القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 شر حماتي في يوم فرحي



شر حماتي في يوم فرحي

كانت ليلة فرحي اللي المفروض تكون أسعد ليلة في حياتي، لكن من أول لحظة دخلت فيها بيت جوزي حسيت إن في حاجة مش طبيعية بتحصل حواليا. حماتي أمينة كانت ست معروفة بين الناس بالهدوء والطيبة، لكن كل ما تبصلي كنت أحس إن في حاجة مستخبية ورا عينيها. ابتسامتها كانت دايمًا موجودة، لكن ما كانتش بتوصل لعينيها أبدًا. يوم الفرح نفسه، وسط الزغاريد والضحك والناس اللي مالية البيت، لقيتها بتقرب مني وهي ماسكة كيس أنيق جدًا. حطته في إيدي وقالت دي هدية مخصوص ليكي الليلة. شكرْتها وأنا مبتسمة، لكنها قبل ما تمشي قربت من ودني وقالت بصوت واطي خلي بالك من القميص... وما تسيبهوش بعيد عنك. ساعتها استغربت من طريقتها، لكن قلت يمكن مجرد اهتمام زيادة من أم العريس.

بعد ما خلص الفرح وروحنا البيت، دخلت أوضة النوم وفتحت الكيس. لقيت جواه قميص نوم أبيض جميل جدًا، شكله غالي ومتفصل بعناية. مسكته علشان ألبسه، لكن وأنا بفرده حسيت بحاجة صغيرة وقعت منه على الأرض. نزلت أشوفها، لقيت خصلة شعر مربوطة بخيط أحمر رفيع. وقفت مكاني مستغربة. قلت يمكن حاجة دخلت بالغلط أثناء التغليف. لكن رغم إني حاولت أقنع نفسي بكده، قلبي ما ارتاحش. خبيت الخصلة في درج الكومود، ولبست قميص


تاني من هدومي أنا.

من تاني يوم بدأت ألاحظ إن حماتي كل ما تشوفني تسألني نفس السؤال لبستي القميص؟ أول مرة جاوبتها عادي. تاني مرة استغربت. تالت مرة حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد هدية. كل مرة أقولها لأ، كانت ملامحها تتغير لثواني وكأنها مستنية حاجة معينة تحصل ومش بتحصل.

عدى أسبوع، وبعدها بأيام كنت راجعة البيت بدري. دخلت لقيت حماتي عندنا ومعاها بنتها هبة. كانت هبة بتحب الهزار جدًا، وأول ما شافت الكيس سألت أمها هو ده القميص اللي مخبياه؟ وريني شكله. حماتي اتوترت بشكل غريب وقالت لها بعصبية سيبيه مكانه. لكن هبة ضحكت وقالت كأنك مخبية كنز.

الموضوع انتهى وقتها، لكن الشك بدأ يكبر جوايا. أخدت خصلة الشعر وروحت لست كبيرة في بلدنا كانت الناس بتلجألها في الأمور الغريبة. أول ما شافت الخصلة، اتغير لون وشها. سألتني منين جبتها. لما حكيت لها، سكتت شوية وقالت ارميها بعيد وما ترجعيش تسألي. حاولت أعرف السبب لكنها رفضت. كل اللي قالته في ناس بتستخدم حاجات زي دي في أذى غيرها.

رجعت البيت وأنا مرعوبة. ومن يومها بدأت أراقب كل حاجة. لحد ما في يوم اختفى القميص من الدرج. قلبت البيت كله وما لقيتوش. افتكرت إني يمكن نقلته مكان تاني ونسيته. لكن الحقيقة

ظهرت بعدها بيومين.

اتصلت بيا هبة وهي بتتكلم بسرعة تعالي بيتنا حالًا.

روحت وأنا مش فاهمة. أول ما دخلت لقيت البيت مقلوب. ناس داخلة وناس خارجة. صريخ وبكاء. وسط كل ده كانت هبة قاعدة على الأرض، وشها شاحب جدًا، وفي حضنها القميص الأبيض.

القميص اللي اختفى من عندي.

