يوم فرحي كاملة
حكايات انجى الخطيب
يوم فرحي ابن عمي قرب من عريسي وهمس في ودنة وقال مبروك عليك بنت عمي وابني اللي في بطنها…
لاقيت جوزي بيبصلي وعينة بطلع نار وقالي بصوت عالي وسط القاعة اللي مليانة ناس انتي طالق…
بقيت وقفة مذهولة مش عارفة في اية ولا انا اطلقت لبة…
امي لطمت علي وشها من الصدمة واعدت تقول يا فضحيتنا وابويا بقي مش قادر يصلب طولة وسط الناس مش مصدق ان بنتة اطلقت في قلب فرحها…
القاعة سكتت فجأة.. لدرجة إني كنت سامعة صوت دقات قلبي وهي بتخبط في صدري . الموسيقى وقفت، والناس كلها اتجمدت في أماكنها، والعيون كلها بقت متسلطة عليا أنا وعريسي اللي لسه رامى كلمة “طالق” وكأنها رصا*صة دخلت قلبي.
بصيت لعريسي، كان وشه أصفر وشفايفه بتترعش من الغضب، والشر في عينه كان كفيل يحر*قني حية. التفتت لابن عمي، لقيته واقف ورا، حاطط إيده في جيبه، وعلى وشه ابتسامة باردة ومستفزة، ابتسامة حد عارف حاجة تانية غير اللي ظاهرة للناس.
أمي وقعت على الكرسي والدموع محبوسة في عينها، وأبويا واقف زي الجبل اللي انهد، باصص للأرض، مكسور لأول مرة في حياتي أشوفه بالضعف ده.
صوت عريسي رجع يتردد في ودني تاني لما قرب مني ووشوشني بصوت مبحوح، صوت مكنش فيه أي حب ولغ رحمة ، كان فيه رعب:
كفاية بقي تمثيل البراءة.. اللي عملتيه مش هيعدي بالساهل، والسر اللي كنتوا مخبينه عليا عشان ابوكي يلبسك ليا ويداري عارك اتكشف ..
المغفل فاق أنا عرفت والحمد لله انكوا اتكشفتوا في الوقت المناسب قبل ما ادبس فيكي اكتر وسابني ومشي…
#انجي_الخطيب
مشيت خطوة لورا، كنت عايزة أصرخ، أقولهم إن دي كذبة، إني معرفش هو بيتكلم عن إيه، وإني أصلاً مكنش ليا أي علاقة بابن عمي ده. بس قبل ما أنطق حرف، لقيت ابن عمي بيقرب مني تاني، ووسط الفضيحة و اللخبطة اللي حصلت في القاعة ، حط في إيدي ورقة صغيرة مطبقة، وهمس في ودني بكلمة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي…
”افتحيها لما تخرجي من هنا .. لو عايزة تتستري وكل دا يعدي وتقدري ترفعي راسك تاني في وسط الناس…
أبويا قام ببطء، مسك إيدي وشدها، وخرجنا من وسط نظرات الناس اللي كانت بتاكلنا، ومن وسط همساتهم اللي بقت أعلى من صوت الاغاني اللي كانت في الفرح….
ركبنا العربية، والسكوت كان مسيطر علينا كلنا من الصدمة ، بس أنا كنت حاسة إن حياتي انتهت….
#انجي_الخطيب
فتحت إيدي ببطء وأنا ببص في المرايا، لقيت ابن عمي واقف عند باب القاعة، بيبصلي وبيهز راسه، وكأنه فرحان فيا وشمتان….
فتحت الورقة، وعيني وقعت على أول جملة فيها.. جملة خلتني اقول لابويا وقف العربية ، وأبصلة وهو بيسوق وهو مش حاسس بالدنيا، وأقولة…..
ياترى إيه الجملة اللي كانت مكتوبة في الورقة وغيرت كل موازين حياتها
……..
وقف العربية يا بابا.. وقفها حالاً!
