القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 الصيف ده هتقضيه عند عمتك كاملة 



الصيف ده هتقضيه عند عمتك كاملة 


« الصيف ده هتقضيه عند عمتك! » — الجملة نزلت عليا زي الحكم الصارم. بعد عشر دقائق بالظبط، كنت واقفة قدام السفرة، بقطع التذكرة حتت صغيرة تترمي في الأرض — وعيني في عينها بكل تحدي.


بلاش تاخدي الأمور بقفش كده يا مروة، — قالتها حماتي ببرود وثبات مستفز، — ما تنسيش إن حازم كبر خلاص وبقى طول الباب، وهند لوحدها مع البيبي الجديد ومش قادرة تلاحق على حاجة.


قالت كلامها بالنبرة دي.. النبرة بتاعة حد خلاص رتب كل حاجة وقرر، وكأنها شافتني وأنا بودع ابني وبحضرله شنطته وبحطله فيها بسكوت الشاي اللي خابزاه بإيدي. مفيش ثانية تردد، مفيش حتى سؤال.. أمر واقع وفرضته وخلاص.


على السفرة، جنب السكرية، كانت محطوطة ورقة بيضاء نضيفة وتخينة. القطر المكيف: القاهرة — الإسكندرية. التحرك الإثنين، الساعة 07:40 صباحاً. تذكرة قطر.


كنت واقفة بلم الريم من على وش حلة مربى الفراولة. معلقتي خبطت في حرف الحلة، ونزلت نقطة ملزقة على مفرش المشمع. الجو ورا الشباك كان كتمة ومطين بعد المطر اللي لسه نزل من شوية.


 


إيه اللي محطوط ده؟ — صوتي طلع ناشف ومشحون.


دي التذكرة! أنا رتبت كل حاجة وحجزت. القطر الميعاد ده مضمون ومكيف والولد هيسافر مستريح، وهند هتكون مستنياه في المحطة. يا بنتي ده معاها عيل لسه لحمة حمراء، المفروض تقدري الموقف وتفهمي لوحدك.


المفروض تفهمي لوحدك.. دي الكلمة المفضلة عند حماتي الحاجة كريمة. تقرر وتخطط وتخلص كل حاجة مع نفسها، وبعدين تيجي تقدمهالك على إنه القرار الصح والواجب اللي المفروض الكل يوافق عليه. ولو فتحتي بوقك بنص كلمة، تطلعي في الآخر نكدية ومفترية وأننية.


في اللحظة دي حازم خرج من أوضته عشان يملى كوباية مية — كان طويل، عوده رفيع، ولابس تيشرت أسود. عينه جت على الورقة اللي جنب السكرية وفضل واقف في مكانه مبرق.


ماما؟


استنى يا حبيبي، سيبنا نتكلم بس الأول.


الحاجة كريمة كانت خلاص أخدت راحتها في الشقة وكأنها صاحبة بيت — قلعت العباية الخارجية، وحطت شنطتها على الكرسي. وشها كان باين عليه التعب، بس عينيها فيها نظرة انتصار ورضا.


 


وهنتكلم في إيه بس يا مروة! يونيو، يوليو، أغسطس.. يعني تلات شهور إجازة الصيف كلها. الواد هيفك عن نفسه هناك وشم شوية هوا نظيف في إسكندرية! بدل قعدته دي، هيبقى ليه لزمة، يزق مع عمتة العربية، ينزل يشتري طلبات البيت.. أهو يشيل عنها شوية وهند تعرف تتنفس وتنام لها ساعتين.


بصيت للتذكرة.. الإثنين، سبعة وأربعين دقيقة.


الكل رتب وحسب، وأنا آخر من يعلم في الليلة دي.


ماما، هو أنا مسافر فين بالظبط؟ — حازم سأل بصوت واطي، وفيه نبرة قلق واضحة.


عند عمتك هند يا حبيبي، هتقضى الصيف هناك.. عشان تنشف كده وتبقى راجل، بدل طول النهار ما أنت مبرق في شاشة الموبايل ده.


أنا مش قاعد على الموبايل طول الوقت.. أنا خلاص اتفقت مع عمي توفيق، وهبدأ شغل معاه من الأسبوع الجاي.


الحاجة كريمة شاورت بإيدها في الهواء بحركة استخفاف، كأنها بتطش دبانة مضايقاها:


أوه! ورشة الميكانيكا بتاعت عمك دي! محسسني إنها وكالة ناسا. مساعدة الأهل والوقوف جنبهم في الأزمات هو ده اللي ليه قيمة وهو ده الأصل.


طفيت عين البوتاجاز.


 


وهو هناك هيعمل إيه بالظبط يعني؟


مش هيعمل البدع يعني! حاجات بسيطة.. يناولها الببرونة، يهز السرير، يتمشى بالواد شوية في الصالة. شغلانة خفيفة وهو لسه بصحته وشبابه.


حازم كان ساكت، وإيده متبتة في كوباية المية.


ده حتى ممكن بالليل يصحى مع الواد يغيرله ويديله الرضعة عشان هند ترتاح، أضافت الجملة دي كأنها ملحوظة عابرة مش مهمة.


