مطعـم ملك ج 1
حكـايات منـي الـسـيد
حبيبـي ابـن رجـل أعمـال سابنـي ورجـع لحـب عمـره… لكـن صحابـه انقلـبوا عليـه لما عرفـوا إنهـم كمان هيخـسروا أكلـي…!!!
كان فاكر إني هجري وراه…وفاكر إني هقف أعيط تحت بيته…
لكن اللي حصل مكانش في حسبانه…لما أصحابه عرفوا إن انفصالنا معناه إنهم هيتحرموا من أكلي… هما اللي قلبوا الدنيا عليه…
أنا اتعرفت على كريـم الشـناوي في الجامعة…كنت طالبـة في كلـية السياحـة والفنـادق، قسم فـنون الطهـي، بمنحـة، وبشتـغل بعد المحـاضرات في كافـيه صغيـر في الزمـالك عشان أعـرف أصرف على نفسي.
#حكايات_منـي_السيـد
أما كريم… فكان ابن المهندس حسام الشناوي، صاحب واحدة من أكبر شركات المقاولات والاستثمار العقاري في مصر.
كان ييجي الجامعة بعربية فارهة وسواق مخصوص، ولابس ساعة تمنها يجيب شقة كاملة.
أول مرة أطبخله كانت بالصدفة..كان سهران طول الليل بيجهز مشروع التخرج، ونام على ترابيزة المكتبة.
وأنا كان معايا لانش بوكس فيه رز بالشعرية، فراخ محمرة، ملوخية، ورغيفين عيش بلدي سخنين.
اتفقت عليه وهو نايم ووشه أصفر من التعب… فسيبتله الأكل ومشيت… حصـري علي صفحة روايات و اقتباسات…
تانـي يـوم فضل يدور عليا في الجامعة كلها..أول ما لقاني وقف قدامي وقال: إنتي اللي عملتي الأكل ده؟
افتكرت هيزعقلي…لكنه ابتسم وقال: يا ملك… أنا لازم أتجوز الإيدين دي.
« بقـلم منـي السيـد »
ضحكت…ومن هنا بدأت حكايتنا..قعدنا مرتبطين تلات سنين.
في الأول، صحابه مكانوش طايقني…أحمد، عمر، ويوسف…
كل واحد فيهم ابن رجل أعمال أو نائب أو عيلة معروفة.
أول مرة كريم خدني معاهم سمعت واحد منهم بيقول:
ـ البنت حلوة… بس باين عليها بنت ناس على قد حالها.
والتاني رد: عادي… المهم إنها بتعرف تطبخ.
عملت نفسي مسمعتش…كنت بحب كريم، وكنت مستعدة أستحمل أي حاجة..بدأت أعملهم أكل.
مرة تورتة عيد ميلاد…ومرة كشري…وبعدين محشي ورق عنب…فتة باللحمة…حمام محشي…بط بالبرتقال…رقاق باللحمة…مكرونة بشاميل…ملوخية بالأرانب…وكنافة بالقشطة.
واحدة واحدة…بقوا كلهم يستنون اليوم اللي هكون موجودة فيه…حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
ـ يا مرات كريم… إمتى هتعمليلنا محشي تاني؟
ـ والله يا ملك… صينية البشاميل بتاعتك أحسن من المطاعم.
ـ لو كريم زعلك في يوم… قوليلي بس قبل ما تمشي علشان آخد منك وصفة الفتة.
وكنا كلنا نضحك…لحد ما ظهرت…شاهندة فؤاد…البنت اللي كريم كان دايمًا بيقول عليها: صاحبتي من زمان.
بنت رجال الأعمال…كانت عايشة في لندن ورجعت مصر.
في الأول حاولت أقنع نفسي إن مفيش حاجة.
لكن بعد كده…بقت المكالمات بالليل…والخروجات…
والسفرات الخاصة بالشغل…والصور اللي كانوا واقفين فيها قريبين بشكل مستفز…لما كلمت كريم…
ربت على راسي وقال:
ـ متكبريش الموضوع يا ملك… شاهندة زي أختي.
لكن في ليلة…كنا في عشا داخل مطعم فخم في التجمع الخامس…خرجت أجيب شنطتي، وسمعت كريم بيتكلم مع صحابه…حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
قال وهو بينفخ دخان السيجارة:
ـ أنا خلاص زهقت منها…
أحمد ضحك بتوتر…أما عمر فقال:
ـ بصراحة… شاهندة من مستوانا. إنما ملك… يعني… بتطبخ حلو وخلاص.
كريم هز كتفه وقال:
ـ والله لو مكانتش جميلة… ولو مكانتش بتعرف تطبخ بالشكل ده… كنت سيبتها من زمان….
وقفت مكاني…وحسيت إن حاجة جوايا اتكسرت. لكن ماعيطتش…رجعت بيتي…وفي اللحظة دي…قررت إن اللي جاي هيكون بداية جديدة مش نهاية وو…..!!!!
#حكايات_منـي_السيـد
بعد أسبوعين بس… بقى اسم “بيت ملك” على كل لسان.
كل يوم الحجوزات كانت بتخلص قبلها بأيام، والناس كانت تيجي من كل حتة مخصوص علشان تدوق الأكل اللي بقى تريند على السوشيال ميديا.
وأنا؟…
كل يوم وأنا داخلة المطعم، أبص على اللافتة اللي مكتوب عليها:
“بيت ملك… الشيف التنفيذي: ملك عبد الرحمن.”
وأبتسم.
مش علشان بقيت مشهورة…
علشان أخيرًا بقيت في المكان اللي أستحقه.
