القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

وظيفه غير مرغوب بها كامله بقلم أسمـا

 وظيفه غير مرغوب بها كامله من الفصل الاول إلى الفصل الأخير بقلم أسمـا




وظيفه غير مرغوب بها كامله من الفصل الاول إلى الفصل الأخير بقلم أسمـا

وظيفه غير مرغوب بها الفصل الأول إلى الفصل السادس بقلم أسمـا

اشتغلت في الوظيفة اللي محدش رضي يقبلها… وبعد أسبوع شفت صباع الملياردير المشلول بيتحرك


كان مع ليلى الجندي 137 جنيه بس في حسابها البنكي لما محامي عيلة الحديدي عرض عليها شغلانة محدش كان عايزها.


الشغلانة كانت بسيطة على الورق.تعيش جوه القصر.


 


ترعى رجل أعمال مشلول.


 


تلتزم الصمت.ومتسألش أي أسئلة.


 


بالنسبة لأي حد تاني كان العرض هيبان غريب.


 


لكن بالنسبة لليلى…


 


كان معناه إيجار.


 


وأكل.


 


وشهر زيادة ولادها مش هيناموا فيه جعانين.


 


كان عندها 34 سنة.


 


أم مطلقة.


 


ومتعبة بالطريقة اللي بتبقى عليها الستات القوية.


 


ابنها آدم عنده 9 سنين.


 


وكان بيتظاهر إنه مش ملاحظ إنها ساعات بتسيب أكلها علشانه.


 


أما بنتها جنا فكان عندها 6 سنين ولسه مقتنعة إن شقتهم القديمة “مسافرة ترتاح شوية” لحد ما يرجعوا يعيشوا فيها.


 


علشان كده لما الأستاذ كمال السيوفي محامي عيلة الحديدي زق عقد التوظيف قدامها وقال:


 


“الأستاذ سليم الحديدي محتاج رعاية خاصة.”


 


مضت قبل ما كرامتها تلحق تمنعها.


 


وسليم الحديدي ماكانش مجرد غني.


 


كان من النوع اللي الناس تهمس باسمه.


 


راجل يمتلك شركات.


 


ومستشفيات.


 


وأبراج سكنية.


 


واسمه مكتوب على مباني جامعات كاملة.


 


وكان عايش في قصر ضخم فوق هضبة مرتفعة في التجمع الخامس.


 


من 3 سنين حصلت له حادثة طيارة خاصة.


 


ومن يومها وهو مشلول.


 


لا بيتكلم.


 


ولا بيتحرك.


 


ولا قادر يدير إمبراطوريته.


 


الصحافة وصفت اللي حصل بالمأساة.


 


أما أخوه الأصغر رامز الحديدي فكان بيسميه:


 


“عبء القيادة.”


 


وهو بيستلم إدارة كل الشركات مكانه.


 


لما وصلت ليلى القصر…


 


استقبلها رامز بابتسامة مثالية زيادة عن اللزوم.


 


الابتسامة اللي تخليك تحس إن وراها حاجة غلط.


 


قال:


 


“أخويا مش قادر يتواصل مع حد.”


 


وسكت لحظة قبل ما يكمل:


 


“فبلاش تتعبي نفسك بمحاولات مالهاش لازمة.”


 


جنب منه كانت واقفة مراته ريهام.


 


أنيقة بشكل مبالغ فيه.


 


ولابسة فستان حرير فاتح.


 


وبتبص لليلى كأنها بقعة على سجادة غالية.


 


قالت ببرود:


 


“الممرضة اللي قبلك اتعلقت بيه زيادة عن اللزوم.”


 


ثم أضافت:


 


“مش عايزين ده يتكرر.”


 


هزت ليلى رأسها.


 


وقالت:


 


“أنا جاية أشتغل وبس.”


 


ابتسم رامز.



لكن طريقته خلت الجملة تبان كأنها تهديد.


 


كانت أوضة سليم في الدور التاني.


 


مطلة على الجنينة.


 


جميلة.


 


هادية.


 


لكن فيها برودة غريبة.


 


كان نايم على سرير طبي ضخم جنب الشبابيك.


 


شعره الأسود خالطه الشيب.


 


وجسمه بقى أنحف بكتير من الصور اللي كانت بتشوفها في الأخبار.


 


عينيه مفتوحين.


 


لكن كأنهم بعيد أوي.


 


في اللحظة دي نسيت ليلى الفلوس كلها.


 


وشافت راجل محبوس جوه جسمه.


 


قالت بهدوء:


 


“أهلًا يا أستاذ سليم… أنا ليلى وهكون مسؤولة عن رعايتك.”


 


مفيش رد.


 


طبعًا.


 


الممرضة اللي دربتها شرحت كل حاجة بسرعة.


 


مواعيد الأدوية.


 


الأكل.


 


الاستحمام.


 


ممنوع الزوار إلا بموافقة.


 


ممنوع المكالمات.


 


ممنوع الأخبار.


 


وممنوع المرايات.


 


وقفت ليلى مستغربة.


 


وقالت:


 


“ممنوع المرايات؟”


 


خفضت الممرضة صوتها.


 


وقالت:


 


“الأستاذ رامز بيقول إنها بتضايقه.”


 


بصت ليلى لسليم.


 


كان ساكت.


 


لكن حاجة جواها قالت إن في حاجة غلط.


 


الأسبوع الأول عدى بهدوء.


 


تعلمت إزاي تحرك إيده من غير ما توجعه.


 


وإزاي تكلمه قبل ما تلمسه.


 


وإزاي تلاحظ التغيرات البسيطة في تنفسه.


 


وكانت بتحكيله عن ولادها كل يوم.


 


عن آدم اللي بيعشق الديناصورات.


 


وعن جنا اللي مصممة إن سندوتشات الجبنة طعمها أحلى لو متقطعة مثلثات.


 


وعن حلمها القديم إنها تفتح محل حلويات قبل ما الحياة تتحول لفواتير وديون.


 


معظم الوقت كان بيبص قدامه.


 


لكن كل ما تجيب سيرة الأطفال…


 


كانت عينيه بتتغير.


 


في صباح اليوم الثامن…


 


كانت بتساعده في الحمام.


 


الشمس داخلة من الشباك.


 


وهي بتدندن أغنية صغيرة كانت بنتها بتحبها.


 


فجأة سمعت صوت ريهام في الممر.


 


“رامز قال لازم أوراق نقل الملكية تتمضي قبل آخر الأسبوع.”


 


تجمدت ليلى مكانها.


 


الباب كان موارب.


 


وصوتهم واضح.


 


قالت ريهام:


 


“الدكتور أكد إن سليم مش هيستحمل مراجعة قانونية جديدة… أول ما مجلس الإدارة يوافق على رامز كرئيس دائم كل حاجة هتبقى بتاعتنا.”


 


ضحك رامز.


 


وقال:


 


“مش بتاعتنا…”


 


ثم أكمل:


 


“بتاعتي أنا.”


 


اتقبض قلب ليلى.


 


وبصت لسليم.


 


ولأول مرة لاحظت حاجة.


 


فكه كان بيترعش.


 


بسيط جدًا.




لكن موجود.


 


ثم صوابع إيده اتحركت.


 


مرة.


 


وبعدين مرة تانية.


 


ببطء.


 


وبألم.


 


كأن جسمه بيحارب علشان يرجع للحياة.


 


همست:


 


“أستاذ سليم؟”


 


وفجأة…


 


عينيه اتثبتوا في عينيها.


 


نظرة حادة.


 


واعية.


 


وخايفة.


 


لما بعدت أصوات رامز وريهام…


 


قربت ليلى منه أكتر.


 


وقالت وهي بتترعش:


 


“إنت سامعني؟”


 


رمش مرة واحدة.


 


وقلبها كاد يقف.


 


سألت السؤال اللي غير كل حاجة:


 


“إنت محبوس جوا جسمك؟”


 


رمش مرة تانية.


 


ونزلت دمعة من طرف عينه.


 


في اللحظة دي فهمت الحقيقة.


 


سليم الحديدي ماكانش غايب.


 


ماكانش فاقد الوعي.


 


ماكانش انتهى.


 


كان سامع كل حاجة.


 


وفاكر كل حاجة.


 


وفي حد جوه القصر كان معتمد على إنه يفضل ساكت للأبد.


 


في الليلة دي…


 


بعد ما نومت آدم وجنا في الشقة الصغيرة المخصصة للخدم خلف القصر…


 


فضلت قاعدة لوحدها.


 


مش عارفة تعمل إيه.


 


هي محتاجة الشغل.


 


وولادها محتاجين الأمان.


 


لكن فوق…


 


في راجل بيستغيث من غير كلام.


 


تاني يوم دخلت أوضته ومعاها نوتة صغيرة مخبياها.


 


وهمست:


 


“لو تقدر تحرك صباع واحد… هنلاقي طريقة نتكلم.”


 


ولأول مرة…


 


امتلأت عيون سليم بحاجة أقوى من الخوف.


 


الأمل.


 


حطت القلم بين صوابعه.


 


كانت إيده بتترعش بعنف.


 


ومسكتها تساعده.


 


وبعد دقائق طويلة…


 


كتب كلمة واحدة بصعوبة.


 


رامز


 


شهقت ليلى.


 


ثم كتب كلمة تانية.


 


استغرقت خمس دقايق كاملة.


 


كذاب


 


في نفس اللحظة سمعت خطوات جاية ناحية الأوضة.


 


خبّت النوتة بسرعة تحت البطانية.


 


ودخل رامز بابتسامته المعتادة.


 


وقال:


 


“عامل إيه أخويا النهارده؟”


 


لفت ليلى ناحيته ببطء.


