شقـة الحـضانة كاملة
حكـايات منـي الـسـيد
كنت فاكر إني مأمن مستقبل ولادي بدفع النفقة، والمدارس، والهدوم، وكل جنيه بيتصرف عليهم. لكن في يوم اكتشفت إن الشقة اللي المحكمة سابتها ليها عشان حضانة الولاد بقت بتتأجر مفروش وهي قاعدة عند أمها! ساعتها عرفت إن اللي جاي مش هيعدي بالساهل…
بـدايـة:من سنتين بالظبط… خرجت من المحكمة وأنا حاسس إن جزء كبير من عمري اتقفل واتحط عليه قفل ومفتاح.
الجواز انتهى… لكن الأبوة عمرها ما بتنتهي…ناس كتير فاكرة إن أول ما الراجل يطلق مراته يبقى خلاص خلع نفسه من المسؤولية، لكن أنا كنت شايف الموضوع بشكل تاني خالص….حصري علي صفحة روايات و اقتباسات….
أنا عندي ولدين… هما كل اللي باقيلي في الدنيا، علشان كده لما اتفقنا على كل حاجة بعد الطلاق، كنت حريص إن محدش يقدر يقول يوم إني قصرت في حقهم.
اتفقنا إنها تاخد خمسة آلاف جنيه كل شهر… أكل وشرب بس.
أما المدارس، فكنت أنا اللي بدفع المصروفات بنفسي للمدرسة، ولا جنيه كان بيدخل إيد حد…لبس المدارس عليا ، الشنط والأدوات عليا، لبس العيد عليا.
حتى لو احتاجوا علاج أو كشف دكتور أو درس أو أي مصروف زيادة… كانت تبعتلي الفاتورة، وأنا أحول الفلوس من غير نقاش… حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
كنت مقتنع إن أي جنيه هيتصرف على ولادي هو استثمار فيهم. حكايات_مني_السيـد
أما الشقة…دي كانت أكتر حاجة وجعتني…شقة حلم عمري…سنين شقى وغربة وشغل ليل ونهار…كل حتة فيها كنت عاملها بإيدي…الرخام اخترته بنفسي.
المطبخ اتعمل على ذوقي…السيراميك لفينا عليه شهور.
كل قرش اتحط فيها كنت فاكره كويس…لكن القانون قال إنها حاضنة… ومن حقها تقعد فيها.
قولت خلاص…الشقة مش مهمة قد ولادي…سيبتها بالعفش كله كمان…مكنتش عايز ولادي يحسوا إنهم اتنقلوا من بيت لبيت…كنت كل ما أروح أشوفهم، أحاول أبص بعيد عن تفاصيل الشقة…عشان متوجعش.
وأقول لنفسي…دي كلها كام سنة، والولاد يكبروا، وربنا كريم
حكايات_مني_السيـد
الأيام عدت..الحياة بدأت تهدى…بقيت مركز في شغلي.
وفي مواعيد رؤية الولاد..لحد ما بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
كل مرة أقول للولاد: هنوصلكم البيت
كان الرد ييجي بسرعة: لأ يا بابا… روحنا عند تيتة
استغربت…قولت يمكن يوم ولا اتنين.لكن الموضوع بقى بيتكرر….مرة ، واتنين ، وعشرة، كل مرة الولاد عند جدتهم.
لدرجة إن ابني الصغير مرة قال جملة وقفتني.
قال وهو بيضحك: إحنا بقينا ساكنين عند تيتة على طول.
الكلمة عدت على أي حد عادي…لكن أنا وقفت عندها.
على طول؟…إزاي على طول؟….طيب والشقة؟
قولت يمكن أمهم تعبانة…يمكن جدتهم محتاجة حد.
يمكن أي ظرف…مفيش داعي أسيء الظن.
لكن الشك بدأ يدخل قلبي، وفي يوم كنت معدي بالصدفة من الشارع اللي فيه الشقة…بصيت على البلكونة.
مفيش حاجة أعرفها…الستارة اتغيرت…زرع جديد.
كرسي هزاز…استغربت…قولت يمكن غيرت الديكور.
لكن اللي خلاني أنزل من العربية…إن فيه راجل واقف في البلكونة، واقف بكل أريحية.
بيدخن…ولابس شورت…كأنه صاحب المكان…قلبي دق بسرعة…طلعت العمارة…فضلت واقف قدام الباب.
أرن؟، ولا أمشي؟، وأنا لسه بفكر…الباب اتفتح…مش هي…
واحدة معرفهاش، بصتلي وقالت:حضرتك بتدور على مين؟
قولتلها: دي شقتي…
بصتلي باستغراب وقالت: لا يا فندم… إحنا مأجرينها.
الجملة وقعت عليا زي الصاعقة….مأجرينها؟
إيه يعني مأجرينها؟
قولتلها: من مين؟
قالت بمنتهى البساطة: من صاحبة الشقة… إحنا واخدينها مفروش بالشهر.
وقتها حسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا…نزلت من غير ما أتكلم.
ركبت العربية، وقعدت يمكن نص ساعة ماسك الدركسيون.
مش مستوعب..أنا بسيب الشقة عشان ولادي يعيشوا فيها…
وهي بتأجرها؟…طيب ولادي فين؟…قاعدين عند أمها.
يعني الشقة اللي اتسابِت بالحضانة… مش مستخدمة للحضانة أصلاً….رجعت البيت…طلعت كل أوراق الطلاق، وأوراق الشقة.
وقعدت أقرا كل كلمة…أول مرة أحس إني لازم أفهم حقي القانوني بنفسي…فتحت اللاب ودورت، وقريت، وسألت.
لكن كل إجابة كانت مختلفة عن التانية..واحد يقول ينفع.
واحد يقول لأ…واحد يقول لازم تثبت…واحد يقول الموضوع سهل….وواحد يقول مستحيل، وفي وسط الحيرة دي…
رن موبايلي…كان رقم غريب…رديت..صوت راجل قال بهدوء:
حضرتك الأستاذ…؟
قولت: أيوه.