في يوم، وأنا واقفة في المطبخ، جالي الجرسون وقال:
ـ يا شيف… في ضيف مصمم يقابلك.
قلت وأنا مكملة شغل:
ـ لو صحفي خليه يستنى.
رد بتوتر:
ـ لا… ده المهندس حسام الشناوي.
وقفت مكاني.
أبو كريم بنفسه.
خرجتله.
كان قاعد في ركن هادي، لأول مرة أشوفه من غير الحرس ولا السكرتير.
أول ما شافني وقف وقال:
ـ مبروك يا بنتي.
ابتسمت باحترام.
ـ الله يبارك في حضرتك.
بص حواليه وقال:
ـ الأكل هنا أحسن من كل الحفلات اللي كنتي بتعمليهالنا زمان.
ما رديتش.
كمل كلامه وهو بيتنهد:
ـ أنا جيت أعتذر.
استغربت.
قال:
ـ كنت فاكر إن ابني هو اللي ناجح… لكن اكتشفت إن نص نجاحه كان بسببك.
وسكت شوية قبل ما يكمل:
ـ ومن يوم ما بعدتي… بقى كل اجتماع في الشركة فاشل… حتى العملاء الإسبان اللي كنا شغالين معاهم سحبوا العقد بعد ما عرفوا الحقيقة.
بصيتله بهدوء.
ـ اللي حصل خلاص خلص يا فندم.
هز راسه.
ـ للأسف… كريم اكتشف ده متأخر.
قبل ما أرد…
باب المطعم اتفتح.
ولقيت كريم داخل.
كان شكله مختلف.
دقنه طويلة شوية… ووشه باين عليه الإرهاق.
وقف قدامي وقال بصوت واطي:
ـ ممكن نتكلم؟
قلت بكل هدوء:
ـ لو بخصوص حجز… اتفضل مع الكابتن.
قال بسرعة:
ـ لا… بخصوصنا.
ضحكت ضحكة خفيفة.
ـ مابقاش فيه “إحنا” يا كريم.
قال وهو بيبصلي بعين مكسورة:
ـ سيبت شاهندة.
ما اتأثرتش.
ـ وربنا يعوضها.
قال بعصبية:
ـ انتي فاهمة قصدي.
رديت:
ـ آه… وفاهمة إنك لما خسرت كل حاجة… افتكرتني.
سكت.
وأنا كملت:
ـ يوم ما كنت بلف على الأسواق أجيب أحسن مكونات علشان أطبخلك… كنت بتكسف تعرف الناس إني صاحبتك.
النهارده… عايز الناس كلها تعرف إنك كنت بتحبني؟
هز راسه وهو بيقول:
ـ أنا غلطت.
قلت:
ـ لا يا كريم…
الغلط بيتصلح.
لكن اللي عملته كان اختيار.
اخترت واحدة من “مستواك” على حساب البنت اللي كانت شايلة بيتك وأصحابك وكل مناسباتك.
وفي اللحظة دي…
أحمد، وعمر، ويوسف دخلوا المطعم.
أول ما شافوا كريم واقف قدامي، أحمد قال وهو بيضحك:
ـ يا عم… سيب البنت في حالها.
عمر حط إيده على كتف كريم وقال:
ـ خلاص يا صاحبي… الماتش انتهى من زمان.
يوسف بصلهم كلهم وقال:
ـ إحنا كنا فاكرين إن الفلوس هي اللي بتخلي الإنسان كبير.
بس اتعلمنا إن اللي يقدر يدي حب واحترام للناس… هو الكبير بجد.
كريم بص لأصحابه بصدمة.
ـ يعني أنتم ضدي؟
أحمد رد بهدوء:
ـ لا…
إحنا مع الحق.
وساعتها، صاحب المطعم وشريكي في المشروع قرب وهو بيبتسم وقال:
ـ يا شيف ملك… الضيوف مستنيينك علشان تفتحي مهرجان الأكلات المصرية.
بصيت لكريم آخر مرة.
وقلت:
ـ معلش…
في ناس مستنياني علشان أحقق حلمي.
مش علشان أطبخلهم في السر.
وسبته واقف مكانه…
ودخلت وسط تصفيق الزباين.
وأنا ماشية، سمعت واحدة من الضيوف بتقول لبنتها:
ـ بصي يا حبيبتي…
دي الست اللي عملت اسمها بنفسها.
ابتسمت…
لأول مرة حسيت إن كل وجع عديت بيه… كان تمن بسيط جدًا للحياة اللي أنا عايشاها دلوقتي.
الفصل الثالث
أول ما كريم خرج من المطعم، المكان رجع هادي كأن اللي حصل من دقيقة كان مجرد مشهد في فيلم.
لكن بالنسبة لي… قلبي مكانش هادي خالص.
مش علشان وحشني.
ولا علشان كلامه هزني.
لكن لأني لأول مرة شوفته ضعيف… لأول مرة شوفته بيبصلي بنفس النظرة اللي كنت ببصله بيها زمان.
نظرة الخوف من الفقد.
رجعت المطبخ وأنا بحاول أركز في الشغل.
طلبات الأوردرات كانت مالية الشاشة.
ريحة السمنة البلدي مع الثوم كانت مالية المكان، وصوت الطاسات وهو بيخبط في بعض كان كفيل ينسيني أي حاجة.
لكن قبل ما أبدأ أشتغل، لقيت أستاذ سامح، مدير الصالة، داخل عليا بسرعة.
ـ يا شيف ملك… في صحفيين برة، وكلهم طالبين يعملوا معاكي لقاء.
تنهدت.
ـ قولهم بعد الشيفت.
ابتسم وقال:
ـ قولتلهم… مرضيوش يمشوا.
ضحكت.
