر، يعلمنا نسامح.
نظرت إليه بثبات: رجعني الفيلا، وروح أعمل إللي إنت عايزه، روح خلصنا بقى من العقارب إللي ماليين حياتنا، علشان ابننا ييجي في أمان، مش عايزة استنى أكثر من كده
صمتت لحظة قبل أن تضيف: بس قولي وعد، إن إيدك مش هتتلوث بالدم.
ظل صامتا لثواني، ينظر إلى عينيها ثم إلى يدها الموضوعة فوق بطنها، ثم تنهد بعمق، ومد يده حتى غطى يدها الموضوعه علي بطنها، وقال بصوت هادئ لكنه حاسم: أوعدك إن ايدي مش هتتلوث بدم حد فيهم..
ثم انحنى وقبل جبينها: ووعد تاني، إن ابننا أول ما يفتح عينه على الدنيا، هيشوف أب يقدر يبص في عينه من غير ما يستخبى من ماضيه، هيلاقي عيلة كلها أمان وحب، مفيهاش مشاكل ولا خوف، أمان وسعادة وبس.
ابتسمت ماسة أخيرا، واحتضنته بقوة، وكأن ذلك الوعد كان الهدية الأجمل في تلك الليلة.
♥️_____________بقلمي_ليلة_عادل.
عند مي ورشدي
جلسوا مائدة الإفطار، بينما كانت مي تتناول الطعام بشهية مفتوحة وكأنها تعوض أياما كاملة.
قالت وهي تلتهم قطعة أخرى: جعانة جدا بجد.
ابتسم رشدي وهو يراقبها: بألف هنا يا حببتي، كلي كويس، وخدي دواكي.
هزت رأسها: حاضر.
رفع عينه وسالها: بقولك، إمتى هنفاتح والدك في موضوع السفر؟
تنهدت وهي تتناول ما في شوكتها: مش عارفة، إنت ليه مستعجلة، انا لسه خارجة من المستشفى.
أجابها بتنهيده صادقه: مبقتش طايق الجو هنا، حتي الهوا بقيت حاسه خانقني.
نظر لها بابتسامه: بس لو عايزه تأجيلها شويه مش مشكله.
تذكر أمر المصحه فقالت سريعا: لا، خلينا نروح فعلا بسرعة عشان المصحة. أنت حجزت؟
أومأ برأسه: أمم حاجز من فترة، خلاص النهارده نفتح مع ابوكي الموضوع ونشوف هيقول إيه.
صمت لحظة قبل أن يسألها بتردد: تفتكري هيوافق بعد اللي حصل؟
زمت شفتيها: مش عارفه، ممكن يعاند شوية بس إن شاء الله يوافق.
هز رأسه بإيجاب، وأكملا تناول الإفطار في هدوء.
بعد دقائق، نهضت مي واتجهت إلى المرحاض، بينما خرج رشدي إلى الشرفة، وأشعل سيجارته، وأخذ نفسا عميقا منها، ثم أخرج هاتفه وأجرى اتصالا.
رشدي بصوت جاد: أيوه يا شوقي، جهزت نفسك للسفر؟
جاءه الصوت من الطرف الآخر: آه يا باشا، جاهز، ومعايا التذاكر
رشدي: تمام استني من مكالمه.
أنهى المكالمة سريعا، ثم ضغط على اسم آخر: ألو يا اسعاد، عاملة إيه؟
اجابت: الحمد لله يا ابني، انت كويس ومي كويسة؟
اجابها بهدوء: اه كويسين، كنت عايزك تحضري شنطة لجنة، عشان هتسافر، ساعتين بالكتير وهكون عندك.
تساءلت بقلق: تسافر فين؟
اجابها باقضتاب: لما اجي هقولك، سلام.
أغلق الهاتف ببطء، وبقي واقفا في الشرفة، ينفث دخان سيجارته في الهواء، وعيناه معلقتان بالأفق بشرود، وكأن ما ينتظره في الساعات القادمة سيكون أصعب بكثير مما مضى.