ساعتها بس فوقت وعرفت الحقيقة. الموضوع مش فسحة ولا مصيف.. هما ببساطة وزعوا نوبتجيات على ابني، وعملوا له جدول شيفتات زي العساكر.


وهي هند مش قادرة تجيب بنت صغيرة تساعدها بأجر وتريح نفسها؟ — سألتها.


والفلوس دي بتنزل من السماء يا عين أُمك؟ — ردت حماتي بنفخة ضيق وتعب.


وإحنا يعني بنعمل كده ببلاش ولله؟


يا فتاح يا عليم.. لازم تجادلي وتقفليها في وشنا! دي أخت جوزك، يعني أهل، مش ناس غُرب من الشارع.


نفس الفيلم، نفس الاسطوانة اللي بتتكرر، ونفس الكلام المحفوظ.


محمد جوزي كان في نوبتجية الشغل بتاعته. ومن دلوقتي كنت سامعة تنهيدته في التليفون أول ما أحكيله، وجملته المشهورة: جرى إيه يا مروة، ما تكبريش الموضوع، مش هتخسري حاجة لما نساعدهم. مش بيقول كده قساوة منه، لأ، بيقولها من غلبه وتعب قلبه. هو لقى إن ريح حماتي وموافتها على كلامها أسهل بكتير من إنه يدخل معاها في جدال يوجع الدماغ ويهد الحيل ومبيجيبش نتيجة.


بس المرة دي، هو مش هيضحي بوقتـه هو.. هو بيضحي بوقت ابنه ومستقبله.


حازم، ادخل أوضتك ثواني يا حبيبي، — قلتله بصرامة. — ما تقفش هنا.


بص لنا إحنا الاتنين، وبعدين عينه جت على التذكرة، ودخل قفل الباب وراه.


حماتي وطت صوتها على طول وبدأت توشوشني:


بلاش تملي دماغ الواد أفكار وتخليه يتمرد. ده واد زي العسل وبيسمع الكلام، والموضوع ده هيكون في مصلحته. واه، بلاش تكترلي في لبسه وهو مسافر عشان الجو هناك حر رطوبة.


طلعت موبايلي وصورت التذكرة.


بتعملي إيه؟ — استغربت وهي رافعة حاجبها.


عشان أكون مطمنة بس.


دخلت أوضة حازم، لقيت شنطة ضهره محطوطة على الكرسي. وفي الجيب الجانبي الصغير — كان فيه مفك رفيع، نفس المفك اللي قعد يلمع فيه ويهيأه ليلتها بالساعات، كأنه ماسك حتة دهب مش مجرد أداة شغل.


ماما، أنا مش عايز أروح هناك، — قالها بصوت مخنوق.


عارفة يا حبيبي.


أنا مرتب كل حاجة مع عمي توفيق.. ووعدني يديني تمانمية جنيه في الأسبوع، وهيعلمني إزاي أفك وأصلح المواتير بنفسي.


أنا فاكرة كلامنا يا حازم، ومش ناسياك.


قعد على حرف السرير، وضم إيديه لاتنين لبعض، كأنه راجل كبير شايل الهم وبيحاول يدور على مبرر لـ كلمة لا عشان ما يطلعش غلطان. كان باين عليه مكسور ومذنب، رغم إنه ما عملش أي حاجة غلط.



بابا كان عارف؟ — سألني في الآخر وعينه في الأرض.


هعرف دلوقتي حالا هو كان عارف إيه بالظبط وبايع إيه.


خرجت الصالة، حطيت التذكرة قدامي على السفرة، وطلبت رقم محمد.


محمد، أنت فاضي دقيقة؟


شغال يا مروة.. واقف في كمين على الطريق الزراعي. خير في إيه؟


أنت اللي أخدت بطاقة حازم وشهادة ميلاده وبعتهم لوالدتك؟


الخط قطع منه الصوت للحظات.. سكوت تام.


آه، أنا اللي بعتهم. في إيه بقى؟…


#حكايات_انجي_الخطيب


أول ما نطق الجملة دي، حسيت بنغزة في قلبي. الخط كأنه سكت خالص ومبقاش فيه غير صوت الهوا وعربيات النقل التقيلة اللي بتعدي من جنبه في الكمين. قفلت عيني جامد وأنا بحاول أتمالك أعصابي عشان صوتي ما يترعش قدام حماتي اللي كانت قاعدة مراقباني وعينيها بتلمع بانتصار مقرف.


ألو.. مروة؟ أنتِ معايا؟ الخط قطع ولا إيه؟ — صوت محمد جه تاني من السماعة، فيه نبرة تهرّب واضحة، النبرة اللي بيلجأ لها دايماً لما يكون عامل مصيبة وعايز يقلبها على إنها أمر عادي ومش مستاهل خناق.


معاك يا محمد، معاك. — قلتها بصوت هادي ومخيف، الهدوء اللي بيسبق العاصفة. — بعت ورق ابنك من ورايا يا محمد؟ بتتصرف في مستقبل ابنك كأنه حتة عَفْش بايعها بالتقسيط لأهلك من غير ما تاخد رأي أمه؟ ولا حتى رأيه هو شخصياً؟


جرى إيه يا مروة! — صوته عِلي سنة بس فيها عتاب مصطنع. — ما تكبريش الموضوع بقى وتعملي لنا حكاية من مفيش. دي أمي، كلمتني وقالت لي إن هند تعبانة ومحتاجة حد يقف جنبها. وبعدين فيها إيه يعني لما الواد يسافر يغير جو في إسكندرية ويساعد عمته؟ هو إحنا هنرميه في الشارع؟ ده رايح لأهله وناسه.