صرخت بصوت مبحوح، والورقة في إيدي بتترعش كأني ماسكة جمرة نار. أبويا فرمل فجأة لدرجة إننا اتحدفنا لقدام، بصلي وعينيه غايرة من الصدمة، ملامحه ميتة، لا عتاب ولا غضب، مجرد انكسار. بصلي بصه خلت روحي تتسحب مني، وقال بصوت واطي ومكسور:
عايزة إيه يا بنتي؟ عايزة إيه تاني بعد اللي حصل؟ الناس نهشت في سيرتنا، وبنتك اطلقت في الكوشة، وسمعتنا في الأرض.. فيه إيه تاني ممكن يحصل؟
قربت الورقة من عيني، الحروف كانت بتتحرك قدامي، قريت الجملة اللي مكتوبة بخط إيد ابن عمي “سالم”: “الحقيقة مش في اللي جوزك فاكره.. الحقيقة في اللي أبوكي خايف يقوله عن ليلة الحادثة اللي مات فيها أخوك”.
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة، دقات قلبي اللي كانت سريعة هديت فجأة، وبصيت لأبويا اللي بدأ جسمه يترعش، ايديه سابت الدركسيون، ووشه بقى شاحب أكتر من الموت. بصلي في مرايا العربية، وبصته دي كانت كفيلة تأكد لي إن الكلام ده مش مجرد تهديد، ده إقرار بذنب.
بابا.. إيه علاقة موت أخويا بـ “الابن” اللي ابن عمي بيقول إني شايلة في بطني؟ وأي عار ده اللي ابن عمي بيهدد بيه؟
أبويا مردش، كان بيبص للطريق الفاضي والدموع بدأت تنزل على خده، لأول مرة أشوف الراجل اللي كنت شايفاه سوبرمان بيعيط. صرخت فيه تاني:
انطق يا بابا! ليه سالم بيقول كده؟ وليه جوزي سابني وهو مقتنع إني حامل من غير ما حتى يواجهني، ومن غير ما يخليني أنطق؟ هو ليه كان جاهز بالاتهام ده؟
أبويا مسح وشه بإيده، وطلع زفير طويل كأنه بيطلع روحه، وبصلي بصه كلها خوف وقلق:
سالم مش بيلعب يا بنتي، سالم معاه مفاتيح حياتنا في إيده، وموت أخوكي مكنش قضاء وقدر زي ما فهمنا الناس.. ده كان تمن سكوتنا، وتمن الغلطة اللي بدأت من سنين، واليوم ده، سالم قرر يفتح الحساب اللي مكنش حد فينا عايز يفتحه.
قطعت كلامه بصوت مهزوز:
يعني إيه؟ يعني أنا ضحية صراع ما بينا وبين ابن عمي؟ طب وأنا ذنبي إيه؟ أنا ليه اللي أتدفع تمن الحقيقة؟
أبويا مسك دركسيون العربية بقوة لدرجة إن مفاصل صوابعه ابيضت، وبصلي بنظرة كلها وجع:
ذنبك إنك كنتي الحلقة الأضعف، والوحيدة اللي مكنتش تعرفي إن فرحك ده مكنش بداية لحياة جديدة.. ده كان فخ معمول عشان يخلص بينا وبين سالم حساب قديم، حساب تمنه دمي ودمك.
سكتت، والكلمات وقفت في زوري، كنت حاسة إني في كابوس ومش قادرة أصحى، ولقيت موبايلي بينور في إيدي برقم سالم، بيبعت رسالة قصيرة: “باقي الحقيقة بصيت لأبويا اللي كان لسه مسهم، وعيني جت في عين أمي اللي كانت قاعدة ورا بتعيط بصمت ومغمضة عينيها كأنها بتهرب من الواقع، سحبت نفسي من العربية وبابها اتفتح بصوت مكتوم، أبويا نادى عليا بصوت ضعيف “رايحة فين يا بنتي؟”، بس أنا مكنتش سامعة غير دقات قلبي اللي بتنادي على الانتقام من الحقيقة اللي مدفونة بقالها سنين.
مشيت في الشارع اللي كان خالي إلا من ريح خماسين بتهب ببرودة في عز الصيف، وصلت لمخزن الغلال القديم بتاع جدنا، المكان اللي كنا بنلعب فيه وإحنا صغيرين، المكان اللي كان شاهد على طفولتي، بس دلوقتي كان شاهد على نهايتي
فتحت باب المخزن بصعوبة، ريحته كانت تراب وقدم، لمحت خيال سالم واقف في آخر المخزن، الضوء كان بيدخل من شقوق السقف بيقطع الضلمة خيوط، سالم كان بيدخن سيجارته ببرود، ولما شافني طفاها تحت رجله وبدأ يقرب مني بهدوء، مشيّة واثق إن الفريسة بقت في إيده
نورتي يا بنت عمي.. كنت عارف إنك هتيجي، الفضول دايماً بيبقى أقوى من الخوف، مش كده
رديت عليه وصوتي بيطلع متقطع من كتر الغيظ والرعب اللي في قلبي
أنت عملت فيا إيه يا سالم؟ إيه اللي كتبته في الورقة ده؟ وإيه حكاية أخويا اللي ميت من خمس سنين؟ انطق.. والا وحياة اللي خلقني لأكون قاتلة النهاردة قبل ما أكون مقتولة
ضحك سالم ضحكة شريرة خلت المكان يتردد بصداها، وقرب مني لدرجة إني شميت ريحة سجايره، وبص في عيني مباشرة وقال
أخوكي ممتش في حادثة طريق زي ما أبوكي فهمكم، أخوكي كان بيكتشف إن أبوكي وأبويا كانوا شركاء في “تجارة” مشبوهة، ولما حب يبلغ عنهم، كان لازم يخلصوا عليه.. والمفاجأة؟ إن اللي ساق العربية وخبط أخوكي وقتها كان “أبوكي” بنفسه عشان يداري على نفسه، وأنا كنت الشاهد الوحيد اللي مسكت عليهم الدليل، والدليل ده هو اللي كان بيخليهم يمشوا تحت طوعي كل السنين اللي فاتت
جسمي اتصلب، حسيت إن الأكسجين هرب من الرئة، الكلام كان تقيل لدرجة إن عقلي مش مستوعبه، لسه هفتح بقي أرد، لقيت صوت حد بيزق باب المخزن بقوة، التفتنا أنا وسالم في نفس اللحظة، كان أبويا، وشه أحمر من الغضب، وفي إيده حاجة معدنية بتلمع تحت ضوء الشمس اللي داخل من الشق، صرخ أبويا بصوت زي الزئير
كفاية لحد كده يا سالم.. اللعبة خلصت، والنهارده يا أنا يا أنت
سالم مكنش خايف، بالعكس، طلع موبايله وفتحه وقال بصوت عالي
ابعد يا عمي.. لاحسن أدوس على زرار واحد يخلي كل اللي بنيته يتهد فوق دماغك، أنت فاكرني غبي؟ أنا مسجل كل اعترافاتك من يوم ما دخلت المخزن ده.. اختار بقى، يا إما بنتك ترجع تعيش كأن مفيش حاجة حصلت، يا إما الفضيحة اللي هتخلي الكل يعرف إن أبوها قاتل أخوها!:!:.:!:؟..ا مني لوحدك.. تعاليلي على المكان اللي أنتي عارفاه، لو عايزة تعيشي بكرامتك”.!
……..
بصيت لأبويا اللي كان لسه مسهم، وعيني جت في عين أمي اللي كانت قاعدة ورا بتعيط بصمت ومغمضة عينيها كأنها بتهرب من الواقع، سحبت نفسي من العربية وبابها اتفتح بصوت مكتوم، أبويا نادى عليا بصوت ضعيف “رايحة فين يا بنتي؟”، بس أنا مكنتش سامعة غير دقات قلبي اللي بتنادي على الانتقام من الحقيقة اللي مدفونة بقالها سنين. مشيت في الشارع اللي كان خالي إلا من ريح خماسين بتهب ببرودة في عز الصيف، وصلت لمخزن الغلال القديم بتاع جدنا، المكان اللي كنا بنلعب فيه وإحنا صغيرين، المكان اللي كان شاهد على طفولتي، بس دلوقتي كان شاهد على نهايتي. فتحت باب المخزن بصعوبة، ريحته كانت تراب وقدم، لمحت خيال سالم واقف في آخر المخزن، الضوء كان بيدخل من شقوق السقف بيقطع الضلمة خيوط، سالم كان بيدخن سيجارته ببرود، ولما شافني طفاها تحت رجله وبدأ يقرب مني بهدوء، مشيّة واثق إن الفريسة بقت في إيده. نورتي يا بنت عمي.. كنت عارف إنك هتيجي، الفضول دايماً بيبقى أقوى من الخوف، مش كده؟ رديت عليه وصوتي بيطلع متقطع من كتر الغيظ والرعب اللي في قلبي: أنت عملت فيا إيه يا سالم؟ إيه اللي كتبته في الورقة ده؟ وإيه حكاية أخويا اللي ميت من خمس سنين؟ انطق.. والا وحياة اللي خلقني لأكون قاتلة النهاردة قبل ما أكون مقتولة! ضحك سالم ضحكة شريرة خلت المكان يتردد بصداها، وقرب مني لدرجة إني شميت ريحة سجايره، وبص في عيني مباشرة وقال: أخوكي ممتش في حادثة طريق زي ما أبوكي فهمكم، أخوكي كان بيكتشف إن أبوكي وأبويا كانوا شركاء في “تجارة” مشبوهة، ولما حب يبلغ عنهم، كان لازم يخلصوا عليه.. والمفاجأة؟ إن اللي ساق العربية وخبط أخوكي وقتها كان “أبوكي” بنفسه عشان يداري على نفسه، وأنا كنت الشاهد الوحيد اللي مسكت عليهم الدليل، والدليل ده هو اللي كان بيخليهم يمشوا تحت طوعي كل السنين اللي فاتت. جسمي اتصلب، حسيت إن الأكسجين هرب من الرئة، الكلام كان تقيل لدرجة إن عقلي مش مستوعبه، لسه هفتح بقي أرد، لقيت صوت حد بيزق باب المخزن بقوة، التفتنا أنا وسالم في نفس اللحظة، كان أبويا، وشه أحمر من الغضب، وفي إيده حاجة معدنية بتلمع تحت ضوء الشمس اللي داخل من الشق، صرخ أبويا بصوت زي الزئير: كفاية لحد كده يا سالم.. اللعبة خلصت، والنهارده يا أنا يا أنت! سالم مكنش خايف، بالعكس، طلع موبايله وفتحه وقال بصوت عالي: ابعد يا عمي.. لاحسن أدوس على زرار واحد يخلي كل اللي بنيته يتهد فوق دماغك، أنت فاكرني غبي؟ أنا مسجل كل اعترافاتك من يوم ما دخلت المخزن ده.. اختار بقى، يا إما بنتك ترجع تعيش كأن مفيش حاجة حصلت، يا إما الفضيحة اللي هتخلي الكل يعرف إن أبوها قاتل أخوها!
……..
أبويا وقف متجمد، والحاجة اللي في إيده ارتجفت، ونظرة الوحش اللي كانت في عينيه اتحولت لنظرة انكسار مهين. سالم كان واقف زي القاضي اللي بيوزع أحكام بالإعدام، وموبايله في إيده زي السلا..ح المسلط على رقبتنا كلنا. بصيت لأبويا، كان نفسه طالع ونازل بصعوبة، كأنه بيحاول ياخد نفس في أوضة مقفولة.
نزل السلا..ح يا بابا.. نزل السلا..ح، مش ده اللي هيحل المشكلة.
قلتها بصوت مخنوق وأنا بقرب منه، أخدت منه الحديدة اللي في إيده ورميتها على الأرض. رميتها وأنا حاسة إني برمي معاها كل ذكرياتي الحلوة عنه، كل صورة كنت راسمها لأبويا الشهم الجدع. بصيت لسالم اللي كان بيبتسم ابتسامة النصر، وقلت له بثبات استغربته أنا شخصياً:
أنت فاكر إنك كسبت؟ أنت فاكر إنك لما تذلنا وتلوي دراعنا بالماضي، هتقدر تتحكم فينا؟ أنت يا سالم واحد حقير استغل سر عشان يعيش ميت سنين، بس نسيت حاجة واحدة.. الميت اللي مات عشان الحقيقة، ساب وراه أخت مش هتسكت على دم أخوها.
سالم ضحك بس الضحكة المرة دي كانت ناقصة، بدأ يقلق من ثباتي. كملت وأنا بقرب منه خطوة:
جوزي طلقني عشان صدق كذبتك، وده معناه إن مفيش حاجة تانية أخاف عليها. لا سمعة، ولا جوز، ولا حياة هادية.. أنا بقيت في الشارع من كل ده، يعني مفيش حاجة تانية تخسرها يا سالم.
سحبت الموبايل من إيده بحركة سريعة ومباغتة، سالم اتفاجئ وحاول يشدني من دراعي، بس أنا جريت ناحية الباب، ووقفت بصلته وبصيت لأبويا وقلت:
الموبايل ده عليه كل حاجة، صح؟ لو هو ده مفتاحك، يبقى هو ده اللي هيوديك في داهية.
قبل ما سالم يلحقني، رميت الموبايل بكل قوتي على الأرض، وكررت الخطوة دي تاني وتالت لحد ما اتهشم تحت جزمتي، وبقى عبارة عن حتت بلاستيك وشاشات مكسورة. سالم اتجنن، هجم عليا، بس أبويا فاق من صدمته، وطلع قوته اللي اتبقى منها شوية، ووقف قدام سالم زي السد المنيع، زقه لورا وصرخ فيه:
كفاية يا سالم! لو عايز تبلغ، بلغ.. القاتل أهو قدامك، بس قسماً بالله لو قربت من بنتي تاني، ما هرحمك! روح للبوليس، أنا مستعد أدفع تمن غلطتي، بس ابعد عن بنتي.. حياتها هي اللي باقيالي.
سالم بص لنا بحقد، كان بيطلع نار من عينيه، وبص لأبويا وقال بصوت واطي ومسموم:
فاكر إن كسر الموبايل ينهي الموضوع؟ أنا عندي نسخ تانية.. وأوعدك، إن بكرة الصبح، الدنيا كلها هتعرف الحقيقة، وهخلي بنتك دي تتمنى الموت وما تلاقيهوش.
سالم سابنا ومشي، وصوت خطواته بيخبط في أرضية المخزن كانت بتدوي في دماغي. أبويا وقع على ركبه، دفن وشه بين إيديه، وبدأ ينهج. كنت واقفة بتفرج عليه، مش عارفة أكرهه، ولا أشفق عليه، ولا أبكي على حالي.. اللي أعرفه إن الليلة دي مش هتعدي على خير، وإننا بقينا في سباق مع الزمن، يا إما الحقيقة تظهر على إيدي، يا إما سالم يدفننا كلنا تحت تراب الماضي.
يوم فرحي ج 2 حكايات انجى الخطيب
بصيت لأبويا وهو منهار على الأرض، ودموعي اللي كانت محبوسة بدأت تنزل زي الشلال. مكنتش عارفة أواسي مين؟ قلبي المكسور ولا الراجل اللي كان سندي وطلع هو اللي هادد كياني؟ قربت منه، قعدت جنبه على الأرض الباردة، ومسكت كتفه، وبصوت مبحوح قلتله:
يا بابا، لو الكلام ده بجد، لو فعلاً أنت السبب في اللي حصل لأخويا.. يبقى لازم ننهي المهزلة دي بنفسنا. مش هنستنى سالم يهد البيت فوق دماغنا، ولا هنستنى حد يدوس علينا أكتر من كدة.
أبويا رفع راسه، كانت عيونه غرقانة في دوامة من الندم والكسرة، مسك إيدي وباسها، صوته كان طالع زي فحيح التعبان:
يا بنتي، أنا مش خايف على نفسي، أنا خايف عليكي.. سالم ده شيطان، عنده وسايل يخلي اللي مش حقيقي يبان كأنه واقع، وأنا كنت غبي لما سمحتله يمسك عليا الحتة دي. هو مش بس معاه تسجيلات، هو معاه “أوراق” وقرارات أمضيتها وأنا مش حاسس، أوراق لو طلعت للنور، أنا مش بس اللي هروح في داهية، العيلة دي كلها هتتشرّد.
وقفت فجأة، مسحت دموعي بإيدي، وبصيت للمكان من حوالينا. المخزن ده مكنش مجرد مخزن غلال، ده كان مخزن “أسرارهم”. بصيت في ركن بعيد، لمحت صندوق خشبي قديم عليه قفل صدّي، افتكرت كلام أخويا الله يرحمه قبل ما يموت بأيام، لما قالي: “لو حصل لي حاجة يا أختي، الحقيقة كلها في الصندوق اللي في المخزن، مفتاحه في جيب الجاكيت اللي أبويا دفنه يوم ما اتخانق مع عمي”.
مشيت ناحية الصندوق، ولقيت أبويا بيبصلي بذهول، كأنه عرف أنا بدور على إيه. حاولت أكسر القفل بالحجر اللي كان جنب الباب، مرة واتنين، لحد ما القفل اتفتح بـ “طرقعة” خلت قلبي ينط من مكانه. فتحت الصندوق، مكنش فيه دهب ولا فلوس.. كان فيه “دفتريين” صغيرين، وشوية صور قديمة، وشرايط كاسيت، وورقة مكتوب عليها بخط إيد أخويا: “للي هيقرا الكلام ده، أنا عارف إن نهايتي قربت، وده كل اللي قدرت أجمعه عن شركاء الدم”.
قلبت في الدفتر، ولقيت أسماء، تواريخ، وحسابات بنكية، وتفاصيل لعمليات غير مشروعة مش بس تخص أبويا وعم “سالم”، دي تخص ناس تقيلة في البلد!
بصيت لأبويا وقلتله بابتسامة باهتة ومرعبة في نفس الوقت:
يا بابا، سالم فاكر إنه ماسك علينا “خيط”، بس هو ميعرفش إننا قاعدين على “قنبلة” موقوتة.. لو ولعت، هتحرق سالم، وهتحرقنا معاه، وهتحرق كل اللي شارك في دمنا.
أبويا بص للدفاتر واتنفس بعمق، لأول مرة شفت في عينيه لمعة تحدي وسط الضعف. قالي:
أنتي ناوية على إيه يا بنتي؟
بصيت لبعيد، للشارع اللي هيمشي فيه سالم بكرة وهو فاكر إنه ملك العالم، وقلت:
ناوية أخلص من الشيطان بسلا..ح الشيطان نفسه.. بكرة، سالم هيعرف إن اللي استضعفها، هي اللي هتحط نهايته بإيدها.
……
طلعت الدفاتر من الصندوق وحطيتها في شنطتي، وخرجت مع أبويا من المخزن، السكون في الشارع كان بيخنق، والليل كان ساترنا بظلمته. ركبنا العربية وأنا ملامحي اتحجرت، مفيش دموع تاني، مفيش خوف، جوّاي بركان بيغلي ومحتاج يطلع في الوقت الصح.
وصلنا البيت، لقيت أمي قاعدة في الصالة، وشها زي الميتين، لما شافتني داخلة بالشنطة دي وبصت لأبويا اللي كان ماشي ورايا وراسه مرفوعة لأول مرة من سنين، قامت وقفت بخوف:
عملتوا إيه؟ سالم سابكم في حالكم؟
بصيت لأمي، لملامحها اللي شالت هموم سنين، ولقيتني بقولها بصوت واطي بس حازم:
سالم مش هيسيبنا في حالنا يا أمي، سالم فاكر إنه صياد، بس الليلة دي عرفت إنه كان بيصطاد في مية عكرة، وأنا قررت أكشف المية دي للكل.. ادعيلي، لأن اللي جاي معناه يا نعيش بكرامة، يا نموت والحقيقة معانا.
دخلت أوضتي، قعدت على مكتبي، وفتحت الدفاتر. بدأت أقرأ التفاصيل، كان كل اسم مذكور في الدفاتر دي وراه كوارث. اكتشفت إن سالم مش بس بيهددنا، ده كان “الذراع اليمين” لشبكة فساد كبيرة في المحافظة، وأبويا مكنش مجرد شريك، كان “مغسلة” لفلوسهم الحرام. أخويا الله يرحمه كان بيجمع ده كله عشان يفك قيودنا، بس دفع حياته تمن للصدق.
مسكت الموبايل، وفتحت صفحة التواصل الاجتماعي، كنت عارفة إنها الوسيلة الوحيدة اللي صوته مش هيقدر يداريها. كتبت كل حاجة.. الحقيقة كاملة، الأسماء، التواريخ، وحتى التسجيل اللي سالم كان بيهددنا بيه، بس بطريقتي أنا، وبصياغة تخلي الرأي العام كله هو اللي يحمينا.
صوابعي كانت بتترعش فوق الشاشة، لحظة التردد الأخيرة جت: “لو دوست ‘نشر’، حياتي القديمة بكل ما فيها هتتمسح، وعيلتي هتدخل في دوامة مفيش منها خروج”.
سمعت خبط خفيف على باب أوضتي، كان أبويا. دخل وبص لي وبص للابتوب اللي قدامي، قعد جنبي ومسك إيدي وقال بصوت واثق:
دوسي يا بنتي.. لو دي الطريقة الوحيدة اللي نكفر بيها عن ذنبنا، يبقى خليها تكون. أنا مش عايز أموت وأنا حاسس إني مديون لروح أخوكي.
غمضت عيني، ودوست “نشر”.
ثواني وبدأ الموبايل ينهال بالرسائل، التنبيهات مكنتش بتبطل، كأن قنبلة انفجرت فعلاً في العالم الافتراضي. في أقل من ساعة، المنشور بقى حديث البلد.
سمعت صوت عربيات شرطة في آخر الشارع، وصوت صريخ سالم اللي كان واضح إنه وصل للبيت عشان يواجهنا، بس المرة دي، كان متأخر. أنا فتحت باب البيت ووقفت في البلكونة، شفت سالم وهو بيجري ناحية باب بيتنا، وشه كان عبارة عن كتلة من الرعب لما شاف عربيات البوليس اللي كانت محاصرة بيته هو مش بيتنا..
بص لي سالم وهو بيترعش، وبص للموبايل في إيده اللي كان فيه كل حاجة، بس دلوقتي، كل أوراقه بقت مكشوفة للجهات اللي مكنش يتخيل إنها توصلها.
ابتسمت له ابتسامة باردة، وقلت لنفسي: “الورقة اللي رميتها لي في الفرح، كانت هي تذكرة خروجي من جحيمك، بس أنت اللي كتبت نهايتك فيها”.
الدنيا تحت بيتنا بقت ساحة معركة، والناس بدأت تتجمع، والحقيقة اللي كانت مدفونة خمس سنين طلعت للنور في ليلة واحدة. قفلت اللابتوب، قعدت على السرير، ولأول مرة من يوم الفرح، حسيت إن روحي بدأت تتنفس.. الحرب بدأت، بس المرة دي، أنا اللي ماسكة زمام الأمور.
……….
الصبح طلع، بس كان صبح مختلف، شمسية طالعة بتكشف حطام حياة قديمة وبتبشر ببدء حياة تانية. قعدت في الصالة، البيت كان هادي تماماً، حتى صوت أمي اللي كان دايماً فيه نبرة خوف، اختفى. أبويا كان قاعد قدامي، بيشرب سيجارته ببطء، عيونه مكنش فيها بريق، بس كان فيها هدوء المتقبل لمصيره.
الباب خبط، خبطات تقيلة ومنتظمة. بصيت لأبويا، هز راسي، وقمت فتحت. كان ظباط المباحث، مكنوش جايين عشان يقبضوا عليا، كانوا جايين عشان “الشهادة” والمحاضر اللي بدأت تتفتح في كل حتة بعد ما “بوست” بتاعي قلب البلد.
سالم كان متكلبش في عربية البوليس اللي واقفة قدام البيت، ملامحه اللي كانت دايماً متعالية ومستفزة بقت مكسورة، شعر راسه منكوش وعيونه بتدور في الفراغ، كأنه مش مصدق إن “البنت الضعيفة” اللي كان بيلاعبها زي العرايس، هي اللي سحبته للقاع. لما شافني وأنا واقفة على باب البيت، حاول يصرخ، بس عسكري حط إيده على كتفه وزقه جوه العربية.
دخلت جوا، قعدت قصاد الظابط، وبدأت أحكي. حكيت كل حاجة، من غير ما أداري على أبويا، ومن غير ما أجمل الصورة. حكيت عن التاجر اللي قتل أخويا، وعن السكوت اللي فرضوه علينا، وعن سنين الخوف. أبويا في الأوضة التانية كان بيسمع، وكل كلمة كنت بقولها كانت بتنزل عليه زي حد السيف، ولما خلصت، لقيت الظابط بيبصلي بتقدير، وقالي:
إنتي عملتي اللي رجالة كتير خافوا يعملوه. الملف ده كان بقاله سنين بيتحضر، بس محدش كان عنده الجرأة اللي عندك.
بعد ما مشيوا، أبويا طلع من الأوضة، وقف قدامي، كان بيترعش. مسك إيدي وباسها، دموعه نزلت على إيدي وحرقتني، وقال بصوت متقطع:
سامحيني يا بنتي.. أنا اللي لبستك توب مش توبك، وأنا اللي رميتك في نار أنا اللي ولعتها.
بصيت له، مكنتش عارفة أقول إيه، الغضب اللي كان جواه اتطفي، ومبقاش فاضل غير وجع السنين. قلتله بهدوء:
الحساب عند ربنا يا بابا، مش عندي. أنا بس عملت اللي يخليني أقدر أبص في المرايا من تاني من غير ما أتكسف من نفسي.