♥️______________بقلمي_ليلة_عادل.
فيلا سليم وماسه.
جلس سليم ومكي تحت البرجولة المطلة على النيل. أمامهما أكواب القهوة يتصاعد منها البخار، والسجائر تحترق ببطء بين أصابعهما، بينما كان اللابتوب مفتوحا فوق الطاولة وبينهما عدة أوراق وأقلام.
كان سليم مختلفا تماما عن الأيام الماضية، فيبدو أن الليلة التي قضاها مع ماسة أعادت إليه جزءا كبيرا من روحه، وأعطته القوة التي كان يحتاجها، لم تعد رغبته في الانتقام تدفعه للتهور كما كانت من قبل، بل أصبح أكثر اتزانا وحكمه.
أخذ نفسا عميقا: مش عايزين نضيع وقت تاني يا مكي، الحمد لله ماسة بقت بخير، وقلبي اطمن عليها، خلينا نركز في إللي جاي بقي، هنسمع التسجيل ده من الأول تاني كلمة كلمة، كل تفصيلة لازم تتكتب، يمكن فيه حاجة فاتتنا.
هز مكي رأسه بجدية: تمام.
سليم بتنبيه: التسجيل بتاع رشدي وفايزة اتقال فيه كلام مهم جدا، لازم نركز في كل كلمه اتقالت فيه ونحللها.
اومأ مكي برأسه، فاشعل سليم التسجيل، وبدءا يستمعان إليه بمنتهى التركيز، كانا يوقفانه كل دقيقة تقريبا، يعيدان بعض الجمل أكثر من مرة، ويكتبان الملاحظات، ويرسمان الأسهم التي تربط الأشخاص ببعضهم.
وبعد أكثر من ساعة...
كان سليم وكأنة رسم لوحا صغيرا من معلومات، كتب عليه عدة أسماء، بيها خطوطا وأسهما تربط بينها.
أشار إلى أول سهم قائلا: فايزة ورشدي كانوا متفقين مع صافيناز وعماد إنهم يخلصوا من ماسة وحور..
ثم أشار إلى سهم آخر: رشدي يومها خبط العربية ولما خرجنا سلام، رشدي قال إن فيه عصابة كملت هو ميعرفش عنها حاجه.
وفايزة اكدت لما قالت: "أنت وقفت تتفرج؟"، فرد إنه كان خايف لإنهم كانوا كتير، ومكانش فاهم مين دول؟! الكلام ده بيأكد فعلا إن رشدي وفايزة ميعرفوش حاجة عن العصابة دي خالص.
أومأ مكي منبها: بس هو قال إنه شاكك في صافيناز وعماد...
تنهد سليم: وأنا كمان مش مستبعد الاحتمال ده زيه، احنا أصلا من زمان عارفين إن الخطة كانت متقسمة على مرحلتين.
نظر إلى الأوراق أمامه تابع: كان فيه خاين بلغ المافيا بالخطة الأولى، ولما الاولي فشلت، نفذ التانية، والخاين طبعا هما صافيناز وعماد.. السؤال بقى عماد وصافيناز كانوا متفقين مع مين من المافيا؟
قال مكي وهو يقلب في ملف آخر: التسجيل إللي عرفان بعته كان عماد ذاكر فيه اسم تيمو...
هز سليم رأسه: أيوه لكن إحنا محتاجين نعرف، هل عماد كان بيتعامل مع تيمو وإيريك وقتها؟ ولا كان فيه حد تاني؟ وهل طلب يشوفه علشان يحميه ولا علشان حاجة ثانية؟
صمت لحظة ثم أكمل بجدية: دي مافيا، والغلط معاهم تمنه غالي، وأنا دلوقتي عندي إللي أخاف عليه أكتر من نفسي، مش هينفع أتهور، لازم يبقى معايا دليل، وهقطع إيدين تيمو وإيريك لو فعلا كانوا طرف في الحادثة.