 


أما سليم…


 


فعاد ساكنًا تمامًا.


 


لكن تحت البطانية…


 


ضغط أحد أصابعه على معصمها.


 


تحذير.


 


ووعد.


 


وسر قادر يدمر إمبراطورية كاملة….


 


الفصل الثاني


في اللحظة اللي خرج فيها رامز من الأوضة، فضلت ليلى واقفة مكانها وهي حاسة إن قلبها بيدق بعنف.


الباب اتقفل.


والهدوء رجع تاني.


لكن الهدوء المرة دي ماكانش طبيعي.


كان هدوء قبل العاصفة.


بصت لسليم.


كان راجع زي ما كان.


جسم ساكن.


ملامح جامدة.


وعيون بتبص ناحية السقف.


أي حد يدخل دلوقتي هيقسم إنه راجل غايب عن الدنيا.



لكن ليلى كانت عرفت الحقيقة.


الحقيقة اللي محدش غيرها عرفها.


سليم الحديدي صاحي.


سامع.


فاهم.


ومحبوس.


قربت منه بسرعة.


طلعت النوتة من تحت البطانية.


وهمست:


“أنا محتاجة أعرف الحقيقة.”


إيده كانت بتترعش.


ببطء شديد.


حاول يمسك القلم.


أكتر من مرة القلم وقع.


وأكتر من مرة كانت هي ترجعه بين صوابعه.


بعد عشر دقايق كاملة قدر يكتب جملة قصيرة.


“الحادث مش حادث.”


اتسعت عيونها.


وشعرت بقشعريرة تسري في جسمها كله.


الحادث مش حادث؟


يعني إيه؟


يعني الطيارة ماوقعتش بالصدفة؟


يعني حد عمل كده؟


كتبت بسرعة تحت كلامه:


“مين؟”


فضل يحاول.


صباعه بيتشنج.


ووشه بدأ يحمر من المجهود.


ثم كتب حرف.


وبعدين حرف تاني.


وبعدين اسم كامل.


“رامز”


ليلى سحبت نفس حاد.


مش قادرة تستوعب.


أخو سليم؟


أخو دمه؟


هو اللي حاول يقت*له؟


لكن قبل ما تسأله أكتر سمعت طرق خفيف على الباب.


خبت النوتة بسرعة.


ودخلت الخادمة أمينة.


ست كبيرة شغالة في القصر من أكتر من عشرين سنة.


دخلت وهي شايلة صينية أكل.


لكن أول ما الباب اتقفل بصت لسليم.


ثم بصت لليلى.


وقالت بصوت منخفض جدًا:


“إوعي تثقي في حد هنا.”


تجمدت ليلى.


أمينة كملت وهي بتحط الصينية:


“ولا حتى الحيطان.”


ثم خرجت كأنها ماقالتش حاجة.


وقفت ليلى مذهولة.


واضح إنها مش الوحيدة اللي شاكة.


واضح إن في ناس عارفة.


لكن خايفة.


في نفس الليلة كانت قاعدة مع آدم وجنا في الشقة الصغيرة خلف القصر.


آدم كان بيحل واجباته.


أما جنا فكانت بترسم بيت كبير.


قالت بابتسامة:


“ده قصرنا الجديد يا ماما.”


ضحكت ليلى رغم التوتر.


لكن فجأة لمحت عربية سوداء واقفة بعيد.


قدام الشقة.


الموتور شغال.


والأنوار مطفية.


فضلت العربية واقفة حوالي عشر دقايق.


ثم مشت.


من غير سبب.


ومن غير ما حد ينزل منها.


ساعتها فقط بدأت تشعر بالخطر الحقيقي.


في اليوم التالي…


كان رامز عامل اجتماع كبير في القصر.


رجال أعمال.


محامين.


أعضاء مجلس إدارة.


كلهم موجودين.


ولأول مرة طلبوا من ليلى تنزل سليم للقاعة الرئيسية.


كانوا عايزين يظهروا إنه موجود.


حتى لو مجرد صورة.


ساعدته تقعد على الكرسي المتحرك.


ونزلت بيه.


أول ما دخل القاعة الكل وقف.


بعضهم اتأثر.


بعضهم حزن.


لكن أغلبهم كانوا بيبصوا على رامز.


مش على سليم.


رامز وقف في منتصف القاعة وقال:


“أخويا العزيز للأسف حالته مستقرة بدون أي تحسن.”


ثم تنهد بطريقة تمثيلية.


وأضاف:


“وعلشان كده مجلس الإدارة لازم يوافق على نقل كل الصلاحيات التنفيذية بشكل دائم.”


بعض الأعضاء هزوا رؤوسهم.


لكن فجأة حصل شيء محدش توقعه.


سليم حرك إصبعين.


حركة بسيطة جدًا.



لكن ليلى شافتها.


وكمان واحد من أعضاء المجلس شافها.


رجل عجوز اسمه فؤاد العشري.


صديق قديم لسليم.


اقترب بسرعة.


وقال:


“استنوا.”


سكت الجميع.


فؤاد ركع جنب الكرسي.


وبص لسليم مباشرة.


وقال:


“سليم… لو سامعني حرك صباعك.”


القاعة كلها حبست أنفاسها.


رامز شحب وجهه.


أما ليلى فكانت حاسة إن قلبها هيخرج من صدرها.


مرّت ثانية.


ثم ثانية.


ثم…


تحرك الإصبع.


مرة واحدة.


واضحة.


حقيقية.


القاعة انفجرت بالهمسات.


فؤاد وقف مذهول.


وقال:


“هو واعي.”


رامز صرخ فورًا:


“لا طبعًا… دي حركة عصبية لا إرادية.”


لكن فؤاد ماصدقوش.


وبدأ الشك يدخل قلوب الجميع.


لأول مرة منذ ثلاث سنوات.


هيبة رامز بدأت تتصدع.


لكن الأخطر…


إن رامز عرف إن أخوه بيحارب علشان يرجع.


وفي تلك الليلة…


بعد منتصف الليل…


استيقظت ليلى على صوت حركة خارج شقتها.


فتحت عينها.


الساعة كانت 2:37 صباحًا.


الظلام مالي المكان.


لكنها سمعت الصوت مرة تانية.


خطوات.


بطيئة.


متعمدة.


ثم صوت معدني خافت.


كأن حد بيحاول يفتح الباب.


اتجمد الدم في عروقها.


آدم وجنا نايمين في الأوضة المجاورة.


والخطوات بتقرب أكتر.


وأكتر.


ثم توقفت تمامًا أمام باب الشقة.


وبدأ المقبض يتحرك ببطء…


يتبع…



الفصل الثالث


ثبتت ليلى مكانها وهي شايفة مقبض الباب بيتحرك ببطء.


مرة.


واتنين.


وثلاثة.


كأن اللي واقف بره بيجرب يتأكد إن الباب مقفول.


مدت إيدها ناحية التليفون على الكومودينو من غير ما تعمل أي صوت.


قلبها كان بيدق بعنف.


وكل تفكيرها كان في آدم وجنا.


مش في نفسها.


فيهم هما.


لو حد دخل دلوقتي…


هيعمل فيهم إيه؟


فجأة سمعِت همسة خافتة من بره الباب.


وبعدين صوت خطوات بتبعد.


بسرعة.


قامت من السرير فورًا.


جريت ناحية العين السحرية.


لكن الممر كان فاضي.


مفيش حد.


ولا أي أثر لأي شخص.


فضلت واقفة دقيقة كاملة.


ثم اتنين.


ثم فتحت الباب بحذر.


الممر كان مظلم.


لكن حاجة صغيرة لفتت نظرها.


ظرف أبيض.


متساب على الأرض.


قدام الباب مباشرة.


انحنت والتقطته.


قفلت الباب بسرعة.


ثم فتحت الظرف.


كان فيه ورقة واحدة.


مكتوب عليها بخط كبير:


“خدي ولادك وامشي قبل ما يفوت الأوان.”


شهقت.


وقلبت الورقة.


لقيت كلمة تانية مكتوبة في الخلف.


“بيراقبوكي.”


جلست على طرف السرير وهي حاسة إن جسمها كله تلج.


مين اللي بعت الرسالة؟


أمينة؟


حد من العاملين؟


ولا شخص تاني؟


والأهم…


مين اللي بيراقبها؟


في الصباح دخلت أوضة سليم وعينيها مرهقة من السهر.


أول ما شافها لاحظت إنه ركز في ملامحها.


قالت بهمس:


“حد جه عند شقتي بالليل.”


عينيه اتسعتا.


ثم حاول يحرك إيده.


ببطء.


مسكت النوتة.


وحطت القلم بين أصابعه.


وبعد جهد طويل كتب:


“كاميرا.”


رفعت رأسها بسرعة.


“كاميرا إيه؟”


كتب حرفين.


ثم توقف.


ثم أكمل.


“الحديقة.”


اتسعت عيونها.


يعني في كاميرات؟


كاميرات محدش يعرف عنها حاجة؟


بعد ساعات كانت بتنزل الجنينة مع جنا بحجة التمشية.


كانت عايزة تدور.


من غير ما حد يشك فيها.


لفت حول الأشجار.


وحول سور القصر.


لحد ما لاحظت حاجة غريبة.


كاميرا صغيرة جدًا.


مخفية داخل تمثال رخامي.


ثم كاميرا تانية.


وثالثة.


كلها متوجهة ناحية الشقق الخلفية.


ناحية سكن العاملين.


ناحية شقتها بالتحديد.


رجعت وهي حاسة بالغثيان.


حد كان بيراقب كل حركة بتعملها.


في نفس اليوم.


وصل للقصر زائر جديد.


