القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

أنا اتجوزت عشان أرتاح، مش عشان أروح أتهد في الغيط والبيت كاملة

 أنا اتجوزت عشان أرتاح، مش عشان أروح أتهد في الغيط والبيت كاملة



أنا اتجوزت عشان أرتاح، مش عشان أروح أتهد في الغيط والبيت كاملة 

«أنا اتجوزت عشان أرتاح، مش عشان أروح أتهد في الغيط والبيت في البلد!».. قالتها ياسمين وهي على آخِرها: «خلي مامتك تشوف حد تاني يساعدها يا إبراهيم».

ياسمين كانت بتمرر صباعها على شاشة الموبايل، وتتفرج على صور فنادق الغردقة وشرم الشيخ. مية زرقاء، رملة بيضاء، وعصير فريش على البيسين.. هو ده كل اللي كانت بتحلم بيه بعد سنة طافحة فيها الدم في مكتب المحاسبة. ميزانيات وضرايب وتقفيل حسابات خلوا حياتها لونها رمادي، ومكنش مصبرها على المر ده كله غير أمل أسبوع المصيف.

«إبراهيم، بص الفندق ده!».. ندهت على جوزها وهي بتوريه الشاشة: «أول إنكلوزيف (كل حاجة شاملة)، وفيه سبا ومساج وملاهي مائية.. ممكن نحجز النهاردة علطول».

إبراهيم شال عينه من على ماتش الكورة بالعافية، وبص على العرض بلوية بوز: «غالي أوي يا ياسمين.. وبعدين إيه لازمتها الفنادق دي؟ ما تيجي نسافر لأمي في البلد (الشرقية). هناك هدوء حقيقي، وهوا نضيف، وخير ربنا كتير.. الطبيعة والخضرة هناك تفك الجسم أحسن من مية سبا!».

ياسمين حست بقلبها اتقبض وخيبة أمل غسلتها من فوق لتحت. بلد إيه وأرض إيه اللي أروحها بدل البحر؟ وجلابية وطبيخ بدل المايوه والفستان؟ مش ده خالص اللي كانت بتحلم بيه طول الشهور اللي فاتت.

«يا إبراهيم أنا عايزة أرتاح.. عايزة أنام، أتمدد، مأعملش أي حاجة في دنيتي».

إبراهيم استغرب وقال ببرود: «ومين قالك إنك مش هترتاحي في البلد؟ هوا نضيف، وخير، وهتروحي تقعدي في الجنينة وتاكلي فاكهة من الشجر. أمي قاعدة لوحدها وتعبانة ومحتاجانا نساعدها. ده هو أسبوع واحد، فكري في الثواب وفرحة أمي بينا!».

المنطق بتاعه كان من النوع اللي ميتفوتش وميعرفش يرد عليه. ياسمين استسلمت، ورغم إن قلبها كان واجعها، قالت لنفسها: “يمكن فعلاً الخضرة تريح أعصابي والوقت يعدي قوام”.

## الصدمة في “البيت الكبير”

بعد كام يوم، كانوا قاعدين في القطار المتجه للبلد. الغيط والشجر بيمروا من الشباك، وياسمين لسة بتمني نفسها إن الرحلة متبقاش سواد كحل زي ما هي متوقعة.

الحاجة غالية، والدة إبراهيم، كانت مستنياهم في المحطة. ست صعيدية/فلاحية شديدة في الستين من عمرها، بس صحتها الله أكبر عليها؛ وشها شربان من الشمس، وإيديها قوية، وعينيها بتلقط الدبة الطايرة.

«يا مرحب! خطوة عزيزة!».. حضنت ابنها ومراته بقوة: «كنت فاكراكم هتخلعوا وموش جايين».

«إزيك يا أمي؟ وحشاني».. إبراهيم باس إيدها وخدها.

«الحمد لله يا بني، البيت مبيفضاش والطلبات مابتخلصش. الزرع عايز يتسقي، والسطح متبهدل، والفراخ والبط عايزين علف، وعندي غسيل سجاد قد كده!»

ياسمين كانت بتسمع اللستة دي والدم بيهرب من عروقها.. عرفت إن “الإجازة” اتدبحت على عتبة البيت. بس حاولت تبلعها وقالت يمكن الشغل الحركي يفك جسمها من قعدة المكاتب.

بيت الحاجة غالية كان في أول البلد؛ بيت كبير مبني بالطوب الأحمر، وراه جنينة واسعة وفيها حظيرة مواشي وقن فراخ وبط. البيت كان محتاج إيد شغالين فيه طول الوقت، والحاجة غالية واخدة على إنها تعمل كل حاجة بنفسها وتستخسر تجيب حد غريب.

«ادخلوا غيروا هدومكم وارتاحوا النهاردة».. الحاجة غالية شاورتلهم على الأوضة: «ومن النجمة بكرة، ورانا شقى مبيخلصش».

أول ليلة عدت هادية. عشا فلاحي أصيل؛ فطير مشلتت وجبنة قديمة وعسل ونوم بدري، ياسمين بدأت تحس براحة وتقول: “الموضوع مش مرعب أوي كده”.

## طابور الصباح.. الساعة 6!

لكن الساعة 6 الصبح، الباب اتخبط بخبطات تهد الحيط.

«ياسمين! يا ياسمين! قومي يا حبيبتي الشمس طلعت ووراكي كوم شغل».

ياسمين فتحت عينيها بالعافية، لقت إبراهيم نايم في سابع نومة ومغطس راسه تحت اللحاف.

«يلا يا مراتي ابني».. لحت الحاجة غالية: «قومي عشان تكنسي السلم وتغسلي الحوش وتجهزي المحشي عشان نلحق نولع عليه. سيبي إبراهيم نايم، الراجل جاي شقيان وسهران في السفر ومحتاج يرتاح».

ياسمين قامت وجسمها مكسر من السرير الناشف والأوضة المكتومة. وهي لسة مبحلقة ومش فايقة، لقت نفسها واقفة في الحوش والخرطوم والمقشة في إيدها.

«اكنسي بضمير يا ياسمين».. الحاجة غالية كانت واقفة فوق راسها: «بنات المدارس والمكاتب بتوع الأيام دي بيعملوا الحاجه كروكة عشان يخلصوا».

وفي الوقت اللي ياسمين كانت بتهد حيلها في كنس الحوش ومسح السلم، إبراهيم صحي على مهله، شرب الشاي باللبن، ومسك الموبايل شوية، وبعدين لبس وقال إنه رايح يقعد مع قرايبه على القهوة ويشوفوا الأرض.

«أنا مش هأخر يا حبيبتي، شدي حيلك إنتي مع أمي».. إبراهيم قالها وهو خارج.

«مش هساعدني؟».. ياسمين سألته بذهول.

«يا بنتي ده شغل حريم، وأمي هتفهمك تعملي إيه بالظبط».

ومشي وسابها لست الحبايب ولستة الطلبات اللي مالهاش آخر. على الضهر، كانت ياسمين كنست ومسحت، وقورت بتنجان وكوسة، وخرطت الملوخية، وعملت حلة محشي قد كده تكفي عيلة.

«مش بطال».. الحاجة غالية داقت الشوربة وقالت: «بس ناقصة ملح شوية، وتقلية الملوخية كانت عايزة تدبل أكتر.. بس يالا، مع الأيام هتتعلمي».

بعد الغدا، بدأت الموجة الثانية من الشغل: علف الفراخ، تنظيف العشة، وغسيل الملايات والهدوم الكبيرة في الطشت في الحوش عشان الغسالة الأوتوماتيك مبتنظفش بنظر الحاجة غالية. ياسمين كانت حاسة إن ضهرها بيتقطم، وصوابع إيديها بدأت تبوش وتوجعها من المية والكلور.

«أنا في سنك ده كنت بأشيل الطين شيل».. الحاجة غالية علقت ببرود وهي شايفاها بتنهج: «أروح الغيط وأرجع أطبخ وأغسل وأقعد بالعيال.. أنتوا بتوع البندر فرفورين وبتموتوا من أقل مجهود».

ياسمين كتمت في نفسها ومردتش، بس الكلام كان بيحرق دمها. هي جاية إجازة تدلع، لقت نفسها شغالة “شغالة” من غير مرتب وعليها كلام سم كمان.

على المغرب، إبراهيم رجع.. فريش، واخد تان، ومبسوط وجايب معاه بطيخة.

«ها يا جماعة، الأخبار إيه؟».. قعد على الكنبة وطلب كوباية شاي بحبك هيل.

«تمام».. ياسمين ردت بكلمة واحدة وهي قاعدة بتنقي رز للعشا.

«زي الفل، أمي بتقول عليكي شاطرة وإيدك خفيفة».

حتى مأ جاش عليه الفضول يقولها “تعبتي؟” أو “أساعدك في حاجة؟”. قعد يشرب الشاي وياكل البطيخ ويحكي عن قعدته مع صحاب زمان، وهي قاعدة بتموت من التعب في الشمس اللي بتغيب.

## الانفجار

تلات أيام عدوا على الوضع ده. كل يوم صحيان الساعة 6 الصبح، طحن طول النهار، وبالليل تترمي على السرير زي الج*ثة، ومش بتفكر غير في حاجة واحدة: “أنا عايزة أمشي من هنا حالا”.

في اليوم الرابع، ياسمين مأ قدرتش تستحمل وانفجرت: «أنا اتجوزت عشان أبقى بني آدمة، مش عشان أبقى خدامة في البيت الكبير هنا!».

إبراهيم رفع عينه من الموبايل وبصلها باستغراب: «في إيه يا ياسمين؟ أمي بتطلب منك مساعدة عادية يعني».

«أمك بتمشيني بالريموت كنترول من النجمة ليل ومطيرة النوم من عيني! وإنت مقضيها قهاوي وفسح مع صحابك!».

«أنا بأجازة وبأغير جو.. وبعدين الطبيخ والترويق ده شغل ستات، إنتي شاطرة فيه».

«خلي مامتك تجيب حد بفلوس يعملها شغلها!».. ياسمين صرخت وصوتها علي: «أنا جاية أرتاح في إجازتي السنوية، مش جاية أشتغل فاعلي في بيوت الناس!».

الحاجة غالية سمعت الصوت العالي وخرجت من المطبخ وعينها بتطق شرار: «جرى إيه يا حسام؟ إيه الصوت العالي ده؟ الجيران هيقولوا علينا إيه؟».

«يا حاجة غالية أنا تعبت».. ياسمين حاولت تتكلم بحدة بس بأدب: «بقالي أربعة أيام مأ شفتش راحة.. ضهري انكسر».

«تعبتي؟».. الست ضحكت باستهزاء: «يا دلع بنات البندر! أنا في سنك كنت شايلة تلات عيال والبيت على كتافي وبأخدم حماتي من غير ولا كلمة.. وإنتي بتشتكي من كام يوم مساعدة؟».

«دي مش مساعدة، دي سخرة وشغل بيت مبينتهيش!».

«ومين ضربك على إيدك؟».. الحاجة غالية قفشت ولتت في الكلام: «لو مش عاجبك عيشة البلد، الباب يفوت جمل وارجعي بندرك.. بس إبراهيم قاعد هنا، ابني مكانه في وسط أهله».

إبراهيم وقف في النص ساكت، بيبص لمراته ويبص لأمه، ومش قادر (أو مش عايز) ياخد موقف أو يزعل أمه.

## القرار الأخير

في اليوم الخامس، إبراهيم قال ببرود إنه رايح مع قرايبه يقضوا اليوم كله بليلته في المزرعة والصيد في الترعة الكبيرة.

«الرجالة عازمين عليا وعيب أكسر بكلمتهم».. إبراهيم بيبرر موقف: «يوم واحد يا ياسمين وأمي معاكي أهي هتسليكي».

«يعني هتسيبني لوحدي هنا؟».. ياسمين سألته وهي مش مصدقة الإهمال ده.

«يا بنتي يوم وهتعدي، خليني أتبسط أنا كمان شوية».

ومشي ومأ استناش يسمع ردها. ياسمين لقت نفسها وجهاً لوجه مع الحاجة غالية، اللي دخلت عليها وف إيدها لستة طلبات جديدة.

«بما إن الرجالة مش هنا، يبقا نخلص شغلنا سوا».. الست قالت بنبرة آمرة: «عايزين ننظف خزين الرز، ونقشر توم لتخزين السنة، ونقلب الفرش كله يتشمس».

اليوم كان عبارة عن كابوس ملوش آخر. ياسمين بتشتغل وهي بتعيط من التعب، والحاجة غالية واقفة تدي أوامر وتطلع القطط الفاطسة في شغلها:

«احتي التوم كويس.. سايبة القشر فيه ليه؟»

«الملايات لسة فيها ريحة صابون، مشطفيتهاش كويس»

«الزوايا لسة فيها تراب.. مسحتِ بلمسة وخلعة!».

على عشا، ياسمين مكنتش قادرة تقف على رجليها. ضهرها بيوجعها لدرجة صعبة، إيديها ملتهبة ومقشرة من الكيماويات، والناموس قرصها في كل حتة في جسمها. “الطبيعة” اللي إبراهيم قال عليها طلعت جحيم حقيقي.

دخلت أوضتها واترمت على السرير بهدومها. كانت عايزة تغيب عن الوعي وماتصحاش. بس مأ كملتش ساعة، ولقت الحاجة غالية بتفتح الباب وواقفة على العتبة.

«ياسمين.. قومي يلا عشان نحلب المعيز ونأكل الطيور قبل ما الدنيا تليل خالص».

ياسمين لفت راسها ببطء وبصت لحماتها. عينيها مكنش فيها لا تعب ولا غضب.. كان فيها هدوء بارد ومخيف.. هدوء حد أخد قراره الأخير ومبقاش يهمه حاجة.

قامت من على السرير، ومن غير ولا كلمة، راحت للناحية التانية من الأوضة وسحبت شنطة سفرها الكبيرة. إيديها مكنتش بترحف من التعب، كانت بتتحرك بقوة وثبات.

«بتعملي إيه يا بت؟».. الحاجة غالية استغربت لما شافتها بتفتح الشنطة وبتلم حاجتها.

ياسمين مردتش. وبكل برود وثقة، بدأت تطبق الفساتين والهدوم وتحط الشنطة والفرشة وتظبط حاجتها. كل حركة كانت سريعة ومظبوطة.

«إنتي اتجننتي؟».. صوت الحاجة غالية علي: «على فين العزم إن شاء الله؟ إنتي مش وعدتي إنك تقعدي وتساعدي في البيت؟».

«أنا ساعدت بما فيه الكفاية».. ياسمين ردت بنبرة ناشفة وناشفة جداً وهي مكملة لّم في حاجتها.

«وتسمي دي مساعدة؟ ده لسة ورانا أسبوع شغل كامل! التوم مخلصش، والبامية لسة متجمعتش عشان تتجفف، والبيت مقلوب!».

ياسمين قفلت سستة الشنطة بكل قوة، ووقفت وبصت في عين حماتها مباشرة:

«يا حاجة غالية.. أنا اتجوزت إبراهيم عشان أعمل بيت وأرتاح، مش عشان آجي أتهد وأتكسر في البلد هنا.. خلي إبراهيم والبلد يشبعوا ببعض، وشوفي حد تاني يسخر ليكي في طلباتك».

«نععععم؟».. الحاجة غالية صوتها جاب آخر الشارع وصوتت: «إنتي فاكرة نفسك ملكة وإحنا جواري عندك؟ إنتي فاكرة الجواز ده دلع وحقوق بس ومن غير واجبات؟…»

**…حكايات مني السيد…**



«مسئوليتي أكون زوجة صالحة لجوزي، مش عمالة ببلاش لست الحبايب!».. رمت ياسمين الكلمتين دول في وش حماتها وهي بتقفل لسان الشنطة.

الحاجة غالية وشها جاب ألوان وصوتت: «يا مري! إنتي بتعلي صوتك عليا؟ إبراهيم متربي وزينة شباب البلد، ووقعتنا سودة لما اتجوز… إنتي شايفه نفسك على إيه يا بت؟»

ياسمين مسكت يد الشنطة واتحركت ناحية الباب، بس الحاجة غالية وقفت سدة في الممر: «على فين يا قطة؟ مش هتتحركي من هنا! الناس في البلد يقولوا علينا إيه؟ يقولوا مرات ابنهم جت قعدت خمس أيام وطفشت؟ فضحتنا هتبقى بجلاجل!».

«خليهم يقولوا اللي يقولوه».. ردت ياسمين ببرود تلاجة: «ميهمنيش كلام حد».

«وإبراهيم؟ ابني مش هيسامحك وافتكري إني مش هعديلك شتيمتك ليا دي!».. الحاجة غالية كانت بتحاول تضغط عليها بكرت جوزها.

«كان أولى بيه يفكر في الزعل ده من الأول».. ياسمين زقتها بالراحة وعدت من جنبها وخرجت للحوش.

الدنيا كانت بتليل، والهوا بدأ يبرد، بس ياسمين مكنش في قلبها غير نار واحدة: إنها تبعد عن البيت ده في أسرع وقت. طلعت موبايلها وطلبت عربية “أوبر” أو تاكسي من المحطة القريبة، والكابتن قالها إنه قدامه نص ساعة ويوصل.

الحاجة غالية طلعت وراها على عتبة البيت وتغيرت نبرتها لشوية لوم: «يا ياسمين بلاش خيبة.. فكري في بيتك، هتخربي عشك وتطلبي الطلاق عشان حتة تنظيف وتوم؟».

«مش عشان التوم يا حاجة.. عشان قلة التقدير».. ياسمين ردت وهي باصة للطريق.

«قلة تقدير إيه يا فجلة؟ أنا بكلمك زي بنتي!»

«الناس مابتشغلش بناتها سخرة يا حاجة غالية، ومبيجيبوهمش يهدوا حيلهم».

التاكسي وصل وضرب كلاكس. ياسمين رمت الشنطة في الشنطة ووراها ركبت في الكنبة اللي ورا، من غير ما تبص وراها للحاجة غالية اللي كانت واقفة تولول وتخبط كف على كف على العتبة.

## حرب الموبايل والأعصاب

طول الطريق للمحطة، الموبايل م بطلش رن.. “إبراهيم يتصل بك”. ياسمين كانت بتعمل كنسل (رفض) علطول. مش قادرة ولا عايزة تسمع صوته ولا تبرر حاجة، سابته يغرق في حيرة وشكاوى أمه.

لما وصلت المحطة لقت رسايل واتساب منه واصلة لـ 100 رسالة:

> *”أمي كلمتني وهي بتبكي ودموعها مغرقة وشها.. إيه اللي حصل؟”*

> *”إنتي مشيتي بجد؟ إزاي تسبيني وتمشي وتصغريني قدام أهلي؟”*

> *”ياسمين ردي.. إيه الحركات الطفولية دي؟”*

>

ردت عليه برسالة واحدة قصيرة قطعت بيها الشك باليقين: **«أنا مكملة إجازتي السنوية.. بس في حتة تانية مفيهاش زرع ولا قلع ولا علف فراخ.»**

حجزت تذكرة في سوبر جيت الفجر، واضطرت تقضي الليلة في فندق صغير جنب المحطة. ورغم إن السرير مكنش أحسن حاجة، بس ياسمين حست إنه سرير في الجنة.. على الأقل مفيش حد هيخبط عليها الساعة 6 الصبح.

## العودة للبندر.. والهدوء المنتظر

تاني يوم الضهر، ياسمين فتحت باب شقتها في القاهرة. الشقة استقبلتها بالهدوء والروقان.. التكييف شغال، ريحة المعطر جميلة، مفيش ناموس ولا دبان ولا تراب فلاحين.

الأيام اللي بعد كده عاشتها ياسمين زي ما كانت مخططة لمصيفها بالظبط؛ تصحى الساعة 12 الضهر، تقرأ رواية، تنزل تتمشى في المول، تقعد في كافيه تشرب آيس كوفي.. مفيش مواشي، مفيش محشي، ومفيش مواعظ من حماتها.

بعد تلات أيام، الباب اتفتح ودخل إبراهيم.. وشه قالب مية بايتة، والشرار بيطلع من عينه، ورامي لستة اتهامات على عتبة الباب:

«إنتي صغرتيني قدام أمه لا إله إلا الله!».. زعق وهو بيقفل الباب وراه: «البلد كلها بقت بتتكلم على مرات إبراهيم اللي طفشت وسابته!».

ياسمين ردت عليه وهي بتشرب عصير بكل برود: «دي مكنتش زيارة يا إبراهيم، دي كانت معسكر شغل شاق مؤبد».

«أمي كانت نيتها خير! كانت عايزة تعلمك عيشة البلد وتدربك على شيل المسئولية وتنظيف البيت الكبير!».

«أمك كانت عايزة شغالة ببلاش، وأنا قولت لأ.. والـ (لأ) دي شكلها وجعتكم أوي».

«جرى لك إيه يا ياسمين؟».. إبراهيم قرب منها وهو مذهول: «إنتي مكنتيش كده.. أمي عندها حق لما قالت إن قعدة البندر والمكاتب خلتك أنانية ومبتفكريش غير في نفسك».

«أمك تقول اللي تقوله، بس أمك مش هي اللي هتمشي حياتي وتتحكم فيا».

«يعني إيه؟ مش هنروح لأهلي تاني خالص؟»

«نروح.. بس نروح ضيوف.. ناكل لقمة، نشرب الشاي، ونمشي.. لكن مش هروح أقف في حوش وأقشر توم وأغسل سجاد حد».

إبراهيم حاول يعلي صوته ويفرض كلمته، بس ياسمين وقفته بكلمة واحدة قطمت الموضوع:

«بص يا إبراهيم.. لو إنت شايف إن الست اتخلقت عشان تتطحن وتتهد لخدمة أمك، يبقا تروح تعيش معاها في البيت الكبير هناك.. أنا ست ليا احترامي وبأرتاح في المكان اللي بيقدرني».

إبراهيم تنح، وبلع ريقه.. لأول مرة يحس إن الموضوع مش زعلة يومين وهتروح لحالها، دي قصة بيوت بتتهد وجواز بينتهي. ياسمين مبقتش تقبل حلول وسط على حساب صحتها وأعصابها.

«يا ياسمين مش كل حاجة أبيض وإسود.. الدنيا تمشي برضه…»

«لأ.. في دي بالذات أبيض وإسود.. وده آخِر كلام عندي».

## نهاية المعركة.. وانتصار “الراحة”

البيت قعد أسبوعين في صمت قاتل. إبراهيم اتصل بأمه يحاول يصالح النفوس، بس الحاجة غالية اشترطت شرط تعجيزي: «تيجي لحد عندي هنا وتبوس على راسي ورجلي وتعتذر قدام العيلة، ساعتها بس أرضى عنها وأخليها تخش بيتي!».

لما إبراهيم نقل الكلمتين دول لياسمين، ضحكت بسخرية: «مش هأجي، ومش هأعتذر.. وأمك هي اللي المفروض تعتذر لأنها حولت ضيوف لشغالين باليومية».

الشد والجذب قعد شوية، لحد ما إبراهيم حس إنه هيخسر مراته وبيته بسبب العناد. وفي الآخر.. كبر دماغه ورخى حباله.

«خلاص يا ياسمين».. قالها بنبرة هادية بعد كام يوم: «مش هنروح هناك تاني في الإجازات.. ويلا بينا نحجز في الغردقة زي ما كنتِ عايزة».

«هو ده الكلام الصح».. ياسمين ابتسمت وحجزوا علطول.

أسبوع الغردقة عدى زي الحلم؛ شمس، بحر، روقان، ومأ حدش بيقولها اصحي الساعة 6 الصبح، ولا حد بيعيب على تقلية الملوخية ولا ملح الشوربة.

ومن ساعتها، نظام الإجازات في بيتها اتغير تماماً؛ يا إما يسافروا مكان فيه راحة ودلع ليها، يا إما يقعدوا في شقتهم مكرمين. وإبراهيم اتعلم الدرس الأهم في حياته: **الزوجة مش شغال إضافي لعيلة جوزها، دي شريكة حياة ليها كيانها وحقها في الاحترام.**

الحاجة غالية قعدت فترة طويلة شايلة في قلبها وبتحكي لطوب الأرض عن “جبروت وندالة” مرات ابنها بتاعة البندر. بس مع الوقت، لقت إن العناد مش جايب همّه، وإن بنات اليومين دول مبيجوش بالعين الحمراء. واضطرت في الآخر تأجر بنت من بنات البلد باليومية تديلها فلوس عشان تعملها نفس الشغل اللي كانت عايزة تاخده من ياسمين ببلاش!

وكل ما يجي الصيف، ياسمين تفتكر اليوم اللي شالت فيه شنطتها ومشيت، وتحمد ربنا إنها قدرت تقول **”لأ”** في الوش، وتحمي حقها في إنها تعيش ملكة في بيتها.



مرت الأيام والشهور على خناقة “البيت الكبير” في الشرقية، والحياة في شقة ياسمين وإبراهيم في القاهرة رجعت لـ “الروتين الدافئ”، بس مع تغيير جوهري في ميزان القوى. إبراهيم مبقاش يفتح سيرة السفر للبلد في أي إجازة، وبقى يعمل حساب لزعير ياسمين، وبدأ يفهم إن مراته مش حيطة مايلة ولا هي “تكملة عدد” في عيلته. أما ياسمين، فكانت حاسة بانتصار داخلي، بس الانتصار ده مكنش كامل طول ما الست حماتها، الحاجة غالية، لسة مقاطعاهم وبتطلع في التلفزيون الداخلي بتاع العيلة وتقول على ياسمين “الست المرفهة اللي قطعت ابني عن أهله”.

ياسمين مكنتش عايزة تقطع إبراهيم عن أمه، هي بس كانت بتدافع عن “آدميتها”. وفي يوم من الأيام، بعد حوالي سنة من الواقعة دي، وإحنا داخلين على موسم عيد الأضحى المبارك، إبراهيم كان قاعد في الصالة ماسك موبايله وسرحان، والهم باين على وشه. ياسمين خرجت من المطبخ وفي إيدها كاستين عصير ليمون بنعناع، حطت كاسة قدامه وقعدت جنبه:

* «مالك يا إبراهيم؟ وشك مقلوب بقالك يومين، وشكلك شايل طاجن ستك ليه؟»

إبراهيم تنهد تنهيدة طويلة جابت آخِر الصالة وقال وهو باصص في الأرض:

* «مفيش يا ياسمين.. أمي كلمتني النهاردة الصبح. صوتها كان تعبان أوي، وبتقولي إن ركبها مبتشيلهاش، والبيت الكبير يهد الحيل، وموسم العيد داخل والذبيحة والتنظيف والخبز.. وبتقولي (يا بني البيت فاضي عليا وإخواتك كل واحد ملتهي في دنيته، وأنا مليش غيرك يوقف في ضهري). كلامها وجعني يا ياسمين، مهما كان دي أمي برضه، ومش قادر أشوفها مكسورة وتعبانة وأنا قاعد هنا متكيف في التكييف.»

ياسمين سكتت شوية، داقت عصير الليمون، وبصت لجوزها بتمعن. هي مش شريرة، ولا هي خطافة رجالة، هي ست أصيلة وبتفهم في الأصول، ومستحيل ترضى إن جوزها يكون عاق لأمه. قالتله بنبرة هادية بس حاسمة:

* «بص يا إبراهيم.. أنا عمري ما هقولك متبرش بأمك، ولا هكون السبب إنك متسندهاش. أمك على عيني وعلى راسي، بس الزيارة اللي فاتت إنت شوفت بنفسك إيه اللي حصل. أنا روحت بهدومي ونفسيتي عشان أتبسط، لقيت نفسي فاعلة في غيط ومسح سجاد. لو عايزنا نروح السنادي في العيد الكبير نساعد ونقعد معاها، لازم يبقا فيه اتفاق واضح وضوح الشمس. أنا هروح هناك “ضيفة” معززة مكرمة. هساعد؟ آه هساعد، بس باللي أقدر عليه، شغل خفيف، ترويق على الماشي، طبخة خفيفة.. لكن شغل الهدد والكنس بالخرطوم من النجمة وحلب المعيز ده، أمك لازم تتصرف فيه وتجيب حد بفلوس يشيله. توافق؟»

إبراهيم عينيه لمعت بفرحة مكنش متوقعها، ومسك إيد ياسمين وقالها:

* «موافق طبعاً يا بنت الأصول! والله العظيم إنتي ست عاقلة. أنا هكلم أمي حالا وأفهمها إننا جايين تلات أيام العيد بس، وإنك جاية ترتاحي وتعيّدي مش تشتغلي، وهخليها تتفق مع “أم أحمد” الشغالة اللي في البلد تيجي تشيل الشغل التقيل كله من قبل ما نوصل.»

## العودة إلى وكر الأسد.. لكن الدخول بالتاج!

يوم وقفة العيد، ركبوا العربية واتجهوا للبلد. ياسمين كانت لابسة عباية استقبال شيك جداً، وحاطة نظارتها الشمسية، ولفّة طرحتها بالمسطرة، وريحة برفيومها قالبت العربية. كانت داخلة وهي مقررة إنها مش هتسمح لأي حد يكسر هيبتها السنادي.

وصلوا البيت الكبير، وكان صوات الأغاني شغال، وريحة الخبز والرقاق الفلاحي مالية المكان. الحاجة غالية كانت قاعدة على الدكة في الحوش، أول ما شافت ابنها قامت وحضنته بلهفة: «يا حبيبي يا بني.. يا نور عيني، نورت بيتك ومطرحك!»

وبعدين لفت وشها لياسمين وبصت لها بصة فيها حتة لوم على حتة كبرياء، بس ياسمين مأ ادتهاش فرصة؛ قربت منها بكل ذوق وبأدب فلاحي أصيل وبامتياز: «كل سنة وإنتي طيبة يا حاجة غالية، وعيد سعيد عليكي، وحشاااني جداً والله.» وبستها على راسها وعلى إيدها.

الحاجة غالية حست إن ياسمين بتكبرها قدام عيون ابنها، فـ ريقها جري وقالت بنبرة هادية شوية: «وإنتي طيبة يا مراتي ابني.. يا رب تكوني جاية وشادة حيلك، البيت محتاج إيدين.»

هنا إبراهيم اتدخل بسرعة البرق قبل ما السلك يلمس:

* «أمي.. إحنا اتفقنا إيه؟ ياسمين جاية تعيد وتتفسح في وسطنا، وأنا كلمت أم أحمد الشغالة وجاية بكرة من النجمة عشان تدبح وتسلخ وتنظف الكرشة والممبار وتعمل كل حاجة. ياسمين هتساعدك في الحاجات الخفيفة في المطبخ وإحنا قاعدين بنتسامر.»