أهله وناسه؟ — ضحكت ضحكة مكتومة مليانة وجع. — أهله وناسه دول باصين له على إنه شغال ببلاش، نوبتجي بالليل يصحى يرضع ويغير للبيبي، وشغال بالنهار يزق العربية ويجيب الطلبات. أنت عارف أمك جايبة له تذكرة قطر يوم الإثنين الجاي؟ عارف إنها مرتبة كل حاجة ومقررة بالنيابة عننا كلنا؟


يا مروة اسمعيني بس.. — محمد حاول يهديني بس كلامه كان بيزيد النار حطب. — أمي كلمتني وقالت لي إن الروحة دي هتصلب طول الواد وتخليه يتحمل المسؤولية. بدل ما هو صيف في صيف قاعد قدام التليفزيون ولا نازل يتسكع مع أصحابه في الشوارع. خليه ينشف شوية.


الواد مش قاعد يتسكع يا محمد! — صرخت في التليفون ومبقتش قادرة أتحكم في عصبيتي. — ابنك نزل ولف ودور واشتغل على نفسه، واتفق مع عمك توفيق يشتغل في الورشة من الأسبوع الجاي. عمك توفيق هيعلم الصنعة وهيديله تمانمية جنيه في الأسبوع! ابنك عايز يبقى راجل بجد ويعتمد على نفسه، مش يبقى دادة ومـشّاويراتي لعمتـه عشان يوفروا حق البنت الشغالة!


لما قلت سيرة الورشة والفلوس، حسيت بمحمد سكت تلات ثواني. هو عارف إن ابنه نفسه يتعلم ميكانيكا، وعارف إننا محتاجين كل قرش، بس خوفه من زعل أمه كان دايماً أقوى من أي مصلحة تانية.



ورشة إيه وكلام فارغ إيه يا مروة، — محمد قالها بنبرة يائسة بيحاول يقنع بيها نفسه قبل ما يقنعني. — ورشة ميكانيكا إيه اللي يدخلها في السن ده؟ عايزة ابننا يتبهدل في الشحم والزيوت والوجع الدماغ ده؟ وبعدين أمي خلاص بلغت هند وهند رتبت نفسها على كده، عيب وميصحش نرجع في كلمتنا مع الناس، شكلنا هيبقى وحش وصغير خالص قدام جوز هند وأهله.


يعني أنت خايف على شكلك قدام جوز أختك، ومش خايف على كرامة ابنك ونفسيته اللي هتتكسر؟ — دموعي نزلت غصب عني بس مسحتها بسرعة. — قفل الشغل يا محمد، ولما ترجع لنا كلام تاني. بس اعمل حسابك، حازم مش مسافر في حتة، ورجله مش هتعتب محطة مصر يوم الإثنين.


قفلت السكة في وشه قبل ما يديني مبرر تاني من مبرراته الجاهزة اللي بتجيب لي شلل أطفال.


لفيت وشي لقيت الحاجة كريمة واقفة ورايا، مربعة إيديها، وعلى وشها ابتسامة باردة وشماتة مفيش بعد كده. أخدت نفس طويل، ولميت حتت التذكرة المتقطعة من على السفرة ورميتها في باسكيت الزبالة قدامها.


شفتي بقى؟ — قالتها وهي بتهز راسها وتتكتك بلسانها. — محمد راجل وعارف الأصول، وعارف إن أخته أولى بالجميل ده من الغريب. كلمته كلمة رجالة وخلصت خلاص، والورق معايا وجاهز، ويوم الإثنين الواد هيكون في قطر إسكندرية ورجله فوق رقبته. بلاش تقومي الواد على أبوه وعلى أهله يا مروة، عشان اللعب ده مش هيجيب معاكي سكة.


بصيت لها من فوق لتحت. الطاقة اللي فيا كانت ه تخلص، بس نظرة ابني اللي جوة الأوضة كانت مدياي قوة مش طبيعية.


العباية بتاعتك على الكرسي اهي يا حاجة كريمة، — قلتها وأنا بشاور على الباب. — وشنطتك اهي. محمد مش هنا دلوقتي، وأنا ورايا تنظيف ومربى على النار وعايزة أشوف مصلحة بيتي. اتفضلي حضرتك بالسلامة، ويوم الإثنين لما ييجي، نبقى نشوف مين اللي كلامه هيمشي.


وشها احمر واتفاجأت من أسلوبي. هي متعودة إني بسكت وببلع الإهانة عشان خاطر محمد وعشان المركب تسير، بس المرة دي المركب فيها ابني، وفيها مستقبله، ومستعدة أهد المعبد على اللي فيه ولا إن حد يكسر بخاطر الواد.


بتطرديني يا مروة؟ — زعقت وصوتها جاب آخر الشارع. — بتطردي حماتك من بيت ابنها؟ ماشي يا بنت الأصول، لما ييجي محمد أنا هعرفه إزاي يربيكي من أول وجديد ويدلك على مقامك.