بصيت لحماتي. كانت واقفة في ركن بعيد، مرعوبة بشكل عمري ما شوفته قبل كده. أول ما شافتني همست هي لبسته...

في اللحظة دي فهمت إن هبة أخدت القميص من غير ما حد يعرف. لكن اللي ما فهمتوش هو ليه حماتي كانت مرعوبة بالشكل ده.

بدأت هبة تتصرف بغرابة. كانت أوقات تتكلم عادي، وأوقات تبص للسقف وتضحك لوحدها. ساعات تصحى من النوم تصرخ وتقول إن في راجل واقف عند باب أوضتها. وساعات تقول إنها سامعة حد بينادي عليها من البير القديم اللي ورا البيت.

الأطباء كشفوا عليها وما لقوش حاجة. قالوا إنها سليمة جسديًا. لكن حالتها كانت بتسوء يوم بعد يوم.

بعد أسبوعين حصلت حاجة قلبت كل الموازين.

كنت قاعدة مع حماتي لوحدنا. لأول مرة لقيتها بتعيط. عياط حقيقي. قالت لي لازم تعرفي الحقيقة.

وساعتها حكتلي سر مدفون من أكتر من عشرين سنة.

قالت إن قبل ما جوزي يتولد كان في راجل غني جدًا اشترى أرض كبيرة جنب أراضي

العيلة. الراجل ده دخل في خلافات مع ناس كتير بسبب الميراث. وفي يوم اختفى فجأة. محدش عرف راح فين. بعد شهور لقوا جثته مدفونة في مكان بعيد.

لكن أهل البلد وقتها كانوا بيتهامسوا إن موته ما كانش طبيعي.

وإن في ناس ظلمته قبل ما يموت.

ولما سألتها إيه علاقة ده بهبة أو بالقميص، سكتت.

ثم قالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي

أبو جوزك كان واحد من الناس اللي شاركوا في ظلمه.

فضلت باصة لها وأنا مش مستوعبة.

كملت وهي بتبكي إن أبو جوزي قبل موته بسنوات كان عايش في رعب دائم. كان بيقول إنه شايف الراجل ده في أحلامه كل ليلة. وكان مقتنع إن لعنة هتنزل على العيلة كلها.

وبدافع الخوف والجهل، لجأت حماتي لواحدة نصابة أوهمتها إنها تقدر تحمي ابنها الوحيد من أي شر. الست دي طلبت منها تعمل أشياء غريبة وتحط أشياء معينة في قميص العروسة الجديدة علشان تنقل النحس بعيد عن ابنها.

حماتي اعترفت إنها صدقت الكلام ده.

واعترفت إنها هي اللي حطت خصلة الشعر داخل القميص.

لكنها كانت فاكرة إنها بتحمي ابنها.

ما كانتش تعرف إن بنتها هبة هتلبسه بدل مني.

بعد الاعتراف ده بدأت الأمور تتسارع بشكل مخيف.

هبة كانت كل يوم بتتكلم عن أسرار محدش يعرفها. أسرار حصلت قبل ما تتولد بسنين. كانت تذكر أسماء ناس ماتوا.

 

وتحكي تفاصيل قديمة أكدها كبار البلد. لدرجة إن الناس بدأت تخاف منها.

وفي ليلة مطر شديدة، خرجت هبة من البيت فجأة.

اختفت.

دورنا عليها في كل مكان.

لحد الفجر.

وأخيرًا لقيناها واقفة جنب البير القديم.

حافية القدمين.

لابسة القميص الأبيض.

وبتبص جوه البير.

قربنا منها بحذر.

وفجأة قالت بصوت هادئ جدًا

الحقيقة تحت الأرض... مش تحت الميه.

وبعدين وقعت مغشيًا عليها.

الكلمات دي خلتنا نفتش في الأرض القريبة من البير. وبعد أيام من الحفر اكتشف العمال صندوق خشبي قديم مدفون من عشرات السنين.

الصندوق كان مليان أوراق ومستندات قديمة تثبت إن الراجل اللي مات زمان اتسلبت حقوقه بالفعل.

وإن ناس كتير شاركت في إخفاء الحقيقة.

لما ظهرت المستندات، اتغيرت حياة عائلات كاملة في البلد.

حقوق رجعت لأصحابها.

وأسرار اتكشفت بعد سنين طويلة.

أما هبة، فبعد العثور على الصندوق بدأت حالتها تتحسن تدريجيًا.

وكأن الحمل اللي كان فوقها اختفى فجأة.

وفي يوم من الأيام، دخلت عليا أوضتي وهي مبتسمة لأول مرة من شهور.

وقالت لي

أنا فاكرة كل حاجة حصلت... بس كأنها كانت حلم طويل.

بصيت لها وسألتها

مين كان بيناديكي؟

سكتت لحظة.

ثم ردت

مش عارفة.

ولما قامت تمشي، وقفت عند الباب وقالت

بس متأكدة من حاجة واحدة...

لو كنتِ لبستي القميص ليلة فرحك... يمكن عمرك ما كنتِ عرفتي الحقيقة.

ومن يومها اختفى القميص الأبيض تمامًا.

دورنا عليه كتير.

فتشنا البيت كله.

ما لقيناهوش.


ولا حد شافه تاني أبدًا.

لكن الغريب إن حماتي قبل وفاتها بسنوات قليلة كانت أحيانًا تصحى من النوم مرعوبة وتقول إنها شافت القميص متعلّق لوحده في آخر الممر.

ولما كنا نسألها إذا كانت متأكدة، كانت ترد بنفس الجملة كل مرة

بعض الأخطاء بتنتهي... لكن أثرها عمره ما بيختفي.

بعد ما رجعت هبة لطبيعتها، حاولت العيلة كلها تنسى اللي حصل. الناس في البلد رجعت لحياتها، والحديث عن الصندوق والأوراق القديمة بدأ يقل يومًا بعد يوم، وكأن الجميع اتفقوا على دفن الذكريات من جديد. لكن الحقيقة إن اللي حصل ما كانش انتهى، بل كان مجرد بداية لشيء أكبر.

مرت شهور، ثم سنة كاملة تقريبًا، وأنا وجوزي عايشين بهدوء لأول مرة منذ ليلة الفرح. هبة بقت أحسن، وحماتي بطلت تتكلم عن الماضي نهائيًا. لكني كنت ألاحظ حاجة غريبة فيها. كانت كل ما تسمع حد يجيب سيرة البير القديم أو الأرض اللي اتدفن فيها الصندوق، يتغير لون وشها وتسكت فجأة.

وفي إحدى الليالي، صحيت على صوت خبط خفيف جدًا على باب أوضتي.

فتحت عيني.

بصيت للساعة.

كانت الثالثة فجرًا.

الخبط اتكرر.

قمت وأنا متوترة وفتحت الباب بسرعة.

لكن الممر كان فاضي.

مافيش حد.

قفلت الباب ورجعت السرير.

وبمجرد ما حطيت راسي على المخدة سمعت نفس الخبط من جديد.

المرة دي كان جاي من ناحية أوضة التخزين القديمة.

الأوضة دي كانت مقفولة من يوم ما اتجوزت.

حماتي نفسها كانت رافضة حد يدخلها.

صحيت جوزي.

راح معايا.

فتحنا

الباب.

الأوضة كانت مليانة كراتين وأثاث قديم.

وكل حاجة فيها مغبرة كأن محدش لمسها من سنين.

لكن وسط التراب كله كان في شيء غريب.

أثر أقدام.

واضح جدًا.

وكأن شخص دخل الأوضة قبل دقائق فقط.

تبادلنا النظرات.

وجوزي قال

أكيد حد من العيال دخل يلعب هنا.

لكن مافيش أطفال أصلًا في البيت.

ومافيش أي تفسير للأثر.

حاولنا ننسى الموضوع.

لكن بعدها بأيام حصل شيء أخطر.

حماتي اختفت.

خرجت الصبح تشتري بعض الحاجات وما رجعتش.

دورنا عليها في كل مكان.

المستشفيات.

الأقسام.

عند الأقارب.

ولا أي أثر.

اختفت كأن الأرض انشقت وبلعتها.

استمر البحث أسبوع كامل.

وفي اليوم الثامن رجعت لوحدها.

ماشية على رجليها.

هدومها نظيفة.

وشكلها طبيعي.

لكنها كانت مختلفة.

مختلفة جدًا.

أول ما دخلت البيت، بصت حوالين المكان وكأنها أول مرة تشوفه.

ثم سألت

إحنا فين؟

افتكرنا إنها بتهزر.

لكنها ما كانتش بتهزر.

كانت فاقدة جزء كبير من ذاكرتها.

ما كانتش فاكرة الأيام اللي اختفت فيها.

ولا فاكرة راحت فين.

ولا حتى فاكرة تفاصيل كثيرة من حياتها.

الأطباء قالوا إن الأمر ممكن يكون بسبب صدمة نفسية.

لكن اللي حصل بعد كده خلانا نشك في كل شيء.

بعد رجوعها بأسبوع، بدأت تكتب.

في أي ورقة تقع تحت إيديها.

على الجرائد.

على الكشاكيل.

حتى على الحيطان أحيانًا.

جملة واحدة.

تكررها عشرات المرات

ما فتحوش الباب التاني.

ولما نسألها تقصد إيه، كانت تقول إنها لا تعرف.

ومرة بعد مرة بدأت

الجملة تتكرر بشكل مرعب.

ما فتحوش الباب التاني.

ما فتحوش الباب التاني.

ما فتحوش الباب التاني.

لحد ما في يوم قررت أفتش أوضة التخزين القديمة لوحدي.

كنت مقتنعة إن في حاجة مستخبية هناك.

وأثناء نقل الكراتين، اكتشفت لوح خشب غريب في الأرض.

كان مختلف عن باقي الأرضية.

لما رفعناه، لقينا تحته فتحة ضيقة.

وسلم حجري نازل لتحت.

أنا وجوزي وقفنا نبص لبعض.

ولا واحد فينا كان يعرف إن فيه مكان بالشكل ده تحت البيت.

حتى هبة أقسمت إنها عمرها ما سمعت عنه.

نزلنا بحذر.

والهواء كان تقيل جدًا.

في آخر السلم لقينا غرفة صغيرة.

جدرانها حجرية.

وفيها صندوق حديدي قديم.

الصندوق كان مقفول بقفل صدئ.

فتحناه بصعوبة.

ولما اتفتح...

لقينا مجموعة دفاتر ورسائل قديمة.

كلها تخص جد جوزي.

الرجل اللي أسس البيت والعيلة كلها.

قعدنا نقرأ الساعات.

وكل صفحة كانت تكشف سرًا جديدًا.

اكتشفنا إن الأرض اللي بني عليها البيت لم تكن ملك العيلة أصلًا.

وإن في نزاعات قديمة جدًا تم إخفاؤها.

لكن أخطر شيء كان رسالة مكتوبة بخط مرتعش في آخر دفتر.

كان مكتوب فيها

إذا وصل أحفادي إلى هذه الرسالة، فاعلموا أن الحقيقة التي أخفيتها لم تكن خوفًا على نفسي... بل خوفًا عليكم.

وتحتها سطر واحد فقط.

العدو لم يكن خارج البيت يومًا.

الجملة دي قلبت كل حاجة.

بدأنا نراجع الماضي كله.

كل الأحداث.

كل الأشخاص.

كل الأسرار.

وسألنا أنفسنا سؤالًا مرعبًا

إذا كان العدو داخل البيت... فمن هو؟

ومنذ تلك الليلة بدأت الشكوك تدور حول الجميع.

والمفاجأة الكبرى لم تكن في الرسالة.

ولا في الصندوق.

ولا في الغرفة السرية.

المفاجأة كانت أن هبة

 

نفسها، بعد أيام قليلة، اعترفت بأنها تتذكر شيئًا أخفته عن الجميع منذ ليلة القميص الأبيض.

شيئًا لم تخبر به أحدًا أبدًا.

وقالت إنها خافت أن تتكلم وقتها.

لكنها لم تعد قادرة على الصمت.

جمعتنا كلنا في غرفة واحدة.

ونظرت إلى أمها طويلًا.

ثم قالت بصوت مرتجف

ليلة ما لبست القميص... قبل ما أفقد الوعي... شفت شخص داخل البيت.

سألناها بسرعة

مين؟

ردت وهي تبكي

ما شفتش وشه.

ثم سكتت لثوانٍ طويلة.

وأضافت

لكن الشخص ده ما كانش غريب...

تجمدنا جميعًا.

وأكملت

كان واحد من العيلة.

وفي تلك اللحظة تحديدًا، تغير وجه حماتي فجأة.

وارتعشت يدها.

وسقط الكوب من يدها على الأرض.

لأنها كانت تعرف شيئًا لم نكن نعرفه بعد...

شيئًا ظل مخفيًا عشرات السنين...

وشيئًا كان على وشك أن يخرج إلى النور للمرة الأخيرة.

بعد اعتراف هبة، ساد صمت ثقيل على البيت كله. لم يتكلم أحد. حتى صوت عقارب الساعة كان مسموعًا بوضوح وكأنه يعلن اقتراب لحظة لا مفر منها.

كانت حماتي هي الوحيدة التي بدا عليها الرعب الحقيقي.

ولأول مرة منذ عرفتها، رأيتها تنهار تمامًا.

جلست على الكرسي وهي ترتجف، ثم رفعت رأسها ببطء وقالت

كفاية... كفاية دفن للحقيقة.

نظرنا إليها جميعًا.

وأكملت بصوت مبحوح

السر اللي حاولت أخبيه طول السنين دي هو السبب في كل اللي حصل.

ثم بدأت تحكي.

حكت أن جد جوزي لم يكن الرجل الشريف الذي كانت العائلة تتفاخر

به دائمًا.

بل كان طرفًا رئيسيًا في مؤامرة قديمة للاستيلاء على أرض وممتلكات رجل آخر من أهل البلد.

ذلك الرجل لم يكن غنيًا فقط، بل كان محبوبًا ومحترمًا.

وعندما رفض التنازل عن حقه، تم تلفيق اتهامات له وتشويه سمعته حتى خسر كل شيء.

لكن الكارثة الحقيقية لم تكن في ضياع الأرض.

بل في أن الرجل مات مكسور القلب بعدما خسر أهله وبيته ومستقبله.

ومنذ ذلك اليوم، بدأت سلسلة من المصائب تضرب المشاركين في تلك المؤامرة واحدًا تلو الآخر.

البعض خسر أمواله.

البعض فقد أبناءه.

والبعض عاش بقية عمره مطاردًا بالخوف والندم.

أما جد جوزي فكتب كل شيء في دفاتره السرية، ثم أخفى الحقيقة خوفًا من الفضيحة.

مرت السنوات.

ومات أغلب من شاركوا في الظلم.

لكن الحقيقة ظلت مدفونة.

حتى جاءت ليلة القميص الأبيض.

ليلة بدأت فيها الأسرار تتحرك من جديد.

بعد ساعات من اعتراف حماتي، طلبت منا أن نحضر كل الدفاتر القديمة والرسائل والمستندات التي وجدناها.

جمعت كل شيء أمامها.

ثم قالت

أنا تعبت من الكذب.

وفي صباح اليوم التالي، دعت كبار العائلة وبعض كبار أهل البلد.

جلس الجميع في ساحة البيت.

وهناك، أمام الجميع، كشفت الحقيقة كاملة.

لم تحاول تبرير شيء.

لم تدافع عن أحد.

قالت كل ما تعرفه.

واعترفت بكل ما أخفته.

واعترفت أيضًا بأنها حين لجأت إلى الدجالة التي أعطتها ذلك القميص المشؤوم، كانت تتحرك بدافع الخوف

والجهل، لا أكثر.

لكنها أدركت متأخرة أن الخوف لا يصنع نجاة.

وأن الخطأ لا يُصلح بخطأ أكبر.

كانت لحظة صعبة جدًا.

بعض الناس غضبوا.

بعضهم بكى.

وبعضهم صمت.

لكن الجميع اتفقوا على شيء واحد

الحقيقة، مهما تأخرت، أفضل من الكذب.