بعد يومين، الخبر كان في كل الجرايد والمواقع: “سقوط إمبراطورية الفساد، وابنة القاتل تكشف المستور”. جوزي.. اللي طلقني في الفرح، حاول يرجع، حاول يتصل ويبعت ناس تتوسط، بس كنت خلاص، قفلت الباب ده للأبد. الشخص اللي باعني في أول لحظة ضعف، ملوش مكان في حياتي اللي بتبدأ.
وقفت في البلكونة، بشوف الناس وهي معدية في الشارع، بيشاوروا على بيتنا، بس نظراتهم اتغيرت. مبقاش فيها شفقة ولا سخرية، بقى فيها احترام.. احترام للي اختارت الحقيقة على الستر الكداب.
بصيت للسما، حسيت إن أخويا -في مكان ما- أخيراً ارتاح. رميت خاتم الجواز اللي كان في إيدي في الشارع، وشفت لمعته وهو بيختفي في وسط الزلط. بدأت صفحة جديدة، صفحة مفيش فيها أسرار، مفيش فيها ذل، صفحة عنوانها “أنا”.
الحياة مكنتش سهلة، وكل يوم كان فيه استجوابات ومحاكم، بس كنت بمشي في الشارع راسي مرفوعة، لأني بقيت حرة.. حرة من الماضي، وحرة من خوفي، والأهم من ده كله، حرة من الكدبة اللي كادت تدفني وأنا لسه عايشة.
……..
عدت الشهور كأنها سنين، المحاكمات كانت بتهد الحيل، وأبويا دخل السجن يقضي عقوبته عن ذنبه اللي اعترف بيه، بس في كل زيارة كنت بدخله فيها، كنت بلاقي في عينيه سلام مكنش موجود قبل كده، كأنه اتطهر من حمل تقيل شاله سنين فوق كتافه. أمي فضلت جنبي، سندتني وسندتها، وبقينا احنا الاتنين في وش الريح، بس المرة دي ريح مش هتقدر تهزنا.
سالم اتوزع على سجون بعيدة بعد ما الحقيقة اتكشفت، وكل اللي كانوا شغالين معاه تاهوا، والمصالح اللي كانت بتدور بالفساد اتقفلت أو اتغيرت إدارتها. الناس بدأت تنسى “فضيحة الفرح”، وتحفظ في الذاكرة “شجاعة البنت اللي كشفت المستور”.
في يوم خريف، كنت ماشية في شارعنا القديم، لقيت عريسي السابق، اللي طلقني بكلمة رخيصة في القاعة، واقف بعيد بيراقبني. لمحته وهو بيقرب بخطوات مترددة، ملامحه كانت ذابلة، وكأنه عرف معنى الخسارة الحقيقية. وقف قدامي، حاول يتكلم، حاول يبرر:
”انجي.. أنا.. أنا كنت مخدوع، كنت فاكر إن..”
قاطعته قبل ما يكمل، ابتسامة خفيفة ورزينة اترسمت على وشي، بصيت في عينيه بثبات، ومن غير أي عصبية أو حقد، قلتله:
”اللي بيحب بجد يا فلان، بيسأل قبل ما يرمي اليمين، وبيصدق اللي بيحبه قبل ما يصدق كلام الغريب. أنت اخترت السهل، وأنا اخترت الحق.. والاتنين مبيتقابلوش.”
سبته واقف مكانه، مكملتش كلام، ومبصتش ورايا تاني. مشيت في طريقي، كملت تعليمي اللي كان واقف، وبدأت مشروع صغير بجهدي وشقايا. بقيت بشتغل وبكبر، والفلوس اللي كانت بتيجي من “الشبكة” أو “الفساد” مابقتش موجودة، بس البركة كانت في كل قرش بدخله بيتي، والراحة اللي في قلبي كانت تساوي كنوز الدنيا.
أحياناً، بليل، لما بقعد في بلكونتي وببص للنجوم، بفتكر “انجي” بتاعت زمان، البنت اللي كانت خايفة ومكسورة، وببتسم. الزمن مش بس بيغير الوشوش، الزمن بيصقل البني آدم. عرفت إن الفضيحة مش إنك تطلق في فرحك، الفضيحة الحقيقية إنك تعيش حياة كدابة، وتكمل في طريق غلط عشان خايف من كلام الناس.
الحياة مش دايماً بتدينا نهايات سعيدة زي الحكايات، بس بتدينا “فرصة تانية” عشان نكتب النهاية اللي نستحقها.. وأنا، كتبت نهايتي بإيدي، وبقلم مبيعرفش يكتب غير الحقيقة.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق