سكريبت فاديه كامله
فاديه ١
قصص وروايات أمانى سيد
كل اما جوزى يضربنى واغضب وأروح لاهلى أبويا يضربنى ويقولى انا مجوزتكيش عشان تيجى بابنك
اخر مره جوزى ضربنى روحت لاهلى أبويا اتصل بجوزى وجايه وقاله قدامى
ـ مراتك اهى مش قادر تحكم عليها ماتسيبش البيت ماتبقاش راجل الست لما تتعوج تتكسر
خدها وامشى ويوم ما تتعوج عليك اكسرها وصلحها تانى
كنت بسمع كلام أبويا وانا منهاره من العياط
جوزى اللى عايز يرجعنى ليه ده بيخونى ومش بيصرف عليه عشان بيصرف فلوسه على ستات تانيه
اول مره حكيت لبابا
قالى
ـ انتى ست خايبه لو عارفه تملى عين جوزك مكنش بص لبره وكنتى قدرتى تاخدى منه فلوس لمن انتى خايبه
المرة دي بقى، لما رجعت معاه بعد كلام أبويا، الدنيا اسودت في وشي أكتر وأكتر. جوزي حس إنه مالي إيده مني، وإن ماليش ضهر يحميني ولا مكان ألجأ له. بقى يدخل البيت وهو ماسك التليفون في إيده، يضحك ويهزر معاهم بأعلى صوته في الصالة، وأنا قاعدة في الأوضة سامعة وحاسة بنار بتاكل في قلبي.
لما جيت مرة أنطق وأقوله “اتقي الله فيا وفي ابنك، مش قادرة أستحمل القهر ده”، بصلي باحتقار وقام واقف وقالي: “أبوكي نفسه قالها لك، الست لما تتعوج تتكسر، وأنا هكسر دماغك عشان تتعلمي إزاي تتكلمي معايا”.
مد إيده عليا وضربني بكل غل، وهو بيصرخ في التليفون عشان السنيورة اللي على الخط تسمع ويثبت لها إنه راجل ومفيش ست تكسر كلمته. كنت بنزف من جوايا ومن برايا، وابني عمال يصرخ ويستخبى في هدومي من الرعب.
بقيت عايشة في البيت ده زي الجثة، بتهان كل يوم ميت مرة، خيانة وضرب وقلة قيمة، ومفيش في إيدي أي حاجة أعملها. كل ما أبص لابني وأفكر أهرب، بفتكر نظرة أبويا وكلامه وقسوته، وأقول لنفسي: “لو رجعت لبيت أبويا تاني، يمكن يموتني تحت إيده.. أنا ماليش غير القهر ده لحد ما ربنا ياخدني
الخوف من بيت أبويا بقا أكبر من خوفي من جحيم جوزي. بقيت محبوسة بين حيطتين، والاتنين بيقفلوا عليا عشان يموتوني بالبطيء. جوزي لما لقى الحبل على الغارب، ومفيش راجل يقف قصاده، بقيت بالنسبة له مش أكتر من كيس رمل بيفرغ فيه غله وقرفه، ويستعرض بيه رجولته قدام الستات اللي يعرفهم.
في يوم، دخل البيت وكان باين عليه شارب أو خسران فلوسه مع واحدة منهم. دخل المطبخ رزع الحجج الفاضية وقالي بنبرة كلها غل: “قومي غوري اعمليلي لقمة أطفحها”. قمت وأنا بجسمي المهدود ده، ودموعي نازلة على خدي في صمت عشان ميمدش إيده. وأنا واقفة قدام البوتاجاز، تليفونه رن، رد وضحكته رنت في البيت، وبكل بجاحة قالها: “استني معايا على الخط لما أشوف الخايبة دي عملت طفاح إيه”.
حسيت بنار قادت في صدري، لفتله وبصوت مخنوق قولتله: “حرام عليك.. كفاية ذل بقا، أنا بني آدمة، اتقي الله فيا وفي ابنك اللي مرعوب منك ده!”.
الكلمة مالحقتش تطلع كاملة، لفت الدنيا بيا من كف نزل على وشي هبدني في الأرض. التليفون كان لسه في إيده، وسمعته بيقول للست اللي معاه وهو بيضحك ويتف عليا: “شايفة؟ أهو ده اللي أبوها قالي عليه.. الست لما تتعوج تتكسر، وأنا بربيها عشان تعرف مقامها”.
ابني من الرعب جري عليا، رمى نفسه في حضني وهو بيصرخ ويبكي ويهمس: “يماما قومي.. يماما يلا نمشي من هنا”. كنت بضمّه لصدري بكل قوتي، بحاول أحميه من النظرة والضربة اللي ممكن تطوله، وبكتم صرختي في هدومه عشان خايفة لو صرخت، جوزي يكمل عليا وعلي الطفل.
نزلت في الأرض وأنا حاطة إيدي على راسي، وجوزي سابنا مرميين في الصالة ونزل قفل الباب وراه بالراحة، وكأنه سايب وراه جماد مش بشر بيموتوا من القهر. قعدت أبص للسقف وأنا بمسح دموع ابني وبقول لنفسي: “يا رب، ماليش غيرك.. أبويا رماني، وجوزي بيقتلني، ومفيش باب مفتوح في الوشوش دي كلها”.
فاتت الأيام وأنا عايشة في البيت ده زي السجينة اللي مستنية حكم الإعدام، كل يوم شبه اللي قبله، بل بالعكس، كل يوم بيزيد فيه الذل عن اللي قبله. جوزي بقا حاسس إنه ملك، واخد تصريح رسمي من حماة يهدد فيه كرامتي ويبهدلني براحته. الفلوس شاححة تماماً عن البيت، لدرجة إني بقيت بشيل اللقمة من بقي عشان ابني يلاقي ياكل، وهو ولا هو هنا، يرجع الفجر ريحته تقرف، وجيوبه فاضية، ووشه عابس وعايز جنازة يشبع فيها لطم.
وفي ليلة من الليالي، الواد سخن مني، فضلت طول الليل قاعدة جنبه بجسمي المهدود، حاطة إيدي على راسه المريضة وببكي، مش معايا حتى حق دوا خافض حرارة. لما دخل جوزي وشافني قاعدة بعيط والواد بيئن، وبدل ما تصعب عليه ضناه، زعق في وشي وقالي: “هو إحنا هنقضيها نكد؟ ما تغوري تشوفي وراكي إيه ولا اخفي الوش ده من قدامي”.
بصيت له بنظرة مكسورة وقولتله بصوت مرعوب: “ابنك بيموت من السخونية، هاتلي أي فلوس أنزل أجيب له دوا من الصيدلية اللي تحت، حرام عليك الواد هيروح مننا”.
ضحك بسخرية وهو بيطلع جيوبه الفاضية وقالي: “معيش، روحي شحتي من أبوكي اللي رماكي عندي.. وإلا أقولك؟” مسك تليفونه وبكل بجاحة اتصل بواحدة من الستات بتوعه، وقام قايلها وهو بيبصلي ويتطاول عليا: “شايفة النكد يا حبيبتي؟ قاعدة تولول على الواد عشان قرشين دوا.. طب إيه رأيك ننزل نسهر وننبسط وإحنا ناسينا؟”
القهر خلاني مش شايفة قدامي، وقفت وصرخت فيه: “أنت إيه؟ معندكش دم؟ معندكش ريحة الرجولة؟”
الكلمة دي كانت كفيلة تخلي الشيطان ينط في وشه. هجم عليا زي الفرس، ومسكني من شعري وجرجرني في الصالة وهو بيضرب فيا في كل مكان في جسمي، والواد قايم من على السرير يصرخ ويقع على الأرض من التعب والرعب، بيحاول يمسك في رجل أبوه عشان يسيبني، وجوزي يزقه برجليه ويقول: “أنا هوريكي الرجولة على أصولها يا بنت…”
فضل يضرب فيا لحد ما جسمي كله نمل ومبقتش حاسة بالضربات، كان بيضربني وهو فاتح الإسبيركر عشان الست التانية تسمع صراخي وتضحك. رماني في الآخر وأنا مش قادرة أتحرك، واخد تليفونه ومفاتحه ونزل ورزع الباب وراه.