رجل في الستينات.


شعره أبيض.


وهيبة غريبة.


أول ما شافته أمينة اتوترت.


وأول ما شافه رامز تغير لونه.


عرفت بعدها إن اسمه اللواء المتقاعد نادر الحديدي.


عم سليم ورامز.


وأكبر مساهم فردي في المجموعة بعد سليم.


دخل مباشرة لأوضة سليم.


وقف قدامه طويلًا.


ثم قال:


“وحشتني يا ابن أخويا.”


صوته كان حزين بصدق.


مش زي تمثيل رامز.


رامز حاول يقاطعه.


لكن الرجل أسكته بإشارة واحدة.


ثم التفت لليلى.


وسأل:


“إنتِ هنا بقالك قد إيه؟”


قالت:


“حوالي أسبوعين.”


هز رأسه.


وقال:


“ومن أول مرة أشوفه من سنين عينيه فيها حياة.”


ساد الصمت.


أما رامز فكان بيضغط على أسنانه بعصبية.


في المساء.


استدعى رامز ليلى إلى مكتبه.


المكتب كان واسع.


فخم.


لكن لأول مرة شعرت إنها داخلة قفص.


قال بابتسامة باردة:


“إنتِ شاطرة.”


سكت لحظة.


ثم فتح درج مكتبه.


وأخرج شيك.


رقم كبير جدًا.


أكبر من مرتبها بعشرات المرات.


قال:


“خديه.”


بصت للشيك.


ثم رفعت عينيها.


“ليه؟”


ابتسم.


وقال:


“مكافأة.”


ثم مال للأمام.


وأكمل:


“وكملي شغلك زي ما إنتِ.”


“يعني؟”


“يعني متركزيش في أي حاجة غير الأدوية والأكل.”


سكت ثانية.


ثم أضاف:


“وفي حاجات أحيانًا الأفضل إنها تفضل مدفونة.”


شعرت ليلى بقشعريرة.


التهديد كان واضح.


حتى لو مغلف بابتسامة.


دفعت الشيك نحوه.


وقالت:


“أنا باخد مرتبي وبس.”


اختفت الابتسامة من على وجهه.


لأول مرة.


ورأت حقيقته.


البرود.


والقسوة.


والغضب.


خرجت من المكتب وهي تعرف إن الحرب بدأت.


لكنها ماكانت تعرفش إن رامز في نفس اللحظة كان واقف عند الشباك بيتفرج عليها.


وبيقول لشخص واقف بجانبه:


“خلصوا منها.”


سكت الرجل.


ثم سأله:


“والأطفال؟”


رامز بص للخارج للحظات.


ثم قال ببرود مرعب:


“مش عايز مشاكل… لكن لو اضطرينا…”


ولم يكمل الجملة.


أما في الناحية التانية من القصر…


كان سليم مستلقيًا على سريره.


وعينيه مفتوحتان في الظلام.


لأول مرة منذ ثلاث سنوات.


شعر بالعجز الحقيقي.


لأنه عرف إن ليلى أصبحت في خطر بسببه.


وفي منتصف تلك الليلة…


استيقظت ليلى على صوت رسالة وصلت إلى هاتفها.


رقم مجهول.


مفيش اسم.


مفيش صورة.


مجرد رسالة واحدة.


فتحتها.


فوجدت صورة.


صورة لآدم وهو خارج من المدرسة صباح ذلك اليوم.


وتحتها جملة قصيرة:


“ابعدي عن أسرار عيلة الحديدي… لو عايزة ابنك يرجع البيت سليم.”


يتبع…


الفصل الرابع


فضلت ليلى باصة للموبايل لثواني طويلة وهي مش قادرة تستوعب اللي شايفاه.


الصورة كانت جديدة.


واضحة جدًا.


آدم واقف قدام المدرسة.


الشنطة على ضهره.


وبيضحك مع واحد من أصحابه.


الصورة متصورة من قريب.


قريب جدًا.


كأن اللي التقطها كان واقف على بعد خطوات منه.


اتجمد الدم في عروقها.


ومش بسبب التهديد.


بسبب إن حد وصل لابنها.


حد يعرف مدرسته.


ويعرف مواعيده.


ويعرف إنها أكتر نقطة ضعف عندها.


جريت ناحية أوضة الأطفال.


فتحت الباب بسرعة.


آدم وجنا كانوا نايمين.


قربت منهم.


ولمست شعرهم.


كأنها بتتأكد إنهم موجودين فعلًا.


ثم رجعت للصالة.


وأعادت قراءة الرسالة عشر مرات.


كل مرة كانت تشعر بالخوف أكتر.


لكن مع الخوف كان فيه غضب بيتولد جواها.


غضب أم.


وأي حد يعرف الأمهات كويس يعرف إن خوف الأم على أولادها ممكن يتحول لأخطر قوة في الدنيا.


في الصباح.


أخذت الأطفال بنفسها للمدرسة.


وانتظرت حتى دخلوا.


ثم فضلت واقفة تراقب المكان.


كانت بتبص لكل عربية.


ولكل شخص.


ولكل وجه.


لكنها ماقدرتش تميز حد.


كل الناس بدوا طبيعيين.


وده كان المرعب.


لأن الخطر الحقيقي عمره ما بيبقى واضح.


لما رجعت القصر دخلت مباشرة إلى أوضة سليم.


كان مستنيها.


هي متأكدة من كده.


لأن أول ما دخلت رفع عينيه نحوها.


وشاف الخوف اللي حاولت تخفيه.


طلعت النوتة.


وكتبت بسرعة:


“هددوا ابني.”


تغيرت ملامحه فورًا.


لأول مرة شافت الغضب في عينيه.


غضب حقيقي.


عنيف.


مكتوم.


بذل مجهودًا هائلًا.


ثم كتب كلمة واحدة.


“رامز.”


هزت رأسها.


وقالت:


“عارفة.”


ثم أضافت:


“لكن معنديش دليل.”


حاول يكتب مرة أخرى.


استغرق الأمر دقائق.


لكن في النهاية ظهرت جملة قصيرة.


“الخزنة.”


بصت له.


“أي خزنة؟”


كتب:


“مكتبي.”


ثم أكمل:


“ملفات.”


اتسعت عيناها.


فهمت.


في مكتب سليم القديم توجد ملفات.


شيء كان محتفظًا به قبل الحادث.


شيء يخاف رامز منه.


في تلك الليلة انتظرت حتى نام الجميع.


أو على الأقل تظاهروا بالنوم.


ثم خرجت من شقتها.


القصر كان هادئًا.


الإضاءة خافتة.


والساعات تمر ببطء.


صعدت للدور الثالث.


حيث مكتب سليم المغلق منذ سنوات.


الباب كان مقفولًا.


لكن أمينة كانت قد أعطتها مفتاحًا صغيرًا قبل ساعات دون كلمة واحدة.


وكأنها تعرف ما ستفعله.


أدخلت المفتاح.


ودخلت.


المكان كان مغطى بطبقة خفيفة من الغبار.


لكن كل شيء ما زال كما هو.


مكتب خشبي ضخم.


مكتبة.


صور.


جوائز.


وأسرار.


أسرار كثيرة.


بدأت تبحث.


درج.


اثنان.


ثلاثة.


لا شيء.


ثم تذكرت كلمة سليم.


الخزنة.


راحت ناحية اللوحة الكبيرة المعلقة خلف المكتب.


وسحبتها.


لتظهر بالفعل خزنة إلكترونية.


لكن المشكلة كانت في الرقم السري.


وقفت تفكر.


ثم تذكرت تاريخًا رأته على إحدى الصور.


صورة لسليم مع طفل صغير.


خلفها مكتوب بخط اليد:


“أجمل يوم في حياتي.”


أسفلها تاريخ.


جربته.


لم تفتح.


جربت تاريخ ميلاده.


لا شيء.


ثم فجأة لاحظت شيئًا غريبًا.


الطفل الموجود في الصورة لم تكن تعرفه.


ليس رامز.


وليس أي شخص رأته في القصر.


طفل عمره حوالي عشر سنوات.


واقف بجوار سليم.


وسليم يحتضنه بفخر.


قلبت الصورة.


كان مكتوبًا:


“أنا ويوسف.”


يوسف؟


مين يوسف؟


أعادت النظر للصورة.


ثم جربت تاريخ ميلاد الطفل المكتوب على الإطار.


سمعت صوتًا خافتًا.


تك.


الخزنة فتحت.


شهقت.


وببطء فتحت الباب المعدني.


في الداخل كانت توجد ملفات كثيرة.


وعقود.


وأقراص تخزين.


وصندوق أسود صغير.


أخرجته.


فتحته.


فوجدت بداخله فلاشة.


وفوقها ورقة.


مكتوب عليها بخط سليم:


“إذا كنت تقرأ هذا… فمعنى ذلك أنني لم أعد قادرًا على حماية ابني.”


شعرت ليلى بقلبها يتوقف.


ابني؟


أي ابن؟


أكملت القراءة بسرعة.


“يوسف هو وريثي الشرعي الوحيد. إذا حدث لي شيء قبل إعلان الأمر رسميًا، فاعلموا أن رامز سيحاول الاستيلاء على كل شيء.”


شهقت بقوة.


يوسف ابن سليم.


وسليم أخفى وجوده.


ولذلك رامز يريد السيطرة على الإمبراطورية.


لكن قبل أن تكمل…


سمعت صوتًا خلفها.


صوت باب المكتب وهو يُغلق ببطء.


استدارت.


لتجد رجلًا ضخم الج*ثة واقفًا أمام الباب.


لم تره من قبل.


لكنها عرفت فورًا أنه ليس عاملًا.


ولا حارسًا عاديًا.