أنا مش بطردك يا حاجة، أنا بقولك اتفضلي بكل ذوق لأن الزيارة انتهت. — فتحت لها باب الشقة ووقفت جنبه. — ومع السلامة، تلاقي طريق السلامة.


أخدت حاجتها وهي بتبرطم وتدعي وتتحسبن عليا، ورزعت الباب وراها لدرجة إن البيت كله اتهز. أول ما الباب اتمهد، سندت ضهري عليه ونزلت على الأرض. كنت حاسة إن جبل عالي انزاح من على صدري، بس في نفس الوقت، كنت شايلة هم المواجهة الكبيرة اللي هتحصل بالليل لما محمد يرجع من نوبتجيته.


باب الأوضة اتفتح بالراحة، وحازم خرج وخطواته كانت تقيلة. جه قعد جنبي على الأرض، وبص في عيني.



ماما.. أنتِ طردتي تيتة؟ — سألني وصوته فيه خوف ممزوج بفخر مكتوم.


طردتها بالذوق يا حبيبي. — مسحت على شعره. — تيتة لازم تفهم إن ليك أم وأب، وإنك مش لعبة في إيد حد يوديك ويجيبك على مزاجه.


بس بابا وافقهم يا ماما.. بابا أداهم بطاقتي وشهادتي. — دموع حازم لمعت في عينه، والكسرة اللي في صوته قطعت لي قلبي. — بابا مش عايزني أشتغل مع عم توفيق؟ هو شايفني فاشل وبتاع موبايلات وبس؟ أنا نفسي أتعلم الصنعة دي يا ماما، نفسي لما أكبر يبقى عندي ورشتي الخاصة ومحتجش لحد.


أنت مش فاشل يا حازم، أنت سيد الرجالة. — أخدته في حضني وطبطبت عليه. — أبوك بيحبك، بس هو ساعات بيبقى ضعيف قدام أمه ومش عايز مشاكل. بس المرة دي أنا مش هسكت، حقك هتاخده، والشغل اللي اتفقت عليه مع عمك توفيق هتروحه ورأسك مرفوعة. ادخل أنت كمل قعدتك واطمن خالص، طول ما أنا عايشة وموجودة، مفيش مخلوق هيجبرك على حاجة مش عايزها.


النهار عدى تقيل زي المية الراكدة. ريحة مربى الفراولة كانت مالية الشقة، بس مكنش ليها أي طعم. عملت الغدا وحازم أكل بالعافية ودخل أوضته يقفل على نفسه. الجو برة بدأ يليل، والغيوم اللي في السماء زادت، والبرق بدأ يضرب من بعيد، كأن الطبيعة كمان بتستعد للمعركة اللي هتدور في البيت ده بعد كام ساعة.


الساعة دقت عشرة بالليل. سمعت صوت المفتاح بيدور في الباب. قلبي دق بسرعة بس مكنش خوف، كان حماس للمواجهة.


دخل محمد، باين على وشه الإرهاق والتراب من وقفة الكمين طول النهار، بس كان باين أكتر عليه الغضب المكتوم. رمى كاب الشغل على الكنبة، وقلع الجزمة وبص لي وهو بينفخ.


أهلاً يا ست مروة.. أهلاً بالهانم اللي بقت تطرد أمي من البيت وتعملي فيها سبع الرجال. — قالها وهو بيقرب مني وعينه حمراء من الغيمن.


حمد الله على السلامة يا محمد. — قمت وقفت قدامه في الصالة، بكل ثبات. — غير هدومك، واغسل وشك، وتعال اقعد عشان الموضوع ده لازم يتقفل النهاردة وقبل ما ننام.


أقعد إيه وموضوع إيه! — زعق وهو بيخبط بإيده على السفرة. — أمي كلمتني وهي بتعيط ودموعها مغرقة وشها! بتقولي مروة فتحت لي الباب وطردتني ورمت حاجتي في الشارع! أنتِ اتجننتي يا مروة؟ جرى لعقلك إيه؟ إزاي تسمحي لنفسك تعملي كده مع الست اللي في مقام أمك؟

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

أمك ما حكتلكش الحقيقة كاملة يا محمد، دايماً بتنقي الحتة اللي تخليها فيها ضحية. — قلتها ببرود هز عصابه أكتر. — أمك جات هنا، فرضت أمر واقع، جابت تذكرة قطر لابنك من ورايا ومن وراك، وقالت لي إن الواد طالع يشتغل دادة لعمتـه تلات شهور ببلاش. ولما واجهتها وبصيت لابني لقيت عينه مكسورة، ولما اتصلت بيك لقيتك بايع ابنك ومسلم وراقه من ورايا. أنا مطردتهاش، أنا قلت لها الزيارة انتهت واتفضلي لما محمد يرجع.


وأنا قولتلك يا مروة إني موافق! — محمد قرب مني أكتر وصوته عِلي زيادة. — أنا أبو الولد، ومن حقي أقرر مستقبله ومصلحته فين! مصلحته إنه يروح هناك، الصنعة والورش دي مش لينا، دي بيئات متسابة والواد هيتعلم منها الصياعة وقلة الأدب. هناك في إسكندرية مع عمتـه وجوزها المستشار، هيشوف ناس نضيفة ويتعلم أسلوب نضيف.



