القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 درس في الاصـول كامله 



درس في الاصـول كامله 

“إنتي ازاي جاتلك الجرأة تقفلي كارت أختي؟! ازاي تعملي كده؟!” — زعق جوزي وهو عينه بتطق شرار من كتر العصبية.


منة كانت قاعدة على الكنبة في الصالة، بتراجع شوية تقارير وشغل على التابلت، وفجأة الباب اتفتح هبد! أحمد دخل زي الإعصار، وشكله كان قالب لدرجة إنها عرفت في ثانية إن فيه مصيبة حصلت. حتى مألعش جزمته عند الباب؛ وقف في نص الصالة وصوته زلزل البيت كله:


— “ازاي تتجرأي وتلغي كارت مريم؟! ازاي؟!” — صرخ وهو بيهز الموبايل في وشها — “لسه مكلماني بتعيط ودموعها مغرقاها! بتقولي مش عارفة تشتري حتى لقمة تأكلها!”


منة حطت التابلت على التربيزة بكل برود، بالراحة قوي، ورفعت عينيها وبصتله. ملامحها كانت هادية جداً.. هدوء مستفز بالنسبة لواحد لسه متهمها حالاً بالافتراء وقساوة القلب.


— “اقعد بس” — قالتها بنبرة صوت هادية ومتحكمة في نفسها — “اقعد عشان نعرف نتفهم.”


— “أقعد؟!” — أحمد قرب خطوتين كمان بس فضِل واقف — “إنتي مستوعبة اللي عمتيه؟ مريم مفيش في جيبها مليم! مليم واحد يا منة!”


— “مفيش معاها مليم؟” — منة رفعت حاجبها وبصتله باستنكار — “غريبة والله! أمال طنط (أمك) لسه مكلماني امبارح وبتقولي إن مريم قاعدة عندها في البيت بقالها تلات أسابيع، وفترة قعادها دي كلها مدفعتش جنيه واحد في مصاريف البيت أو الأكل؟”


أحمد سكت.. بس السكوت ده مدمش غير ثواني.


— “وأمي مالها ومال الموضوع ده اصلاً؟! إحنا مش كنا متفقين إننا هنساعد مريم لحد ما تلاقي شغل؟ إنتي مش وافقتي على كده بنفسك؟!”


منة قامت من مكانها، راحت ناحية شباك البلكونة ووقفت تبص على شوارع القاهرة وقت الغروب. من فوق، أنوار المحلات وفوانيس العربيات بدأت تنور واحدة واحدة، وزحمة الشارع وصوت الكلاكسات بره كان عازلها عن الخناقة اللي دايرة جوة الصالة.


الحكاية كلها بدأت من شهرين..


أحمد رجع يومها من الشغل وشه مقلوب وهموم الدنيا فوق كتافه. صب لنفسه كوباية شاي وفضل قاعد في المطبخ فترة طويلة ساكت. منة كانت حفظاه وعارفة طبعه، مكنتش بتضغط عليه؛ أول ما بيبقى جاهز يتكلم، بيتكلم لوحده.


— “مريم مشوها من الشغل” — قالها أخيراً وهو بيبص لكوباية الشاي — “الشركة عندها بتصفي وعملوا ‘إعادة هيكلة’ ومشوا نص الموظفين اللي في القسم بتاعها.”


منة حطت الطاسة على البوتاجاز والتفتت له:


— “لا حول ولا قوة إلا بالله.. طيب وهي بدأت تدور على مكان تاني؟”


— “أكيد بتدور.. بس إنتي شايفة البلد وشايفة الشغل نايم ازاي اليومين دول..” — أحمد فرك دماغه ووشه باين عليه التعب — “منة.. أنا كنت بفكر.. يعني لو ينفع نساعدها الفترة دي؟ حاجة مؤقتة كده.. شهر، شهرين بالكتير لحد ما تقف على رجليها. البنت مأجرة شقة وليها التزامات، وإنتي عارفة المصاريف..”


منة وقفت مكانها، والسكينة في إيدها لسه بتقطع بيها البصل. عرفت في اللحظة دي إنها هتوافق، مش عشان هي هبلة أو طيبة زيادة عن اللزوم، بس عشان أحمد قليل قوي لما بيطلب منها حاجة. وإنها ترفض تقف جنب أخته في زنقة زي دي، كانت هتحس إنها حركة “ندالة”. الأصل أصل، والأهل ملهمش غير بعض.

— “ماشى، مفيش مشكلة” — وافقت وهي بتهز راسها — “أنا هطلع كارت إضافي مربوط بحسابي أنا، وهحددلها فيه ليميت (حد أقصى) للمصاريف. بس ياريت لو احتاجت أي حاجة بره المتفق عليه تعرفني الأول، عشان بس منبقاش متلخبطين.”


أحمد حضنها من ضهرها وقالها بفرحة:


— “تسلميلي يا حبيبتي، ربنا يخليكي ليا. مريم مش هتنسا بوقفتك دي أبداً، أنا متأكد.”


منة مردتش.. رجعت تكمل تقطيع البصل. بس من جواها، حست بنغزة خفيفة، كأن فيه حاجة مش مريحة..


النغزة اللي حست بيها منة وهي بتقطع البصل مكنتش من فراغ. مريم، أخت أحمد الصُغيرة، مكنتش مجرد بنت غلبانة الظروف لطشت معاها؛ كانت من نوعية البشر اللي بيعرفوا يعيشوا دور الضحية بامتياز، النوع اللي يخليك تحس بالذنب لمجرد إنك عايش مرتاح وهو لسه بيعافر.


الشهور اللي فاتت كشفت لمنة وشوش تانية خالص للـ “مساعدة” اللي أحمد طلبها. الكارت الإضافي اللي المفروض كان معمول “للطوارئ وللأكل والشرب الأساسي”، تحول بقدرة قادر لـ “مغارة علي بابا”.


نرجع للصالون.. أحمد واقف وصدره بيعلو ويهبط من العصبية، ومنة واقفة عند الشباك، مدياله ضهرها وللسما اللي بدأت تليل.


أحمد زعق تاني وهو بيقرب منها:


— “إنتي ساكتة ليه؟ ردي عليا! بقى مريم أختي، لحمي ودمي، تتبهدل في الشوارع عشان حتة كارت؟ إنتي من امتى بقيتي بالقسوة دي يا منة؟ أنا مكنتش أعرف إن الفلوس بتغير النفوس للدرجة دي!”


منة لفت وشها بالراحة. البصمة دي، بصة الهدوء القاتل، هي اللي كانت بتجنن أحمد أكتر. قفلت ضلف الشباك عشان صوت العربيات، واتمشت لحد ما وقفت قدامه بالظبط.


— “الفلوس مغيرتنيش يا أحمد” — قالتها بصوت رخيم وفيه نبرة وجع مكتومة — “الفلوس كشفتلي بس إن اللي بيشيل حد على كتافه، أول حاجة بيعملها المحمول إنه بيدوس على راس اللي شاله. إنت داخل البيت بتوجع فيا وبتتهمني في أخلاقي، ومن غير ما تكلف نفسك تفتح أبلكيشن البنك وتشوف الست هانم أختك صرفت إيه في الشهرين دول!”


أحمد عقد حواجبه، والنبرة العالية بدأت تقل سيكا، وحل مكانها نبرة دفاعية:


— “هتكون صرفت إيه يعني؟ أكل وشرب ودوا.. وإيجار أوضتها!”


منة ضحكت ضحكة خفيفة، فيها كمية مرار تطفح على بلد. فتحت الموبايل بتاعها، ودخلت على حساب البنك، وحطت الشاشة تحت عينه:


— “بص كده.. اقرأ معايا يا ابن الأصول. يوم 5 في الشهر: 4500 جنيه في محل مكياج براند في مول العرب. يوم 8 في الشهر: 3200 جنيه في كافيه في التجمع.. كافيه يا أحمد! هي مريم بتروح تشرب قهوة بالذهب؟ يوم 12 في الشهر: سحب نقدي 6 تلاف جنيه.. ولما كلمتها أسألها السحب ده بتاع إيه، قالتلي أصل أصحابي كانوا خارجين ومحبتش شكلي يبقى وحش قدامهم!”


أحمد بَص للشاشة، عينيه بدأت تتحرك بسرعة بين الأرقام والأسماء. ملامح الاندفاع اللي كانت على وشه بدأت تتفكك ويحل محلها ذهول، بس كبرياؤه كرجل شرقي وجاي يدافع عن أخته منعه إنه يتراجع بسهولة.



— “يمكن.. يمكن كانت مخنوقة وبتفك عن نفسها؟ البنت سابت شغلها ونفسيتها في الأرض، تمنعي عنها الفسحة؟”


— “أفك عن نفسي لما يكون معايا فلوس يا أحمد! مش لما أكون عايشة على قفا غيري!” — منة صوتها علي لأول مرة، والنبرة الهادية اتمحت تماماً — “التفكيك عن النفس ده بفلوس الناس الشقيانة؟ إنت عارف الـ 20 ألف جنيه اللي أختك نسفتهم في أقل من شهر دول جولنا منين؟ دول جمعية أنا قبضاها عشان نصلح بيهم المتور بتاع العربية اللي عطلان وبنركب مواصلات بسببه! دول فلوس شقايا وشقاك!”


أحمد حط إيده في جيبه، وبدأ يروح وييجي في الصالة. الزعل بدأ يتحول لكسوف، بس لسه بيحاول يلاقي مخرج:


— “طيب.. ماشي، هي غلطت وصرفت بغباء. بس ده مش مبرر إنك تقفلي الكارت فجأة وتخلي شكلها وحش وهي بتشتري حاجات. مكنتيش تقدري تتصلي بيا؟ مكنتيش تقدري تكلميها بالراحة وتقوليلها يا مريم لمي إيدك؟”


منة قعدت على الكنبة، وسندت راسها لورا وهي حاسة بتعب السنين كلها نازل فوق كتافها.


— “أكلمها؟ إنت مفكرني مكلمتهاش؟ أنا كلمتها أول الشهر اللي فات لما لقيت سحب غريب في محل لبس. قتلي ‘حاضر يا أبله منة، أنا آسفة ومخدتش بالي’. وبعدها بأسبوع كررتها. كلمتها تاني، عارف ردت عليا قالتلي إيه؟”


أحمد بصلها وهو ساكت، مستني الصدمة الجاية.


— “قالتلي: ‘هو أحمد مش مالي عينك ولا إيه؟ ما هو الشغل اللي إنتي بتشتغلي فيه ده، أخويا هو اللي جابهولك عن طريق صاحبه! وبعدين الفلوس دي فلوس أخويا، هو إنتي بتعايريني؟'”


الجملة نزلت على أحمد زي المية الساقعة. بص لمنة بذهول:


— “مريم قالتلك كده؟”


— “وأكتر من كده يا أحمد” — منة عيونها دمعت بس رفضت تنزل دموعها — “أنا سكت عشان خاطرك. قلت البنت مضغوطة ومستحملة. لحد ما امبارح طنط، مامتك، كلمتني بتشتكي وتقولي: ‘يا منة شوفيلنا حل مع مريم، البنت قاعدة معايا بقالها تلات أسابيع، ومبتعملش حاجة غير إنها بتطلب دليفري ليها ولأصحابها اللي بيجولها البيت، ومبتدفعش جنيه، ولما بقولها هاتي من الكارت اللي مع الكابتن أحمد، بتقولي لأ ده كارت منة وأنا مستحرمة أخد من فلوسها عشان متذلنيش!’.. متخيل اللف والدوران؟”


أحمد حس بركبته مش شايلاه. قعد على الكرسي اللي قدامها، والموبايل اللي كان بيهزه في وشها من شوية نزل على رجله زي الحتة الحديد الميتة. الغضب اللي دخل بيه البيت اتبخر، ومبقاش فاضل غير إحساس تقيل بالخزي. هو دخل حامي وعامل فيها سبع الرجال اللي جاي ينصر أخته المظلومة، وفي الآخر طلع مغفل، وأخته بتلعب بيه وبتستغله وتستغل مراته.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 


— “أنا.. أنا مكنتش أعرف كل ده” — أحمد قالها وهو بيبص في الأرض — “هي كلمتني بتعيط وبتصرخ، وقالتلي إنك قفلتي الكارت وهي واقفة في السوبرماركت والناس بتتفرج عليها ومش عارفة تدفع حساب علبة اللبن والجبنة..”


منة اتنهدت وقامت دخلت المطبخ. جابت كوباية مية، وحطتها قدامه على التربيزة.


— “مريم مكنتش بتشتري لبن وجبنة يا أحمد. الكارت اتقفل وهي بتحاسب على كوافير صبغة وشعر بـ 3500 جنيه في مصر الجديدة. البنك بعتلي رسالة برفض العملية عشان أنا كنت غيرت الليميت وخليته صفر قبلها بساعة. هي كلمتك تعيط وتألف قصة السوبرماركت عشان عارفة إن حتة الأكل والشرب دي هي اللي هتخليك تيجي تهاجمني من غير ما تفكر.”


أحمد حط إيده على وشه، وفضل ساكت فترة طويلة. صمت قاتل مفيش فيه غير صوت تكتكة الساعة اللي على الحيطة. كان حاسس بـ ذنب رهيب ناحية مراته. منة اللي وافقت من أول كلمة، وشالت أخته في وقت أزمتها، تلاقي في الآخر قلة قيمة واتهامات بالبخل والقسوة.


بعد كام دقيقة، أحمد رفع راسه وبص لمنة. عينيه كانت حمرا من كتر الضغط والكسوف:


— “أنا آسف يا منة. حقك عليا. أنا دخلت عليكي دخلة مش تمام، وصدقت كلام عيل من غير ما أرجعلك. إنتي عندك حق في كل اللي عملتيه.. وأكتر كمان.”


منة مالت عليه، وحطت إيدها على كتفه:


— “أنا مش زعلانه منك يا أحمد. أنا عارفة إنك طيب وبتحب أختك وباقي على أهلك، وده أصلاً الشيء اللي خلاني أتجوزك.. إنك راجل وأصيل. بس الأصالة مع اللي يستاهلها. مريم مش محتاجة مساعدة، مريم محتاجة تفوق. طول ما فيه حنفية فلوس مفتوحة، عمرها ما هتدور على شغل، وعمرها ما هتحس بقيمة القرش.”


أحمد هز راسه بالموافقة:


— “عندك حق. من النجمة أنا هكلمها.. لأ، مش هكلمها في التليفون، أنا هروحلها بيت أمي، وهجيب الكارت ده منها، والقرش اللي صرفته في المظاهر الكدابة دي هيرجع، حتى لو خصمته من مصروفي الشخصي.”


— “مش مهم الفلوس يا أحمد” — قالتها منة وهي بتبتسم ابتسامة خفيفة صفت الأجواء — “المهم إننا نبقى على نور، ومفيش حد يدخل وسطنا ويوقعنا في بعض.. حتى لو كانت أختك.”


أحمد قام وقف، وحضن منة بجد:


— “وعد يا بنت الناس.. مفيش مخلوق هيقف بينا تاني. ويلا بينا بقى نلبس وننزل ناكل بره، عشان المطبخ ريحته بصل وإحنا مبقاش لينا نفس نطبخ!”


ضحكت منة من قلبها، وحست إن الحمل التقيل اللي كان على صدرها انزاح. أحياناً، مواجهة المشاكل بكل صراحة، حتى لو كانت بتوجع في الأول، هي الحل الوحيد عشان المركب تمشي في أمان.


تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

ليلة الخناقة ديكت عدّت، والبيت رجع له هدوءه الظاهري، بس النفوس مكنتش لسه هديت تماماً. أحمد منامش ليلتها؛ فضل يتقلب في السرير، وعينه مش جايلها نوم. كل ما يغمض عينه يشوف أرقام سحوبات البنك، ويفتكر كلام أخته وطريقتها وهي بتستغفله. كان حاسس بكسرة نفس صعبة، كسرة الراجل اللي اتلعب بيه من أكتر حد كان فاكر إنه بيحميه.


تاني يوم الصبح، الساعة جت تمانية. أحمد لبس قميصه وبنطلونه، بس مكنش رايح الشغل. منة كانت واقفة في المطبخ بتعمله قهوة، بصتله وعرفت من نظرته إنه واخد قراره.


— “مش هتشرب القهوة؟” — سألته وهي بتقدم له الفنجان.


— “لأ يا منة، هجيبها من على القهوة اللي تحت بيت أمي. أنا رايح هناك دلوقتي” — قالها ونبرة صوته كانت ناشفة وطالعة بصعوبة.


منة حطت إيدها على دراعه وبصت في عينيه:


— “أحمد.. بلاش عصبية. واجهها بالحقايق وخلي كلامك موزون. إحنا مش عايزين نقطع صلة رحم، إحنا عايزين نربّي ونحط حدود.”


أحمد باس راسها وقال بنبرة فيها وعد:


— “متقلقيش، أنا فقت خلاص.”


## مواجهة في بيت العيلة


البيت في شبرا كان لسه هادي. الشمس يادوب بدأت تدخل من منور الصالة. الحاجة فاطمة (أم أحمد) كانت قاعدة على الكنبة، ماسكة سبحتها وبتسبح، ووشها باين عليه الهم. فجأة، الباب اتفتح بالمفتاح ودخل أحمد.


أمه اتخضت وقامت وقفت:


— “أحمد؟ يا ابني خضيتني! إيه اللي جابك بدري كده؟ إنت مش عندك شغل؟”


أحمد دخل، وطى على إيد أمه باسها، وقالها:


— “الشغل مأخرة ساعة يا أمي. مريم فين؟”


الحاجة فاطمة اتنهدت وصقفت بإيد على إيد:


— “جوه، لسه نايمة في عسل النور! مابتصحاش قبل الضهر. سيبها يا ابني، البنت نفسيتها تعبانة من ساعة حكاية السوبرماركت اللي حكتهالي دي..”


أحمد ضحك بسخرية وساب أمه ومشى في الممر الصغير لحد أوضة مريم. فتح الباب من غير ما يخبط. الأوضة كانت ضلمة، التكييف شغال على آخره، ومريم نايمة ومتغطية باللحاف، والموبايل منور جمب راسها.


أحمد مشى لحد الشباك، وشَد الستارة والشيِش بفتحة واحدة. الشمس دخلت عمت الأوضة.


مريم اتخضت وقعدت في السرير وهي بتفرك عينيها:


— “إيه ده! فيه إيه؟ مين؟ أحمد؟ إنت بتعمل إيه هنا على الصبح كده؟”


أحمد وقف في نص الأوضة، مربع إيديه، وبصصلها بنظرة خلت ريقها ينشف.


— “قومي يا مريم. قومي عشان حسابنا تقل قوي، ووقت الدلع خلاص خلص.”


مريم حست إن فيه حاجة غلط، نبرة أحمد مكنتش هي النبرة الطيبة اللي متعودة عليها. بدأت تلعب دور الضحية بسرعة:


— “حساب إيه؟ إنت جاي تكمل عليا إنت كمان؟ مش كفاية مراتك اللي فبّلتني قدام الناس وقصت رقبتي؟ أنا مش عارفة إنت ازاي ساكتلها لحد دلوقتي!”


أحمد ماردش، مَد إيده في جيبه وطلع الموبايل، وفتح سكرين شوتس الحساب اللي منة ورتهاله بالليل. رماه على السرير قدامها.


— “بصي في الموبايل ده يا هانم. واقرأي السطور دي سطر سطر.”

مريم مسكت الموبايل، وبصت في الشاشة. ملامح وشها بدأت تتغير، لونها خطف، وحاولت تدير الموضوع:


— “إيه ده؟ ده كشف حساب الكارت.. طيب وإيه يعني؟ ما أنا كنت بشتري حاجات للبيت وليا!”


— “كوافير بـ 3500 جنيه في مصر الجديدة ده للبيت؟!” — أحمد زعق، وصوته هز جدران الأوضة — “مكياج بـ 4500 جنيه من مول العرب ده أكل وشرب؟ الفسح والـ ‘تشيك إن’ في كافيهات التجمع بفلوس الجمعية اللي مراتي شقيانة فيها ده من أساسيات الحياة؟! أنتي كدابة يا مريم! كدبتي عليا وقولتيلي إنك بتشتري لبن وجبنة عشان تلعبي بيا وتخليني أروح أهد البيت على مراتي!”


على صوت الزعيق، الحاجة فاطمة دخلت الأوضة وهي بتترعش:


— “في إيه يا ولاد؟ استهدوا بالله! في إيه يا أحمد بتزعق لأختك كده ليه؟”


— “بصي يا أمي” — أحمد لف لأمه وهو بيشاور على مريم — “بصي البنت الغلبانة اللي مأكلتش، وصعبانة عليكي ومخلية بيتك قاعة دليفري لأصحابها. الست هانم مأخدتش الكارت عشان تعيش، أخدت الكارت عشان تعيش عيشة أعلى من مستوايا ومستوى مراتها! وصرفت في شهرين أكتر من عشرين ألف جنيه في منظرة كدابة، وفي الآخر تروح تقول لمراتي ‘إنتي بتعايريني؟ ده شغلِك أخويا اللي جايبهولك ومستحرمة أخد من فلوسك عشان متذلنيش’!”


الحاجة فاطمة بَصت لبنتها بذهول وصدمة:


— “إنتي قولتي لـ منة كده يا مريم؟ منة اللي كانت بتسأل عليكي وبعتتلك الكارت لحد عندك؟”


مريم لما لقت نفسها اتكشفت تماماً، والكل بقى ضدها، تحولت من دور الضحية لدور الهجوم الجاف. رمت الموبايل على السرير وقامت وقفت:


— “آه قولت! وإيه يعني؟ مش إنت أخويا؟ ومش الفلوس دي فلوسك؟ هي منة دي جايبة الفلوس من بيت أبوها؟ ما كله من خيرك وشقاك! هي بتتحكم فينا بصفتها إيه؟”


الكلمة دي كانت القشة اللي قطمت ضهر البعير بالنسبة لأحمد. حس إن الدم غلي في عروقه.


— “الفلوس دي فلوس منة وفلوسي يا مريم. شقانا إحنا الاتنين. ومنة اللي مش عاجباكي دي، ضفرها برقبتك. هي وافقت تساعدك عشان خاطر عيني، وإنتي روحتي تطعنيها في ضهرها وتستغفليها. هاتي الكارت.”


مريم لوت بوزها:


— “مش معايا، الكارت اتقفل أصلاً ومبقاش ليه لازمة.”


— “قولت هاتي الكارت حالا!” — أحمد صرخ بأعلى صوته، لدرجة إن مريم اتخضت ورجعت لورا.


فتحت درج الكومودينو، طلعت الكارت البلاستيك ورامته على السرير بقلة ذوق. أحمد مَد إيده وخده، وبص لها وقال بكل حسم:


— “من اللحظة دي، مفيش مليم واحد هيدخل جيبك من ناحيتي. والشقة الإيجار اللي إنتي مأجراها وقافلاها دي، تنزلي اليومين دول تصفيها وترجعي حاجتك هنا، وتقعدي جمب أمك. وأي قرش اتصرف بره الأكل والشرب الأساسي من العشرين ألف دول، أنا هحسبه بالمليم، وهيتقطع من نصيبك في إيجار المحل اللي سابهولنا أبويا لحد ما يتسد كله لـ منة.”


مريم بدأت تعيط بجد، بس المرة دي دموع غيظ وفشل:


— “إنت بتبيع أختك عشان خاطر مراتك يا أحمد؟ بتمشيني على عجين مالبطوش عشان خاطرها؟”



أحمد بص لها نظرة أخيرة قبل ما يمشي:


— “أنا مابيعكيش، أنا بربيكي من أول وجديد عشان إحنا معرفناش نربيكي صح. ومراتي دي هي اللي صايناني وصاينة بيتي، واللّي يمسها يمسني. قدامك أسبوع واحد تكوني مصفية شقتك، وتدوري على شغل بجد، مش شغل منظرة. ويلا يا أمي عشان تفطري معايا بره.”


أحمد أخد أمه من إيدها وخرجوا، وسابوا مريم في الأوضة لوحدها، غرقانة في صدمة إن القناع وقع، وإن السحر انقلب على الساحر.


## الهدوء بعد العاصفة


عدّت الأسابيع، والأيام بدأت ترجع لمجراها الطبيعي. مريم نفذت كلام أحمد غصب عنها؛ صفت الشقة الإيجار ورجعت قعدت مع أمه في شبرا. في الأول كانت مقاطعة أحمد ومنة ومش بتكلمهم، بس مع الوقت، ولما لقت إن أحمد بجد قفل كل حنفيات الدعم، ومبقاش فيه مجال للمنظرة، بدأت تنزل أرض الواقع. قدمت على وظايف كتير، واشتغلت فعلاً في خدمة عملاء بشركة اتصالات، بمرتب على قدها، بس المرتب ده خلاها لأول مرة تعرف يعني إيه قرش بيتجاب بالتعب.


في شقة منة وأحمد، كانت الدنيا بقت أروق بكتير. الثقة اللي اتهزت ليلة الخناقة رجعت أقوى من الأول. الصراحة والمواجهة وضعت النقط فوق الحروف.


في يوم جمعة، بعد حوالي شهرين من الواقعة دي، أحمد ومنة كانوا قاعدين في البلكونة بيشربوا شاي بلبن وزقزقة العصافير في الهوا الرايق بتاع الصبح مخلية المود جميل.


أحمد بص لـ منة وسألها وهو بيبتسم:


— “قوليلي يا منة.. إنتي لسه زعلانة من مريم؟”


منة حطت كوباية الشاي وبصتله بحنان:


— “أنا عمري ما زعلت من مريم ككره يا أحمد. أنا كنت زعلانة عليها وعلى طريقتها. البنت كانت فاكرة إن الحياة مظاهر وفسح بفلوس الناس. بس لما أمك كلمتني امبارح وقالتلي إن مريم قبضت أول مرتب ليها، ونزلت جابت بيه طلبات للبيت وفرحانة بيه، أنا فرحت لها من قلبي.”


أحمد مسك إيد منة وضغط عليها:


— “كل ده بفضلك إنتي. لو كنتي سكتي وبلعتي الإهانة، كانت مريم هتفضل غرقانة، وكنت أنا هفضل مغفل، وكان بيتنا زمانه اتهد. إنتي بوقفتك دي وقفتي المركب كلها على أرض صلبة.”


منة ابتسمت وقالت له بخفة دمها المصرية المعتادة:


— “يا سيدي متكبرش الموضوع.. إحنا دافنينه سوا! المهم دلوقتي، الجمعية الجديدة هتقبضها امتى؟ عشان المتور بتاع العربية لسه بيكح، وعايزين نطلع مصيف قبل ما الصيف يخلص!”


أحمد ضحك من قلبه وقال:


— “من عينيا الجوز! الجمعية هتقبض أول الشهر، والعربية هتتصلح، وهنطلع أحلى مصيف في دهب.. وبدون كروت إضافية!”


ضحكت منة، والشمس طلعت نورت البلكونة، معلنة إن العاصفة اللي هزت البيت مشيت خلاص، ومبقاش فاضل غير الدفا والأمان والناس اللي بتعرف تصون بعضها بجد.


تعليقات

close