كان ينظر إليها دون ابتسامة.


ثم قال:


“الأستاذ رامز كان متأكد إنك هتوصلي للمكان ده.”


وسحب شيئًا معدنيًا من جيبه.


شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها.


وفي نفس اللحظة…


رن هاتفها.


على الشاشة ظهر اسم واحد فقط.


آدم.


يتبع…


الفصل الخامس


اتجمدت ليلى مكانها.


عينها على الرجل الضخم.


وعينها على شاشة الموبايل.


اسم آدم كان منور قدامها.


بيرن.


مرة.


واتنين.


وثلاثة.


أما الرجل فبدأ يقرب خطوة.


ثم خطوة تانية.


وقال بهدوء مرعب:


“ردي.”


بلعت ريقها بصعوبة.


وضغطت زر الإجابة.


صوت آدم خرج مرتعشًا.


“ماما؟”


دموعها كانت هتنزل فورًا.


لكنها تماسكت.


وقالت بسرعة:


“آدم… إنت كويس؟”


“أيوة يا ماما.”


ثم سكت لحظة.


وأضاف:


“في راجل هنا بيقول إنه صاحبك.”


شعرت كأن الأرض بتنهار تحت قدميها.


“راجل مين؟”


لكن قبل ما آدم يرد.


سمعت صوت رجل غريب أخذ الهاتف منه.


وقال بهدوء:


“الأطفال بخير.”


ثم سكت ثانية.


“لسه.”


انقطع الخط.


سقطت يدها بجوار جسمها.


أما الرجل الواقف أمام الباب فابتسم لأول مرة.


وقال:


“شوفتي؟”


ثم أشار للفلاشة.


“هاتيها.”


كان واضحًا أن كل شيء محسوب.


رامز كان يعرف.


كان منتظر.


وكان يراقبها منذ البداية.


نظرت للفلاشة.


ثم للرجل.


ثم قالت:


“ولو اديتهالك هيسيب ولادي؟”


ضحك ضحكة قصيرة.


وقال:


“مش شغلي.”


في تلك اللحظة عرفت الحقيقة.


مفيش اتفاق.


مفيش أمان.


حتى لو سلمت كل حاجة.


مفيش ضمان إن آدم وجنا هيبقوا بخير.


وفجأة…


جاء صوت من الممر.


صوت خطوات سريعة.


الرجل استدار للحظة.


ثانية واحدة فقط.


لكنها كانت كفاية.


ليلى دفعت المكتب بكل قوتها.


اصطدم بالرجل.


وفقد توازنه.


وفي نفس اللحظة جريت ناحية الباب.


خرجت من المكتب.


وجريت في الممر.


خلفها صوته الغاضب.


ثم صوت مطاردة.


كانت بتجري بأقصى سرعة.


الفلاشة في جيبها.


وقلبها يكاد ينفجر.


لحد ما اصطدمت بشخص خارج المصعد.


رفعت رأسها.


وكان اللواء نادر.


شهقت:


“ساعدني.”


بص وراءها.


وشاف الرجل الضخم خارج من الممر.


وفي ثانية واحدة فهم إن فيه كارثة.


وقف أمام ليلى.


وقال للرجل:


“إنت مين؟”


الرجل توقف.


ثم استدار وغادر بسرعة قبل ما يتجمع العاملون.


لكن الليلة دي غيرت كل شيء.


لأن نادر لم يعد يشك.


أصبح متأكدًا.


في صباح اليوم التالي.


وصل محامي خاص إلى القصر بأمر من نادر.


ومعه طبيب أعصاب عالمي.


رامز حاول يمنعهم.


لكن نادر هدده علنًا.


وقال أمام الجميع:


“لو اعترضت هعتبر إن عندك حاجة مستخبيها.”


أول مرة منذ سنوات.


ظهر الخوف الحقيقي على وجه رامز.


دخل الطبيب إلى غرفة سليم.


وأجرى فحوصات طويلة.


ساعات كاملة.


ثم خرج.


وكان الجميع ينتظر.


رامز.


ريهام.


أعضاء مجلس الإدارة.


العاملون.


ليلى.


أما الطبيب فوقف وسط الصالة.


وقال جملة واحدة قلبت القصر كله.


“الأستاذ سليم واعٍ إدراكيًا بشكل كامل.”


ساد الصمت.


صمت ثقيل.


ثم انفجر المكان.


أسئلة.


صراخ.


دهشة.


أما رامز فكان شاحبًا كالأموات.



لكن الصدمة الأكبر لم تأت بعد.


لأن الطبيب أكمل:


“ومن الواضح أن حالته كانت تتحسن منذ فترة طويلة.”


كل الأنظار اتجهت نحو رامز.


وكأن سؤالًا واحدًا ظهر في عقول الجميع.


إذا كان يتحسن…


فلماذا لم يعرف أحد؟


في تلك الليلة.


جلست ليلى مع سليم وحدهما.


وضعت النوتة أمامه.


وكتبت:


“مين يوسف؟”


سكت طويلًا.


ثم بدأت يده تتحرك.


أبطأ من أي وقت مضى.


لكنها استمرت.


حتى كتب جملة كاملة.


“ابني.”


ثم جملة أخرى.


“يعتقد أنه ميت.”


شهقت.


وأعادت قراءة الكلمات.


مرة.


ثم مرتين.


ابنه يعتقد أن والده مات؟


كيف؟


ولماذا؟


بدأ سليم يكتب من جديد.


بصعوبة شديدة.


كلمة.


ثم كلمة.


ثم جملة.


لتتكشف أخطر حقيقة عرفتها ليلى منذ دخول القصر.


قبل الحادث بأشهر…


وصلت إلى سليم معلومات خطيرة.


معلومات تثبت أن رامز كان يسرق ملايين الجنيهات من شركات المجموعة.


ويحولها إلى حسابات سرية خارج البلاد.


واجهه سليم.


وهدده بالسجن.


لكن بعدها بأيام قليلة.


وقعت حادثة الطائرة.


وبعد الحادث مباشرة اختفى يوسف.


ابن سليم الوحيد.


وأُبلغ الطفل أن والده مات.


ثم تم تهريبه إلى مكان مجهول.


كل ذلك بإدارة رامز.


لأن وجود يوسف يعني أن كل الثروة ستعود يومًا إلى صاحبها الحقيقي.


أنهى سليم الكتابة.


وكان العرق يغطي جبينه من شدة المجهود.


أما ليلى فكانت مصدومة.


لكنها أخفت صدمتها.


وقالت:


“هلاقيه.”


عيني سليم امتلأتا بشيء لم تره فيه من قبل.


الرجاء.


بعد ثلاثة أيام.


تمكنت ليلى بمساعدة نادر من تشغيل محتويات الفلاشة.


كانت تحتوي على عقود.


وحسابات بنكية.


وتسجيلات صوتية.


وملفات كافية لإسقاط إمبراطورية كاملة.


لكن وسط كل ذلك.


كان هناك ملف فيديو واحد.


اسمه:


“لو حصل لي شيء.”


ضغطت تشغيل.


وظهر سليم.


قبل الحادث.


بكامل صحته.


جالسًا في مكتبه.


ينظر مباشرة إلى الكاميرا.


وقال:


“إذا وصل هذا الفيديو لأحد… فمعنى ذلك أن رامز بدأ يتحرك.”


ثم ذكر عشرات الأسماء.


والشركات الوهمية.


والحسابات السرية.


وأخيرًا قال:


“وابني يوسف موجود في…”


وفجأة توقف الفيديو.


الشاشة اسودت.


الملف كان تالفًا.


اختفى الجزء الأخير.


الجزء الذي يحتوي على مكان يوسف.


رفعت ليلى رأسها بصدمة.


أما نادر فقبض على الطاولة بعنف.


لأنهم أصبحوا يعرفون الحقيقة.


لكنهم ما زالوا لا يعرفون أين يوجد يوسف.


وفي نفس اللحظة.


وصل اتصال إلى هاتف ليلى من رقم مجهول.


ردت بحذر.


فسمعت صوت شاب.


عمره حوالي عشرين سنة.


صوته متوتر.


وخائف.


وقال جملة جعلت قلبها يتوقف:


“أنا اسمي يوسف الحديدي…”


ثم سكت.


وأضاف:


“وأعتقد إن في ناس عايزين يق*تلوني.”


يتبع…


 



الفصل السادس


اتجمدت ليلى مكانها.


الموبايل في إيدها.


وعينيها متعلقة بالسقف كأنها مش قادرة تستوعب اللي سمعته.


يوسف.


بعد كل السنين دي.


بعد كل البحث.


بعد كل الأسرار.


اتصل بنفسه.


قالت بسرعة:


“إنت فين؟”


سمعت صوت أنفاسه المضطربة.


ثم رد:


“مش هينفع أقول.”


سكت ثانية.


وأضاف:


“في حد بيراقبني.”


نظرت ليلى إلى نادر.


فهم من تعبيرات وجهها إن المتصل هو الشخص اللي بيدوروا عليه.


اقترب منها بسرعة.


لكنها أشارت له يسكت.


قالت:


“يوسف… اسمعني كويس.”


“إنت مين أصلًا؟”


“أنا ليلى.”


“معرفكيش.”


“لكن أنا جنب والدك.”


ساد الصمت.


صمت طويل.


مرعب.


ثم خرجت ضحكة ساخرة من الطرف الآخر.


ضحكة مليانة وجع.


وقال:


“والدي مات من 3 سنين.”


أغمضت ليلى عينيها.


وقالت بهدوء:


“لأ.”


“……”


“والدك عايش.”


انقطع النفس في الطرف الآخر.


وكأن الزمن توقف.


ثم جاء صوته مرتعشًا.


“إنتِ بتكذبي.”


“نفسي أكون بكذب.”


“مستحيل.”


“أنا واقفة جنبه دلوقتي.”


مرت ثوانٍ طويلة.


ثم انقطع الاتصال.


فجأة.


بدون كلمة.


خفضت ليلى الهاتف ببطء.


أما نادر فقال:


“كان يوسف؟”


هزت رأسها.


ثم أضافت:


“وخايف.”


في نفس الوقت.


في مكان آخر داخل القاهرة.


كان شاب طويل واقف داخل شقة صغيرة.


وجهه شاحب.


وشعره أسود مثل والده تمامًا.


عمره 22 سنة.


وفي يده هاتف مغلق.


يوسف الحديدي.


أو على الأقل الاسم اللي أخبره به أبوه بالتبني قبل موته.


كان ينظر من الشباك.


إلى سيارة سوداء متوقفة أسفل العمارة.


منذ الصباح.


لم تتحرك.


ولم تغادر.


ولذلك قرر أخيرًا أن يتصل.


لأن قبل أسبوعين فقط اكتشف شيئًا قلب حياته.


صندوق قديم.


رسائل مخفية.


وصورة لرجل يشبهه بشكل مخيف.


صورة لسليم الحديدي.


ومنذ ذلك اليوم بدأت المطاردة.


بدأت السيارات.


والوجوه الغريبة.


والأبواب التي تُفتح ليلًا.


والرسائل المجهولة.


كأن أحدهم عرف أنه بدأ يبحث.


وفي القصر.


كانت الأمور تزداد سوءًا.


لأن رامز اختفى.


منذ إعلان الطبيب أن سليم واعٍ.


اختفى تمامًا.


مكتبه فارغ.


هاتفه مغلق.


بيوته خالية.


ولا أحد يعرف أين ذهب.


لكن نادر كان يعرف.


قال وهو ينظر إلى الملفات:


“لما الحرامي يحس إن الخزنة هتتفتح… بيهرب.”


لكن ليلى لم تكن مطمئنة.


لأنها لم تكن تشعر أنه هرب.


كانت تشعر أنه يستعد.


وبعد يومين.


حدث شيء جديد.


شيء لم يتوقعه أحد.


في الساعة التاسعة صباحًا.


كانت ليلى تساعد سليم على تناول الإفطار.


عندما دخل الطبيب فجأة.


وكان متحمسًا بشكل غير معتاد.


قال:


“عايزين نجرب حاجة.”


اقترب من السرير.


وأجرى اختبارًا بسيطًا.


ثم قال لسليم:


“لو سامعني ارفع إيدك اليمين.”


مرّت ثوانٍ.



ثم حدثت المعجزة.


الإيد ارتفعت.


ببطء شديد.


لكنها ارتفعت.


شهقت ليلى.


أما الطبيب فابتسم لأول مرة.


وقال:


“الجهاز العصبي بدأ يستجيب.”


دموع نزلت من عيني سليم.


لأنها كانت أول حركة إرادية حقيقية منذ ثلاث سنوات.


وفي الأيام التالية.


بدأ التحسن يزيد.


إصبع.


ثم يد.


ثم جزء من الذراع.


ببطء.


لكن بثبات.


وكان واضحًا أن سليم يحارب بكل ما يملك ليعود.


لكن في مساء اليوم السابع.


وصلت رسالة إلى هاتف نادر.


مرسل مجهول.


مجرد فيديو.


فتح الفيديو.


فتجمد الجميع.


ليلى.


نادر.


حتى سليم.


الفيديو كان مصورًا داخل مخزن قديم.


وشخص مقيد على كرسي.


مضروب.


وجهه مليء بالكدمات.


لكن رغم ذلك عرفوه فورًا.


يوسف.


ثم ظهر شخص آخر في الصورة.


وجهه مخفي.


وصوته مشوش.


وقال:


“عندكم 48 ساعة.”


ثم أشار إلى يوسف.


وأضاف:


“بعدها هيموت.”


انقطع الفيديو.


ساد الصمت.


صمت ثقيل.


قاتل.


أما سليم…


فلأول مرة منذ سنوات.


بدأ جسمه كله يرتجف بعنف.


ليس من المرض.


من الغضب.


ومن الرعب على ابنه.


ثم حدث شيء لم يكن أحد مستعدًا له.


سليم حاول الوقوف.


فعليًا الوقوف.


سقط مرة.


ثم مرة ثانية.


ثم أمسك حافة السرير.


وكانت عيناه مشتعلة.


لأن الزمن انتهى.


ورامز أخيرًا ارتكب أكبر خطأ في حياته.


لقد لمس يوسف.


يتبع…


وظيفه غير مرغوب بها الفصل السابع إلى الفصل الأخير أسمـا 

الفصل السابع


كانت ليلى أول واحدة وصلت لسليم قبل ما يقع على الأرض.


مسكت ذراعه بسرعة.


لكنها اتفاجئت بحاجة عمرها ما حسّتها قبل كده.


القوة.


رغم سنوات الشلل.


ورغم الضعف.


ورغم إن عضلاته كانت شبه ضامرة.


إلا إنه كان بيقاوم بكل ما يملك.


كان واقف بينه وبين الأرض إرادة رجل رافض يخسر ابنه للمرة التانية.


قال الطبيب بسرعة:


“ارجع للسرير فورًا.”


لكن سليم هز رأسه بعنف.


لأ.


لأول مرة من ثلاث سنين.


كان بيعبر عن رأيه بنفسه.


ولأول مرة شافوا الإصرار الحقيقي في عينيه.


جلس بصعوبة على حافة السرير.


وإيده بتترعش.


ثم مدها ناحية النوتة.


أعطته ليلى القلم.


وبدأ يكتب.


كل حرف كان بيخرج كأنه معركة.


لكن الجملة ظهرت في النهاية.


“هنلاقيه.”


نادر قبض على كتفه بقوة.


وقال:


“هنرجعه.”


لكن المشكلة كانت إن الفيديو ماكشفش مكان يوسف.


ولا أي معلومة واضحة.


بس في الخلفية كان فيه صوت.


صوت قطار.


وصوت صفارة طويلة.


وأصوات معدنية متكررة.


بعد ساعات طويلة من مراجعة الفيديو.


كانوا قاعدين في مكتب سليم القديم.


ليلى.


نادر.


خبير إلكتروني استدعاه نادر.


واثنين من رجال الأمن الموثوقين.


الخبير أعاد تشغيل الفيديو عشرات المرات.


وبعدين وقف الصورة فجأة.


وقرب جزء صغير جدًا من الخلفية.


ثم قال:


“استنوا.”


الجميع اقترب.


ظهرت لافتة صدئة على الحائط البعيد.


الكلمات كانت شبه ممسوحة.


لكن بعد تحسين الصورة ظهر جزء منها.


“… النصر للمعدات”


تبادلوا النظرات.


الخبير قال:


“دي غالبًا شركة قديمة أو مخزن صناعي.”


ثم أكمل البحث.


وبعد ساعات أخرى.


وصلوا لأول خيط حقيقي.


مخزن مهجور بالقرب من منطقة صناعية قديمة على أطراف القاهرة.


كان المكان قريب من خط قطارات شحن.


وده يفسر الأصوات اللي في الفيديو.


لكن نادر رفض التحرك فورًا.


قال:


“لو دخلنا بعشوائية هنق*تله بإيدينا.”


أما ليلى فكانت تفكر في حاجة تانية.


رامز.


كل ده ريحته ريحة رامز.


لكن في حاجة غلط.


رامز شخص ذكي جدًا.


أذكى من إنه يرسل دليل ممكن يقودهم للمكان.


إلا لو كان عايزهم يوصلوا.


وفي منتصف الليل.


كانت ليلى قاعدة وحدها في أوضة سليم.


القصر هادي.


والجميع نايم.


فجأة سمعت صوتًا خافتًا.


التفتت.


واكتشفت إن سليم بيحاول يتكلم.


شفايفه اتحركت.


مرة.


واتنين.


وصوت مبحوح خرج بالكاد.


“را…”


قربت منه بسرعة.


“إيه؟”


حاول مرة تانية.


العروق ظهرت في رقبته من المجهود.


ثم خرجت كلمة أوضح.


“رامز.”


شهقت.


لأنها أول كلمة نطقها منذ ثلاث سنوات.


لكن سليم لم يتوقف.


أخذ نفسًا مؤلمًا.


ثم قال بصوت متقطع:


“مش… لوحده.”


اتسعت عيناها.


“إيه؟”





لكنه كان منهكًا.


ورأسه سقط على الوسادة.


نام من شدة التعب.


أما ليلى فبقيت طول الليل تفكر.


رامز مش لوحده.


يعني في شريك.


حد أكبر.


حد أقوى.


حد كان موجود من البداية.


وفي الصباح.


وصلت مفاجأة جديدة.


أمينة.


الخادمة العجوز.


طلبت تتكلم مع ليلى لوحدهما.


أخذتها إلى غرفة صغيرة خلف المطبخ.


وأغلقت الباب.


ثم أخرجت ظرفًا قديمًا.


كانت إيديها بتترعش.


وقالت:


“أنا ساكتة من سنين.”


بصت ليلى للظرف.


“إيه ده؟”


نزلت دموع أمينة.


وقالت:


“ذنبي.”


ثم جلست.


وبدأت تحكي.


قبل الحادثة بأسبوع.


سمعت رامز بيتخانق مع شخص غريب داخل مكتب سليم.


الشخص كان بيهدده.


وبيطلب فلوس.


وكان بيقول جملة واحدة باستمرار.


“الوزير مش هيستنى.”


اتقبض قلب ليلى.


وزير؟


أي وزير؟


أمينة كملت:


“بعدها بيومين شفت رامز داخل القصر ومعاه شنطة مليانة أوراق.”


ثم سكتت.


وأضافت:


“وفي يوم الحادث… شوفت حاجة عمري ما نسيتها.”


بلعت ريقها.


وقالت:


“سليم كان مسافر بالطائرة لوحده.”


“أيوة.”


“بس قبل الإقلاع بنص ساعة رامز سلّم الطيار ظرف كبير.”


ساد الصمت.


صمت ثقيل.


ثم قالت أمينة:


“بعد الحادث مباشرة اختفت كل كاميرات المطار.”


شهقت ليلى.


لأن الصورة بدأت تكتمل.


الحادث مدبر.


وفي ناس كبيرة متورطة.


أكبر من رامز.


بكتير.


لكن قبل ما تتكلم أي واحدة منهم…


سمعوا دوّي انفجار هائل هز القصر كله.


ارتجت الجدران.


وتكسرت بعض النوافذ.


وصراخ العاملين ملأ المكان.


جرت ليلى للخارج.


ونادر خرج من مكتبه.


والجميع اتجه نحو الحديقة.


ثم توقفوا فجأة.


مصدومين.


في وسط الحديقة.


كانت سيارة محترقة بالكامل.


والنيران ما زالت مشتعلة.


لكن المرعب لم يكن السيارة.


المرعب كان ما وجدوه بداخلها.


ج*ثة.


متفحمة.


وفي يدها خاتم فضي مميز.


خاتم يعرفه الجميع.


لأنه لا يملكه إلا شخص واحد.


رامز الحديدي.


لكن ليلى لم تصدق.


ولا نادر صدق.


ولا حتى سليم عندما أخبروه.


لأنهم جميعًا كانوا يعرفون شيئًا واحدًا.


رامز من النوع الذي يق*/تل الآخرين.


وليس من النوع الذي يموت بسهولة.


وفي نفس اللحظة التي كان الجميع ينظر فيها إلى السيارة المشتعلة…


كان رجل يجلس داخل طائرة خاصة متجهة خارج البلاد.


ينظر من النافذة.


ويبتسم.


وفي يده هاتف.


ظهرت عليه صورة ليلى.


ثم ضغط على زر الاتصال.


يتبع…


الفصل الثامن


في اللحظة اللي رن فيها هاتف ليلى، كانت واقفة وسط الحديقة والناس كلها متجمعة حوالين السيارة المحترقة.


الدخان كان لسه طالع.


وأصوات رجال الأمن والشرطة بدأت تملأ المكان.


بصت للشاشة.


رقم مجهول.


لكن قلبها قالها مين المتصل قبل ما ترد.


ضغطت زر الإجابة.



وجمدت مكانها.


الصوت اللي خرج من السماعة كان هادئًا جدًا.


هادئ بطريقة مخيفة.


“مساء الخير يا ليلى.”


اتقبض قلبها.


رامز.


حي.


طبعًا حي.


قالت ببرود وهي بتحاول تسيطر على نفسها:


“فين يوسف؟”


ضحك.


ضحكة قصيرة.


ثم قال:


“عجبني إن ده أول سؤال.”


سكت ثانية.


وأضاف:


“واضح إنك اتعلقتي بالعيلة أكتر من اللازم.”


كانت عايزة تصرخ فيه.


لكنها تماسكت.


“فين يوسف؟”


رد بهدوء:


“عايش.”


ثم أكمل:


“لحد دلوقتي.”


شعرت برغبة في خنقه بيديها.


لكنها استمرت في الكلام.


“إنت عايز إيه؟”


قال:


“الفلاشة.”


“مستحيل.”


ضحك مرة تانية.


وقال:


“يبقى عندك 24 ساعة.”


ثم أغلق الخط.


ببساطة.


كأن حياة إنسان مجرد موعد على جدول أعماله.


في نفس الوقت.


كان نادر بيتابع التحقيق في الج*ثة المحترقة.


وبعد ساعات قليلة ظهرت النتيجة.


الج*ثة ليست لرامز.


كانت لرجل مجهول.


تم وضع خاتم رامز في يده عمدًا.


تمامًا كما توقعت ليلى.


أما الخبر الأسوأ فجاء بعد ذلك.


كل الحسابات البنكية السرية بدأت تتحرك.


ملايين الجنيهات.


ثم عشرات الملايين.


ثم مئات الملايين.


كانت الأموال تُسحب بسرعة جنونية.


وكأن رامز بيهرب كل أثر له قبل الاختفاء النهائي.


لكن وسط الفوضى دي كلها.


حدث شيء أهم.


شيء لم ينتبه له أحد إلا ليلى.


سليم بدأ يتكلم.


في البداية كلمات متقطعة.


ثم جمل قصيرة.


ثم أصبح قادرًا على التعبير بشكل أفضل كل يوم.


كان كأن جسمه قرر أخيرًا يرجع للحياة.


وفي مساء اليوم التالي.


كانت ليلى قاعدة معه وحدهما.


فجأة قال بصوت مبحوح:


“آسف.”


رفعت رأسها بسرعة.


ابتسم ابتسامة ضعيفة.


وقال:


“ورطتك.”


نزلت دموعها دون إرادة.


لأنها لأول مرة تسمع صوته الحقيقي.


قالت:


“لو كنت مكانك كنت هعمل أكتر.”


نظر إليها طويلًا.


ثم قال:


“إنت أنقذتيني.”


سكتت.


أما هو فأكمل:


“كنت خلاص استسلمت.”


لأول مرة منذ سنوات.


شعرت ليلى أن الرجل الذي أمامها لم يعد مجرد مريض.


بل إنسان كامل.


رجل عاش سنوات من الرعب والعجز.


وشاهد أخاه يسرق حياته أمام عينيه.


وفي تلك الليلة.


وصلت رسالة جديدة.


لكن هذه المرة لم تكن إلى ليلى.


كانت إلى سليم نفسه.


رقم مجهول.


رسالة واحدة.


صورة واحدة.


فتحها.


فتغير لونه فورًا.


ليلى اقتربت بسرعة.


وشهقت.


الصورة كانت ليوسف.


لكنه لم يكن مقيدًا هذه المرة.


كان واقفًا.


حرًا.


وخلفه مبنى قديم.


لكن تحت الصورة جملة قصيرة.


“ابنك هيعرف الحقيقة كلها بكرة.”


سليم ظل يحدق في الصورة طويلًا.


ثم همس:


“لا.”


بدا عليه الذعر فجأة.


ذعر حقيقي.


قالت ليلى:


“إيه؟”


نظر إليها.


ثم قال جملة أربكتها تمامًا:


“يوسف… مش عارف الحقيقة كلها.”


“إزاي؟”



أغمض عينيه.


وقال:


“لأن الحقيقة أسوأ.”


اتسعت عيناها.


“أسوأ إزاي؟”


لكن قبل أن يجيب.


دق باب الغرفة بعنف.


دخل أحد رجال الأمن وهو يلهث.


وقال:


“لقيناه.”


وقف الجميع.


“مين؟”


“يوسف.”


سادت لحظة صمت.


ثم أكمل الرجل:


“بس في مشكلة.”


اتقبض قلب ليلى.


“إيه هي؟”


قال:


“مش لوحده.”


“مع مين؟”


نظر الرجل نحو سليم مباشرة.


ثم قال:


“مع الست اللي ربته طول عمره.”


سليم شحب وجهه فجأة.


لدرجة أن ليلى شعرت أن الرجل سيغمى عليه.


لأن الاسم الذي نطق به رجل الأمن بعد ذلك…


كان اسم امرأة يفترض أنها ماتت منذ ثلاث سنوات.


امرأة كانت السبب الحقيقي وراء كل ما حدث.


وقال الرجل:


“مع الدكتورة نادين.”


وفي اللحظة دي…


فهم سليم أن الماضي كله رجع من جديد.


وأن الكابوس الحقيقي لم يبدأ بعد.


يتبع…



الفصل التاسع


لثوانٍ طويلة محدش اتكلم.


حتى ليلى نفسها كانت واقفة مش فاهمة.


لكنها شافت الصدمة في عيون سليم.


صدمة أكبر من أي حاجة شافتها فيه من يوم ما عرفته.


قالت بهدوء:


“مين نادين؟”


سليم فضل ساكت.


وجهه فقد لونه.


وإيده بدأت ترتعش.


ثم قال بصوت منخفض جدًا:


“مراتي.”


شهقت ليلى.


“مراتك؟”


هز رأسه ببطء.


“وأم يوسف.”


ساد الصمت داخل الغرفة.


لأن الجميع كان يعرف إن سليم أرمل.


دي كانت القصة الرسمية.


القصة اللي الصحافة نشرتها.


والقصة اللي رامز كررها آلاف المرات.


زوجة سليم ماتت قبل الحادث بعام.


لكن لو نادين عايشة…


يبقى حد كذب.


وسنين كاملة من الأكاذيب كانت متبنية على الكذبة دي.


قال نادر ببطء:


“أنا حضرت جنازتها بنفسي.”


رفع سليم عينيه إليه.


وقال:


“ماكنتش جنازتها.”


الصدمة كانت أقوى من أي شيء توقعوه.


جلس الجميع.


وبدأ سليم يحكي.


بصعوبة.


وبتوقفات كثيرة.


لكن الحقيقة بدأت تظهر.


قبل أربع سنوات من الحادث.


اكتشف سليم شبكة فساد ضخمة داخل شركات المجموعة.


عقود مزورة.


تحويلات مالية.


شركات وهمية.


وفي البداية كان يظن أن بعض المديرين هم المسؤولين.


لكن كل الخيوط كانت ترجع لشخص واحد.


رامز.


عندما واجهه.


أنكر.


ثم هدد.


ثم اختفى يومين كاملين.


وبعدها بدأت الكوارث.


حادث سيارة غامض لنادين.


محاولة خطف يوسف.


رسائل تهديد.


واتصالات مجهولة.


وفي النهاية اتخذ سليم قرارًا مستحيلًا.


إخفاء عائلته.


قال بصوت متعب:


“كنت فاكر إني بحميهم.”


ثم أضاف:


“لكن كنت متأخر.”


بعد أسابيع قليلة اختفت نادين.


وبعدها جاءت أخبار موتها.


لكن سليم لم يرَ الج*ثة بنفسه.


ولا سمحوا له حتى بفتح النعش.


ومن يومها ظل يشك.


لكن قبل أن يصل للحقيقة…


وقعت حادثة الطائرة.


وتحولت حياته إلى سجن.


في صباح اليوم التالي.


تحركت ليلى ونادر مع فريق أمني صغير إلى العنوان الذي وصلهم.


بيت قديم على أطراف الفيوم.


بعيد عن الناس.


بعيد عن المدن.


وبعيد عن أي شيء يلفت الانتباه.


وصلوا قبل الغروب.


كان المكان هادئًا بشكل مريب.


اقتربوا بحذر.


ثم طرق نادر الباب.


مرت ثوانٍ.


ثم انفتح الباب ببطء.


وظهرت امرأة في منتصف الأربعينات.


شعرها الأسود به خصلات بيضاء.


وجهها مرهق.


لكن ملامحها كانت واضحة.


حتى من الصور القديمة.


نادين.


كانت حية فعلًا.


وقفت تنظر إليهم.


ثم قالت بهدوء:


“اتأخرتوا.”


دخلوا.


وكان يوسف جالسًا في الصالة.


أول ما شاف ليلى وقف.


ثم سأل:


“فين أبويا؟”


نزل الصمت على المكان.


لأن ده أول سؤال قاله.


وأول مرة يعترف فيها أنه صدق الحقيقة.


ابتسمت ليلى.


وقالت:


“عايش.”


اغرورقت عينا يوسف بالدموع.



ولأول مرة منذ سنوات طويلة.



بدأ يبكي.


ليس كراجل.


بل كطفل فقد أبوه.


ثم اكتشف أنه مازال موجودًا.


في تلك الليلة.


جلس الجميع لساعات.


يوسف.


نادين.


ليلى.


نادر.


يحكون ما حدث خلال السنوات الماضية.


واكتشفوا الحقيقة الأكبر.


نادين لم تهرب.


بل تم تهريبها.


بمساعدة شخص داخل الأجهزة الرقابية.


رجل قديم كان صديقًا لسليم.


عندما عرف أن رامز يخطط للتخلص منها ومن يوسف.


قام بتزوير أوراق موتها.


وأخرجها من البلاد فترة طويلة.


ثم أعادها سرًا بعد سنوات.


لكنها ظلت مختبئة.


لأن الخطر لم ينته.


بل كان يزداد.


وقبل منتصف الليل بقليل.


رن هاتف نادر.


رقم خاص.


رد.


وسمع صوتًا جعله يشحب.


أغلق الهاتف ببطء.


ثم رفع رأسه.


الجميع لاحظ التوتر.


قالت ليلى:


“في إيه؟”


رد بصوت منخفض:


“رامز.”


اتقبض قلب الجميع.


قال يوسف:


“عايز إيه؟”


نظر نادر إليهم.


ثم قال:


“عايز يقابلنا.”


“فين؟”


“في مقر الشركة الرئيسي.”


“ليه؟”


سكت لحظة.


ثم قال:


“بيقول إن عنده حاجة هتغير كل حاجة.”


ساد الصمت.


لكن نادر لم يكن قد أنهى كلامه.


لأن الجملة الأخيرة كانت الأخطر.


قال:


“وبيقول إن سليم مش الضحية الحقيقية في القصة.”


تبادل الجميع النظرات.


أما نادين…


فتغير لون وجهها فجأة.


وكأنها تعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون.


شيئًا كانت تخشاه منذ سنوات.


ثم همست بصوت بالكاد سمعوه:


“يا رب لأ…”


في اللحظة دي فهمت ليلى أن السر الحقيقي لم يظهر بعد.


وأن كل ما عرفوه حتى الآن…


قد يكون مجرد البداية.


 


الفصل العاشر

طول الطريق إلى القاهرة، محدش كان بيتكلم.

يوسف قاعد في المقعد الخلفي.

كل شوية يبص لصورة قديمة كان ماسكها في إيده.

صورة ليه وهو طفل صغير على كتف سليم.

أما نادين فكانت باصة من الشباك.

لكن ليلى لاحظت حاجة.

إيديها كانت بتترعش.

من الخوف.

مش من التوتر.

الخوف.

وكأنها عارفة إيه اللي مستنيهم.

أخيرًا قطعت ليلى الصمت.

وقالت:

“إنتِ عارفة رامز يقصد إيه؟”

أغمضت نادين عينيها.

ثم قالت:

“أتمنى أكون غلط.”

“في إيه؟”

سكتت ثواني طويلة.

ثم قالت:

“في سر واحد بس لو ظهر… كل حاجة هتتغير.”

في نفس الوقت.

داخل القصر.

كان سليم جالسًا على كرسي متحرك في مكتبه.

لأول مرة منذ سنوات.

يراجع أوراق شركته بنفسه.

لكن عقله لم يكن في الأوراق.

كان في يوسف.

بعد ساعات قليلة فقط.

هيراه.

لأول مرة منذ ثلاث سنوات.

ابنه.

الطفل اللي سرقوه منه.

وفجأة دخل أحد رجال الأمن.

وقال:

“المروحية جاهزة.”

رفع سليم رأسه.

وأومأ.

لأن الاجتماع مع رامز هيكون في مقر الشركة الرئيسي.

وسط المدينة.

وفي مكان مليان كاميرات وشهود.

رامز بنفسه هو اللي طلب ده.

وده كان غريب.

لأن طول عمره بيشتغل في الظلام.

فليه يظهر فجأة؟

الساعة كانت السادسة مساءً.

عندما دخل الجميع إلى قاعة الاجتماعات الكبرى.

قاعة ضخمة.

زجاجية.

في أعلى البرج الرئيسي للمجموعة.

المكان مليان محامين.

أعضاء مجلس إدارة.

مستشارين.

صحافة.

وحتى ممثلين من الجهات الرقابية.

كأن رامز متعمد يخلي كل الناس موجودة.

ثم انفتح الباب.

ودخل رامز.

هادئ.

أنيق.

كأنه خارج من اجتماع عادي.

مش مطارد من الشرطة.

ولا متهم بمحاولة قت*ل أخوه.

وقف في منتصف القاعة.

ونظر مباشرة إلى سليم.

ثم ابتسم.

ابتسامة باردة.

وقال:

“أهلا يا أخويا.”

ساد الصمت.

أما سليم فبصله دون أي تعبير.

ثم قال بصوت مازال ضعيفًا:

“خلص.”

ضحك رامز.

وقال:

“لسه.”

ثم التفت للجميع.

وأضاف:

“قبل ما أي حد يحكم عليا… لازم يسمع الحقيقة كاملة.”

رفع جهاز تحكم صغير.

وخلفه اشتغلت الشاشة العملاقة.

ظهرت صورة قديمة.

ثم فيديو.

ثم ملفات.

وأسماء.

وتواريخ.

الجميع كان يتابع في صمت.

لكن الصدمة جاءت بعد دقائق.

لأن الصور لم تكن تخص رامز.

بل تخص سليم.

شهقت ليلى.

أما نادر فوقف فجأة.

الصور كانت لاجتماعات سرية.

وحسابات خارجية.

وعقود مشبوهة.

وكلها تحمل توقيع سليم الحديدي.

قال رامز بهدوء:

“أنا مش ملاك.”

ثم أشار إلى الشاشة.

“لكن أخويا مش بريء.”

ساد الهمس داخل القاعة.

أما سليم فظل صامتًا.

وكأنه يعرف ما سيأتي.

ثم ظهر فيديو جديد.

فيديو قديم جدًا.

منذ أكثر من عشر سنوات.

ظهر فيه سليم شابًا.

ومعه رجل آخر.

كانوا يتحدثون داخل مكتب.

الصوت كان واضحًا.

قال الرجل:

“لو المشروع ده اتكشف هنروح كلنا في داهية.”

ورد سليم:

“مش هيتكشف.”

ثم انقطع الفيديو.

القاعة كلها انفجرت بالأسئلة.

أما ليلى فكانت تنظر إلى سليم.

وتنتظر.

لأنها تعرفه الآن.

وتعرف أنه ليس المجرم الذي يحاول رامز رسمه.

وأخيرًا تكلم سليم.

رفع رأسه.

وقال:

“كمّل الفيديو.”

تجمد رامز.

لأول مرة.

ثم قال:

“إيه؟”

أعاد سليم الجملة.

“كمّل.”

ساد الصمت.

أما رامز فبدا متوترًا.

لأول مرة منذ بداية الاجتماع.

قال سليم بصوت أقوى:

“شغّل الباقي.”

هنا فقط فهمت ليلى.

الفيديو مقطوع.

ومتلاعب به.

وبالفعل.

بعد ضغط شديد من الموجودين.

تم تشغيل النسخة الكاملة.

وظهرت الحقيقة.

الرجل الذي كان يتحدث مع سليم لم يكن شريك فساد.

بل مسؤولًا أبلغ سليم بوجود عملية غسل أموال داخل الشركة.

وكان سليم يقول إنه سيكشفها.

ويبلغ الجهات المختصة.

اتسعت عيون الحاضرين.

أما رامز فاختفت ابتسامته.

لأن خطته الأولى انهارت.

لكن الكارثة الحقيقية جاءت بعدها.

لأن سليم نظر مباشرة إلى أخيه.

وقال أمام الجميع:

“قولهم مين ق*تل أبويا.”

الصمت سقط على القاعة.

كأن الهواء اختفى.

حتى ليلى شعرت بقلبها يتوقف.

أبوهم؟

قت*ل؟

بص رامز إلى سليم.

ثم إلى الحاضرين.

وفجأة…

ضحك.

لكن الضحكة المرة دي لم تكن هادئة.

كانت ضحكة شخص انتهى.

شخص سقط القناع من على وجهه.

وقال:

“أخيرًا وصلت للجزء ده؟”

ثم نظر إلى الجميع.

وأضاف:

“أيوة.”

شهقت القاعة بالكامل.

لكن رامز لم يتوقف.

وقال:

“وأبوكوا ماكانش أول واحد.”

ثم نظر مباشرة إلى نادين.

التي كانت واقفة بجوار يوسف.

وقال:

“ولا آخر واحد.”

وفي اللحظة دي…

تغير لون وجه نادين تمامًا.

وسقطت حقيبتها من يدها على الأرض.

لأنها فهمت المقصود.

وفهمت أن رامز على وشك كشف السر الذي أخفته طوال ثلاث سنوات.

السر الذي لو خرج للنور…

سيحطم حياة يوسف للأبد.

يتبع…



الفصل الأخير


سقطت الحقيبة من يد نادين.


ودوى صوتها في القاعة الصامتة.


كل العيون اتجهت نحوها.


أما رامز فابتسم.


لأول مرة منذ سنوات كان يشعر أنه استعاد السيطرة.


قال وهو ينظر إلى يوسف:


“اسأل أمك.”


اتقبض قلب يوسف.


وبص لنادين.


“أسألها عن إيه؟”


لكن نادين كانت شاحبة.


مرعوبة.


كأنها عاشت اللحظة دي ألف مرة في كوابيسها.


قال رامز:


“اسألها مين أبوك الحقيقي.”


ساد صمت مرعب.


أما يوسف فحدق فيه غير مستوعب.


ثم التفت إلى أمه.


“إيه الكلام ده؟”


بدأت دموع نادين تنزل.


وقالت:


“متسمعش له.”


لكن رامز قاطعها.


وأخرج ملفًا قديمًا.


ثم رماه على الطاولة.


“افتحه.”


اقترب يوسف ببطء.


فتح الملف.


وبدأ يقرأ.


ورقة.


ثم الثانية.


ثم الثالثة.


وفجأة تجمد مكانه.


نتيجة تحليل قديمة.


ثم أوراق طبية.


ثم تقارير عقم.


اسم سليم الحديدي عليها.


شعر الجميع بالصدمة.


أما يوسف فرفع رأسه ببطء.


ونظر إلى سليم.


كانت عيناه مليئتين بالألم.


لكن سليم لم يهرب من النظر إليه.


قال رامز بصوت مرتفع:


“سليم عمره ما كان يقدر ينجب.”


ثم أشار إلى يوسف.


وأضاف:


“يعني أنت مش ابنه.”


القاعة انفجرت بالهمسات.


لكن سليم ظل هادئًا.


هادئًا بشكل غريب.


ثم قال:


“خلصت؟”


تجمد رامز.


لأن رد الفعل لم يكن كما توقع.


قال بغضب:


“إنت فاهم أنا بقول إيه؟”


ابتسم سليم ابتسامة خفيفة.


ثم نظر إلى يوسف.


وقال:


“أنا عارف.”


القاعة كلها سكتت.


يوسف نفسه شهق.


أما نادين فانهارت دموعها.


وقال سليم بهدوء:


“عارف من يوم ما كان عنده ست شهور.”


كأن صاعقة ضربت المكان.


قال يوسف بصوت مبحوح:


“إيه؟”


أخذ سليم نفسًا عميقًا.


ثم قال:


“لما اتجوزت أمك كنا بنحاول نخلف سنين.”


سكت لحظة.


وأضاف:


“ولما عرفت إني مش هقدر أخلف… اتكسرت.”


نزل الصمت على القاعة.


أما سليم فأكمل:


“وفي يوم نادين اعترفتلي بكل حاجة.”


كانت تبكي بصمت.


أما هو فتابع:


“اعترفت إنها غلطت.”


أغمض عينيه لحظة.


ثم قال:


“وكان قدامي اختيارين.”


نظر إلى يوسف.


وقال:


“إما أعاقبها.”


“أو أحب الطفل اللي ملوش ذنب.”


دموع يوسف بدأت تنزل.


أما سليم فابتسم.


وأضاف:


“ومن أول مرة شيلتك فيها… بقيت ابني.”


ساد الصمت.


صمت مختلف هذه المرة.


صمت مليء بالمشاعر.


ثم قال:


“الدم بيعمل نسب.”


وأشار إلى قلبه.


“لكن ده اللي بيعمل أب.”


انفجر يوسف بالبكاء.


ولأول مرة منذ سنوات.


جرى نحو سليم.


وارتمى في حضنه.


حتى لو كان الحضن ضعيفًا.


حتى لو كان الجسد ما زال يتعافى.


كان حضن أب.


والد حقيقي.


في تلك اللحظة أدرك الجميع أن رامز خسر.


لأن السر الذي أخفاه سنوات لم يدمرهم.


بل جمعهم.


أما رامز فبدأ يفقد أعصابه.




صرخ:



“كلكم أغبياء.”


ثم التفت نحو الباب.


لكن رجال الأمن كانوا قد أغلقوا كل المخارج.


اقتربت الشرطة.


وتقدمت نحوه.


لكن فجأة رفع يده.


وضغط زرًا صغيرًا كان مخفيًا في ساعته.


وفجأة ظهرت عشرات الملفات على الشاشة العملاقة.


حسابات.


تحويلات.


شركات.


أسماء.


أدلة كاملة.


ليس ضد سليم.


بل ضد رامز نفسه.


اتسعت عيون الجميع.


أما رامز فشحب وجهه.


لأنه أدرك متأخرًا أن نادر كان قد استبدل محتوى جهازه قبل الاجتماع.


كل جرائمه ظهرت أمام الجميع.


محاولات قت*ل.


اختلاس.


غسيل أموال.


رشاوى.


تزوير.


وحتى الأدلة الخاصة بحادث الطائرة.


ثم ظهر تسجيل صوتي واضح.


صوت رامز نفسه.


يقول:


“طالما سليم عايش أنا عمري ما هاخد حاجة.”


انتهى التسجيل.


وانتهى معه كل شيء.


اقترب الضباط.


هذه المرة لم يقاوم.


لم يهرب.


لم يصرخ.


كان يعرف أن اللعبة انتهت.


وأثناء إخراجه من القاعة التفت إلى سليم.


وقال:


“كنت دايمًا الأحسن.”


رد سليم بهدوء:


“لأ.”


ثم نظر إليه طويلًا.


وأضاف:


“كنت دايمًا أخويا… وإنت اللي اخترت تبقى غير كده.”


أخذوه خارج القاعة.


ولم يره أحد بعدها إلا خلف القضبان.


مرت ستة أشهر.


تحسن سليم بشكل مذهل.


أصبح يمشي بمساعدة بسيطة.


وعاد تدريجيًا لإدارة شركاته.


لكن أول قرار أخذه لم يكن تجاريًا.


كان إنسانيًا.


باع جزءًا من ممتلكاته.


وأنشأ مؤسسة لعلاج مرضى الإصابات العصبية مجانًا.


وحمل المركز اسم الشخص الذي أنقذه حين تخلى عنه الجميع.


“مركز ليلى الجندي للتأهيل العصبي.”


عندما رأت ليلى اللافتة بكت.


أما سليم فاكتفى بالابتسام.


وقال:


“أنا مدين لك بحياتي.”


لكنها هزت رأسها.


وقالت:


“وأنا مدينة لك بكرامتي.”


أما يوسف…


فلم يعد يهتم بمن كان والده البيولوجي.


لأن الحقيقة أصبحت واضحة.


الأب ليس من أنجب.


الأب هو من بقي.


ومن ضحى.


ومن أحب.


ومن انتظر.


ومن عاد.


وفي أحد أيام الربيع.


كانت الحديقة الخلفية للقصر مليئة بالضحك.


جنا تجري خلف الفراشات.


وآدم يحاول تعليم سليم لعبة إلكترونية جديدة.


يوسف يجلس بجوار أمه.


ونادر يضحك لأول مرة منذ سنوات.


أما ليلى فكانت تراقب المشهد كله من بعيد.


الشمس كانت تغرب ببطء.


والهواء دافئًا.


وفجأة جلس سليم بجوارها.


نظر إلى الأطفال.


ثم قال:


“عارفة إيه أغرب حاجة حصلت في حياتي؟”


ابتسمت.


“إيه؟”


قال وهو ينظر إليها:


“إن الست اللي جت القصر علشان وظيفة محدش رضي يقبلها…”


سكت لحظة.


ثم أكمل:


“…هي اللي رجعتلي حياتي كلها.”


ابتسمت ليلى.


ولأول مرة منذ سنوات طويلة.


شعرت أن المستقبل لا يخيفها.


لأن بعض النهايات السعيدة…


تبدأ فعلًا من وظيفة محدش كان عايزها.


تمت 


تعليقات

close