ـ خلاص… خليهم يشربوا حاجة على حساب المطعم لحد ما أخلص.
وأنا راجعة للرخامة، سمعت صوت أحمد من ورايا.
ـ أهو ده اللي كنت بقولك عليه.
لفيت لقيته هو وعمر ويوسف داخلين المطبخ لابسين بالطوهات البيضاء اللي كنت مديهالهم على سبيل الهزار في الافتتاح.
بصيتلهم باستغراب.
ـ خير؟
يوسف حك رقبته وقال:
ـ جايين نقدم طلب توظيف.
ضحكت غصب عني.
ـ توظيف إيه؟
قال عمر وهو رافع إيده:
ـ والله العظيم أي حاجة.
أغسل أطباق.
أقطع بصل.
أمسك الباب.
بس متحرمنيش من الأكل.
رميتله فوطة المطبخ.
ـ ابدأ بالبصل.
أول ما مسك السكينة، بعد أقل من دقيقة كانت عينيه بتدمع.
أحمد انفجر من الضحك.
ـ يا ابني ده بصل مش غاز.
رد عمر وهو بيكح:
ـ الستات دول أبطال والله.
وقفت أضحك لأول مرة من قلبي من ساعة شهور.
يمكن دي أول مرة الضحكة تطلع من غير ما أبص ورايا أشوف كريم هيضايق ولا لأ.
…
بعد يومين…
صحيت الصبح على رنة تليفون متواصلة.
كان رقم غريب.
رديت.
ـ ألو.
ـ صباح الخير يا شيف ملك… مع حضرتك من برنامج “صباح الخير يا مصر”… كنا حابين نستضيف حضرتك.
قعدت على السرير.
ـ أنا؟
ـ أيوة… قصتك عاملة ضجة كبيرة، وكل الناس عايزة تعرف مين الشيف اللي قلبت السوشيال ميديا.
وافقت بعد تردد.
وأول ما قفلت…
لقيت رسالة من رقم مجهول.
“إوعي تفتكري إن اللي حصل انتهى.”
استغربت.
كملت قراية.
“اللي بدأتيه… هتدفعي تمنه.”
اتجمدت إيدي.
بصيت للرقم.
مفيش صورة.
مفيش اسم.
قفلت الموبايل وأنا بحاول أقنع نفسي إنها مجرد رسالة سخيفة.
لكن جوايا… كان في إحساس إن الحكاية لسه ما بدأتش أصلاً.
وفي نفس اللحظة…
كان كريم قاعد في مكتب أبوه.
وأدامه ملف أحمر.
المهندس حسام زقه ناحيته وقال بهدوء:
ـ افتحه.
فتح الملف.
وأول ورقة كانت فاتورة باسم ملك…
على كل حفلة وكل مناسبة كانت هي اللي مطبخالها.
وتحت كل فاتورة توقيع كريم باستلام الخدمة…
من غير ما يكون دفع لها جنيه واحد.
كريم رفع عينه لأبوه وهو مش فاهم.
المهندس حسام قال بصوت بارد:
ـ دي بداية الحساب…
ولسه في حاجات كتير أنت متعرفهاش.
مطعـم ملك ج 2
حكايات مني السيد
الفصل الرابع
طول الليل وأنا مش عارفة أنام.
الرسالة اللي جتلي من الرقم المجهول كانت كل شوية ترن في دماغي:
“اللي بدأتيه… هتدفعي تمنه.”
كنت كل ما أقنع نفسي إنها مجرد محاولة تخويف، أرجع أفتكر اللي حصل آخر كام أسبوع.
نجاح المطعم السريع…
ظهور اسمي في البرامج…
وخسارة كريم لناس كتير كانوا بيدعموه.
أكيد في حد متضايق.
لكن مين؟
شاهندة؟
ولا كريم؟
ولا حد تاني أنا لسه معرفوش؟
صحيت بدري، شربت قهوتي على السريع ونزلت.
أول ما وصلت قدام “بيت ملك”، لقيت العمال واقفين برة، وكلهم باين عليهم التوتر.
أول ما شافني أستاذ سامح جري عليا.
ـ يا شيف… الحمد لله إنك جيتي.
قلبي وقع.
ـ في إيه؟
بص حواليه واتكلم بصوت واطي.
ـ حد دخل بالليل.
اتجمدت مكاني.
ـ يعني إيه دخل؟
فتح الباب، ودخلني.
المطعم كان سليم.
الكراسي مكانها.
الترابيزات زي ما هي.
لكن أول ما دخلت المطبخ… حسيت إن نفسي اتقطع.
التلاجات كلها مفتوحة.
الخضار مرمي على الأرض.
الصوصات اللي قضيت يومين أعملها متبهدلة.
وأهم حاجة…
دفتر الوصفات بتاعي اختفى.
وقفت أبص للمكان من غير ما أتكلم.
الدفتر ده مكانش مجرد ورق.
ده كان فيه وصفات أمي…
وملاحظات جدتي…
وكل التجارب اللي كنت بكتبها من وأنا في الكلية.
أستاذ سامح قال بحزن:
ـ بلغنا الشرطة.
لكن أنا مكنتش سامعاه.
كنت بدور بعيني في كل ركن.
يمكن يكون وقع.
يمكن حد شاله بالغلط.
لكن مكنش موجود.
…
بعد ساعة…
ظابط المباحث خلص معاينة المكان.
سألني:
ـ في حد بينك وبينه مشاكل؟
بصيتله شوية.
وبعدين قلت:
ـ للأسف… في أكتر من حد.
كتب كلامي.
ـ هنراجع الكاميرات.