قال: أنا مش هطول عليك… لكن فيه حاجة لازم تعرفها عن الشقة اللي مراتك السابقة مأجراها… ولو عرفتها، مش هتنام الليلةوو سكت…!!!! #حكايات_مني_السيـد
الدم جمد في عروقي، وصوت ضربات قلبي كان عالي لدرجة إني حسيت الراجل اللي بيكلمني سامعه. مسكت الموبايل بكل قوتي وسألت بصوت مخنوق:
* “أنت مين؟ وعارف موضوع الشقة ده منين؟ وإيه اللي يخليني منامش؟!”
الراجل ضحك ضحكة خفيفة، ضحكة باردة خلت شعر إيدي يقف، وقاللي:
* “مش مهم أنا مين دلوقتي يا أستاذ… المهم إن الشقة اللي أنت طافح الدم عشان تبنيها، وسايبها لولادك عشان يتربوا في عز، مبقتش مجرد شقة مفروش عادية بتدخل قرشين لمدامتك السابقة… الموضوع أكبر من كده بكتير. لو عايز تفهم، استناني كمان ساعة في القهوة اللي على أول الشارع عندك… هجيلك وأفهمك كل حاجة بالورق والمستندات.”
وقبل ما أنطق بكلمة ثانية، الخط قطع.
فضلت باصص لشاشة الموبايل وأنا مش مصدق. الورق والمستندات؟ هو في إيه تاني أنا معرفوش؟ نزلت من البيت زي المجنون، مشيت في الشارع وأنا حاسس إن الرصيف بيميل بيا. قعدت على القهوة، طلبت قهوة سادة وفضلت مستني… وكل دقيقة بتعدي عليا كانت كأنها سنة. عقلي مكنش مبطل تفكير… يا ترى مأجراها لمين؟ ويا ترى إيه اللي يخليني منامش؟ هل الشقة بيحصل فيها حاجة غلط؟ هل ولادي في خطر؟
بعد حوالي ساعة إلا ربع، لقيت راجل في أواخر الثلاثينات، لابس قميص وبنطلون جينز وشكله مألوف بالنسبة لي، بس مش قادر أفتكر شفته فين قبل كده. قرب من الطاولة وسألني بهدوء:
* “أستاذ أحمد؟”
قمت وقفت وقولتله: “أيوه أنا… أنت مين بقى؟”
قعد على الكرسي وشاورلي أقعد، وقال:
* “أنا اسمي كريم… ساكن في العمارة اللي قصاد عمارتك… البلكونة في البلكونة يا فندم. وبصراحة كده، أنا بقالي ست شهور بشوف العجب في شقتك، ولما عرفت بالصدفة من بواب العمارة إنك سبت الشقة دي لولادك ومفتكر إنهم عايشين فيها، ضميري مسمحليش أسكت… خصوصاً بعد اللي حصل الأسبوع اللي فات.”
قلبي سقط في رجلي، قولتله بلهفة:
* “حصل إيه؟ اخلص يا أستاذ كريم وقولي في إيه!”
كريم طلع من جيبه مظروف كبير وحطه على الطاولة، وقال:
* “طبعاً أنت عارف إن طليقتك مأجراها مفروش… ده الجزء اللي أنت اكتشفته بنفسك. لكن اللي متعرفهوش، إنها مأجراها بعقد صوري لواحد من قرايبها، والراجل ده بدوره مأجر الشقة دي ‘من الباطن’ لشركات مجهولة بتشغلها كـ ‘مكتب استقدام عاملات وتسكين مغتربين’.. الشقة بيدخل ويخرج منها في اليوم الواحد مش أقل من عشرين تلاتين بني آدم… رجالة وستات من جنسيات مختلفة، وناس شكلها يريب. العمارة بقت شبه قندهار، والسكان هناك بدأوا يشتكوا ويعملوا محاضر بسبب الحركة الغريبة اللي بليل، وبسبب الخناقات اللي بتحصل جوه الشقة بين السماسرة والشغالين!”
أنا تنحت… مكنتش قادر أستوعب الكلام. شقة حلم عمري… الرخام اللي نقيته، الحيطان اللي دهنتها، المكان اللي كنت متخيل ولادي بيلعبوا فيه وبيكبروا جواه… يتحول لـ “لوكاندة” ومكتب مشبوه للعاملات والمغتربين؟!
قولتله بصوت مرتعش:
* “طب وهي… هي بتعمل كل ده ليه؟ دي بتاخد نفقة ومصاريف ومبقتعش عنها جنيه!”
كريم بصل بأسى وقاللي:
* “الفلوس يا أستاذ أحمد… الطمع. الشقة دي في منطقة حيوية، وإيجارها مفروش بالطريقة دي بيدخلها مش أقل من خمسة وعشرين أو تلاتين ألف جنيه في الشهر، ده غير النسبة اللي بتاخدها من السمسار. هي سكنت مع والدتها، والولاد مرميين هناك، وسايبة الشقة دي للي يسوى واللي ميسواش يهد فيها… والأنقح من كده بقى، إن الشرطة بدأت تراقب المكان بسبب بلاغات الجيران، واليومين دول بيجهزوا حملة عشان يداهموا الشقة ويفحصوا أوراق الناس اللي قاعدة فيها… متخيل لو الشقة دي اتداهمت وهي لسه باسمك أو باسم ولادك وقيد الحضانة؟ دي هتبقى فضيحة العمر، واسمك هيتمرمط في المحاكم وجلسات الآداب والتشغيل غير المرخص!”
المظروف اللي كريم سابه كان فيه صور… صور لناس طالعة ونازلة من باب شقتي، صور لستات قاعدين في البلكونة اللي كنت بقعد فيها أشرب شاي الصبح، وصور لنسخ من شكاوى الجيران المقدمة في القسم.
شكرت كريم وأنا مش شايف قدامي. قمت من القهوة والدموع محبوسة في عيني… مش دموع ضعف، دي دموع قهر وحسرة. ركبت عربيتي وسوقت بأقصى سرعة لبيت حماتي السابقة… البيت اللي ولادي قاعدين فيه دلوقتي.
وصلت هناك، طلعت السلم تلات درجات في خطوة واحدة، وفضلت أرزع على الباب بكل غل الدنيا. الباب اتفتح، ولقيت حماتي هي اللي واقفة. أول ما شافتني وشي متغير وعيني حمرا، خافت ورجعت لورا.
* “في إيه يا أحمد؟ بتخبط كده ليه؟ الولاد نايمين!”
دخلت الشقة من غير ما استأذن وزعقت:
* “فين بنتك؟ فين هالة؟ اندهيلي هالة حالا!”
خرجت هالة من الأوضة وهي بتعدل هدومها، وبصتلي ببرود وقالت:
* “إيه السبهللة دي؟ أنت إزاي تدخل كده وتزعق؟ نسيت إننا اطلقنا ولا إيه؟”
قربت منها وأنا بطلع الصور من المظروف وبحدفهم في وشها… الصور اتبعثرت على الأرض بينها وبين أمها.
* “نسيت؟ أنا اللي نسيت ولا أنتِ اللي نسيتي دينك وضميرك وأمومتك؟! الشقة يا هالة؟ شقة الحضانة اللي المحكمة حكمتلك بيها عشان تربي ولادي فيها، مأجراها مفروش ومشغلاها مكتب وسمسرة؟ سايبة ولادك هنا ورايحة تتاجري بشقى عمري؟!”
وش هالة جاب ألوان، وبدأت تترعش، بس حاولت تكابر وتعمل نفسها قوية:
* “وأنت مالك؟ الشقة معايا بحكم محكمة، وأنا حرة أعمل فيها اللي أنا عايزاه! طالما الولاد بياكلوا ويشربوا وبلبسوا، يبقى ملكش دعوة أعيش فين ولا أعمل إيه!”
أمها دخلت في النص وقالت بصوت عالي:
* “جرى إيه يا سى أحمد؟ أنت جاي تعمل علينا راجل هنا؟ بنتي بتأمن مستقبل عيالها بالقرشين دول، الشقة واسعة عليهم وهما واخدين على القعدة معايا، إيه الجري..مة في كده؟”
ضحكت ضحكة مكتومة مليانة وجع وقلت:
* “تأمن مستقبلهم؟ بأجهزة مشبوهة وقضايا في القسم؟ الجيران مقدمين بلاغات، والبوليس مراقب الشقة وهيداهمها في أي وقت! أنتِ مش بس ضيعتي حقي، أنتِ بتضيعي عيالنا وبتوسخي اسمهم! الشقة دي كانت للحضانة… وطالما مفيش حضانة في الشقة، يبقى ملوش لزوم تقعدي فيها ثانية واحدة.”
هالة زعقت:
* “المحكمة هي اللي حكمتلي، وأعلى ما في خيلك اركبه! مش هتعرف تاخد مني سنتيمتر واحد في الشقة دي، والقانون بيحمي الحاضنة!”
بصيت لها بنظرة أخيرة، نظرة شخص مبقاش باقي على حاجة، وقولت بكل هدوء وثقة خلوها تتخض:
* “القانون بيحمي الحاضنة اللي صاينة أولادها وقاعدة بيهم في بيت الحضانة… مش اللي قالبه البيت لوكاندة ومأجراه من الباطن ومقعدة الولاد عند جدتهم. اسمعي بقى يا هالة… من اللحظة دي، مفيش جنيه واحد هيتحول على حسابك. مصاريف المدارس والعلاج هدفعها بنفسي زي ما أنا، لكن الخمس تلاف جنيه بتوع الأكل والشرب واللبس المترمي على الفواتير… انسيهم. والشقة دي أنا هاخدها… هاخدها بالقانون وبعين حمرا مش هتعملي حسابها.”
سبتهم وخرجت، ورزع الباب ورايا كان بيهز العمارة كلها.
تاني يوم الصبح، كنت واقف قدام مكتب الأستاذ ممدوح، أكبر محامي أحوال شخصية في المنطقة. حطيت قدامه المظروف وحكيتله كل حاجة من طقطق لسلام عليكم.
الأستاذ ممدوح عدل نظارته، وبص في الصور وفي شكاوى الجيران، وابتسم ابتسامة خبيثة وقاللي:
* “بص يا أستاذ أحمد… طليقتك بغبائها وطمعها قدمتلك الشقة دي على طبق من دهب. القانون المصري صريح جداً في النقطة دي. شقة الزوجية اللي بتتمكن منها الحاضنة، بتبقى مخصصة لغرض واحد بس: ‘إقامة الحاضنة والمحضونين’. طالما هي أخلت بالشرط ده، وأجرت الشقة مفروش أو سكنت في مكان تاني وسابت الشقة، ده بيعتبر (تغيير لسبب التمكين) وإساءة استخدام للمرفق. إحنا مش بس هنرفع دعوى ‘إلغاء قرار التمكين واسترداد مسكن الزوجية’.. إحنا كمان هنعمل إثبات حالة فوراً بوجود أجانب ومغتربين في الشقة عن طريق محضر رسمي في القسم، وبشهادة الجيران وبواب العمارة.”
حسيت بنار في صدري بدأت تهدى شوية، وقولتله:
* “يعني الشقة ممكن ترجعلي فعلاً يا متر؟”
الأستاذ ممدوح خبط على المكتب وقال:
* “ترجعلك ونص! بس الموضوع محتاج نفس طويل وخطوات مدروسة عشان متشمش خبر وتطرد الناس اللي مأجرين وترجع تقعد فيها مؤقتاً تضحك علينا. إحنا هنمشي في تلات خطوط متوازية: الأول، محضر إثبات حالة مفاجئ من القسم على الشقة عشان نثبت إن اللي ساكنين فيها ناس أغراب وواخدينها مفروش. الثاني، دعوى قضائية مستعجلة لاسترداد الشقة لعدم حاجة الحاضنة إليها وإقامتها في مسكن آخر (بيت والدتها). الثالث، طلب نقل حضانة الأولاد ليك أو لأمك لو ثبت إن البيئة اللي عايشين فيها دلوقتي مع والدتها غير صالحة أو إن أمهم مهملة في رعايتهم وبتسيبهم علطول.”