قاطعه مكي بحيرة: هنوصل للدليل ازاي، ما إحنا زمان أول واحد شكينا فيه كان اريك، ودورنا ومعرفناش نوصل لحاجة؟!
فكر سليم قليلا ثم قال: المقابلة إللي هتحصل بين تيمو وعماد هي مفتاح كل حاجة، كده كده تليفون عماد مباشر قدامنا، بس أنا خايف تيمو يطلب منه يقفل الموبايل.
قال مكي مقترحا: طب ما نحاول نركب مايك لعماد؟
تنهد سليم باحباط: أكيد الجهاز هيتلقط في التفتيش.
مكي بثقه: إحنا نقول لعرفان وأكيد هيلاقيلها صرفه، ده كان شغال في المخابرات برضو وتقيل في الحاجات دى.
اومأ سليم باقتناع: ماشي هكلمه واشوف لو عنده حل، بس برضوا مش عايزين نركز على تيمو واريك، لإن ممكن ميطلعوش تبع الحادثة ونبقى ضيعنا وقت...
مكي بتأييد: فعلا لازم عماد بنفسه يعترف مين اللي ساعدة وده مستحيل.
صمت سليم للحظه يفكر ثم قال: عندنا ورقة نسيناها... صافيناز!
قطب مكي حاجبيه: هتخليها تعترف أزاي؟ مستحيل تتكلم، هتودي نفسها في داهيه يا سليم؟!
اوما سليم بثقة: لو عرفت إن عماد متجوز عليها صاحبتها الأنتيم هتبيعه، أنا عارف أختي كويس، غيرتها هتخليها ترمي كل البلاوي فوق دماغ عماد، وهتعترف بكل إللي حصل زمان عشان تنتقم منه..
صمت مكي للحظات يفكر، ثم قال بجدية: مش عارف، حسسها فكره ريسك أوي ومش مضمونه، وبعدين متنساش إن الأدوية كان بيديهالها عماد مخلياها مش في وعيها أصلا، حتى لو سخنت واتعصبت، ممكن تروح تقتله، وساعتها مش هنعرف ناخد منها أي معلومة، وارد تكون الأدوية دي خلتها تنسى، الاحتمالات كتير.
هز سليم رأسه بإيجاب، وأطلق صفيرا مكتوما وهو يزفر باختناق: عندك حق، بس كارت سارة ده تقيل، وأنا عارف إنه هيقش، أمال أنا راكنه السنين دي كلها ليه؟! ده غير الفلوس اللي حولها لحساب الأولاد، وبقاله فترة بيديها أدوية تعملها هلاوس علشان تنتحر، كل الكلام ده هيخلي صافيناز تتكلم، اهو على الأقل نجرب، إحنا مش هنخسر حاجة.
تساءل مكي: وهتخرجها بره القصر إزاي؟
ثبت سليم نظره على مياه النيل أمامه، وغرق في التفكير: عندي فكرة...مش عارف هتنجح ولا لأ.
ساد الصمت للحظة، قبل أن يقول: بفكر أبعت عشر يجيبها دلوقتي محدش موجود في القصر، وابقي اقولهم دخلتها مصحة، خصوصا إنها في الفترة الأخيرة حاولت تنتحر، كده محدش هيشك، وهيفتكروا إنها بتتعالج بجد، وإحنا يبقى عندنا الوقت الكافي نتكلم معاها
اوما مكي بتاييد: تمام النهارده نبعت عشري يجيبها خلينا نكسب وقت بسرعه.
ثم سأله: طب وتمساح بقالك كتير سايبه في المخزن؟
تنهد سليم: هشوفه، يمكن عنده معلومة تفيدنا.
ثم تسأل: مي خرجت من المستشفي ولا لسه.
اومأ مكي: أه خرجت امبارح.
ساد الصمت للحظات قبل أن يقطعه مكي: فيه حاجه صحيح ماخدناش بالنا منها؟
نظر له سليم باهتمام فتابع: موقفناش خالص عند جمله رشدي إن معاه اللى يحميه؟ معاه ايه؟
ابتسم سليم بسخرية: رشدي ده بوق علي الفاضي، قبل كده برضو اتفرد علي عماد وقال معايا ومعايا ومطلعش معاه حاجه.
مد مكي وجهه بعدم اقتناع: يمكن!
نهض سليم علي عجل: طب قوم نخلص مشاويرنا، يومنا النهارده طويل ومفيش وقت نضيعه.
وبمرور بعض الوقت
توقفت سيارة سليم أمام أحد المخازن، ثم ترجل منها بهدوء وهيبة بعد أن فتح له أحد الحراس.
دخل بخطوات ثابتة، وخلفه مكي وعرفان.
في الداخل
كان تمساح يجلس مكبلا وما إن فتح الباب ودخل سليم حتى اتسعت عيناه بصدمة وعدم تصديق.
ابتلع الغصة التي تكونت في حلقه بتوتر، بينما اقترب منه سليم حتى توقف أمامه مباشرة، وما إن وقعت نظراته علي عيني تمساح، حتي داهمته ذاكره مؤلمه آرقته لسنوات.
فلاش باك.
نظر له ذلك الملثم الذي كان يضع يده على فم ماسة بابتسامة قاسية تظهر في عينيه من أسفل القناع الذي يرتديه.
ثم فجأة أخرج سكينا، وطعنها بحركه مباغته
اتسعت عينا سليم برعب، وصرخ باسمها بنبرة رجولية جهورة: مــااااااسة!
كانت صرخاته مليئة بالفزع والألم، وهو يحاول التخلص ممن يقيدونه.
أما الملثم فلم يكتفي، ورمقه بنظره أخري أكثر قساوة وهو يعيد طعنها مرة أخرى، ويضحك ضحكة عنيفة مضطربة، وكأنما يستمتع بعذابه وإذلاله.
همس سليم بصوت ضعيف مكتوم، ودموعه تتساقط وكأنها نار تحرق وجهه: حور...!
ثم ترك الملثم ماسة فسقطت على الأرض، جثة هامدة والدماء تسيل منها بغزارة.
باك
ضربت الذكريات عقله بعنف، حتى أغمض عينيه وهو يفركهما بقوة، وكأنما يعيش الموقف من جديد.
في الخلف تبادل مكي وعرفان النظرات بعدم فهم!
بينما فتح سليم عينيه واقترب من تمساح خطوة أخرى.
وفجأة...
وضع يد علي جبينه، والأخرى وضعها علي فمه وأنفه، تاركا عينه يحدق فيهما بعينين متسعتين باضطراب.
فقد تذكر تلك العينين القاسيتين، اللتين كانتا تطاردانه في كل ليلة، وكأنهما لعنة كتبت عليه منذ ذلك اليوم.
تلك العينان اللتان انتزعتا منه كل شيء؛ طفلته، وأمانه، وحتى قدرته على النوم دون فزع.
فكيف له أن ينساهما؟ وهما آخر ما انطبع في ذاكرته، وأول ما ينهش روحه كلما أغمض عينيه، وكأنهما حُفرتا في روحه قبل أن تُحفرا في عقله.
يتذكره! ... ويتذكر تلك الابتسامه البارده التي رمقه بها وهو يقف عاجزا لا يستطيع إنقاذ زوجته.
ابتسامة لم ينسها يوما، وعينان لم تغادرا ذاكرته قط.
غامت عيناه بسواد خطر، وهمس بفحيح: أنت...!!
استووووووب
سليم عرف تمساح من عينه!!
تفتكروا إيه إللى هيحصل بعد كده؟
أتمنى تكون الحلقة عجبتكم النهاردة❤️
إلى اللقاء في الحلقة القادمة من رواية الماسة المكسورة💔💎
#الماسةالمكسورة2
#ليلةعادل٠
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةالجزء الأول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق