القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 حماتي عزمتني على عقيقة ابن سلفي





حماتي عزمتني على عقيقة ابن سلفي


حماتي عزمتني على عقيقة ابن سلفي… ولما شلت الطفل لأبوسه، لقيت في رقبته وحمة هي نفسها اللي في رقبة جوزي! ولما بصّيت حواليّ، لقيت البيت كله سكت…



أنا اسمي هناء، متجوزة عصام من 7 سنين، ولله الحمد ما رزقناش بأطفال. من أسبوع سلفي حازم مراته خلفت ولد، وحماتي عزمتنا كلنا على العقيقة في البيت الكبير.


حماتي كانت فرحانة زيادة عن اللزوم، وبتبصلي بنظرات غريبة فيها شماتة. قالتلي: خدي يا هناء شوفي ياسين حبيب ستو، مش كنتي بتقولي نفسك تشيلي عيل؟ أخدت الولد في حضني وبدأت أبوسه، وفجأة وأنا بعدّل هدومه شفت وحمة سودة ورا ودنه اليمين… قلبي اتقبض، لأن جوزي عنده نفس الوحمة بالظبط وفي نفس المكان!


بدأت ألاحظ النظرات المرتبكة والرعب في عين مرات سلفي وهي تحاول تسحب مني الولد بالعافية. استنيت لما الكل انشغل، وسحبت موبايل جوزي اللي كان سايبه جنبي، وفتحت الرسايل… وكانت الكارثة اللي عمري ما كنت أتخيلها.

لقيت رسالة من مرات سلفي لجوزي بتقوله إن ياسين بدأ يكبر وملامحه بدأت تفضحهم، ولازم يتصرفوا قبل ما حازم أو هناء يلاحظوا حاجة، وإن الوحمة اللي ورا ودنه كأنها بصمتك يا عصام، ولو حازم عرف هي..ق..تل..هم هما الاتنين.


الدنيا اسودّت في عيني، وقفت في نص الصالة والولد على إيدي والكيان كله بيتهز جوايا، وزعقت بأعلى صوت خلّى المكان كله يسكت: الوحمة دي مش صدفة يا عصام… والولد ده مش ابن حازم!


الناس اتجمّدت في أماكنها، ومرات حازم كانت بتترعش وهي بتحاول تقرب من الطفل.


تحبّوا تعرفوا حصل إيه في اللحظة دي؟ والسر اللي اتخفّى عني 7 سنين وطلع جوزي مخبيه؟ وإيه كان رد فعل جوزي لما واجهته بالرسالة قدام الكل؟


اللحظة دي كانت زي الطلقة اللي خرجت وما حدش عرف يرجعها. الصالة الكبيرة في البيت القديم اللي كانت مليانة بزغاريد وضحك وضوضاء المعازيم، فجأة اتحولت لقبل مدافن. مفيش غير صوت المروحة السقف اللي بتزن فوق روسنا، ونفسي أنا العالي المخنوق، والطفل الصغير اللي بين إيديا وبدأ يصرخ وكأنه حاسس بنار الحقيقة اللي ولعت في المكان.

حماتي وقفت في مكانها، الصينية الفضة اللي كانت في إيدها اتهزت ووقعت منها الشربات على السجاد، وبقت البقع الحمرا زي الدم. ملامح الشماتة اللي كانت على وشها اتبخرت، واتبدلت بذهول ورعب حقيقي. بصت لعصام جوزي اللي كان واقف ساند على الباب، وشه اتسحب منه الدم وبقى أبيض زي الكفن، شفايفه كانت بتترعش ومش قادر ينطق بحرف واحد.

أما نيرمين، مرات سلفي، فدبّت فيها رعدة غريبة، رجليها ما شالتهاش واتهبدت على الكنبة وهي بتداري وشها بإيدها وبتعيط بهستيريا، عياط مكتوم وخوف من الموت اللي شافت ضله داخل عليها.

حازم سلفي، الراجل الطيب الغلبان اللي كان طول عمره بيجري على لقمة عيشه ويقول “الحمد لله ربنا هيرزقني”، كان واقف في النص، عينه بتروح بيني وبين مراته وبين عصام أخوه. ملامحه كانت بتتحول من عدم الاستهمام للشك، ومن الشك لغضب أعمى بدأ يتبني في عينه زي العاصفة.