ناس نضيفة؟ — ضحكت بسخرية. — ناس نضيفة يستغلوه تلات شهور شغل سُخرة بالليل وبالنهار عشان يوفروا كام ألف جنيه حق بنت تساعدهم؟ محمد.. أنت باصص في عين ابنك بقالك قد إيه؟ شفت الشغف اللي في عينه وهو ماسك المفك الصغير وبيهيأه عشان شغل الورشة؟ شفت الكسرة اللي في عينه لما عرف إن أبوه، السند بتاعه، هو اللي سرق بطاقته وورقه وسلمهم لأمه عشان يخلص من زنها؟


هو مش سرقة! ده ابني وولدي ومن حقي أتصرف في وراقه! — محمد بدأ يتلعثم في الكلام، لأنه من جوا عارف إنه غلطان، بس كبريائه كراجل مش سامح له يتراجع قدامي.


لأ سرقة يا محمد، لما تعمل كده من ورايا ومن ورا ابنك يبقى اسمها سرقة وتواطؤ. — قربت منه خطوة وبصيت في عينه مباشرة. — الورق ده فين يا محمد؟ ورق ابنك فين دلوقتي؟


الورق مع أمي، وهيفضل مع أمي لحد يوم الإثنين الصبح لما تاخده من المحطة وتطلع بيه على إسكندرية. — قالها وهو بيلف وشه عني وعامل نفسه بيقفل سستة جاكيت الشغل. — والموضوع ده انتهى، والكلمة كلمتي، وحازم هيسافر يعني هيسافر، ومش عايز أسمع صوت في البيت ده لحد الصبح.


تحس إن الجملة دي كانت القشة اللي قطمت ضهر البعير. في اللحظة دي، عرفت إن الكلام والنقاش الودي مع محمد مش هيجيب نتيجة. الراجل ده مسلم مفاتيح عقله وبيته لأمه تماماً، ومستعد يكسر ابنه بس عشان يرضي كبريائه قدام عيلته.


بصيت له نظرة طويلة، نظرة خالية من أي مشاعر، النظرة اللي بتخلي الراجل يحس إن الست اللي قدامه مبقتش باقية على حاجة.


ماشي يا محمد.. الكلمة كلمتك، وإحنا هنشوف الكلمة دي هتوصلنا لفين. — قلتها بصوت واطي جداً وهادي، ودخلت المطبخ.


قفلت حلة المربى اللي بردت، وشيلتها في الثلاجة. دخلت أوضة حازم، لقيته قاعد على السرير، عينه حمرة وضامم رجله لصدره. قعدت جنبه، وحطيت إيدي على كتفه.


جهز شنطتك يا حازم. — قلتها له بصوت همس.


الواد بص لي بلهفة وصدمة: يعني هسافر إسكندرية يا ماما؟ خلاص هترمي هناك؟


لأ يا حبيبي، مش إسكندرية خالص. — ابتسمت له ابتسامة مليانة مكر وقوة. — جهز شنطتك وحط فيها لبسك كله والمفك بتاعك وكل حاجتك المهمة. إحنا مش هنقعد في البيت ده ولا دقيقة زيادة.


حازم برق بعينه: هنروح فين يا ماما؟


هنروح عند جدك.. بيت أبويا مفتوح، وهناك محدش يقدر يكسر لك كلمة ولا يفرض عليك حاجة. أبوك اختار يبيعك لأهله عشان يشتري دماغه، وأنا اخترت أبيع الدنيا كلها عشان أشتريك أنت ومستقبلك. جهز حاجتك بالراحة من غير ما يحس، وأول ما ينام.. هنمشي.


الواد قام بسرعة، وعينه لمعت فيها الأمل من تاني. بدأ يحط هدومه في الشنطة بالراحة وبدون أي صوت. وأنا طلعت الصالة، لقيت محمد دخل أوضتنا ورزع الباب وراه، وسمعت صوت سريره وهو بيتحرك، دليل إنه رمى جسمه من التعب ونام في ثواني.


وقفت في نص الصالة، بصيت على الحيطان، على الصور، على السفرة اللي شهدت خناقة الصبح. حسيت بغُربة شديدة في المكان ده. البيت اللي الست متأمنش فيه على أولادها من أقرب الناس ليهم، ميبقاش بيت، يبقى سجن.



شيلت تليفوني، وبعت رسالة لوالدي: بابا.. أنا وحازم جايين عندك في الطريق، مسافة السكة ونكون عندك، لما أوصل هحكيلك كل حاجة.


رد والدي جه في ثانية: تنوري بيتك يا بنتي، أنتِ وابنك فوق راسي، والبيت وصاحبه تحت أمركم. ملوش لزوم الحكي دلوقتي، توصلي بالسلامة وبس.


الرسالة دي ادتني طاقة تخليني أهد جبال. دخلت الأوضة أخدت دهبي وفلوسي اللي شايلاها للزمن، وحطيتهم في الشنطة الصغيره بتاعتي. وبصيت لحازم اللي كان واقف مستنيني عند الباب والشنطة على ضهره، وعينه فيها نظرة راجل جاهز يواجه الدنيا مع أمه.