وأول ما قال الكلمة دي افتكرت إن إحنا مركبين كاميرات جديدة الأسبوع اللي فات.
اتنفست براحة.
قلت:
ـ الحمد لله.
لكن الراجل بصلي بأسف.
ـ للأسف… جهاز التسجيل نفسه متفك.
سكت.
حسيت إن اللي عمل كده عارف هو بيعمل إيه.
…
وأنا خارجة من المكتب، لقيت أحمد داخل يجري.
ـ حصل إيه؟
حكيتله.
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال:
ـ متقوليش لكريم.
استغربت.
ـ ليه؟
ـ لأنه أول واحد هييجي يعمل نفسه البطل.
والناس هتفتكر إنه أنقذك.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
ـ متقلقش… آخر واحد هكلمه هو كريم.
لكن بعد أقل من نص ساعة…
الموبايل رن.
“كريم الشناوي.”
بصيت للاسم وسكت.
رن تاني.
ورني تالت.
وفي الآخر رديت.
ـ نعم؟
صوته كان متوتر.
ـ انتي كويسة؟
استغربت.
ـ عرفت منين؟
ـ أحمد كلمني.
بصيت لأحمد اللي كان واقف بعيد.
بصلي وهو رافع كتفه كأنه بيقول: غصب عني.
رجعت أكلم كريم.
ـ أنا بخير.
قال بسرعة:
ـ اسمعيني… اللي حصل مش طبيعي.
ـ عارفة.
ـ وأنا متأكد إن اللي عمل كده مش حرامي.
ـ وأنا كمان.
سكت ثانية.
وبعدين قال:
ـ خلي بالك من نفسك.
لأول مرة من شهور…
سمعت في صوته خوف حقيقي.
لكن الغريب إنه مبقاش يفرق معايا زي زمان.
شكرتُه وقفلت.
…
تاني يوم الصبح…
لقيت بوست منتشر على فيسبوك.
واحد كاتب:
“الشيف الجديدة اللي عاملة فيها ناجحة… أغلب وصفاتها مسروقة.”
وتحت البوست صور.
صور من أطباقي.
وصور تانية شبهها.
والناس بدأت تتكلم.
“يمكن فعلًا.”
“هو النجاح جه بسرعة أوي.”
“أكيد وراها حد.”
قعدت أقرأ الكومنتات وصدري بيضيق.
أول مرة أحس إن النجاح ممكن يبقى مرعب بالشكل ده.
في نفس اللحظة، دخل عمر وهو شايل اللابتوب.
ـ متقلقيش.
بصيتله.
ـ هنرد؟
هز راسه.
ـ لا.
استغربت.
ـ ليه؟
قال بهدوء:
ـ اللي بيرد على كل إشاعة… بيعيش عمره كله بيدافع عن نفسه.
لكن اللي عنده الحقيقة… بيخلي شغله هو اللي يتكلم.
الكلام دخل قلبي.
قفلت الموبايل.
ورجعت المطبخ.
…
الساعة بقت سبعة بالليل.
المطعم مليان.
كل الترابيزات محجوزة.
وفجأة…
الباب اتفتح.
شاهندة دخلت.
لابسة بدلة شيك، ونضارة شمس رغم إن الشمس كانت غابت.
كل اللي في الصالة بصوا عليها.
هي ما بصتش لحد.
كانت ماشية ناحيتي مباشرة.
وقفت قدامي وقالت بابتسامة باردة:
ـ مبروك النجاح.
رديت بهدوء:
ـ الله يبارك فيكي.
بصت حواليها.
ـ مطعم حلو.
بس النجاح السريع ساعات بيكون خطر.
ابتسمت.
ـ تقصدي إيه؟
قالت وهي بتعدل شنطتها:
ـ أقصد إن الناس بتحب اللي بيطلع بسرعة…
وبتحب أكتر تشوفه وهو بيقع.
قبل ما أرد…
حطت كارت صغير على الرخامة.
ـ لما تحبي تعرفي مين بيدمر سمعتك…
اتصلي بالرقم ده.
لفت ومشيت.
وقفت أبص للكارت.
من غير اسم.
من غير عنوان.
رقم تليفون بس.
أحمد قرب مني.
ـ قالت إيه؟
وريته الكارت.
اتغير لون وشه.
ـ ارميه.
بصيتله باستغراب.
ـ ليه؟
بلع ريقه وقال:
ـ لأن الرقم ده… أنا شوفته قبل كده.
ـ فين؟
سكت لحظة…
وبعدين قال الجملة اللي خلت جسمي كله يقشعر:
ـ ده نفس الرقم اللي كان بيتواصل مع كريم من شهور… قبل ما يسيبك بأيام.
رفعت عيني له.
وقبل ما أنطق…
الموبايل اللي في إيدي رن.
نفس الرقم…
اللي على الكارت.
الفصل الخامس
في ناس بتفتكر إن الاعتذار كلمة.
لكن الحقيقة…
الاعتذار الحقيقي بيبدأ يوم ما الإنسان يبطل يبرر غلطه.
ومن يوم ما ملك خرجت من حياة كريم…
وهو لأول مرة في عمره بقى يرجع البيت من غير ما حد مستنيه.
مفيش ريحة أكل طالعة من المطبخ.
مفيش صوتها وهي بتزعق في الشغالة علشان متبوظش الصينية.
مفيش حتى كوباية القهوة اللي كانت بتحطها قدامه من غير ما يطلب.
الغريب…
إنه اكتشف كل ده بعد ما اختفى.
…
كان قاعد في أوضته، قدامه عشرات الصور على الموبايل.
صور سفر.
صور حفلات.
صور عربيات.
لكن أول صورة وقف عندها كانت صورة قديمة جدًا.