وبعد أسابيع طويلة من الاجتماعات والإجراءات، أعيدت حقوق كثيرة إلى أصحابها وورثتهم.

أراضٍ.

مستندات.

أموال.

وأشياء ظلت مفقودة لعقود.

لأول مرة منذ عشرات السنين شعر أهل البلد أن صفحة قديمة أُغلقت أخيرًا.

أما هبة، فقد تغيرت تمامًا.

أصبحت أكثر هدوءًا.

وأقل كلامًا.

لكنها كانت تبدو مرتاحة بشكل لم نره فيها من قبل.

وفي إحدى الأمسيات، كنا نجلس معًا فوق سطح البيت.

نراقب الغروب.

فجأة قالت لي

عارفة إيه أغرب حاجة؟

قلت

إيه؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت

أنا فاكرة لحظة واحدة بس من اللي حصل بعد ما لبست القميص.

سألتها بفضول

إيه هي؟

نظرت إلى الأفق وقالت

فاكرة إني كنت ماشية في مكان كله ضباب.

سكتت قليلًا.

ثم أضافت

وكان في صوت بيقول جملة واحدة.

شعرت بقشعريرة.

وسألتها

كان بيقول إيه؟

أجابت بهدوء

الحق عمره ما بيموت... حتى لو نام سنين طويلة.

ثم ابتسمت ولم تتكلم مرة أخرى.

مرت الشهور.

ثم السنوات.

واستقرت الحياة أخيرًا.

ورحل الخوف الذي عاش في البيت طويلًا.

حتى حماتي نفسها تغيرت.

أصبحت أكثر لطفًا.

وأقرب إلى الله.

وكثيرًا ما كانت تقول إن أكبر عقاب للإنسان

ليس الفقر ولا المرض.

بل أن يعيش وهو يعلم أنه يخفي ظلمًا لم يعترف به.

وفي ليلة شتوية هادئة، قبل وفاتها بأيام قليلة، طلبت أن تراني وحدي.

دخلت عليها.

كانت ضعيفة جدًا.

لكن عينيها كانتا صافيتين بشكل غريب.

أمسكت يدي.

وقالت

سامحيني.

قلت لها

ربنا يسامح الجميع.

ابتسمت.

ثم قالت آخر كلماتها

القميص ما كانش السبب.

نظرت إليها باستغراب.

فأكملت

القميص كان مجرد بداية.

سألتها

وبداية إيه؟

قالت بصوت يكاد لا يُسمع

بداية الحقيقة.

ثم أغمضت عينيها.

ورحلت بهدوء.

بعد وفاتها بفترة طويلة، وبينما كنا نفرغ بعض أغراضها القديمة، وجدت صندوقًا صغيرًا جدًا في آخر دولابها.

كان بداخله ظرف أصفر قديم.

فتحته.

وجدت ورقة واحدة فقط.

مكتوب عليها بخط يدها

إلى من يقرأ هذه الرسالة...

إذا وصلت إليك، فاعلم أن أعظم ما تعلمته في حياتي هو أن الأسرار لا تختفي.

قد تنام.

قد تختبئ.

قد يظن أصحابها أنهم دفنوها إلى الأبد.

لكن الحقيقة مثل البذرة.

تبقى سنوات تحت الأرض.

ثم يأتي يوم تخرج فيه إلى النور مهما طال الزمن.

لا تخف من الاعتراف بخطئك.

بل خف من أن تموت وهو ما زال مختبئًا داخلك.

طيّت الورقة ببطء.

ونظرت إلى السماء من النافذة.

وفي تلك اللحظة أدركت أن كل ما مررنا به لم يكن بسبب قميص أبيض، ولا بسبب خصلة شعر، ولا بسبب خوف امرأة جاهلة.

بل بسبب ظلم قديم ظل يبحث عن طريقه إلى النور.

وحين وصل أخيرًا...

هدأت الأرواح.

وعادت الحقوق.

وانتهت الحكاية التي بدأت في ليلة فرح...

لكنها في الحقيقة كانت تنتظر عشرات السنين حتى تجد من يملك الشجاعة ليكشفها.

 

تعليقات

close