فتحت باب الشقة براحة شديدة، وخرجنا خطوة ورا خطوة، السلم كان ضلمة بس خطوتنا كانت سريعة وثابتة. نزلت للشارع، الهوا البارد خبط في وشي، والمطر الخفيف بدأ ينزل تاني يغسل تراب اليوم الطويل ده.


أول ما بعدنا عن العمارة بكام متر، حازم بص لي وقال: ماما.. بابا لما يصحى الصبح وميلاقناش، هيعمل إيه؟


هيقلب الدنيا يا حازم.. بس ساعتها هيعرف إن مروة لما بتقفل باب، مبيفتحش تاني بالساهل، وإن ابني خط أحمر اللي يقرب منه بيموت.


أخدنا تاكسي وطلعنا على محطة القطر.. بس مش القطر اللي رايح إسكندرية بتاع تيتة كريمة.. القطر اللي رايح لبيت جدي، رايح للمكان اللي بدأنا فيه أول خطوة في معركتنا الحقيقية.



المحطة بالليل كانت شبه فاضية، الهوا الساقع عمال يصفر بين رصيف ورصيف، وصوت صفارة قطر بعيد بيقطع السكون كل شوية. حازم كان ماشي جنبي متبت في إيدي، شنطة ضهره تقيلة على كتافه بس خطوته كانت ثابتة، كأنه فجأة كبر وتخطى سن المراهقة في كام ساعة. ركبنا القطر اللي طالع على المحافظة اللي فيها بيت أبويا، قعدت جنب الشباك وأنا سانده راسي على الإزاز الساقع، وباصة على أضواء الشوارع والبيوت اللي بتختفي ورا بعضها برة.


جوايا مكنش فيه ندم، كان فيه راحة غريبة.. الراحة اللي بتيجي بعد ما تاخد أصعب قرار في حياتك بس وأنت متأكد مية في المية إنه القرار الصح. بصيت لحازم، لقيت عينيه غفلت ونام وهو ساند راسه على كتفي، وإيده لسه متبتة في المفك الصغير اللي في جيب الشنطة. نمت أنا كمان من كتر التعب، ومصحيناش غير على صوت الكمسري وهو بينادي على اسم محطتنا.


الفجر كان لسه بيشق في السماء لما وصلنا بيت أبويا. البيت القديم اللي قضيت فيه أحلى أيام حياتي، بريحته اللي كلها دفا وأمان. أول ما خبطت، الباب اتفتح في ثانية، وكأن أبويا مكنش نايم ومستنينا ورا الباب من ساعة ما بعتله الرسالة.


تعالي يا مروة، تعالي يا حبيبتي، خطوة عزيزة. — أبويا فتح دراعاته وأخدني في حضنه، ومن بعدي أخد حازم وطبطب على ضهره بحنية خلت الواد يتنفس الصعداء كأنه أخيرًا لقى البر اللي هيحاميه.


دخلنا الصالة، وأبويا قفل الباب وراه براحة. بص في وشي الشاحن وفي عينيا المنفوخة من العياط والتعب، ومسألش ولا سؤال.


ادخلي ارتاحي أنتِ والواد الأول يا بنتي، جوة الأوضة جاهزة والسرير متقفل، ناموا واشبعوا نوم، ولما تصحوا لكل حادث حديث. البيت بيتك يا مروة، ومحدش يقدر يمسك هنا بكلمة. — كلام أبويا كان المهدئ اللي جسمي محتاجه عشان ينهار وينام.


دخلت أنا وحازم، نمنا نوم عميق مفيش فيه كوابيس ولا صوت حماتي ولا تنهيدات محمد. صحيت بعد الضهر على ريحة شاي بالنعناع وفطير سخن. قمت غسلت وشي وخرجت الصالة، لقيت حازم قاعد مع جده، والواد وشه منور وبيضحك وهو بيشرح لجده إزاي فك الموتور الصغير بتاع المروحة البايظة اللي عند جده في البيت وبدأ يصلحها.


قعدت معاهم، وأبويا صب لي الشاي وبص لي وقال: هاه يا مروة، قولي لي بقى يا بنتي، إيه اللي جابك في عز الليل كده وشنطتكم في إيدكم؟ محمد عمل إيه؟


حكيت لأبويا كل حاجة بالتفصيل.. من أول تذكرة القطر بتاعة إسكندرية اللي الحاجة كريمة جابتها عشان تشغل الواد دادة وعسكري سخرة عند عمتـه، لحد تواطؤ محمد وسرقته لورق ابنه وبطاقته عشان يرضي أمه، ولحد الخناقة والزعاق وتهديده ليا بالليل.


أبويا كان بيسمع وهو بيهز راسه، عينيه كان فيها غضب مكتوم بس غضب حكيم. لما خلصت كلامي، حط كوباية الشاي وقالي: أنتِ اتصرفتي صح يا مروة. الراجل اللي يبيع ابنه ويكسر نفسه عشان يرضي أهله ويشتري دماغه، ميتأمنش على بيت. وحازم واد راجل ونظيف، ومينفعش يترمي الرمية دي. سيبك من محمد دلوقتي، تليفونك عمال يرن من الصبح وأنا اللي قلتلك سيبيه سايلنت عشان ترتاحي. شوفي جوزك عمال يضرب كام مرة.