لما سمعت جملة “نقل الحضانة”، قلبي دق… ولادي يعيشوا معايا؟ أرجع أصحى الصبح أشوفهم؟ أربيهم على إيدي وأحميهم من القرف ده كله؟
قولتله: “أنا معاك في أي حاجة يا متر… المهم ولادي يبقوا في أمان وشقايا ميروحش في الأرض.”
بدأنا التحرك فوراً. المحامي جهز الأوراق، وفي يوم تلات، بعد العصر، كنت واقف مع قوة من قسم الشرطة، ومعانا أمر من النيابة بمعاينة الشقة وإثبات الحالة بناءً على البلاغات المقدمة من الجيران ومني كمالك للعقار.
طلعنا الدور الرابع… قلبي كان هيقف. الظابط خبط على الباب بكل قوة.
* “افتح… شرطة!”
سمعنا حركة وجري جوه الشقة، وبعد دقايق الباب اتفتح، وخرج نفس الراجل اللي شفته في البلكونة بالشورت، ووشه أصفر زي الليمونة لما شاف اللاسلكي والظباط.
* “أفندم؟ في إيه يا فندم؟”
الظابط دخل وقال بنبرة حازمة:
* “معاينة وإثبات حالة… مين اللي قاعد هنا؟ وبصفتكم إيه؟ وروني بطاقاتكم وعقود الإيجار!”
في اللحظة دي، بدأت تخرج من الأوض ستات ورجالة، أشكالهم تخوف، وشنط سفر متبعثرة في الصالة اللي كنت منقي سيراميكها بالواحدة. المطبخ اللي اتعمل على ذوقي كان مليان زبالة ومواعين وسخ تفتح النفس على الهم. حسيت بطعنة في قلبي وأنا بشوف بيتي بيتهان بالشكل ده.
الراجل اللي كان مأجر طلع عقد إيجار مفروش مكتوب فيه اسم هالة… واسم السمسار!
الظابط بص للعقد وقال للعسكري:
* “اكتب عندك يا ابني… إثبات حالة بوجود أشخاص غير المحضونين والحاضنة، والشقة مستغلة تجارياً كمقر سكن مفروش من الباطن… ولم يتبين وجود أي طفل من أولاد المالك.”
كل حاجة اتكتبت واتسجلت في المحضر الرسمي. كنت واقف ببص للحيطان وأنا بقول لنفسي: “قربت يا أحمد… شقاك هيرجعلك، وولادك هيرجعوا لحضنك.”
لكن هالة لما عرفت باللي حصل في الشقة والمحضر اللي اتعمل، مجاش في بالها إنها تتراجع أو تخاف على عيالها… الطمع والغل عموا عينيها تماماً.
بعد المحضر بيومين، جالي تليفون من هالة. صوتها كان مليان شر وغل، وقالتلي جملة خلت الدنيا تسود في عيني تاني:
* “فاكر نفسك ذكي يا أحمد؟ وفاكر إنك هتاخد الشقة وتكسرني؟ طب ورب العزة، لو الشقة دي طلعت من إيدي، لكون واخدة الولاد ومسافرة بيهم برا مصر عند أخويا في الخليج، وهخليك تلف حوالين نفسك وتنسى شكلهم، ومش هتشوف ضفر واحد فيهم طول ما أنت عايش! وريني بقى المحاكم بتاعتك هتعملك إيه وهي مفيهاش منع من السفر!”
قالت الجملة دي وقفت الخط… وأنا مكاني، حاسس إن السك..ينة اتغرست في ضهري من جديد. هالة قادرة تعملها، وأخوها فعلاً عايش برا وممكن يعملها زيارة وضمان في أي وقت.
لقيت نفسي في دوامة تانية ألعن من الأولى… الشقة مبقتش هي القض..ية، القض..ية دلوقتي بقت ولادي اللي ممكن يتخطفوا مني ومأشوفهمش تاني…
وقفت في نص الصالة، وبصيت للسما وقولت: “يا رب… أنا مأذيتش حد، أنا كنت بسعى في حق عيالي… اقف معايا.”
وعرفت إن اللي جاي مش هيعدي بالساهل خالص، وإن الحرب الحقيقية يلا هتبدأ…
شقـة الحـضانة ج 2 والاخـير حكايات مني السيد
تهديد هالة نزل عليا زي المية الساقعة. فضلت واقف في مكاني مش حاسس بجسمي، والموبايل في إيدي كأنه حتة حجر. تسافر بيهم؟ تحرمني من عيالي؟ تاخدهم الخليج عند أخوها لمجرد إنها تكسرني وتداري على طمعها وفضيحتها؟
الشيطان لِعب في دماغي في اللحظة دي، وفكرت أروح لها وأكسر عليها الباب وأخد ولادي في حضني ومأرجعهمش ليها تاني، بس رجعت واستعذت بالله… العصبية والتهور هما اللي هيضيعوا حقي ويخلو القانون يقلب عليا. أنا لازم أكون أذكى منها، طالما هي بتلعب بالدناوة، أنا هحاربها بالقانون والورق لحد ما أكتم نفسها خالص.
نزلت جري على الأستاذ ممدوح المحامي. دخلت عليه المكتب وأنا بنهج، ووشي خاطف لونه. أول ما شافني بالمنظر ده، قام وقف وقالي:
* “خير يا أستاذ أحمد؟ المحضر زي الفل والنيابة هتقلب الدنيا، إيه اللي حصل تاني؟”
قعدت على الكرسي وأنا حاطط راسي بين إيدي وقولتله بصوت مخنوق:
* “هالة كلمتني يا متر… بتهددني إنها هتاخد الولاد وتسافر بيهم برا مصر عند أخوها في الخليج. قالتلي هتحرمني منهم طول العمر لو مشيت في قض..ية الشقة. أنا مش عايز الشقة يا فندم… يولع الرخام وتولع الحيطان، أنا أهم حاجة عندي ولادي!”