زحفت وأنا بموت من الألم لغاية ما وصلت لابني، أخدته في حضني والاتنين بنترعش، هو من السخونية والرعب، وأنا من القهر والعجز. فضلت أضمّه لصدري وأبكي وبقوله: “سامحني يا ابني.. ماليش ضهر يحميني ولا يحميك، أبويا كسرني قبل ما جوزي يكسرني، والاتنين سابونا للموت”.
طلع النهار وأنا صاحية مكاني على البلاط، مش عارفة مين فينا اللي بيموت.. أنا من الوجع وقلة القيمة، ولا ابني اللي جسمه زي النار في حضني. بصيت حواليا في الشقة اللي بقت عاملة زي القبر، وسألت نفسي: “أنا هفضل مستنية إيه؟ مستنية ليلة يرجع فيها يخلص عليا ويدفنني هنا ومحدش يسأل عني؟”.
الخوف على ابني المرة دي خلاني أدوس على الرعب اللي جوايا من أبويا. قومت بزحف، لميت اللقمتين اللي فاضلين في البيت، وأخدت الواد في حضني ونزلت. مكنش معايا حتى حق المواصلات، فضلت ماشية في الشمس والناس بتبص على وشي المتورم وزرقان عيني بنظرات شفقة وكل ما ألمح نظرة منهم، أحس بسكاكين بتقطع في كرامتي.
وصلت لبيت أبويا، وأول ما الباب اتفتح وشافني بالمنظر ده، ملقيتش في عينيه لهفة الأب ولا خضته على بنته. ملامحه اتخَشِبت، وبص للواد اللي نايم على كتفي زي الجثة، وقبل ما أنطق بكلمة، قالي بنبرة حادة وناشفة: “أنتِ إيه اللي جابك تاني بالمنظر ده؟ مش أنا قولتلك مالكيش مرواح من بيت جوزك؟”.
وقعت على ركبي قدام رجليه وأنا ببكي وببوس إيده: “عشان خاطر ربنا يا بابا.. ابنك بيموت في إيدي وسخن، وجوزي ضربني وبهدلني عشان طلبت منه حق الدوا، كان بيضربني وهو بيسمّع الستات صراخي في التليفون.. هيروقني ويموتني يا بابا، أبوس رجلك سيبني أقعد في أي جنب”.
أبويا سحب رجله من إيدي ونظرته ليا كلها قسوة، وقالي: “لو كنتِ ست ناصحة ومالية عين جوزك، مكنش بص لبره، ومكنش مد إيده عليكي. الراجل لما يرجع يلقى مراته مكسورة وبتسمع الكلام هيمشي عدل، إنما أنتِ ناشفة وخايبة وجاية تقرفينا هنا ب مشاكلك”.
مسك تليفونه من جيبه وهو واقف فوق راسي، وطلب رقم جوزي، وأنا قلبي سقط بين رجليا وبقيت بترعش. رد جوزي، فأبويا قاله بنبرة حازمة قدامي:
ـ “يا أبو رامى.. مراتك عندي هنا جاية تولول وتشتكي، أنا قولتلك قبل كده الست لما تتعوج تتكسر وجبسها هتتعدل.. انزل هاتها من هنا، والمرة دي علمها الأدب اللي يخليها متفكرش تخطي عتبة الباب ده وهي غضبانة تاني.. أنا مجوزتلكش حتة لحم عشان كل يومين تجري ب ابنها وتقعد عندي”.
قفل التليفون وبصلي وقالي ببرود: “جوزك جاي في السكة ياخِدك، واحمدي ربنا إنه لسه باقي عليكي وعايز يلمك.. اغسلي وشك ده وضَمي ابنك واقعدي في الصالة لحد ما ييجي، ومش عايز أسمعلك صوت”.
كنت قاعدة في الصالة بتهز من الرعب، سامعة دقات الساعة وهي بتعد الدقايق اللي فاضلة قبل ما الجلاد يوصل، وببص لأبويا اللي قاعد يشرب شاي بكل برود ولا كأن بنته اللي من دمه بتتدبح قدام عينيه.. حسيت ساعتها إن الدنيا كلها ضاقت عليا، وإن ماليش مكان فوق الأرض يلمني بأمان.
مرت نص ساعة وكأنها سنة كاملة، وأنا قاعدة على طرف الكرسي وضامة ابني لصدري، والواد من كتر السخونية والتعب نام ومش داري بالدنيا. كل دقة باب بره الصالة كانت بتخلع قلبي من مكانه. وأبويا قاعد قصادي، عينه في تليفونه، ولا كأن في بني آدمة بتموت من الرعب جنبه.
فجأة، جرس الباب رن. جسمي كله اتنفض، وحسيت بريق ناشف مش قادرة أبلعه. أبويا قام بكل برود وفتح الباب، ودخل جوزي. أول ما خطى عتبة الصالة، عينه جت في عيني.. نظرة كلها شماتة وانتصار، عين واحد عارف ومطمن إن ماليش ملجأ ولا ضهر يترد عليه.
أبويا بص له وقاله وهو بيشاور عليا:
ـ “أهي عندك اهي يا أبو رامى .. خدها في إيدك، وأنا قولتلك المرة اللي فاتت والمرة دي بأكد عليك: الست اللي متبعش كلام جوزها وتخرج من طوعه، تتكسر لحد ما تتصلح. علمها إزاي تحترم بيتها ومتجيش تقرفنا هنا تاني”.
جوزي هز راسه بثقة وقاله: “العيب مش عليك يا عمي، العيب على اللي مكنتش متربية في بيتها وعايزة تتربى من جديد.. اتفضلي قومي قدامي يلا”.
قومت وجسمي كله بيترعش، شيلت ابني اللي زي الحتة المرمية بين إيديا، ومشيت وراه وأنا حاسة إني رايحة للمقبرة برجلّيا. ركبنا العربية، ومجرد ما قفل الأبواب علينا، لفت نظره ليا وقال بضحكة مستفزة كلها غل: “شُفتي بقا؟ أبوكي نفسه بايعك، يعني لو موتك في إيدي محدش هيقولي أنت بتعمل إيه.. من هنا ورايح، صوتك ده مش هسمعه، واللي هقوله يتنفذ وأنتِ جزمتك في بقك”.
طول الطريق دموعي كانت نازلة ومفيش حتى صوت طالع من القهرة. وصلنا الشقة، وأول ما دخلنا، رزع الباب وراه بالمفتاح، وقلع حزامه وبصلي وقالي: “عشان تفوقي وتعرفي إن الله حق، وإن ماليش كبير يحاسبني”.
في اللحظة دي، وأنا شايفة الحزام وهو بيترفع عليا، وابني بيصرخ ويداري وشه في الحيطة، انطفى جوايا أي أمل في الدنيا.. بقيت بنضرب وأنا مش حاسة بالوجع، حاسة بس بنار القهر اللي قادت في قلبي ومشتعلة، ومفيش حد هيرحم دمعتي.
ووقتها بس قررت انى اغامر واعمل
فاديه ٢
بس المرة دي، الحزام وهو نازل على جسمي، مكسرنيش.. بالعكس، صحى فيا حاجة كانت ماتت من سنين. لما شفت الحزام وهو بيتحرك ناحيتي، وصوت صرخة ابني المرعوب وهي بتهز حيطان الأوضة، حسيت بنار قادت في دمي عَمِت عيني عن الخوف. المرة دي مكنتش بدافع عن نفسي.. أنا “فادية” اللي قررت المرة دي تحمي حتة من قلبها.
قبل ما الحزام يلمسني، مديت إيدي وبكل قوة جوايا مسكته وقفشته في الهوا. “سالم” اتصدم، عينيه برقت ومبقاش مصدق إن فادية الخايبة المكسورة قادرة ترفع عينها فيه، ولا تمسك إيده.