مسكت الموبايل، لقيت تلاتين مكالمة فايتة من محمد، ورسايل قد كده كلها تهديد ووعيد في الأول، وبعدين رسايل تانية فيها قلق وخوف لما لقى الشقة فاضية ومفيش ليها أثر. في اللحظة دي، الموبايل رن تاني في إيدي.. كان هو.


بصيت لأبويا، فهز راسه قالي: ردي عليه، وافتحي الاسبيكر، وخليكي قوية يا بنتي.


رديت: أيوة يا محمد.


أنتِ فين يا مروة؟! — صوته جه من السماعة زاعق ومبحوح، تحس إنه كان بيجري أو لسه صاحي مشتت. — صحيت الصبح لقيت الشقة مقلوبة، هدومك وهدوم الواد مش هنا، أنتِ اتجننتي بجد وهربتي؟ أنتِ فاكرة نفسك رايحة فين؟ ارجعي حالاً بدل ما أعملك محضر في القسم وأقلب الدنيا عليكي!


أنا مهربتش يا محمد، أنا مشيت بكامل إرادتي. — صوتي طلع هادي وثابت لدرجة أبهرتني أنا شخصياً. — أنا في بيت أبويا، المكان اللي بيحترموني فيه وبيحترموا ابني. الشقة سيبتهالك اهي عشان تقعد فيها براحتك أنت ووالدتك، وتشبعوا بالقرارات والنوبتجيات اللي بتوزعوها من ورايا.


في بيت أبوكي؟ — محمد نبرة صوته اتغيرت من الزعاق للقلق، هو عارف إن والدي راجل شديد وله هيبته ومبيحبش اللوع. — وجرّاكِ إيه تروحي هناك وتدخلي أهلك بيننا؟ عشان تذكرة؟ عشان أخته محتاجاه؟ ما تكبري مخك يا مروة، انزلي هاتي الواد وتعالي، أمي مستنيانا في المحطة والقطر فاضل عليه كام ساعة! والورق معاها!

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

الورق ده هيرجع يا محمد، هيرجع ورجلك فوق رقبتك. — والدي أخد مني التليفون فجأة، واتكلم هو بصوته الرخيم اللي يرعب. — أسمع يا محمد، أنا ربيت بنتي على الأصول، وبنتي عاشت معاك في المُر قبل الحلو وعمرها ما اشتكت. لكن توصل بيك الدناءة إنك تسرق ورق ابنك وتبيعه لأهلك عشان تخلص من زن أمك، وتكسر نفس الولد اللي عايز يبقى راجل ويعتمد على نفسه، يبقى أنت لسه عيل ومحتاج تتربى من أول وجديد.


عمي.. أنا.. — محمد بدأ يتلعثم وصوته واطي خالص. — أنا مكنتش أقصد، أنا بس كنت عايز أراضي أمي..


تراضي أمك على حساب ابنك ومستقبله؟! — والدي زعق في التليفون لدرجة إن الخط اتهز. — ابنك مش سلعة للبيع والطلب يا محمد. ورق حازم وبطاقته وشهادة ميلاده يرجعوا هنا بيت جده قبل الشمس ما تغيب النهاردة. لو الورق ده مجاش، مفيش بنتي مش هتعتب بيتك تاني، وقض*ية الطلاق والنفقة والتبديد هتترفع الصبح في المحاكم، وأنا هعرف إزاي أخد حق بنتي وحق ابنها بالقانون وبأصول المجايب. قفل الكلام يا محمد، ومشوفش وشك هنا غير والورق في إيدك.


أبويا قفل السكة في وشه، وبص لحازم وقاله: قوم يا بطل، البس وانزل معايا.


حازم بص لجده باستغراب: هنروح فين يا جدو؟


هنروح لعمك توفيق في الورشة. — والدي ابتسم وطبطب على كتفه. — هروح اتفِق معاه بنفسي إنك هتبدأ شغل من بكرة، والتمانمية جنيه اللي وعدك بيهم هتاخدهم، وهعلمك الصنعة على أصولها عشان لما تكبر تفتح ورشة أجدع من ورشته. الراجل لازم يمسك في حلمه وميسيبوش لحد.



الواد وشه نور وضحكته وسعت، وجري على الأوضة يلبس بسرعة. نزلت دمعة من عيني وأنا شايفة ابني بيرجع له الأمل تاني بعد ما كان مكسور ومطفي.


النهار بدأ يميل، والجو بقى هادي في بيت والدي. كنت قاعدة في الصالة، مستنية أشوف الخطوة الجاية لمحمد. أنا عارفة حماتي كويس، وعارفة إنها مش هتقبل الهزيمة دي بالسهولة دي، وأكيد هتقوم الدنيا مش هتقعدها.


الساعة بقت حوالي سبعة بالليل. الباب خبط. قمت وقفت وقلبي بدأ يدق. أبويا فتح الباب، ولقينا محمد واقف، وراه أمه الحاجة كريمة. وِش محمد كان في الأرض، وعينيه باين عليها قلة النوم والكسرة، وحماتي كانت واقفة وشها مقلوب والشرار بيطلع من عينيها، بس كانت كاتمة غيظها هيبته من والدي.


اتفضلوا. — أبويا قالها ببرود وهو بيوسع لهم يدخلوا الصالة، بس مقعدهمش، فضلنا كلنا واقفين في نص الصالة كأننا في محكمة.


أهو يا سيدي، جبنا الورق وجينا لحد عندك عشان تقر عينك وعين بنتك المصونة. — الحاجة كريمة قالتها بنبرة تريقة ممزوجة بغل، وطلعت ظرف كبير من شنطتها ورزعته على السفرة. — أهو ورق ابنكم اللي هتموتوا عليه، خلوا الورش والصنايعية ينفعوه، بكرة لما يترمي في الشوارع ويطلع فاشل تبقوا تفتكروا كلامي. إحنا كنا عايزين نعمل منه راجل وندخله بيوت مستشارين، بس يظهر إن العِرق دساس وكل واحد بيرجع لأصله وبئته.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

الزمي حدودك يا حاجة كريمة في بيتي. — أبويا قالها بصوت واطي ومخيف، وعينيه برقت لها. — أصل حازم هو الأصالة والنظافة، الواد اللي عايز ياكل لقمته بعرق جبينه ويتعلم صنعة شريفة، أحسن بمليون مرة من اللي بيعيش سخرة عند الناس عشان يوفر حق شغالة. ابننا راجل غصب عن أي حد، والورق ده إحنا أخدناه لأنه حقنا، ومش هتمشي كلمتكم على بيتي ولا على بنتي.


محمد قرب مني خطوة، وبص في عيني وقال بصوت واطي ومكسور: كدة يا مروة؟ تلمي هدومك وتمشي في نص الليل وتفضحينا قدام أهلك؟ عشان خاطر تذكرة وشغلانة؟ أنا جوزك وسندك، إزاي تهوني عليكي تسبيني بالشكل ده؟


أنت اللي هنت علينا الأول يا محمد. — بصيت له بكل قوة، ومبقاش في قلبي أي مشاعر ضعف ناحيته. — لما سرقت ورق ابنك وسلمته لأمك من ورايا، أنت اللي بعت السند وبعت الأمان. لما وافقت إن ابنك يروح يشتغل دادة وشغّال عشان ترضي كبرياء والدتك وأختك، أنت اللي هديت البيت ده بإيدك. أنا مشيت عشان أحمي ابني منك ومن أهلك.


يا بنتي خلاص، حصل خير والورق رجع والقصة انتهت. — محمد حاول يلطف الجو ويمد إيده يمسك إيدي، بس أنا رجعت خطوة لورا ورفضت يلمسني. — حازم مش هيسافر إسكندرية، وهيشتغل في الورشة زي ما أنتِ عايزة، يلا بينا نلم الدور ونرجع بيتنا والناس ملهاش دعوة بأسرارنا.


الرجوع مش بالسهولة دي يا محمد. — أبويا هو اللي اتكلم وحط إيده على كتفي. — بنتي مش هترجع معاك النهاردة، ولا الأسبوع ده. بنتي هتقعد هنا في بيت أبوها لحد ما تفوق وتشوف مصلحتها فين، ولحد ما أنت تتعلم إزاي تكون راجل في بيتك وتحمي مراتك وابنك حتى من نفسك ومن أمك. لما تحس إنك بقيت قد المسؤولية وتقدر تقول لأمك لأ في الغلط، ابقى تعالى خبط على الباب ده ونشوف ساعتها بنتي هترجع لك ولا لأ.



الحاجة كريمة برطمت وزعقت: يقطع دي جوازة ويقطع ده بيت! يلا يا محمد، سيبهم أهم شبعوا بالواد وشغل الورش، بكرة يندموا وندمهم مش هيجيب نتيجة. يلا يا ابني نمشي من هنا، ناس متستاهلش الجمايل.


أخدت ابنها وخرجت بسرعة وهي بتتحسبن وتدعي، ومحمد بص لي نظرة أخيرة مليانة ندم وعجز، وقفل الباب وراه ومشي.


أول ما الباب اتقفل، حسيت بنفحة هوا باردة ونظيفة دخلت من الشباك. حازم خرج من الأوضة، وجه وقف جنبي، ومسك الظرف اللي فيه ورقه وبطاقته وضمه لصدره كأنه لقى كنز ضايع منه. وبص لي وعينيه مليانة دموع الفرحة: شكراً يا ماما.. شكراً إنك وقفتي جنبي ومسبتنيش.


أنا هعيش طول عمري عشان أحميك يا قلب ماما. — أخدته في حضني ودموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع النصر والراحة.


أبويا جه وطبطب علينا إحنا الاتنين وقال: يلا يا ولاد، العشا جاهز، سيبكم من اللي فات، بكرة يوم جديد، وحازم وراه شغل من النجمة في الورشة عشان يبدأ يبني مستقبله بإيده.


قعدنا على السفرة ناكل بأمل وراحة مكنتش موجودة من سنين. عرفت إن المعركة مكنتش سهلة، وإن طريقي اللي جاي مع محمد محتاج وقفة طويلة وتغيير جذري، بس الأكيد إن ابنـي طلع من الليلة دي راجل، برأسه مرفوعة، ومستقبله في إيده هو، مش في جدول شيفتات ونوبتجيات حد تاني. الحكاية مخلصتش، بس الأكيد إن الفصل الأصعب فيها انتهى بانتصار الأصول والحق.


تعليقات

close