الأستاذ ممدوح قعد مكانه وابتسم هدوء، الابتسامة دي ريحت قلبي شوية. سحب نفس من السيجارة وقالي:
* “تقوم تسافر بيهم فين يا مغفل؟ هو دخول الحمام زي خروجه؟ أنت فاكر البلد سداح مداح، وأي حد ياخد عيال ويسافر بيهم كأنه رايح مصيف؟”
قولتله بلهفة: “يعني إيه يا متر؟ هي ملهاش حق تسافر بيهم؟”
الأستاذ ممدوح خبط على المكتب وقالي:
* “القانون المصري اتغير وبقى صارم جداً في النقطة دي يا أحمد. الحاضنة ملهاش أي حق إنها تسافر بالمحضونين برا البلاد من غير موافقة كتابية من الأب، اللي هو ولي النفس والمال. ولو حاولت تعمل كده من وراك، ده بيعتبر خطف للمحضونين، وإحنا مش هنستنى لما هي تفكر تعمل كده… إحنا الصبح هنعمل حاجة اسمها ‘أمر على عريضة بمنع الصغار من السفر’.”
* “يعني إيه الأمر ده يا متر؟ وهيمنعها بجد؟”
* “يعني يا سيدي، بنقدم طلب مستعجل لقاضي الأمور الوقتية بمحكمة الأسرة، وبنرفق فيه شهادات ميلاد العيال، وبنثبت إن فيه نزاع قضائي بينك وبينها، وإن فيه مؤشرات بتقول إنها عايزة تهرب بالعيال برا البلد وتضيع حق الرؤية والولاية التعليمية بتاعتك. القاضي بيصدر أمر فوري بمنع العيال من السفر، والأمر ده بيتبعت فوراً لمصلحة الجوازات والهجرة بوزارة الداخلية، وبيتُعمم على كل الموانئ والمطارات في مصر. لو راحت المطار ومعاها العيال، السيستم هيضرب وهيقولولها: ‘ستوب، العيال دول ممنوعين من السفر بأمر قضائي’.”
حسيت إن روحي ردت فيا، وخدت نفس طويل لأول مرة من يومين. قولتله: “طب والأمر ده بياخد وقت قد إيه؟”
* “يومين بالكتير والقرار يكون في جيبنا ومُعمم في المطار. اهدى أنت بس وسيبلي الطلب ده أنا هخلصه الصبح. وخليك ماشي في سكتك… طالما هي بدأت تخاف وتهدد، يبقى إحنا ماشيين صح، والمحضر بتاع إثبات حالة الشقة المفروش جاب معاها مفعول.”
خرجت من عند المحامي وأنا حاسس إن ربنا بيقويني وبيقفل في وشها كل سكك الشر. بس الشك مكنش سايبني… نزلت رحت على مدرسة ولادي. كنت عايز أشوفهم، وحشوني وبقالي كام يوم مشحوط في المحاكم والاقسام ومبقتش بنام.
دخلت المدرسة، واستأذنت الإدارة إني أشوف ولادي دقيقتين. أول ما دخلوا عليا الأوضة، الصغير “يوسف” جِري عليا واترمى في حضني، والكبير “مازن” قرب مني وباس إيدي. مظهرهم مكنش عاجبني… لبس المدرسة مبهدل شوية، وشكلهم مجهد.
قعدت على ركبي قدامهم وقولت ويوسف في حضني:
* “عاملين إيه يا حبايب بابا؟ وحشتوني أوي.”
مازن بصل بذكاء الأطفال وقالي:
* “أنت وحشتنا أكتر يا بابا… أنت مابتجيش تاخدنا ليه؟ إحنا زهقنا من القعدة عند تيتة، الأوضة ضيقة وماما علطول سيبانا وقاعدة في الصالة بتتكلم في التليفون وبتزعق.”
يوسف كمل كلام أخوه وهو بيعيط:
* “يا بابا أنا عايز أرجع شقتنا القديمة… العب باللعب بتاعتي في أوضتي. عند تيتة مفيش مكان، وخالتي بتزعقلي لما بعمل دوشة.”
الكلام كان زي السكاكين بتقطع في قلبي. عيالي متشردين في أوضة ضيقة، ومحرومين من بيتهم اللي متباع ومأجر للغرب عشان الفلوس والطمع. بوست راسم وقولتلهم:
* “قريب أوي يا حبايب بابا… قريب أوي هترجعوا شقتكم وتلعبوا براحتكم، ومش هتبعدوا عني تاني أبداً. اسمعوا كلام تيتة ومحدش يزعلكم، وأنا علطول معاكم.”
طلعت من المدرسة والنار قادت فيا من تاني. مش هسيبها تضيع عيالي. رجعت البيت، ولقيت البواب بتاع عمارتي القديمة بيكلمني.
* “أستاذ أحمد… الحقني يا بيه.”
* “في إيه يا عوض؟ خير؟”
* “الست هالة جت الشقة ومعاها عربية نقل كبيرة، وبترفع العفش كله! بتفضي الشقة على الآخر يا بيه، والناس الأجانب اللي كانوا مأجرين مشيوا بعد ما البوليس عمل المحضر، وهي دلوقتي بتشيل الموبيليا والأجهزة!”
* “بتعمل إيه؟! أنا جايلك حالا يا عوض… أوعى تخليها تمشي بحاجة!”
ركبت عربيتي وطيرت على هناك. طريقي كان كأنه ساعة وأنا مش شايف قدامي من الغضب. بتفضي الشقة؟ يعني بتضيع معالم الجري..مة، وعايزة تاخد العفش والأجهزة اللي أنا شاريهم بدم قلبي وتخبيهم عشان المحكمة لما تيجي تعاين تلاقي الشقة فاضية!
وصلت العمارة، لقيت عربية الربع نقل واقفة تحت، وشايلين عليها غسالة وتلاجة من أجهزتي، وواحد من العمال نازل بكرسي الصالون اللي كنت منقيه مع هالة وأنا فرحان قبل الجواز.