بصيت في عينيه بكل غل وقهر السنين اللي فاتت، وقولتله بصوت طالع من وسط ضلوعي زي الرعد: “ورب العزة يا سالم، لو مديت إيدك عليا تاني، أو لمحتك بتقرب من ابني، لأكون مخلصة عليك ومودياك في داهية.. أنا مَبقاش فيا حتة سليمة تخاف عليها، واللي بايعة عمرها مابتخافش من الموت”.
زقيت إيد سالم بكل عزمي لورا، لدرجة إنه اتطوح خطوتين من الصدمة. جريت على ابني، أخدته في حضني وقومته، وبصيت لسالم وقولتله: “أبويا بايعني؟ طظ فيكم أنتوا الاتنين! أنا من النهاردة ماليش أب، ولا ليا جوز.. أنا ضهر نفسي، وضهر ابني، والباب اللي اتقفل في وشي، أنا ههده على دماغكم”.
دخلت الأوضة، لميت بطاقتي وأوراق ابني في شنطتي، وأخدت الواد في إيدي وخرجت للصالة. سالم كان واقف مكانه زي الصنم، لسه مش مستوعب الست اللي واقفه قدامه دي ومين جاب لها القوة دي كلها. جيت أمشي، لقيت تليفونه بيرن على التربيزة، والست إياها بتتصل.. مسكت التليفون ورزيته في الأرض مية حتة تحت رجله وقولتله: “اشبع بيها واشبع بيك يا سالم.. بس ابنك ده، لو فكرت تقرب منه، هتشوف مني وش عمرك ما تخيلت إنه موجود في الدنيا”.
فتحت الباب وخرجت، ورزعت الباب ورايا بكل قوتي.. رزعة قفلت بيها كتاب الذل والكسرة للأبد. ونزلت السلم وأنا سانده ابني على كتفي، مشيت في الشارع وأنا حاسة لأول مرة إن الهوا بيدخل صدر فادية بجد. مكنتش عارفة هروح فين، ولا هجيب حق الدوا والأكل منين، بس كان عندي يقين واحد مالي قلبي: لو هنام أنا وابني على الرصيف، هيبقى أرحم بمية مرة من جحيم سالم وقسوة أبويا.. أنا مش هكسر دماغي تاني، أنا هبنيها من جديد عشان خاطر ابني.
لما نزلت الشارع، “سالم” كان باصص من الشباك وعلى وشه ضحكة ثقة عميا، كان متأكد إن رجليّ مش هتاخدني غير على بيت أبويا زي كل مرة، وإنها مسألة ساعتين بالكتير وأبويا هيتصل بيه ويقوله: “تعالى خُدها اهي اتكسرت وجبسها هيرجعها”. مكنش يعرف إن “فادية” اللي خرجت المرة دي، واحدة تانية خالص غير اللي دخلت بيته من سنين.
دُست على وجعي، وسندت ابني اللي كان دبلان في حضني من السخونية، وشاورت لأول تاكسي قابلني. السواق بص لوشي المتورم وعيني الزرقا بخضة، وقالي: “على فين يا مدام؟”
قولتله بنبرة حديد مفيهاش أي رعشة: “على أقرب مستشفى عام”.
دخلت الطوارئ وجسمي كله بيترعش من الألم، بس عقلي كان صاحي ومرتب خطوتي الجاية بالمسطرة. الدكتورة أول ما شافتني وشافت المنظر، طلبت الممرضين فوراً، وبدأت تكشف عليا وتكتب التقرير الطبي. فضلت تثبت كل كدمة، وكل جرح، والزرقان اللي مالي ضهري ودراعي من حزام سالم. طلبت منها التقرير ممضي ومختوم بختم المستشفى.. التقرير ده مكنش مجرد ورقة، ده كان حبل المشنقة اللي هلفه حوالين رقبة الجبروت اللي عيشت فيه.
في نفس الوقت، الممرضة أخدت ابني، وعملت له كمادات وعلقت له محلوك وخافض حرارة لحد ما جسمه هدي ونَفَسه ارتاح، وأنا عيني عليه وبقول في سري: “خلاص يا قلب أمك، الأيام اللي كنت بتترعش فيها في الزاوية انتهت”.
أخدت التقرير الطبي في إيدي، وضميت ابني اللي بدأ يفوق ويصلب طوله، وخرجت من المستشفى ووجهتي واضحة.. مش بيت أبويا، ولا حارة أعرفها.. أنا وجهتي كانت “قسم الشرطة”.
دخلت القسم وأنا رافعة راسي، مبقتش شايفة نظرات الشفقة من الناس قلة قيمة، بقيت شايفاها وقود بيخليني أصر على حقي أكتر. دخلت على مكتب رئيس المباحث، حطيت التقرير الطبي وبطاقتي وقسيمة الجواز على مكتبه، وقولتله بكل ثبات:
ـ “أنا اسمي فادية.. وعايزة أعمل محضر تعدي وشروع في قتل ضد جوزي، سالم.. وده التقرير الطبي اللي بيثبت كلامي”.
الظابط بص للتقرير وبص لوشي، وهز راسه وبدأ يكتب المحضر. في اللحظة دي، حسيت لأول مرة إني باخد حقي بإيدي، وإن القانون اللي هيجيبلي حقي أرحم بمية مرة من “أصول” أبويا اللي كانت بتدبحني وتسلّمني لجلادي.
الظابط كان بيكتب المحضر وكل جرة قلم منه كانت بتداوي حتة من كرامتي اللي اتهانت. سألني عن التفاصيل، وعن الستات اللي بيكلمهم ويضربني قدامهم، وعن منعه للمصاريف وعلاج الواد. حكيت كل حاجة بأعلى صوت وبمنتهى الثبات، مفيش دموع، مفيش ركوع.. الخوف مات واندفن تحت بلاط المستشفى.
بعد ما خلصت وأخدت رقم المحضر، الظابط بصلي باحترام وقالي: “تقدري تتفضلي يا مدام فادية، والمحضر ده هيتحول للنيابة فوراً، وهينزل له أمر ضبط وإحضار”.
خرجت من القسم وأنا حاسة إن الأرض شيلاني، الهوا بقا له طعم تاني. في اللحظة دي، تليفوني رن.. بصيت على الشاشة لقيت اسم “أبويا”.
اتنفست ببطء ورديت، جالي صوته الزاعق والمليان غضب: “أنتِ فين يا فادية؟ جوزك اتصل بيا وقالي إنك هربتي من البيت بقالك ساعات! أنتِ ما بتتوبيش؟ فاكرة نفسك هتروحي فين؟ ارجعي على بيت جوزك قبل ما يطلقك وتيجي تقعدي في قرابيزنا هنا!”
ضحكت.. ضحكة أول مرة تخرج من قلبي من سنين، ضحكة قوية هزت سكووت الشارع، وقولتله بنبرة ناشفة زي الحجر:
ـ “مش هيرجعني يا بابا، ومش هطلق.. عشان جوزي اللي أنت بايعني ليه وبتشرب الشاي وهو بيشتم في تربيتي، زمان أَمين الشرطة بيخبط على بابه دلوقتي عشان يجيبه متبلبش في بوكس القسم”.
أبويا صوته اتكتم من الصدمة، وقبل ما ينطق بكلمة كملت:
ـ “أنا عملت له محضر تعدي وشروع في قتل بتقرير طبي يوديه ورا الشمس. ومن النهاردة، لا أنا هروح لبيت جوز ولا هعتب بيت أب.. أنا وابني هنبني حياتنا بعيد عنكم وعن قسوتكم.. اقفل يا بابا، واشرب شاي براحتك”.
قفلت السكة في وشه، وعملت له “بلوك” وهو وسالم في نفس اللحظة. بصيت لابني اللي كان ماسك في إيدي وباصصلي وعينيه فيها نظرة أمان عمري ما شفتها فيه قبل كده، وقولتله: “يلا يا قلب أمك.. يلا نروح نشوف مكان نظيف ننام فيه،
كلمنى المحامى
و طمني وقالي إن “سالم” خلاص انقفل عليه باب الحجز في القسم، وهيبيت هناك للعرض على النيابة الصبح ومنها للمحكمة. في اللحظة دي، حسيت إن البيت اللي انطردت منه واتهنت فيه بقا حقي أنا وابني، طالما الجلاد بايت ورا القضبان.
أخدت ابني ورجعت على شقتي. فتحت الباب ودخلت، بس المرة دي مكنتش خايفة ولا حاسة بالذل؛ الشقة كانت فاضية من غِلّه وصوته البجح. حميت ابني وأكلته واديته دواه، ونيمته في سريره وهو مطمن، ولأول مرة من سنين أنام وأنا مش حاطة إيدي على قلبي مستنية كف يصحيني.
تاني يوم العصر، جرس الباب رن بخبطات وسير غاضب عرفته على طول.. ده “أبويا”.
فتحت الباب ووقفت في النص، سدة العتبة برجلي ومخلتهوش يخطّي خطوة جوه. وش أبويا كان قالب ألوان، وعينيه بتطق شرار وقالي بزعيق هز السلم:
ـ “أنتِ اتجننتي يا فادية؟ بقا تودي جوزك القسم وتبيتيه في الحجز يا خايبة؟ عايزة تفضحينا وتجيبي لأبوكي الكلام في القهوة وسط الرجالة؟ غوري هاتي هدومك ولمي ابنك واخلصي عشان نروح نتنازل عن المحضر ده قبل ما يتنقل المحكمة ويتحبس بجد!”.
بصيت له بكل برود، ومن غير ما اتهز شعرة واحدة مني، قولتله بنبرة حجرية:
ـ “رجلِك مش هتعتب الشقة دي يا بابا.. وسالم مش هتنازل له عن المحضر، وهيتعرض على المحكمة وهيتحبس، والتقرير الطبي اللي معايا يوديه في داهية”.
أبويا رفع إيده بغشم وعينه برقت وقالي: “أنتِ هتقفي قصادي وتكسري كلامي؟ أنا هربيكي من جديد هنا قبل ما جوزك يخرج!”.
قبل ما إيده تنزل، مسكت تليفوني ورفعته في وشه وقولتله بصوت حاد وزي الموس:
ـ “ورحمة أمي يا بابا، لو فكرت تمد إيدك عليا أو تقربلي، لأكون طالبة النجدة وحبساك معاه في نفس الحجز وبنفس التهمة! أنا عملت محضر في جوزي ومبقتش أخاف من حد، والتقرير الطبي الجاي هعمله فيك أنت لو ملممتش نفسك وخرجت من هنا.. القانون مبيحميش اللي بيرموا بناتهم للذبح يا بابا، وأنا مش هسمحلك تكسرني تاني”.
أبويا إيده وقفت في الهوا، وبص لوشي وعيني اللي مبقاش فيها نقطة خوف واحدة.. عِرف إن فادية المكسورة الخانعة ماتت. نزل إيده وهو بيترعش من الصدمة والغل، وقالي وهو بيلف ضهره: “أنتِ مش بنتي.. وأنا غاسل إيدي منك ليوم الدين”.
رزعت الباب في وشه بكل قوتي، وسندت ضهري عليه وأنا ببتسم وبخد نَفَس طويل وعميق.. حسيت ساعتها إني مش بس حميت ابني، أنا حميت نفسي وهديت الحيطة المايلة اللي كانت هتقع فوق دماغي.
دخلت الصالة وأنا حاسة بانتصار ملوش مثيل، انتصار بطعم الحرية. بصيت على ابني اللي كان صاحي وقاعد على الكنبة، باصصلي وعينيه ماليانة انبهار وأمان، وكأنه لأول مرة يشوف أمه قوية وواقفة على رجليها. جريت عليه، أخدته في حضني وبكينا.. بس المرة دي دموعنا كانت بتغسل قهر السنين اللي فاتت، مش دموع عجز وخوف.
تاني يوم الصبح، نزلت مع المحامي ورحنا المحكمة عشان نتابع الجلسة. “سالم” جه في الكلابشات، ووشه في الأرض، عينه مكسورة ومبقاش فيه حتة من جبروت الراجل اللي كان بيستعرض رجولته بالضرب والشتيمة قدام الستات. أول ما عينه جت في عيني، شاف فادية تانية خالص؛ ست رافعة راسها، مفيش في عينيها ذرة خوف ولا تراجع.