ملك… لابسة مريلة مطبخ، ووشها مليان دقيق، وبترفع معلقة وهي بتضحك.
الصورة دي كانت من أول عيد ميلاد عملتهوله.
فاكر يومها كان متضايق إن التورتة مش من محل عالمي.
لكن بعد أول قطعة…
هو وأصحابه خلصوها كلها.
ابتسم رغم عنه.
وفجأة…
ابتسامته اختفت.
لأنه افتكر آخر مرة شاف نفس الضحكة.
كانت يوم كسرها بنفسه.
…
في نفس الوقت…
ملك كانت واقفة في مطبخ “بيت ملك”.
رغم إن المطعم بقى من أنجح المطاعم في القاهرة…
إلا إنها كانت حاسة إن في حاجة غلط.
الطلبات قلت بشكل غريب.
وفي كل يوم بتظهر إشاعة جديدة.
مرة يقولوا إنها بتشتري أكل جاهز.
ومرة يقولوا إنها سرقت وصفات.
ومرة يقولوا إن المطعم هيتقفل.
أستاذ سامح دخل عليها وقال:
ـ يا شيف… في عميل كبير ألغى الحجز.
اتنهدت.
ـ السبب؟
ـ قال إن حد بعتله ملف كامل عن المطعم.
رفعت راسها بسرعة.
ـ ملف؟
ـ أيوه… فيه كلام إن المنتجات مش أصلية.
ملك ضربت الرخامة بإيدها.
ـ كفاية بقى.
مين بيعمل كده؟
…
في الناحية التانية…
كريم كان قاعد في مكتب أبوه.
المهندس حسام حط قدامه ظرف بني.
ـ افتح.
فتح الظرف.
كان فيه صور.
وصور تانية.
ورسائل مطبوعة.
بص باستغراب.
ـ إيه ده؟
أبوه قال بهدوء:
ـ دي تحريات خاصة.
اللي بيحارب ملك… مش منافس.
حد قريب منك.
قلب كريم الورق بسرعة.
وفجأة…
وقف عند اسم واحد.
شاهندة.
قرأ الرسائل بعينه أكتر من مرة.
رسائل بينها وبين شركة دعاية إلكترونية.
“عايزين الحملة تشتغل على تشويه سمعة المطعم.”
“أي إشاعة تنزل لازم تبان إنها من زباين.”
“ادفعوا لأي حد يكتب تقييم سلبي.”
إيد كريم بدأت ترتعش.
ـ مستحيل.
أبوه رد ببرود:
ـ لسه في أكتر.
طلع تسجيل صوتي.
شاهندة وهي بتقول:
“طالما ملك واقفة… كريم عمره ما هيرجع يركز معايا.”
حس كريم إن الأرض بتلف بيه.
يعني…
كل اللي حصل…
كان متخطط له؟
…
خرج من الشركة وهو مش شايف قدامه.
ركب عربيته.
وراح مباشرة على فيلا شاهندة.
أول ما فتحت الباب ابتسمت.
ـ وحشتني.
دخل من غير كلمة.
رمى الظرف قدامها.
ـ إيه ده؟
فتحت الورق.
ولون وشها اتغير.
ـ كريم…
اسمعني.
صرخ لأول مرة فيها.
ـ انتي دمرتيها.
قالت بسرعة:
ـ عملت كده علشانك.
ـ علشاني؟
ـ أيوه…
أنا كنت عارفة إنها عمرها ما هتسيبك طول ما هي ناجحة.
ضحك ضحكة كلها وجع.
ـ انتي فاهمة غلط.
اللي ساب التاني… كنت أنا.
لكن اللي ضاع…
أنا.
شاهندة قربت منه.
ـ كريم…
أنا بحبك.
بصلها لأول مرة من غير أي إحساس.
ـ الحب عمره ما كان يؤذي.
سابها وخرج.
ولأول مرة…
حس إنه مش بس خسر ملك.
لا…
خسر نفسه.
…
تاني يوم الصبح…
ملك كانت لسه فاتحة المطعم.
الجرسون دخل يجري.
ـ يا شيف…
في حد برة رافض يمشي.
خرجت.
اتفاجئت.
كريم.
واقف قدام المطعم.
لابس قميص أبيض بسيط.
من غير عربية فخمة.
ولا سواق.
ولا حراسة.
أول ما شافها…
قال بهدوء:
ـ مش جاي أرجعك.
ولا جاي أبرر.
ولا حتى جاي أسامح نفسي.
أنا جاي أقول كلمة واحدة.
سكت لحظة…
وعينيه كانت مليانة ندم.
ـ أنا آسف.
ملك بصتله من غير أي تعبير.
ـ خلصت؟
هز راسه.
ـ لا.
لسه.
أنا اكتشفت متأخر إن كل مرة كنت بقول فيها إنك مجرد بنت بتعرف تطبخ…
كنت بأكد لنفسي كدب أنا مصدقه.
الحقيقة…
إنك كنت الشخص الوحيد اللي حبني من غير مصلحة.
وأنا كنت أغبى من إني أشوف ده.
ملك ردت بهدوء شديد.
ـ الاعتذار بيغير الماضي؟
ـ لا.
ـ يرجع كرامتي؟
سكت.
ـ لا.
ـ يمسح اللي سمعته بوداني؟
نزل راسه.
ـ لا.
ابتسمت ابتسامة هادية.
ـ يبقى احتفظ باعتذارك.
أنا قبلته كإنسان.
لكن ده مش معناه إن حياتي هترجع لورا.
كريم حس إن قلبه بيتكسر.
لكن لأول مرة…
ما حاولش يجادل.
لف علشان يمشي.
وفجأة…
سمع صوت فرامل عربية عنيفة قدام المطعم.
ونزل منها تلات رجالة.
وشكلهم ماكانش مطمن أبدًا.
أكبرهم بص لملك وقال بصوت خشن:
ـ انتي ملك؟
قالت بثبات:
ـ أيوه.
طلع ورقة من جيبه.
ـ إحنا ممثلين عن شركة استثمار.
والمطعم ده مبني على أرض عليها نزاع.
ولو معندكيش حل…
هيتشمع بالشمع الأحمر خلال 48 ساعة.
اتجمدت الصالة كلها.
والزباين بقوا يبصوا في صدمة.
ملك مسكت الورقة بإيد مرتعشة.
أما كريم…
فأول ما لمح اسم الشركة المكتوب في آخر الإنذار…
اتسعت عينه فجأة.
لأنه كان عارف الاسم ده كويس…
دي الشركة اللي كان بيشتغل معاها عمه…
والشركة نفسها متورطة في قضايا استيلاء على أراضي بملايين الجنيهات.
رفع عينه بسرعة لملك وقال بصوت مليان قلق:
ـ ملك… متوقعيش على أي ورقة.
إحنا دخلنا في لعبة أكبر بكتير مما كنا متخيلين…
مطعـم ملك ج 3 والاخير حكايات مني السيد
الفصل السادس (قبل الأخير)
عمري ما كنت أتخيل إن أكتر حاجة هتخوفني في حياتي مش الفشل…
لكن النجاح.
لأن النجاح أول ما بيكبر…
بيطلع ناس كتير كانت مستخبية في الضلمة.
وقفت ماسكة الإنذار اللي الراجل سابه على الترابيزة، وحاسة إن الكلام اللي مكتوب قدامي مش داخل دماغي.
إخلاء خلال ثمانٍ وأربعين ساعة.
نزاع على الأرض.
إجراءات قانونية.
كل كلمة كانت بتخبط في قلبي.
أستاذ سامح قرب مني وقال بخوف:
ـ يا شيف… ده حقيقي؟
بصيتله وأنا باخد نفس طويل.
ـ معرفش.
بس هنعرف.
الرجالة خرجوا من المطعم، والزباين بقوا يبصوا لبعض، والهمس بدأ يزيد.
وفي وسط كل ده…
كريم كان لسه واقف مكانه.
قرب بهدوء وقال:
ـ لو سمحتي… اسمعيني خمس دقايق بس.
كنت هرفض.
لكن بصراحة…
صوته مكانش فيه غرور المرة دي.
كان فيه خوف.
قلت ببرود:
ـ اتفضل.
قال وهو بيبص على الورقة:
ـ الشركة دي أنا أعرفها كويس… وورقها عمره ما بيطلع إلا لو في حد بيمولهم.
رفعت عيني.
ـ تقصد إيه؟
ـ أقصد إن الموضوع مش أرض.
الموضوع انتي.
…
في نفس الوقت…
كان في مكتب فخم في التجمع الخامس.
شاهندة قاعدة قدام راجل في الخمسينات، بدلة رمادي، وسيجار كوبي في إيده.
ابتسم وهو بيقلب صور المطعم.
ـ يعني عايزة المطعم يقفل؟
قالت بثقة:
ـ مش بس يقفل.
عايزة اسمها يختفي.
ضحك الراجل.
ـ واضح إنها عاملالك عقدة.
شاهندة ضغطت على أسنانها.
ـ طول ما هي موجودة… كريم عمره ما هيرجعلي.
الراجل قفل الملف وقال:
ـ اعتبري الموضوع خلص.
بس افتكري…
كل خدمة ليها تمن.
…
رجعت البيت آخر اليوم.
ولأول مرة من شهور…
حسيت إني تعبانة بجد.
مش جسمي…
روحي.
قعدت أبص على صور المطعم يوم الافتتاح.
افتكرت كل تفصيلة.
أول طوبة.
أول معلقة.
أول زبون.
وأول مرة شفت اسمي مكتوب على اللافتة.
معقول كل ده يضيع؟
دموعي نزلت من غير ما أحس.
وفي نفس اللحظة…
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت كريم.
شايل كرتونة كبيرة.
بصيتله باستغراب.
ـ إيه ده؟
قال:
ـ حاجتك.
ـ حاجتي؟
فتح الكرتونة.
ولقيت…
مريلة المطبخ القديمة.
الكشكول اللي كنت بكتب فيه أفكار جديدة.
وصور من أيام الكلية.
حتى البرطمان الصغير اللي كنت بحط فيه بهارات مخصوص.
بصيتله.
ـ دول كانوا عندك؟
هز راسه.
ـ بعد ما سبنا بعض… كنت محتفظ بيهم.
افتكرت إنهم مجرد حاجات.
بس لما جيت أرميهم…
معرفتش.
سكت شوية.
وبعدين قال بصوت مكسور:
ـ يمكن كنت برمي آخر حاجة باقية منك.
ما رديتش.
لكن لأول مرة…
حسيت إن ندمه حقيقي.
…
تاني يوم الصبح…
المحامي خلص مراجعة كل الأوراق.
ابتسم وهو بيقفل الملف.
ـ عندي خبر حلو.
قلبي دق.
ـ إيه؟
ـ الأرض سليمة.
اتنفست براحة.
لكن قبل ما أفرح…
كمل كلامه.
ـ المشكلة إن في حد قدم مستندات مزورة.
ولو متلحقناش الموضوع بسرعة… ممكن القضية تطول سنين.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
يعني حتى لو إحنا صح…
هنفضل في المحاكم؟
…
بعد الضهر…
كريم طلب يشوفني.
قابلته في مكتب المحامي.
أول ما دخل، حط فلاشة صغيرة على الترابيزة.
وقال:
ـ دي ممكن تغير كل حاجة.
المحامي شغلها.
ظهر فيديو من كاميرا مراقبة.
شاهندة.
ومعاها نفس الراجل اللي جه المطعم.
وبيسلمها ظرف.
وبعدين صوتها واضح:
“خلال أسبوع المطعم لازم يقفل… مهما كلف الأمر.”
المكتب كله سكت.
المحامي قال:
ـ الفيديو ده لو اتحقق منه…
يبقى القضية اتقلبت.
بصيت لكريم.
ـ جبت الفيديو ده منين؟
قال:
ـ الشركة اللي كنت شغال معاها زمان… لسه ليا ناس فيها.
واحد منهم كلمني بعد ما عرف اللي بيحصل.
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال:
ـ المرة دي…
مش هسمح حد يأذيكي بسببي.
…
خرجنا من المكتب.
وأول مرة نمشي جنب بعض من غير خناق.
ولا كلام كتير.
لحد ما وقف فجأة.
وقال:
ـ فاكرة أول مرة أكلت من إيدك؟
ابتسمت غصب عني.
ـ كنت نايم في المكتبة.
ضحك بخفة.
ـ وافتكرت إن ملاك حطلي الأكل.
سكت.
وبعدين بصلي.
ـ أنا فعلاً كنت محظوظ.
بس كنت غبي.
بصيت قدامي.
ـ متقولهاش دلوقتي.
ـ ليه؟
ـ لأن الكلام بعد ما كل حاجة تبوظ… بيبقى سهل.
هز راسه.
ـ عندك حق.
…
بعد يومين…
انتشر خبر القضية في السوشيال ميديا.
والناس بدأت تدعم المطعم.
طوابير الزباين رجعت أطول من الأول.
لكن النجاح المرة دي كان مختلف.
كل واحد داخل يقول كلمة.
“إحنا وراك.”
“متستسلميش.”
“الحق لازم يبان.”
وأنا لأول مرة أحس…
إن اللي بنيته بقى ملك للناس كمان.
…
بالليل…
كنت بقفل المطعم.
لقيت عربية سودة وقفت قدام الباب.
نزل منها الراجل اللي كان مع شاهندة.
ابتسم ابتسامة باردة.
ـ واضح إنك افتكرتي إنك كسبتي.
قلت بثبات:
ـ الحقيقة مبتخسرش.
قرب خطوة وقال:
ـ الحقيقة… ساعات بتختفي.
قبل ما أفهم قصده…
سمعت صوت عربية بسرعة كبيرة.
ولقيت عربية نقل فقدت السيطرة داخلة ناحية المكان.
كل اللي واقفين صرخوا.
وفي لحظة…
حد شدني بكل قوته.
وقعت على الأرض.
ولما فتحت عيني…
لقيت كريم واقع قدامي.
والدم نازل من جانب رأسه.
صرخت باسمه وأنا بركع جنبه.
ـ كريم!… كريم افتح عينيك!
فتح عينه بصعوبة، وحاول يبتسم.
وقال بصوت يكاد يُسمع:
ـ الحمد لله… إنتِ بخير.
وقبل ما أقدر أتكلم…
أغمض عينيه.
وفي نفس اللحظة…
العربية اللي عملت الحادث اختفت في آخر الشارع…
وكأن اللي حصل…
مكانش حادث خالص.
كان محاولة مدبرة…
الفصل السابع والأخير
بيقولوا إن الزمن كفيل يداوي أي جرح…
لكن الحقيقة إن الزمن لوحده ما بيعالجش حاجة.
اللي بيعالج الوجع…
هو الإنسان لما يقرر يواجه نفسه قبل ما يواجه الناس.
…
فتحت عيني في المستشفى على صوت الأجهزة.
أول حاجة شوفتها كانت أستاذ سامح واقف عند الباب، وأحمد وعمر ويوسف قاعدين بره الأوضة، وكل واحد فيهم وشه عليه ألف حكاية.
بصيت حواليّا بسرعة.
ـ كريم فين؟
أحمد ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
ـ الحمد لله… خرج من العمليات.
حسيت إن جبل كان فوق صدري واتشال.
مكنتش مستوعبة ليه أول سؤال خرج مني كان عنه.
يمكن لأن الإنسان مهما حاول يقنع نفسه إنه نسي…
القلب ساعات بيكون أبطأ من العقل.
…
بعد يومين…
الدكتور سمحلي أزوره.
دخلت أوضته بهدوء.
كان قاعد على السرير، وراسه متربطة بشاش أبيض، لكنه أول ما شافني ابتسم.
نفس الابتسامة اللي زمان كانت بتضعفني.
لكن المرة دي…
ما ضعفتنيش.
خلتني أحس بالراحة بس.
قال وهو بيضحك:
ـ أول مرة تدخلي عليا من غير صينية أكل.
رديت بابتسامة خفيفة:
ـ الدكتور مانع عنك الدسم.
ضحك… وبعدين سكت.
وبصلي.
ـ كنت فاكر إني هموت.
قلبي انقبض.
ـ متقولش كده.
قال بصوت هادي:
ـ أول حاجة فكرت فيها… إنك لسه زعلانة مني.
نزلت بعيني للأرض.
سكتنا شوية.
وبعدين قال:
ـ أنا عارف إن كلمة “آسف” قليلة.
وعارف إنك لو سامحتيني… يبقى ده كرم منك، مش حقي.
لكن لازم تعرفي حاجة.
أنا أول مرة حبيتك فيها…
كان يوم سيبتيلي الأكل في المكتبة.
وأول مرة خفت أخسرك…
كانت بعد ما خسرتك فعلًا.
دموعي لمعت، لكني مسحتها بسرعة.
قلت:
ـ الحب لوحده عمره ما كان كفاية يا كريم.
هز راسه.
ـ عارف.
علشان كده مش بطلب منك ترجعي.
أنا بطلب فرصة أثبتلك إن الإنسان ممكن يتغير.
…
بعد أسبوع…
الشرطة قبضت على شاهندة، والراجل اللي كان بيشتغل معاها.
التحقيقات أثبتت تزوير أوراق الأرض، وتشويه سمعة المطعم، ومحاولة تدبير الحادث.
ولأول مرة…
الحقيقة ظهرت قدام الكل.
كل القنوات كانت بتتكلم عن “بيت ملك”.
لكن ولا مرة ذكرت اسم كريم بطريقة وحشة.
لأنه بنفسه وقف قدام النيابة، وقدّم كل المستندات اللي كانت معاه، واعترف إنه زمان سكت عن أخطاء كتير، وإن سكوته كان غلط.
ساعتها فهمت…
إن الشجاعة مش إن الإنسان يقول “أنا صح”.
الشجاعة إنه يعترف إنه كان غلط.
…
الشهور عدت.
المطعم بقى أكبر.
فتحنا فرع جديد في إسكندرية.
وبعدين فرع في الشيخ زايد.
وفي كل افتتاح…
كان كريم موجود.
مش بصفته صاحب المشروع.
ولا ابن رجل أعمال.
كان أول واحد يشيل كراتين.
وأول واحد يقف مع العمال.
وأول واحد يروح آخر واحد.
وفي كل مرة كنت أبصله…
كنت ألاقي إن الإنسان اللي قدامي مش هو نفس الشخص اللي عرفته من سنين.
كبر…
واتعلم.
يمكن الوجع علمه.
ويمكن الخسارة.
لكن المهم…
إنه اتغير فعلًا.
…
في يوم، بعد قفل المطعم، طلب مني أطلع معاه السطح.
طلعنا.
القاهرة كانت منورة.
والهوا بارد.
وقف يبص للنيل من بعيد.
وقال:
ـ فاكرة أول مرة قولتلك إني عايز أتجوز الإيدين دي؟
ضحكت.
ـ كنت مغرور جدًا.
ضحك هو كمان.
ـ كنت طفل.
لف ناحيتي.
ـ لكن النهارده…
أنا بطلب إيد صاحبة الإيدين دي.
مش علشان بتطبخ.
ولا علشان ناجحة.
أنا بطلبها علشان هي الإنسان الوحيد اللي خلاني أبقى أحسن.
وسحب من جيبه علبة صغيرة.
فتحها.
كان فيها خاتم بسيط جدًا.
ولا فيه ألماس كبير.
ولا استعراض.
قال وهو صوته بيرتعش:
ـ ملك…
تتجوزيني؟
بصيت للخاتم.
وبعدين بصيت له.
افتكرت كل لحظة وجع.
وكل لحظة فرح.
وافتكرت كمان…
إن الإنسان اللي واقف قدامي دفع تمن غلطه، وماهربش منه.
قربت منه خطوة.
وقلت وأنا ببتسم:
ـ عندي شرط.
ابتسم بسرعة.
ـ اللي تطلبيه.
ـ عمرك ما تخليني أمشي وراك.
نمشي جنب بعض.
مد إيده فورًا.
ـ أوعدك.
حطيت إيدي في إيده.
وقلت الكلمة اللي كانت مخبية جوايا من شهور:
ـ موافقة.
ابتسامته وقتها كانت كفاية تنور الدنيا كلها.
…
بعد تلات شهور…
اتكتب الكتاب.
الفرح كان بسيط.
في جنينة كبيرة على النيل.
أهلي…
وأصحابي…
وكل العاملين في المطعم كانوا موجودين.
حتى أستاذ سامح كان بيعيط أكتر من أمي.
وأحمد وعمر ويوسف فضلوا يهزروا لحد المأذون قال:
ـ يا جماعة سيبوني أعرف أسمع العريس.
الكل ضحك.
ولما المأذون أعلن إننا بقينا زوج وزوجة…
كريم مسك إيدي برفق، وابتسم، وطبع قبلة دافئة على جبيني وسط تصفيق وفرحة كل اللي حوالينا.
وقتها حسيت إن كل التعب اللي عديت بيه…
كان بيقودني للحظة دي.
…
بعد سنة…
كان “بيت ملك” بقى من أشهر المطاعم في مصر.
لكن الحاجة اللي كنت بفخر بيها أكتر…
إن كل يوم الصبح، قبل ما المطعم يفتح، كريم كان يدخل المطبخ، يلبس المريلة، ويبصلي ويقول بنفس الجملة اللي بدأ بيها كل شيء:
ـ يا شيف…
في حاجة أقدر أساعدك فيها؟
وأضحك وأقوله:
ـ أيوه…
اقطع البصل.
فيرد وهو بيضحك:
ـ اتعلمت الدرس خلاص.
وأنا أبصله وأقول:
ـ وأنا كمان…
اتعلمت إن الحب الحقيقي مش بيقلل منك…
الحب الحقيقي بيكبرك.
وفي نهاية كل يوم، كنت أبص للافتة المكتوب عليها:
“بيت ملك.”
وأفتكر إن النجاح طعمه حلو…
لكن أحلى منه بكتير إنك تلاقي الشخص اللي يفرح بنجاحك كأنه نجاحه هو.
تمت بحمد الله.


تعليقات
إرسال تعليق