قرب مني خطوة، صوته كان طالع مبحوح ومكتوم وكأنه بيتخنق:

* “أنتِ بتقولي إيه يا هناء؟ أنتِ اتجننتي؟ واعي للحكايات اللي بتخرفي بيها دي في ليلة عقيقة ابني؟”

رفعت الموبايل في إيدي التانية، الشاشة كانت منورة بالرسالة… الرسالة اللي دمرت سبع سنين من عمري في ثانية واحدة. قربت منه والدموع نازلة على وشي زي الشلال، بس صوتي كان قوي، قوي لدرجة رعبتني أنا شخصياً:

* “أنا مش مجنونة يا حازم! المجانين هما اللي خانوك في بيتك… المجانين هما اللي غفلوك، أخوك ومراتك! بص… بص للرسالة دي، بص للوحمة اللي ورا ودن الولد وبص لرقبة أخوك… ياسين مش ابنك يا حازم، ياسين ابن عصام!”

حازم خطف الموبايل من إيدي، عينه بدأت تتحرك على الكلام. كل كلمة كان بيقراها كانت كأنها س..ك..ين بت..دب..ح فيه. ملامح وش الصدمة كانت مرعبة، سنانه بدأت تخبط في بعضها، والموبايل بدأ يترعش في إيده لحد ما وقع منه على الأرض والشاشة اتمزقت.

في اللحظة دي، عصام حاول يتحرك، حاول يهرب أو يداري الكارثة. قرب من حازم وبأعلى صوته وزعيق مصطنع عشان يداري رعب خيانته قال:

* “دي كدابة! هناء اتجننت عشان مش بتخلف! بتتبلى على مراتي وعليّا عشان تولع في البيت! أنت هتصدق الحرمة دي يا حازم؟ دي غيرانة من مراتها عشان جابتلك الواد اللي هي عاجزة تجيبه لي من سبع سنين!”

الكلام نزل على قلبي زي الساطور. سبع سنين وأنا مستحملة نظرات الشماتة والكسرة، سبع سنين بروح من دكتور لدكتور، وهو يقولي “معلش يا هناء، ربنا كريم، أنا راضي بيكِ من غير عيال”، وأنا أعيط في حضنه وأقوله “أنت حيرتي وسندي”… وفي الآخر يطلع هو اللي سندي؟ يطلع بيخونني مع مرات أخوه؟ ويخلف منها ويجي يكسرني قدام أهله؟

حماتي هنا لقت لسانها، صرخت فيّا وهي بتقدم عليّا وعايزة تخطف الواد من حضني:

* “هاتي الواد يا بومة! أنتِ جاية تخربي بيت ابني الكبير؟ جاية ترمي المحصنات بالباطل؟ اخرجي برة بيتي، أنتِ طالق! ابني مش هيقعد مع واحدة مجنونة زيك!”

* “سيبوها!”

الصرخة دي ما كانتش مني، دي كانت من حازم.

حازم لف لمراته نيرمين اللي كانت بتترعش على الكنبة، مسكها من شعرها ورفع وشها ليه، صوته كان زي زئير الأسد الجريح:

* “الكلام ده صح؟ أنطقي! الواد ده ابن مين؟ الرسايل دي إيه؟”

نيرمين من كتر الرعب والدموع ما قدرتش تنكر، كانت بتبص لعصام وتصرخ:

* “الحقني يا عصام… حازم هيق..تل..ني يا عصام!”

الكلمة دي كانت الإمضاء على وثيقة الإدانة. “الحقني يا عصام”… ما قالتش “يا حازم أنقذني من ظلم أخوك”، قالت “يا عصام”.

المكان كله اتقلب لمصيدة. حازم ساب شعرها وبص لعصام، النظرة اللي كانت بين الأخين في اللحظة دي مفيش قلم يقدر يوصفها. نظرة غدر، كسر ظهر، دم اتلوث وخيانة ملهاش غفران. حازم هجم على عصام زي الوحش، ونزل فيه ضرب بكل غله، بوكسات وشلاليت وعصام بيحاول يحمي وشه وبيصرخ، وحماتي بتصوت وتلطم على وشها وتصيح:

* “يا لهوي! الأخوات بيموتوا بعض! الحقونا يا ناس! يا فضيحتنا وسط الخلق!”

أنا كنت واقفة في النص، ضامة الطفل الصغير لحضني. الطفل ملوش ذنب، حتة لحمة حمرا اتخلق من خطيئة غدر. كنت ببص لعصام وهو بيضرب ويتمرمط تحت رجلين أخوه، وما حسيتش بأي شفقة، حسيت بنار جوايا بتهدى شوية، بس الكسر اللي في قلبي كان أكبر من أي انتقام.

المعازيم والقرايب اللي كانوا موجودين، الرجالة دخلوا بالعافية يحجزوا بين حازم وعصام. حازم كان بيفرفر في إيديهم وعينه طالع منها شرار، هدومه اتقطعت وصدره بيعلو ويهبط من الغل:

* “والله ما هسيبكم… هق..ت..لك يا عصام، هق..ت..لك أنت وهي! غفلتوني؟ بقالي سنة شغال ليل نهار في الغربة عشان أجهز للشقة وأأكلكم، وأنت بتدخل بيتي في غيابي؟ بتخون شرفي ولحمك؟”

عصام وقف وهو بيمسح الدم اللي نازل من مناخيره وبوقه، وبصلي بنظرة كلها غل وحقد، وقالي بصوت مليان سم:

* “ارتحتي؟ خربتي البيت؟”

رديت عليه بابتسامة مكسورة وكلها قرف:

* “البيت مخروب من زمان يا عصام… مخروب من يوم ما دخلت أوضة مرات أخوك. أنا اللي كنت هبلة وعميا، كنت فاكراك راجل وصاين غيبتي، وكنت بتبكي معايا كل شهر لما البريود تيجي وتقولي فداكي الدنيا يا هناء… وأنت كنت بتخلف من ورايا، ومش من أي حد، من شرف أخوك!”

في وسط الهيصة دي، دخلت حماتي وحاولت تلم الموضوع قدام الناس اللي بدأت تتفرج، زعقت في المعازيم:

* “كل واحد على بيته! مفيش حاجة، دي خناقة وسوء تفاهم بين الأخوات! برة!”

لما الصالة فضيت ومبقاش فيه غيرنا… أنا، وعصام، وحازم، ونيرمين، وحماتي.

حازم قعد على الأرض، حط راسه بين إيديه وبدأ يعيط… عياط الراجل المكسور صعب، صوته كان بيقطع القلب.

حماتي قربت منه وقالتله بصوت واطي وخبيث: تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

* “يا حازم يا ابني… استهدى بالله، الفضيحة لو طلعت برة البيت ده هتدفننا كلنا حيين. البت هناء دي لازم تخرج من حياتنا، ونلم الدور… نيرمين تغور لبيت أهلها ونقول اطلقوا، بس الواد… الواد يفضل باسمك عشان الفضيحة!”

بصيت لحماتي بقرف وقلت:

* “أنتِ عارفة؟ أنتِ كنتِ عارفة يا طنط! صح؟ عشان كده كنتِ بتبصيلي بشماتة وتقوليلي شوفي ياسين… أنتِ كنتِ عارفة إن الواد ابن عصام، وكنتِ فرحانة إن ابنك الحيلة خلف وسند نفسه، ومش مهم حازم المغفل، ومش مهم هناء العاقر!”

حماتي بصتلي بعين قوية وقالت:

* “وإن كنت عارفة؟ أه عارفة! ابني عصام من حقه يشوف ضناه، ولما نيرمين غلطت معاه وجابت الواد، قولت نستر على البنت والواد يتربى في وسطنا، بدل ما سيرتنا تبقى على كل لسان في المنطقة!”

حازم رفع راسه، وبص لأمه وكأنه بيشوفها لأول مرة:

* “أنتِ كنتِ عارفة يا أُمي؟ كنتِ عارفة وعادي عندك؟ كنتِ بتاكلي معايا في طبق واحد وتطبطبي عليّا وتقوليلي مبروك الواد يا حازم وأنتِ عارفة إنه مش ابني؟”

وقف حازم على رجليه، وبص لنيرمين اللي كانت بتترعش في ركن الأوضة، وقالها ببرود مرعب:

* “أنتِ طالق بالتلاتة… والواد ده ملوش اسم في شهادة الميلاد باسمي، الصبح هروح السجل المدني وأرفع ق..ض..ية إنكار نسب، وهفضحكم في كل حتة.”

بص لعصام وقال:

* “أنت مبقتش أخويا… وأمي دي أنا مش عايز أعرفها تاني.”

مشيت خطوتين ناحية عصام، قلعت دبلته من إيدي ورميتها في وشه. الدبلة خبطت في صدره ووقعت على الأرض برنة حزينة.

* “وأنا يا عصام… مش هسيب حقي. السبع سنين اللي ضاعوا من عمري وأنا مخدوعة فيك، والكسرة اللي كسرتها لقلبي، ربنا هيحاسبك عليها. أنت طالقني طلاق رجالة، مش طلاق غدر في السر.”

عصام بص للأرض ومردش، الخزي كان مغطيه، بس الحقد اللي في عينه لنيرمين ولهناء كان باين.

أخدت شنطتي، وبصيت للطفل الصغير اللي كان حازم أخدوا وحطه في سريره وهو بيبكي. مشيت وأنا حاسة إن جبل كان على صدري وانزاح، بس الجرح اللي سابوه في قلبي هيعلم لطول العمر. خرجت من البيت الكبير، ورايا صراخ حماتي وعياط نيرمين وصمت عصام القاتل، ودخلت الشارع والليل مغطي كل حاجة، بس جوايا كان فيه فجر جديد بيطلع… فجر الحقيقة، حتى لو كانت حقيقة مرة وت..دب..ح.


مرّت ستة أشهر على ليلة العتيقة الملعونة، الستة أشهر دول كانوا كأنهم ستين سنة من عمري. سبت البيت الكبير وخرجت برأس مرفوعة، رجعت لبيت أبويا وأنا شايلة معايا كرامتي، وجرح بينزف بس ملوش صوت. في أول شهرين، عصام حاول يبعت ناس ويوسط قرايب عشان يرجعني، كان باعت يقول “غلطة وشيطان ودخل بيننا، وأنا شاري هناء ومش هفرط في حب عمري”، وكأن الخيانة والزنا وخراب البيوت بقوا مجرد “غلطة”! طبعاً رفضت، ورفعت ق..ض..ية خلع عشان أخلص من كابوس اسمه عصام، والحمد لله الحكم صدر وخلعته، وفقت لنفسي وشغلي، ونزلت اشتغلت في دار نشر وتدقيق لغوي عشان أرجع هناء القديمة، البنت الطموحة اللي دفنت نفسها سبع سنين في خدمة راجل ما يستاهلش.

أما البيت الكبير… فكانت جدرانه بتتهد على روس اللي فيه، واحد ورا التاني. عدالة ربنا ما بتتأخرش، وكل واحد دفع تمن غدره كاش في الدنيا قبل الآخرة.

في يوم تلات دافي من أيام شهر مايو، كنت قاعدة في كافيه هادي في وسط البلد قريبة من شغلي، وبشرب قهوتي وبراجع رواية جديدة، وفجأة لقيت حازم سلفي… أو اللي كان سلفي، داخل عليّا.

لما شفته قلبي اتعصر، الراجل اتهد تماماً، خس النص من وزنه، الدقن البيضا غطت وشه، وعينه اللي كانت دايماً مليانة طيبة ورضا، بقى فيها نظرة انكسار تخوف. قمت وقفت وسلمت عليه بلهفة واحترام:

* “أهلاً يا حازم يا ابني… عاش من شافك، اتفضل اقعد.”

قعد حازم، واتنهد تنهيدة طويلة طلعت من قاع قلبه، وبصلي وقالي بصوت مجروح:

* “إزيك يا هناء؟ عليا النعمة أنتِ الوحيدة اللي خرجت من المولد ده كسبانة ونضيفة… ربنا نجدك من عيلة النجسين.”

قلتله وأنا بحاول أهون عليه:

* “الحمد لله يا حازم، ربنا كبير وعوضه ملوش حدود. طمني عليك أنت، عامل إيه في دنيتك؟ والصفحة دي قفلتها إزاي؟”

حازم شبك صوابعه في بعض وبص للترابيزة وقالي بمرارة:

* “قفلتها بالدم والمحاكم يا هناء. أنا ما سكتش… الصبح اللي طلع بعد ليلة العقيقة، كنت واخد الولد ورايح بيه على النيابة، ورفعت دعوى إنكار نسب، وطلبت تحليل DNA رسمي من المحكمة. نيرمين أهلها لما عرفوا الفضيحة، أبوها جاله جلطة ومات فيها من الخزي، وأخواتها غسلو إيديهم منها وطردوها برة البيت. وفي المحكمة، التحليل طلع النتيجة الصادمة اللي كنا عارفينها… ياسين مش ابني بنسبة 100%. المحكمة حكمت بإسقاط النسب، وشيلت اسمي من شهادة ميلاده.”

سألته بوجع:

* “ونيرمين؟ راحت فين؟ والواد حتة اللحمة الحمرا ده ذنبه إيه؟”

حازم هز راسه وقال: تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

* “نيرمين أخدت الواد وراحت قعدت في شقة إيجار قديم في منطقة عشوائية، وعصام… الكلب اللي خان أخوه، اتجوزها! أه والله يا هناء، أمي أجبرته يتجوزها عشان يداروا الفضيحة ويلموا الليلة بعد ما الق..ض..ية بقت على كل لسان في الحتة. بس تفتكري اتجوزوا وعاشوا في تبات ونبات؟”

ضحك حازم ضحكة كلها سخرية وتابع:

* “عصام اتجوزها وهو قرفان منها، وهي اتجوزته وهي شايلاه ذنب خراب بيتها وموت أبوها وفضيحتها وسط أهلها. عايشين في جهنم الحمرا، ضرب وإهانات كل يوم، والبوليس دخلهم مرتين بسبب الجيران اللي بيشتكوا من صوت صريخهم. وعصام اللي كان مفكر نفسه جاب السبع من ديله والواد بقى سند ليه، المحل بتاعه اتخرب واتقفل، والديون كترت عليه ومبقاش ملاحق على مصاريف المحاكم ومصاريف نيرمين وابنها، وبقى شغال سواق ميكروباص باليومية عشان يعرف يأكلهم… ربنا ذله ذل ما شفتهوش في حياتي.”

مسكت كوباية المية بإيدي وأنا بسبح باسم ربنا العدل، وقلتله:

* “سبحان الله، ‘ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله’… وطبقاً لحماتي؟ طنط فوزية عاملة إيه في اللي بيحصل ده؟”

ملامح حازم اتصلبت، وعينه لمعت بدموع محبوسة:

* “أمي… أمي نالت نصيبها برضه يا هناء. أنا سيبت البيت الكبير وبعت نصيبي فيه لأحد القرايب بأبخس التمن عشان مش عايز خطوة من رجلي تدوس مكان عاشوا فيه. أمي قعدت لوحدها في الشقة الكبيرة، وعصام لما اتزنق في الفلوس، راح ضغط عليها وباع دهبها كله، وكمان أخد منها فيزا المعاش بتاع أبويا الله يرحمه وبقى بيقبضه هو لنفسه ويسيب لها الفتات. من شهر جيتلها جلطة في رجلها، وبقت قعيدة الفراش مش بتقدر تتحرك، ونيرمين رافضة تخدمها وتقولها ‘أنتِ السبب في خيبتي، أنتِ اللي كنتِ عارفة وساكتة وتستاهلي’. أمي دلوقتي قاعدة بطولها، مفيش حد بيحن عليها ولا يسأل فيها، وعصام مش بيدخلها غير عشان ياخد فلوس.”

سكت حازم شوية، وبصلي بندم حقيقي وقال:

* “أنا جيتلك اليومين دول يا هناء عشان أطلب منك السماح… أنا طول السبع سنين اللي فاتوا كنت بشوف أمي وعصام وهما بيكسرو بخاطرك بنظراتهم وبكلامهم المسموم عن الخلفة، وكنت ببقى زعلان بس بقول معلش دي أمه وده أخوه الكبير… كنت مغفل وسلبي، وسكوتي ده شارك في كسر قلبك. سامحيني يا هناء لو كنت قصرت في حقك.”

ابتسمت لحازم بصفاء، وقلتله:

* “مسامحاك يا حازم من كل قلبي… أنت مالكش ذنب، أنت كنت ضحية زيهم بالظبط، ويمكن ضربتك كانت أوجع وأقوى بكتير لأن الغدر جالك في شرفك وفي بيتك ومن لحمك ودمك. ربنا يعوضك يا ابن الأصول ويريح قلبك.”

حازم قام وقف، وسلم عليّا وقال:

* “أنا مسافر الأسبوع الجاي يا هناء… جالي عقد شغل في دولة عربية، وهبدأ من جديد، هسيب البلد دي باللي فيها، ومش عايز أفتكر أي حاجة تخص العيلة دي تاني. ادعيلي.”

* “ربنا يوفقك ويكتبلك الخير يا حازم، ويجعلها خطوة مباركة تعوضك عن كل دموعك.”

ودعته وبصيت لخطواته وهو ماشي، وحسيت بنسمة هوا باردة ونضيفة دخلت صدري. المكان كله كان بيفضى من طاقة الغل والشر اللي عيشت فيها سبع سنين.

بعد ما حازم مشي، قعدت أفكر في حكمة ربنا. سبع سنين وأنا ببكي في سجدودي وبقول “يا رب ارزقني بالذرية الصالحة، يا رب ما تحرمنيش من كلمة ماما”، وكنت ساعات بضعف وأقول “ليه أنا يا رب؟”. ومكنتش أعرف إن ربنا كان حاميني! كان عارف إن الراجل ده نجس وما يستأمنش على طفل، وكان مانع عني الخلفة منه عشان لما تيجى لحظة الفراق، أخرج خفيفة، مش مربوطة بعيل يربطني بدمهم الملوث وعيلتهم الخاينة. ربنا كان بيدبرلي الخير وأنا كنت مستعجلة وببكي.

مرت الأيام، وركزت في شغلي أكتر وأكتر، وبقيت مديرة قسم التدقيق في دار النشر، ورجعت أكتب قصص قصيرة من تاني وبقى ليا جمهور بيقرالي ويشجعني. وفي يوم من الأيام، وأنا في معرض الكتاب، جالي شاب محترم جداً، مهندس ديكور اسمه كريم، كان جاي يشتري كتابي ويطلب إمضائي. بدأت معرفتنا من هنا، ومع الوقت كريم اتقدم لأبويا، راجل بكل معنى الكلمة، صاين لربنا، محترم، وبيحترمني ويقدرني لشخصي وفكري.

لما حكيتله عن موضوع الخلفة وسنيني اللي فاتت، بص في عيني بحنان وقال:

* “يا هناء، الأطفال دول رزق، وأنتِ رزقك عندي بالدنيا. لو ربنا أراد وجبنا أطفال أهم هينوروا دنيتنا، ولو ما أرادش، فأنتِ بنتي ومراتي وصاحبتي وكل دنيتي.”

بعد جوازنا بسنة واحدة… حصلت المعجزة اللي الدكاترة كلهم قالوا عنها مستحيلة. لقيت نفسي تعبانة ومقريفة، وكريم أصر نروح للدكتور… وهناك، الدكتور بص في جهاز السونار وابتسم وقالي: “مبروك يا مدام هناء… أنتِ حامل في الشهر التاني!”.

في اللحظة دي، انهرت من العياط، بس المرة دي كانت دموع الفرح والرضا… كريم أخدني في حضنه وهو بيعيط وبيقرا قرأن، وأنا افتكرت عصام وأمه ونظرات الشماتة، وعرفت إن ربنا مش بيسيب حق حد، وإن العقم ما كانش فيّا أنا… العقم كان في ضمير عصام وفي قلب أمه، وربنا شال الرزق لحد ما يستاهله، لحد ما يحفظه ويصونه.

خرجت من العيادة وأنا ساندة على إيد كريم، وباصة للسما وبقول بملء صوتي: “الحمد لله… الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات”. الحكاية قفلت فضلها الأخير، والشر اتهزم واندفن في جحيم أفعاله، والحق ظهر ونور حياتي من جديد.


تعليقات

close