المحامي قدم التقرير الطبي، والظابط شهد بواقعة الضرب، والقاضي مأخدوش فيه ثانية.. أمر بتجديد حبسه على ذمة القضية، وبكده سالم بقا رسمي ورا القضبان، والشقة بقت من حقي بقوة القانون كحاضنة لابني.
خرجت من باب المحكمة وأنا ماسكة إيد ابني وببص للسما. الشمس كانت طالعة قوية، وكأنها بتنور طريقي الجديد. مكنش معايا فلوس كتير، بس كان عندي العزيمة إني أنزل وأشتغل وأشيل نفسي وابني من غير ما أحتاج لقرش من سالم ولا لـ “حِمية” من أبويا اللي باعني.
طول السنين اللي فاتت كنت فاكرة إن الست لما تتعوج تتكسر زي ما أبويا قال، بس عرفت إن الست لما بتميل، بتقوم وتصلب طولها بنفسها، ومحدش بيجبسها غير كرامتها. من اليوم ده، قفلت صفحة الماضي ورميت مفتاحها في البحر، وبدأت أكتب أول سطر في حياتي الجديدة.. حياة فادية وابنها، حياة مفيهاش غير الأمان والسلام.
مرت الشهور، والشقة اللي كانت زمان جحيم وسجن، بقت جنة صغيرة دافية ومفيهاش صوت زعيق ولا خوف. اشتغلت ونزلت السوق، وربنا فتحها عليا من وسع؛ لقمة عيشي بقت مغموسة بالكرامة، والقرش اللي كنت بشحت دوا ابني بيه، بقيت بجيبه بدراعي وبعرقي وأنا رافعة راسي فوق في السما.
سالم في حبسه بقا زي الفأر المزنوق، كل شوية يبعتلي ناس وأقارب يبوسوا إيدي عشان أتنازل، ويعرضوا عليا فلوس ومؤخر وشروط تضمن إني أرجع ملكة في بيتي.. بس أنا كنت برد عليهم بكلمة واحدة: “فادية اللي كنتوا بتكسروها ماتت واندفنت، والست لما بتعرف طعم الحرية والكرامة، مفيش مال في الدنيا يرجعها للقفص تاني”.
أما أبويا، فـ عِرف قيمتي لما لقى الناس في المنطقة بتتكلم عن البنت اللي وقفت بطولها وحمت ابنها وهدت الجبروت، وعِرف إن كلمته اللي كان فاكرها سيف مابقتش تجرحني. حاول يبعتلي قرايب يصالحوني ويقولولي “ده أبوكي ومفيش ضفر بيطلع من اللحم”، فقولتلهم: “اللحم اللي رماني للكلاب تاكله ميزعلش لما الكلاب تتفضح.. أنا ماليش غير ابني، والباب اللي اتقفل في وشي زمان، أنا نسيت مكانه أصلاً”.
في ليلة من الليالي، كنت قاعدة في الصالة، وابني قاعد جنبي بيذاكر وهو بيضحك، وجسمه ردت فيه الصحة والأمان. بصيت لملامحه ولقيت وشه منور ومبقاش فيه الخوف اللي كان بيخليه يترعش من أي خبطة باب.
قومت ووقفت قدام المراية، بصيت لوشي اللي الكدمات اختفت منه تماماً، ووعيني اللي رجع فيها لمعان الحياة. ابتسمت لنفسي وقولت: “يا فادية، أبوكي كان بيقول الست لما تتعوج تتكسر وجبسها هتتعدل.. بس أنتِ أثبتّي للدنيا كلها إن الست لما بتميل، بتقف وتصلب طولها بنفسها، ومحدش بيجبس كرامتها غير دراعها وقوتها”.
حطيت إيدي على كتف ابني وأنا باصة لبكرة بكل أمل، وعارفة إن اللي جاي كله بتاعي أنا وبس، ومفيش راجل في الدنيا هيقدر يكسر عيني ولا يلوي ضهري تاني.


تعليقات
إرسال تعليق