نزلت من العربية زي الإعصار، وقفت قدام العامل وقولتله بصوت زلزل الشارع:
* “نزل الحاجه دي مكانها! ومحدش يتحرك خطوة واحدة، واللي هيمد إيده على حتة خشب هحبسه!”
العمال خافوا ووقفوا مكانهم. في اللحظة دي خرجت هالة من مدخل العمارة، وشها كان مليان غل وعينها طالع منها شرار. زعقت وقالت:
* “أنت جاي تعمل إيه هنا تاني؟ العفش ده بتاعي، والمحكمة مكناني من الشقة وبعفشها، وأنا حرة أنقله في الحتة اللي تعجبني! وسع من طريق العمال بدل ما أطلبلك النجدة!”
ضحكت بصوت عالي والناس بدأت تتجمع في الشارع:
* “اطلبي النجدة يا هالة! اطلبيها عشان تلاقي محضر إثبات الحالة التاني مستنيكي! العفش ده مكتوب في القائمة بحكم الحضانة في شقة الحضانة… طالما بتفضيه وتخرجيه برا الشقة، يبقى أنتِ بتبددي العفش وبتهربي بيه، وده في القانون اسمه تبديد منقولات زوجية وحبسه وجوبي! نزلوا الحاجه دي يا رجالة عشان متتسجنوش معاها!”
العمال أول ما سمعوا سيرة السجن والتبديد، سابوا الكراسي والحاجة على الرصيف، وصاحب العربية النقل قال:
* “يا فندم إحنا ملناش دعوة، إحنا ناس بناكل عيش… الست دي مأجرانا عشان ننقل، طالما فيها محاكم وقسم إحنا ماشيين.”
ودار العربية وطلع يجري وسابها. هالة بقت واقفة في الشارع لوحدها، حواليها التلاجة والغسالة والمنقولات متبعثرة على الرصيف، والجيران كلهم باصين عليها بPrem وثقيل. شكلها كان يصعب على الكافر، بس أنا مكنش في قلبي أي رحمة ليها بعد ما حاولت تحرمني من ولادي وتخطفهم برا البلد.
قربت منها وقولتلها بهدوء حذر:
* “الحركات القديمة دي مبقتش تأكل عيش معايا يا هالة. العفش ده هيرجع مكانه في الشقة، والشقة دي هتتقفل بالشمع الأحمر لحد ما المحكمة تفصل في القض..ية. وأعلى ما في خيلك اركبه… مفيش سفر، ومفيش إيجار مفروش، ومفيش طمع تاني على قفا عيالي.”
سيبتها واقفة في الشارع بتصرخ وتولول زي المجنونة، وطلعت شقتي. دخلت لقيت الباب مكسور شوية من مطرح خناقة المستأجرين مع السماسرة، والشقة شبه خرابة بعد ما كانت جنة. قعدت على الرصيف الداخلي للصالة، وبصيت للسقف وأنا بفتكر كل يوم شقى عشته في الغربة عشان أجيب تمن الطوبة دي.
تاني يوم، الأستاذ ممدوح كلمني وقالي بفرحة:
* “مبروك يا أحمد… القاضي وافق على الطلب، وصدر قرار رسمي بمنع ‘مازن وأحمد’ من السفر برا البلاد وتم تعميمه في المطارات والموانئ. خطوة السفر دي اتقفلت في وشها بالضبة والمفتاح.”
نزل الكلمة عليا كأنه طوق نجاة، اتنفست الصعداء وقولت: “الحمد لله يا رب… الحمد لله.”
* “اسمعني بقى يا أحمد… الخطوة الجاية هي الضربة القاضية. إحنا بكرا عندنا أول جلسة في قض..ية ‘إلغاء قرار التمكين واسترداد الشقة’، وهنقدم المحضر الرسمي بتاع إثبات حالة الإيجار المفروش، وبلاغات الجيران، وصور الناس الأجانب. هالة هتحضر ومحاميها هيحاول يكذب ويقول إنها كانت قاعدة في الشقة والناس دول ضيوف، بس إحنا معانا عقد الإيجار اللي الظابط حرزه باسمها وبخط إيدها… الماتش بكرا محتاج ثبات، وعايزك تحضر معايا وتكون لابس وأنضف ما عندك، عشان القاضي يشوف إن الأب بني آدم محترم ويستحق يشيل مسؤلية عياله.”
طول الليل مكنتش عارف أنام. كنت بتقلب في السرير وأنا بفكر في شكل الجلسة بكرا. يا ترى القاضي هيحكم بإيه؟ يا ترى هالة مجهزة ملعوب جديد أنا معرفوش؟ الطمع لما بيعمي النفوس بيخلي البني آدم يعمل أي حاجة… وأنا عارف إن هالة مش هتنزل من الماتش ده بالساهل.
الصبح جه، لبست بدلي الرسمية، ورحت على المحكمة. الرواق كان زحمة، ناس رايحة وناس جاية، وأصوات المحامين والمتقاضين مالية المكان. وقفت قدام القاعة مستني دورنا.
وبعد حوالي ساعة، لقيت هالة داخلة من أول الممر… بس مكنتش لوحدها. مكنتش معاها والدتها ولا محاميها بس… كان معاها راجل غريب، طويل وعريض، ولابس بدلة، وماسك في إيده شنطة دبلوماسية. هالة كانت بتبصلي بنظرة تحدي غريبة، والابتسامة رجعت لوشها تاني كأنها كسبت الحرب خلاص!
قربت مني هي والراجل ده، ووقفت قدامي وقالت ببرود قاتل:
* “فاكر إنك كسبت يا أحمد؟ فاكر إن الكام ورقة والمحضر بتوعك هيخلو القاضي ياخد الشقة مني؟”
الراجل اللي معاها طلع ورقة مختومة من الشنطة، وحطها قدام عيني وقال بنبرة واثقة وصوت جهوري:
* “أستاذ أحمد… أنا المستشار القانوني لشركة ‘المستقبل العقارية’… أحب أعرفك إن المدامة هالة ملهاش أي علاقة بالشقة دي من تلات أيام… الشقة دي اتباعت بعقد نهائي موثق للشركة، والشركة هي المالك الجديد، والناس اللي كانوا قاعدين دول موظفين تبعنا! يعني قضيتك ضد طليقتك بقت ‘غير ذي صفة’، والشقة مبقتش بتاعتك ولا بتاعتها… الشقة بقت بتاعتنا إحنا!”
الدنيا لفّت بيا تاني… وعقد البيع الموثق كان قدام عيني وممضي باسم هالة وبصمتها! السك..ينة المرة دي جت في قلبي مش في ضهري… هالة باعت الشقة؟ إزاي تبيع شقة هي مش مالكاها؟ إزاي القانون يسمح بكده؟
المحامي بتاعي قرب بسرعة وسحب الورقة من إيد الراجل وبدأ يقراها وعينه بتوسع من الصدمة… وبصلي وهز راسه بيأس…
وفي اللحظة دي، حاجب المحكمة زعق بصوت عالي:
* “محكمة!… رول رقم ٢٤… أحمد ضد هالة… إلغاء تمكين!”
بصيت لهالة لقيتها بتضحك ضحكة انتصار، والوجع رجع يملى قلبي من جديد… الحرب مخلصتش، دي لسه بتتعقد أكتر، واللي جاي شكله سواد…
صوت الحاجب وهو بينطق اسمي واسمها رن في ودني كأنه جرس إنذار لخراب جديد. بصيت للورقة اللي في إيد المحامي بتاعي، وبصيت لهالة وللراجل اللي واقف جنبها ببدلته الشيك وابتسامته المستفزة. عقلي مكنش مستوعب… باعت الشقة؟ إزاي تبيع شقة الزوجية اللي هي أصلاً مش ملكها؟ دي قاعدة فيها بحكم حضانة!
الأستاذ ممدوح سحبني من إيدي بسرعة ودخلنا قاعة المحكمة، وهما ورايا. القاعة كانت زحمة، وصوت همس الناس مالي المكان. وقفنا قدام منصة القضاء، والقاضي كان راجل جليل، عينه فيها نظرة حسم تريح الخايف وتخوف الظالم.
القاضي بص في الأوراق ووجه كلامه للأستاذ ممدوح:
* “دفاع المدعي… أنت طالب إلغاء قرار التمكين واسترداد مسكن الزوجية بناءً على إن الحاضنة أخلت بشرط الإقامة وأجرت الشقة مفروش، ومعاك محضر إثبات حالة… مظبوط؟”
الأستاذ ممدوح قال بقوة:
* “مظبوط يا فندم… وقدمنا المستندات وصور فوتوغرافية وعقد الإيجار الممسوخ اللي سابته الحاضنة للغرب، وبنطلب طرد الساكن واسترداد عين النزاع لعدم حاجة الحاضنة إليها وإقامتها الدائمة في منزل والدتها.”
هنا محامي هالة اتدخل، وقام واقف وقال بنبرة ثقة:
* “يا سيادة القاضي… كل الكلام ده مبقاش ليه أساس من الصحة. الدعوى دي أصبحت ‘غير ذي صفة’ ومرفوعة على غير ذي ذي صفة… لأن الشقة محل النزاع مألتش للمدعى عليها أصلاً، ومبقتش تحت يدها.”
القاضي رفع عينه وبصله باستغراب وقال: “يعني إيه مبقتش تحت يدها؟ الشقة دي مسكن زوجية وصادر ليها قرار تمكين!”
الراجل اللي لابس بدلة شيك قرب وقدم عقد البيع الموثق للمستشار، وقال:
* “يا فندم، أنا الممثل القانوني لشركة ‘المستقبل العقارية’. المدعى عليها كانت واخدة الشقة دي بـ ‘عقد بيع ابتدائي’ من المدعي (زوجها السابق) أثناء فترة الزواج، كنوع من أنواع المهر أو الهبة الموثقة في عقد خارجي، وهي باعت الشقة دي للشركة بموجب هذا العقد والتناقضات المادية، والشركة استلمت العين… يعني الشقة مبقتش ملك الأستاذ أحمد ولا ملك المدام، ومرفوع عنها يد الحضانة لأنها انتقلت لمالك حسن النية!”
أنا ركبي سيبت… عقد بيع ابتدائي مني ليها؟ أنا ممضيتش على حاجة زي دي في حياتي! عمري ما كتبت لها شبر في الشقة! بصيت لهالة لقيتها بتبص في الأرض وبتداري ضحكتها. الطمع خلانها تزوّر إمضائي؟ تزوّر عقد بيع عشان تبيع الشقة لشركة عقارات وتاخد ملايين وتهرب؟
الأستاذ ممدوح اتمالك نفسه بسرعة وطلب من القاضي يبص في العقد، وزعق بصوت هز القاعة:
* “يا سيادة القاضي! هذا العقد مزور ومصطنع قلباً وقالباً! موكلي لم يبع ولم يتنازل عن شقة عمره لأي شخص، والمدعى عليها ارتكبت جري..مة تزوير في محرر عرفي واستخدمته في النصب على الشركة العقارية لتضييع حقوق الصغار وموكلي! نطالب وبشدة بإحالة العقد لمصلحة الطب الشرعي لأبحاث التزييف والتزوير، واستمرار دعوانا بنقل الحضانة واسترداد الشقة!”
القاضي بص في العقد بتمعن، وبص لهالة اللي وشها بدأ يغير ألوان لما جابت سيرة الطب الشرعي. القاضي خبط بالشاكوش وقال بصوت جهوري:
* “قررت المحكمة… أولاً: تأجيل الدعوى لجلسة شهر من الآن، وإحالة عقد البيع الابتدائي المقدم من الشركة العقارية إلى مصلحة الطب الشرعي بوزارة العدل، لبيان عما إذا كان التوقيع المنسوب للمدعي (أحمد) هو توقيعه الفعلي من عدمه. ثانياً: استمرار التحفظ على عين النزاع (الشقة) وغلقها بالشمع الأحمر لحين الفصل في التزوير، ومنع أي تصرف فيها.”