الحاجة غالية لوت بوزها شوية وقالت بصوت واطي: «ماشي يا سيدي.. بنات البندر مبيستحملوش ريحة اللحمة والدم.. أم أحمد هتقوم بالواجب، ادخلوا ارتاحوا.»

ياسمين دخلت أوضتها وهي حاسة إن الجولة الأولى خلصت لصالحها بدون خسائر. الأوضة السنادي كانت منورة، والحاجة غالية كانت حاطة فيها مروحة جديدة، والسرير مفروش بفرشة نظيفة وريحتها داوني. ياسمين ابتسمت وقالت لنفسها: “الست لما بتثبت على موقفها، الكل بيعملها ألف حساب”.

## يوم النحر.. مواجهة في المطبخ الساخن

يوم العيد الصبح، الشمس طلعت والدبيحة بدأت في الحوش تحت. صوت التكبيرات كان مالي المكان، وإبراهيم لابس جلابيته البيضاء وواقف مع الجزارين. ياسمين صحيت الساعة 9 الصبح براحتها خالص، لبست ترنج كاجوال مريح، ونزلت المطبخ.

المطبخ كان عبارة عن خلاية نحل؛ أم أحمد الشغالة واخدة جنب ومعاها حتت اللحمة الكبيرة بتنظفها وتقطعها، والحاجة غالية واقفة بتوجّه وبتعمل تقلية الفتة الكبيرة. ياسمين دخلت وقالت بصوت بشوش:

* «صباح الخير يا جماعة.. عيدكم مبارك. إيه الروائح الجميلة دي؟ أنا جاية أهو أشارك.. قوليلي يا حاجة غالية، أعمل إيه معاكم؟»

الحاجة غالية بصت لها من فوق لتحت، وحبت تختبرها:

* «أهو عندك طشت الممبار ده عايز يتغسل ويتكحت بالملح والخل والليمون لحد ما يبقا قشطة.. تقدري عليه يا ست ياسمين؟ ولا ريحتة هتقلب بطنك؟»

أم أحمد الشغالة كانت هتمسك الطشت، بس ياسمين شاورتلها تقعد، وقالت للحاجة غالية بذكاء:

* «لأ طبعاً يا حاجة، بطني مأ تقلبش ولا حاجة، أنا بنت بلد وأعرف في الأصول كويس. بس إحنا جايبين أم أحمد مخصوص للشغل المجهد ده عشان ركبتك وصحتك، وعشان أنا كمان إيديا فيها حساسية من قشر الليمون والملح الكتير. سيبك من الممبار.. أنا عليا أعمل صواني الرقاق باللحمة المفرومة بالطريقة المودرن بتاعتي، وهعمل سلطات ومقبلات تفتح النفس، وهظبط السفرة بشكل جديد يعجب ضيوفك اللي جايين يباركوا بالعيد. إيه رأيك؟»

الحاجة غالية ملقتش كلام تقوله؛ ياسمين ردت بأدب، وجمّلت كلامها بإنها خايفة على صحة حماتها، وفي نفس الوقت حطت حد للي عايز يقيس مدى تحملها للإهانة أو التعب. غالية هزت راسها وقالت:

* «ماشي يا ياسمين.. ورينا رقاق البندر بتاعك ده هيطلع شكله إيه.. بس افتكري إن إبراهيم بيحب الرقاق السمين اللي غرقان سمنة بلدي وشوربة دسمة!»

* «من عينيا يا حاجة، هعملهوله سمن بلدي من إيدك، بس بطريقة تخليه خفيف على المعدة وميعملش حموضة.»

اشتغلت ياسمين في المطبخ وهي مبتسمة، بتعمل الرقاق وتظبط اللحمة المفرومة، وتعمل سلطة خضراء بالدريسنج (التتبيلة) اللبناني وسلطة طحينة بالثوم، ورتبت الأطباق بشكل شيك جداً على الطاولة الكبيرة في الصالة. أم أحمد خلصت الحاجات الزفرة والتقيلة كلها، وغسلت المواعين الكبيرة والقدور الضخمة تحت إشراف الحاجة غالية اللي كانت مراقبة الموقف من بعيد.

## قعدة العصارى.. الاعتراف الضمني

على الساعة 4 العصر، العيلة كلها كانت اتغدت. صواني الرقاق طلعت تجنن، مقرمشة من برة وطرية ومورقة من جوة، والفتة كانت ريحتها جايبة لآخر الشارع. عمام إبراهيم وعماته كانوا موجودين، وكلهم قعدوا يشكروا في الأكل وفي الترتيب الشيك اللي ياسمين عملته.

واحدة من عمات إبراهيم قالت للحاجة غالية وهي بتشرب الشاي:

* «والله يا غالية، مرات ابنك ياسمين دي سكرة، وبنت ناس وأدب. شوفوا الصالة مترتبة إزاي والأكل يفتح النفس الإيد الشاطرة باينة من شكل الطبق!»

الحاجة غالية نفخت صدرها وقالت بكبرياء فلاحي:

* «أومال إيه يا أم محمد؟ إحنا مبنختارش أي كلام.. ياسمين شاطرة وفيها ميزة إنها بتسمع الكلام وبتتعلم قوام قوام، وأنا برضه مأ برضاش عليها بالتعب.. طالما شاطرة في المطبخ والدلع، يبقا نجيب لها اللي يشيل الشغل التقيل عنها.»

ياسمين كانت واقفة في المطبخ بتصب الشاي وسمعت الجملة دي. ضحكت من قلبها وعرفت إن الحاجة غالية بتغير كلامها قدام الناس عشان برستيجها وعشان تظهر بمظهر الحما الحنينة العادلة. ياسمين مأ دخلتش الخناقة دي، بالعكس، خرجت وصبت الشاي لكل الموجودين وقعدت جنب حماتها بكل ود:

* «الشاي بالنعناع اهو يا حاجة غالية.. مخصوص علشان يظبط الدماغ بعد دسم الفتة.»

الحاجة غالية خدت الكوباية وبصت لياسمين بابتسامة حقيقية لأول مرة وقالتلها بصوت واطي مأ حدش سمعه غيرها:

* «تسلم إيدك يا ياسمين.. الرقاق بتاعك كان حلو بجد، وإنتي بنت أصول وعبيطة في نفس الوقت.. كان لازم يعني تسيبيني وتمشي السنة اللي فاتت وتعملي الفضيحة دي؟ ما كان ممكن نتكلم بالراحة؟»

ياسمين ردت عليها بنفس الهمس وبكل ذكاء وثقة:

* «يا حاجة غالية، إنتي ست العارفين.. ساعات الكلام بالراحة مبيجيبش نتيجة مع الناس الشداد اللي زيك. كان لازم تفهمي إن ليا طاقة، وإن مكانتي عندك هي مكانة بنتك مش مكانة حد شغال. وأنا أهو، لما جيت بتقدير واحترام، شيلتك في عيني وعملتلك أحلى عيد.»

الحاجة غالية ضحكت وقالت: «ماشي يا لسانك اللي عايز قصه.. بس مقبولة منك السنادي.»

## إبراهيم يتعلم الدرس الأخير

في السهرة، بعد ما الضيوف مشيوا، ياسمين وإبراهيم كانوا قاعدين في البلكونة اللي بتبص على الغيط والهوا الفلاحي النظيف كان بيرد الروح. إبراهيم كان باصص لمراته بنظرات كلها حب وفخر؛ السنادي عدى بدون نكد وبدون مشاكل، وأمه راضية ومراته مبسوطة.

قرب منها وحط إيده على كتفها وقالها:

* «أنا مش عارف أشكرك إزاي يا ياسمين.. السنادي خليتي راسي مرفوعة قدام العيلة كلها، وبسطتي أمي، وفي نفس الوقت حافظتي على برستيجك وراحتك. أنا أسف يا حبيبتي لو كنت في يوم من الأيام مش شايف الصورة صح، وأسف لو افتكرت إن الجواز معناه إنك تتنازلي عن راحتك عشان ترضي أهلي.»

ياسمين بصت له وابتسمت ابتسامة هادية وقالت:

* «يا إبراهيم، الجواز مشاركة واحترام. أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان خاطرك وعشان خاطر مامتك، بس في إطار المعقول وبدون قهر. الست لما بتتحول لماكينة شغل بدون تقدير، حبها بيموت وبيتها بيتهد. السنادي إحنا دفعنا قرشين لأم أحمد الشغالة، بس كسبنا راحة بالنا، وكسبنا رضا مامتك، وكسبنا إننا بنقضي عيد جميل مع بعض. هو ده الصح اللي كان المفروض يحصل من الأول.»

* «عندك حق يا ياسمين.. ومن السنادي، إنتي الملكة والكل في خدمتك، وأي مكان هنروحه، راحتك فيه هتبقى هي نمرة واحد.»

## النتيجة والنهاية السعيدة

مرت السنين، وبقت زيارة البلد في العيد أو في الإجازات طقس لطيف ومحبب لقلب ياسمين، مش كابوس بتعد له الأيام. الحاجة غالية اتعودت إن ياسمين لما بتيجي بتجيب معاها البهجة والشياكة والأكلات الجديدة، وبقت هي بنفسها تتصل بأم أحمد الشغالة قبل ما ياسمين توصل وتقولها: «تعالي يا أم أحمد عشان ستك ياسمين جاية، ومشاي عايزين البيت فيه ترابة واحدة تزعلها».

والجيران في البلد بقوا يضربوا المثل بـ “ياسمين” وبذكائها وإزاي قدرت تكسب حماتها الشديدة بدون ما تخسر كرامتها وصحتها. أما إبراهيم، فبقى الزوج المثالي اللي بيعرف يوازن بين بره لأمه وحبه لمراته، وبقى يفهم إن “ست البيت” المرفّهة والمبسوطة في بيتها هي اللي بتقدر تطلع جيل سوي وتعمل بيت كله دفا وأمان.

وفي كل صيف، لما ياسمين تقعد على شاطئ البحر في الغردقة أو الساحل، وتشرب عصيرها الفريش وتتفرج على المية الزرقاء، كانت بتبتسم وتفتكر الشنطة اللي لمتها في خمس دقائق في وسط الليل بالبلد، وتتأكد إن “كلمة لأ” اللي قالتها في الوش بالوقت المناسب، كانت هي الحجر الأساس اللي بنت بيه حياة زوجية مستقرة ومحترمة، مبنية على التقدير المتبادل والكرامة التي لا تقبل المساومة.


تعليقات

close