الشاكوش لما نزل، كان كأنه نزل على دماغ هالة. الضحكة اختفت من وشها، والممثل القانوني للشركة بص لها بغضب وقال لها بصوت مسموع: “لو العقد ده طلع فيه إن، إحنا مش بس هنسترد فلوسنا… إحنا هنحبسك بقض..ية نصب وتزوير يا مدام!”
خرجنا من القاعة، وأنا حاسس إن ربنا مبيسيبش حق حد. الأستاذ ممدوح طبطب على كتفي وقاللي:
* “أنا عايزك تفرح يا أحمد… هالة بغبائها وطمعها حفرت قبرها بإيدها. الطب الشرعي مبيجاملش، وطالما أنت مأمضيتش، الإمضاء هتطلع مزورة بنسبة مية في المية. وساعتها مش بس الشقة هترجعلك… دي هتاخد حكم جنائي بالسجن بتهمة التزوير والنصب، والحكم الجنائي ده هو اللي هيسقط عنها الحضانة فوراً وبقوة القانون، لأنها هتبقى غير أمينة على الصغار وسيئة السمعة!”
الشهر ده كان أطول شهر في حياتي. كنت بروح شغلي وأنا عقلي في المحكمة وفي عيالي. هالة حاولت تخلط الأوراق وتكلم ناس يتوسطوا عشان أتنازل، وبعتتلي رسائل بتعيط فيها وبتقوللي: “عشان خاطر العيال بلاش موضوع السجن والطب الشرعي وأنا هسيبلك الشقة”، بس أنا كنت خلاص، قلبي مات من ناحيتها ومبقتش شايف غير مصلحة ولادي اللي اتبهدلوا في المحاكم بسببها.
وفي يوم الجلسة الموعودة… قاعة المحكمة كانت أنفاسها مكتومة. تقرير الطب الشرعي وصل، وتحط على مكتب القاضي.
القاضي فتح التقرير وقرا السطور الأولى منه وهز راسه. بص لهالة وبصلي، وقال بنبرة مفيهاش تراجع:
* “بناءً على تقرير مصلحة الطب الشرعي، أبحاث التزييف والتزوير، تبين أن التوقيع المذيل على عقد البيع الابتدائي المنسوب للمدعي أحمد… هو توقيع مزور بطريق التقليد، ولم يصدر من يد المدعي.”
القاعة مقلبتش دوشة، بس هالة قعدت على الكرسي ورا ودفنت وشها بين إيديها وبدأت تعيط بنحيب مكتوم.
القاضي كمل حكمه:
* “وحيث أن الحاضنة قد ثبت إخلالها بأمانة الحضانة، وارتكابها واقعة تزوير للاستيلاء على مسكن الصغار وبيعه للغير، وحيث أنها أجرت العين من الباطن لأغراض تجارية ولم تقم فيها برفقة المحضونين… حكمت المحكمة:
أولاً: إلغاء قرار التمكين الصادر للمدعى عليها، وإلزامها برفع يدها عن الشقة وتسليمها للمدعي خالية من الأشخاص والشاغلين.
ثانياً: إسقاط حق الحضانة عن المدعى عليها (هالة) لعدم أمانتها، ونقل حضانة الصغار (مازن ويوسف) إلى والد الأب (الجدة لأب) مؤقتاً، مع إلزام المدعى عليها بتسليم الصغار فوراً.
ثالثاً: إحالة الأوراق والشق الجنائي للنيابة العامة لاتخاذ شئونها في واقعة التزوير والنصب.”
أنا لمست الأرض براسي وسجدت في نص القاعة وأنا بعيط وبشكر ربنا. الحق ظهر… شقايا وعمري مرجعوش بس، عيالي رجعوا لحضني، والشر اللي كان بيحاوطهم انتهى.
بعد يومين من الحكم، كنت واقف قدام باب شقتي القديمة. الشمع الأحمر كان بيتشال، ومعايا قوة من التنفيذ والمحامي بتاعي. فتحت الباب… الشقة كانت فاضية، مفيهاش غير الحيطان اللي نقينا ألوانها، والرخام اللي طفحت الدم عشان أجيب تمنه. بس المرة دي مكنتش زعلان على العفش اللي راح ولا على التبهديل… كنت حاسس بنظافة المكان، وبإن الروح رجعت للبيت تاني.
في نفس اليوم بالليل، رحت أخدت ولادي بحكم المحكمة وقوة التنفيذ من بيت جدتهم. هالة مكنتش موجودة، كانت بتهرب من مكان لمكان خوفاً من أمر القبض اللي هيطلع ليها من النيابة بسبب قض..ية التزوير.
أول ما عيالي دخلوا الشقة، جيروا في الصالة الفاضية وهما بيضحكوا وبيصرخوا من الفرحة. يوسف الصغير قعد يتنطط على الرخام ويقول: “شقتنا رجعت يا بابا! أوضتي رجعت!”… ومازن جه وخدني في حضنه وقالي: “أنا بحبك أوي يا بابا… ومبقتش عايز أمشي من هنا تاني.”
قعدت معاهم على الأرض الفاضية، فرشت ملاية صغيرة وجبنا عشا وبقينا بناكل وبنضحك. بصيت ليهم ودموعي نازلة… دموع فرحة وراحة.
أنا مأمنتش مستقبل ولادي بالفلوس والمدارس والهدوم بس… أنا أمنت مستقبلهم لما حاربت عشانهم، ولما وقفت في وش الظلم والطمع وحميتهم من بيئة كانت ممكن تطلعهم مشوهين.
الشقة لسه فاضية، ومحتاجة تتدق فيها مسمار مسمار من أول وجديد، والفلوس اللي راحت هعوضها بشغلي وعرقي… بس المهم إن الأساس رجع، واللمة رجعت، وولادي بقوا في حضني وفي أمان.
بصيت للبلكونة، الهوا النظيف كان بيدخل ويطرد كل ريحة وحشة سابتها الأيام اللي فاتت. مسكت إيد ولادي الاتنين وقولت في سري: “الرحلة كانت صعبة… والوجع كان كبير… بس النهاية تستهل كل خطوة… الحمد لله.”


تعليقات
إرسال تعليق