مراتي كانت بتخبّي فلوس كاملة
مراتي كانت بتخبّي فلوس كاملة
مراتي كانت بتخبّي فلوس في أماكن غريبة في البيت… ولما جمعتهم كلهم بعد وفاتها، لقيت رسالة خلتني أعيط لأول مرة من سنين.
“إنتِى خبّيتي فلوس تاني يا هدى؟”
سألتها وأنا مطلع 200 جنيه من جوه علبة الرز.
ضحكت وهي بتكمل تقطيع الخضار وقالت:
“الزمن ملهوش أمان.”
كانت دايمًا تعمل كده.
مرة ألاقي مبلغ جوه كيس دقيق.
مرة تحت مفرش السفرة.
مرة بين الملايات.
ومرة جوه كتاب قديم محدش بيفتحه.
وكل ما أسألها ليه؟
ترد بنفس الجملة:
“احتياطي للأيام السودة.”
وكنت أضحك.
وأقولها:
“إحنا الحمد لله مستورين.”
فترد وهي مبتسمة:
“ربنا يديمها نعمة.”
عشنا مع بعض 23 سنة.
وخلالهم عمري ما شفتها بتشتري حاجة لنفسها بسهولة.
كانت دايمًا تفكر في البيت.
وفي الأولاد.
وفي المستقبل.
أما هي…
فكانت آخر حد تفكر فيه.
لحد ما تعبت.
في الأول افتكرناها أنيميا عادية.
بعدها بشهور عرفنا الحقيقة.
سرطان.
وفي مرحلة متأخرة.
ورغم كده…
كانت هي اللي بتواسينا.
مش إحنا اللي بنواسيها.
وفي آخر أسبوع ليها في الدنيا…
مسكت إيدي وقالت:
“أوعى تبيع البيت.”
استغربت.
وقلت:
“ليه الكلام ده دلوقتي؟”
ابتسمت وقالت:
“بس أوعدني.”
ووعدتها.
وبعد ما مشيت…
البيت بقى فاضي بشكل يخوف.
كل ركن فيه كان بيفكرني بيها.
وكل حاجة ألمسها كانت ريحتها لسه فيها.
وبعد حوالي شهرين…
قررت أجمع كل الفلوس اللي كانت مخبياها.
كنت فاكرهم كام ألف وخلاص.
لكن كل ما أفتح مكان…
ألاقي مبلغ.
جوه الدولاب.
ورا الأدراج.
تحت السرير.
جوه شنطة قديمة.
لحد ما جمعتهم كلهم.
وكانوا أكتر بكتير مما توقعت.
وفي آخر ظرف…
لقيت ورقة صغيرة مطبقة.
عرفت خطها من أول لحظة.
فتحتها بسرعة.
وكان مكتوب فيها:
“لو إنت بتقرا الرسالة دي… يبقى أنا مش موجودة جنبك دلوقتي.”
وقفت مكاني.
وحسيت إني مش قادر أكمل.
لكن كملت.
“عارفة إنك هتلف البيت كله عشان تجمع الفلوس دي… وعارفة إنك هتضحك وتقول: الست دي كانت مخبية فلوس فين تاني؟”
ابتسامة غصب عني طلعت وسط دموعي.
وكملت القراءة.
“الفلوس دي مش عشانك تصرفها على البيت… ولا عشان الأولاد.”
“الفلوس دي عشانك إنت.”
“عشان أول مرة في حياتك تعمل حاجة لنفسك من غير ما تحسب حساب حد.”
“سافر.”
“اشتري الحاجة اللي كنت بتقول غالية.”
“اعمل أي حاجة تفرحك.”
“بس أوعى تقعد تزعل عليا كتير.”
وقتها دموعي نزلت فعلًا.
لكن آخر سطر هو اللي كسرني.
كان مكتوب:
“ولو لقيت نفسك لوحدك يوم… افتكر إن أكتر مكان هكون فيه مرتاحة، هو جوه قلبك.”
فضلت ماسك الرسالة ساعات.
لكن لما قلبت الورقة على ضهرها…
لقيت جملة تانية بخط أصغر.
جملة ماكنتش ملاحظها من الأول.
وجملة خلتني أقوم أجري على أوضة النوم فورًا…
.. وجملة خلتني أقوم أجري على أوضة النوم فورًا:
“افتح الخزنة القديمة اللي في قاع الدولاب، المفتاح في جيب بدلة فرحك.. السر الحقيقي مش في الفلوس دي يا أحمد.”
كنت بنهج وأنا بفتح الدولاب، إيدي كانت بترتعش لدرجة إن المفتاح وقع مني مرتين. بدلة فرحنا؟ دي بقالها أكتر من عشرين سنة متعلقة ومحدش لمسها. مديت إيدي في الجيب الداخلي وفعلاً لقيت المفتاح الصغير الصديان.
نزلت على ركبي قدام الخزنة الحديد القديمة اللي كنا بنعتبرها قطعت ديكور مالهاش قيمة من أيام والدي. حطيت المفتاح ولفيته.. الباب اتفتح بصوت صرير حاد بيقطع سكون الشقة الفاضية.
جوه الخزنة مكنش فيه فلوس.. كان فيه صندوق قطيفة كحلي، وجنبه ألبوم صور صغير مكنتش شفته قبل كده. فتحت الصندوق ولقيت جواه طقم دهب كامل، غوايش وسلسلة طويلة.. دهب هدى اللي قالتلي من عشر سنين إنها باعته عشان تسدد ديون العملية بتاعتي لما تعبت!
دموعي نزلت وتذكرت يومها لما حلفتلي إنها باعته ورفضت توريني الوصل. كانت بتشتغل من ورايا.. كانت بتطرز وتبيع للمحلات بالاتفاق مع جارتنا عشان تسدد الدين من غير ما تلمس دهبها، وتفهمني إنه اتمسح عشان متجرحش رجولتي.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الألبوم. فتحته ولقيت صور ليها وهي تعبانة في المستشفى، صور أنا مكنتش شفتها، وفي ظهر كل صورة تاريخ.. التواريخ دي كانت من سنتين فاتوا! يعني هدى كانت عارفة بمرضها من سنتين مش من كام شهر زي ما فهمتنا!
وفي آخر الألبوم، كان فيه ظرف أحمر مقفول بالشمع، ومكتوب عليه من بره: “لأحمد.. السر اللي خبيته عنك عشان تعيشوا مرتاحين.. افتحه لما تكون لوحدك وجاهز للصدمة.”
شيلت الظرف الأحمر وإيدي بترتعش، قعدت على السرير اللي لسه ريحتها فيه، وبدأت أفك الشمع براحة وكأني خايف أصحّي ذكريات مدفونة. فتحت الظرف وطلعت منه ورقة مطبقة ثلاث طبقات، وجنبها عقد ملكية قديم عليه ختم النسر.
بدأت أقرأ بخطها اللي كان مهزوز المرة دي، وكأنها كانت بتكتب وهي في قمة تعبها:
“أحمد.. لو وصلت للورقة دي، يبقى إنت عرفت إني كنت عارفة بمرضي من سنتين. أنا مكنتش بخبي عليك عشان خايفة، أنا خبيت عشان المرض ده كان هيسحب كل مليم حيلتنا، وأنا كان عندي هدف أهم من علاجي.. هدف عشت عشانه الـ 23 سنة اللي فاتوا.
فاكر لما عمي الله يرحمه مات من 15 سنة وقالوا إن ملوش ورث؟ الحقيقة غير كده يا أحمد. عمك كان سايب أرض كبيرة في البلد، وأخواتك الكبار باعوها من وراك وزوروا إمضاءك على التنازل.. أنا عرفت بالصدفة البحتة من سبع سنين لما شفت العقود الأصلية في بيت أخوك الكبير وأنا بنضف مع مراته.
من يومها وأنا بجمع القرش على القرش، وبشتغل من وراك، مش بس عشان الأيام السودة.. لأ، عشان أرفع قض*ية من غير ما تحس، وأرجعلك حقك اللي اتسرق منك. العقد اللي في إيدك ده هو عقد الأرض الأصلي اللي قدرت أشتريه بفلوسي وفلوس دهبي من المشتري الجديد اللي اكتشف إن الورق الأولاني مزور وخاف من المحاكم. الأرض دي دلوقتي باسمك إنت لوحدك.. قيمتها بملايين يا أحمد.
أنا مخبيتش عنك المرض إهمال في نفسي، أنا بس اختارت إن الفلوس اللي معايا ترجعلك حقك وسندك في الدنيا، بدل ما تضيع على كيماوي ودكاترة في مرض أنا كنت عارفة إنه في مرحلته الأخيرة من الأول.. أنا فديت حقك وحق أولادنا بعمري، وده أغلى مكان ممكن أحط فيه فلوسي.”
وقفت مصدوم.. الورق في إيدي والأرض بتلف بيا. هدى ضحت بحياتها ورفضت تتعالج عشان ترجعلي حقي من إخواتي اللي لحمي ودمي؟
لكن الصدمة الأكبر كانت لما قلبت العقد، ولقيت في آخره ملحوظة مكتوبة بخط أحمر عريض: “أحمد.. أخوك الكبير عرف إني وصلت للعقد الأصلي قبل وفاتي بأسبوع.. وجالي المستشفى وهددني.. لو حصلي حاجة مفاجأة، أوعى تفتكر إن موتي كان طبيعي بسبب السرطان.. فتش ورا..”
وقفت في نص الأوضة مش قادر أصلب طولي، العقد في إيدي بيترعش والورقة المكتوبة بالخط الأحمر كأنها نار قادت في صوابعي. “أخوك الكبير عرف.. وجالي المستشفى وهددني.. أوعى تفتكر إن موتي كان طبيعي فتش ورا..” الكلمات كانت بتلف في دماغي زي الإعصار. أخويا؟ محمود؟ أخويا الكبير اللي كان واقف معايا في العزا وبيطبطب على كتفي ويقولي شد حيلك يا أحمد إحنا ملناش غير بعض؟ محمود اللي بكى عليها وكأنه فقد أخته؟
شريط الـ 23 سنة اللي فاتوا كله مر قدام عينيا في ثانية واحدة. تذكرت لما هدى تعبت فجأة في أسبوعها الأخير، وتذكرت إن محمود كان بيجي يزورها كل يوم في المستشفى في وقت غريب.. في وقت الضهرية لما نكون أنا والأولاد بره بنرتب أوراق العلاج أو بنجيب أكياس الدم. تذكرت نظراته القلقانة، وسؤاله الدائم ليا: “هي هدى قالتلك حاجة قبل ما تغيب عن الوعي يا أحمد؟ شالتك أمانة؟ كتبت حاجة؟” وأنا المغفل كنت بفتكره خايف عليا وعلى حزني، كنت بقوله: “لأ يا محمود، دي بتموت يا خويا، مش قادرة تتكلم.”
حسيت بنار بتغلي في عروقي، مسكت العقد والورق وقفلت الخزنة بسرعة، ونزلت السلم جري وكأني مش شايف قدامي. ركبت عربيتي وطيرت على المستشفى اللي هدى قضت فيها أيامها الأخيرة. كنت محتاج إجابة، محتاج أعرف إيه اللي حصل في الأسبوع ده بالظبط.
وصلت المستشفى ودخلت على مكتب الدكتور “شريف” المتابع لحالتها، وكان راجل محترم وصديق شخصي ليا من سنين. دخلت عليه والنهجة واكلاني وشكلي كان يخوف، لدرجة إنه قام من على مكتبه مخضوض وقال: “في إيه يا أحمد يا خويا؟ مالك شكلك عامل كده ليه؟”
رميت الورقة اللي بخط هدى قدامه على المكتب وقلت بصوت حاد ومكتوم من العياط: “هدى ماتت بالسرطان يا شريف؟ ولا ماتت بحاجة تانية؟ قولي الحقيقة.. هدى اتق*تلت؟”
الدكتور شريف وشه اتخطف تماماً، ولونه بقا أبيض زي الورقة. رجع لورا وقعد على كرسيه، وفضل ساكت لثواني كأن الصدمة شلت لسانه. بص للورقة وبصلي، ولقيت دموعه هي كمان بتنزل، وقال بصوت مرعوب: “إنت عرفت منين؟ هدى هي اللي كتبتلك ده؟”
مسكته من هدمه وأنا بصرخ: “يعني إنت كنت عارف؟ كنت عارف وخبّيت عليا يا شريف؟ دي مراتي! دي هدى اللي كانت زي أختك!”
شريف هز راسه وهو بيعيط وقال: “يا أحمد اهدى واسمعني.. هدى هي اللي ترجتني وبواست إيدي وموتت نفسها من العياط عشان مخربش البيت وعشان خافت عليك من أخوك! يوم الأربع اللي قبل وفاتها، أنا دخلت الأوضة فجأة ومحمود أخوك مكنش واخد باله.. شفته وهو بيميل عليها وبيتف في المحلول بتاعها مادة سائلة من أمبول كان في إيده! لما شافني ارتبك ورمى الأمبول في الزبالة وجري.. أنا أخدت سرنجة المحلول وحللتها فوراً، ولقيت فيها جرعة مركزة من مادة بتوقف عضلة القلب فجأة وتظهر في التشريح العادي كأنها سكتة قلبية بسبب ضعف الجسم من الكيماوي!”
شريف كمل وهو بيموت من الرعب: “لما واجهت هدى وكنت هبلغ الشرطة، هدى صرخت وقالتلي لو بلغت أحمد هيروح يقت*ل أخوه ويضيع ويدخل السجن والأولاد يتشردوا.. محمود هددها إنه هيق*تل أولادها لو الورق ده ظهر.. وقالتلي يا شريف سيبني أموت، أنا كده كده ميتة والأيام فاضل فيها كام يوم، بس احمي أحمد وولاده.. وخلتني أقسم على المصحف إني متكلمش إلا لو إنت جيتلي بالورق ده بنفسك!”
الدنيا ضلمت في وشي.. أخويا ق*تل مراتي عشان الأرض؟ قت*ل الست اللي صانتني وصانت شرفي وحقي 23 سنة؟
خرجت من المستشفى زي المجنون، ركبت عربيتي ودموعي عامية عيني.. مكنتش شايف قدامي غير وش محمود.. طرت بأقصى سرعة على بيته، والمرة دي مكنتش رايح أعاتب.. كنت رايح أنهي كل حاجة.
وصلت قدام عمارته، طلعت السلم تلاتات، وفضلت أرزع على الباب بكل قوتي لحد ما الباب اتفتح.. وظهر محمود ورا الباب وهو لابس جلابيته البيضا ومبتسم ويقول: “أحمد؟ خير يا خويا في إيه على المسا؟”
مسكته من رقبته وزقيته جوه الشقة وقفت الباب برجلي وطلعت العقد والورقة وحطيتهم في وشه وأنا بصرخ بصوت زلزل الحيطان: “ق*تلت هدى ليه يا محمود؟ قت*لتها ليه يا ابن أبويا وأمي؟”
محمود لما شاف العقد والورقة، ابتسامته اختفت تماماً، وعينيه برقت بشر مكنتش شفته فيه طول عمري.. رجع خطوتين لورا، وحط إيده في جيب الجلابية وطلع مسدس صغير وقال بصوت فحيح الأفاعي: “كنت عارف إن الست دي مش هتعديها على خير حتى وهي في قبرها.. بس كويس إنك جيت بنفسك يا أحمد.. عشان تلحقها!”
وقفت مكاني متسمر، مش من الخوف، لكن من الصدمة.. من بشاعة المشهد.. أخويا، السند اللي المفروض أتحامى فيه بعد موت مراتي، واقف قدامي وموجه المسدس لصدري وبكل برود الدنيا بيقولي “عشان تلحقها”. في اللحظة دي، ملامح محمود اللي كنت عارفاها طول عمري اتغيرت، مكنتش شايف أخويا، كنت شايف شيطان لابس جلابية بيضا، شيطان عينه مليانة غل وحقد سنين.
ضحكت.. ضحكت بصوت عالي وسط دموعي لدرجة إن محمود ارتبك وإيده اللي ماسكة المسدس اتهزت. بصلي باستغراب وقال بفحيح مكتوم: “إنت اتجننت يا أحمد؟ بتضحك على إيه؟ إنت فاكرني بهزر؟ أنا ضيعت عمري كله وأنا بجمع في ثروة وبأمن مستقبلي ومستقبل عيالي، وتيجي حتة ست لا راحت ولا جت تقلب عليا الطاولة وتكشف ورق قديم فات عليه خمسطاشر سنة؟ الأرض دي بتاعتي.. أنا اللي تعبت فيها وأنا اللي كبرتها، وأبوك الله يرحمه كان ظالمني وكان عاوز يديك نصيب الأسد عشان إنت الصغير المدلل.. أنا مق*تلتش حد، هي كانت كده كده ميتة بالمرض الخبيث، أنا بس ريحتها وسرّعت الأجل عشان تتدفن بسرورها قبل ما توديك في داهية وتوديني معاك!”
كل كلمة كان بيقولها كانت بتنزل على قلبي زي السكاكين. هدى ضحت بعلاجها، عاشت شهور بتتعصر من الألم ومن غير مسكنات قوية عشان توفر تمن المحامين والتحريات والعقد الأصلي، وهو بكل خسة بيقول “ريحتها”!
قلتله بصوت طالع من قاع جروحي، وبكل ثبات خطيت خطوة ناحيته: “أنا ميهمنيش الأرض، ولا يهمني الملايين يا محمود.. أنا كان يهمني مراتي.. الست اللي عاشت معايا على الحلوة والمرة 23 سنة.. الست اللي كانت بتخبي الـ 200 جنيه في علبة الرز وكيس الدقيق عشان الأيام السودة، وهي مش عارفة إن اليوم الأسود الحقيقي هو اليوم اللي هشوفك فيه وإنت قاتلها! إنت مش أخويا.. إنت حتة من جهنم.”
محمود صرخ فيا: “ثبت مكانك وماتخطيش خطوة كمان وإلا هفضّي المسدس ده في قلبك! العقد ده يرجعلي دلوقتي، وتكتبلي تنازل عن كل حاجة، وإلا هتحصلها وأقول للناس إنك جيت تتهجم عليا في بيتي بسبب الميراث وأنا دافعت عن نفسي.. ومحدش هيشك فيا.. أنا محمود الكبير يا أحمد!”
في اللحظة دي، وأنا شايف عينيه بتلمع بغدر حقيقي، وعرفت إنه فعلاً مستعد يق*تلني وييتم ولادي بعد ما يتمهم من أمهم.. سمعت صوت حركة غريبة ورايا. الباب بتاع الشقة المحكوم بالقفل مكنش مقفول بالكامل، وفجأة الباب اتفتح على آخره ودخل منه تلات رجالة.. دكتور شريف، ومعاه ضابط شرطة برتبة مقدم، واثنين أمناء شرطة مسلحين!
محمود وشه اتقلب ألوان والمسدس وقع من إيده على السجادة وصوته اختفى تماماً. الضابط جرى بسرعة حرز المسدس وزق محمود في الحيطة وكلبش إيده ورا ضهره.
أنا قعدت على أقرب كرسي وأنا حاطط راسي بين إيديا، وجسمي كله بيتنفض. الدكتور شريف جه عليا وأخدني في حضنه وقال: “سامحني يا أحمد.. أنا مكنتش هسيبك تيجي هنا لوحدك.. أنا لما شفت حالتك وإنت خارج من المستشفى عرفت إنك هتيجي لمحمود.. كلمت الشرطة فوراً وبلغت عن الأمبول وعن التحاليل اللي معايا، وجينا وراك.. والحمد لله إننا وصلنا في الوقت المناسب.”
الضابط بص لمحمود وقال بقسوة: “أهلاً يا محمود بيه.. البلاغ اللي اتقدم ضدك مش بس تزوير وسرقة.. ده جناية ق*تل عمد مع سبق الإصرار والترصد، ومحاولة ق*تل تانية مسجلة بالصوت والصورة دلوقتي!”.. الضابط شاور على جهاز تسجيل صغير كان الدكتور شريف مشغله من أول ما دخلوا وسمعوا اعتراف محمود بكل حاجة وهو بيهددني بالمسدس.
محمود وهو بيتسحب من الأمناء، بصلي بنظرة رجاء أخيرة وقال بصوت مرعوب: “أحمد! إلحقني يا أحمد.. أنا أخوك الكبير.. هضيع.. هيدموني يا أحمد! قولهم إنك مسمحني.. قولهم إن الكلام ده مش حقيقي!”
بصيت له ونظرتي كانت خالية من أي مشاعر.. مكنش فيه حزن، ولا عتاب، كان فيه وداع أبدي. قلتله: “أنا ماليش إخوات يا محمود.. أخويا مات مع هدى.”
أخدوا محمود وخرجوا، والشقة فضيت عليا أنا ودكتور شريف. شريف طبطب على كتفي وقالي: “يلا يا أحمد.. حق هدى رجع.. والعدالة هتاخد مجراها.. ارحع لبيتك وولادك.”
رجعت البيت.. الساعة كانت تلاتة الفجر. البيت كان هادي وضلمة. دخلت أوضة النوم، وفتحت الخزنة تاني عشان أشيل العقد والورق.. وأنا بحط الألبوم والصندوق القطيفة، لمحت حاجة صغيرة كانت لازقة في سقف الخزنة من جوه.. علبة كبريت قديمة!
سحبتها وفتحتها.. لقيت جواها مفتاح تاني خالص، أصغر بكتير، وملفوف حواليه ورقة صغيرة تانية مكتوب عليها: “أحمد.. لو محمود اتمسك وعرفت الحقيقة.. يبقى لازم تروح للمكان اللي اتقابلنا فيه أول مرة.. تحت الشجرة القديمة في الفيوم.. السر لسه مخلصش يا حبيبي.. فيه أمانة تانية لازم تستلمها.”
فضلت ماسك علبة الكبريت والمفتاح الصغير في إيدي، وعيني مش نازلة من على السطر الأخير: “تحت الشجرة القديمة في الفيوم.. السر لسه مخلصش يا حبيبي.. فيه أمانة تانية لازم تستلمها.”
الفيوم.. المكان اللي شهد أول قصة حبنا من 25 سنة، لما كنا لسه طلبة في الجامعة وجينا رحلة هناك، وتحديداً عند شجرة الجمّيز الضخمة القديمة القريبة من بحيرة قارون، المكان اللي حفرنا عليه أول حرفين من أسمائنا (أ & هـ). هدى كانت دايماً تقول إن المكان ده فيه روحها، بس مكنتش أتخيل أبدًا إنها شالت فيه أمانة تانية تخص مستقبلي ومستقبل الأولاد.
النهار بدأ يشقشق، ونور الشمس دخل الأوضة يطرد ضلمة الليل المرعب اللي عشته. مغسلتش وشي حتى، أخدت المفتاح الصغير والعقد القديم وركبت عربيتي وطيرت على طريق الفيوم. طول الطريق وأنا بفتكر ملامحها وهي بتضحك، وبفتكر الوجع اللي عاشته لوحدها وهي شايلة همومي وحقي من غير ما تشتكي لمرة واحدة.
بعد حوالي ساعتين ونص، وصلت للمكان. النستولوجيا ضربت قلبي.. الشجرة كانت لسه واقفة زي ما هي، قوية ومتجذرة في الأرض رغم السنين. نزلت من العربية والهدوء محاوط المكان بالكامل، مفيش غير صوت الهوا وشقشقة العصافير.
قربت من جذع الشجرة، ولقيت الحرفين اللي حفرناهم لسه باينين، وتحتهم بالظبط كان فيه علامة صغيرة محفورة حديثاً بخط مهزوز.. علامة (+) وجنبها سهم بيشاور للأرض. عرفت إن ده خطها وتوجيهها ليا.
قعدت على ركبي وبدأت أحفر في الطين بإيديا من غير ما أهتم بضوافري اللي بدأت تتجرح أو الردم اللي ملا هدومي. حفرت لعمق شبرين تقريباً لحد ما إيدي خبطت في حاجة صلبة.. علبة حديد صغيرة مقفولة بعناية ومغلفة بأكياس بلاستيك كتير عشان تحميها من الرطوبة والمية.
طلعت العلبة ونفضت من عليها التراب، فكيت الأكياس وبالمفتاح الصغير اللي كان في علبة الكبريت فتحت القفل. قلبى كان بيدق زي طبول الحرب.
جوه العلبة لقيت دفتر توفير قديم باسم ابني الكبير وبنتي الصغير، وجنبه فلاشة إلكترونية (USB)، وورقة مطوية بعناية. فتحت الورقة وقرأت:
“أحمد.. لو إنت واقف تحت الشجرة دي دلوقتي، يبقى أنا ارتحت في تربتي لأن حقي وحقك رجع، ومحمود أخد جزاءه. الدفتر ده فيه كل القرش اللي كنت بوفره من وراك ومن ورا علب الرز والدقيق، ده تمن تعليم أولادنا وتأمين مستقبلهم عشان متمدش إيدك لحد بعد ما أمشي.
أما الفلاشة دي.. فهي السند الحقيقي اللي هيحميك وهيحمي الأرض اللي رجعتهالك. محمود مكنش شغال لوحده يا أحمد، محمود كان مجرد واجهة لشبكة كبيرة من حيتان التزوير ونهب أراضي الناس الغلابة في البلد، والشبكة دي فيها ناس واصلة جداً وصعبة. أنا قدرت من خلال مراقبتي لمحمود في سنينه الأخيرة، ومن ورق شفته بالصدفة في مكتبه، إني أنسخ كل المستندات، العقود، والتحويلات البنكية المشبوهة للشبكة دي كلها على الفلاشة دي.
أنا دفنت الفلاشة هنا بعيد عن البيت وبعيد عن المستشفى عشان لو محمود غدر بيا أو فتش بيتنا ميوصلهاش. الفلاشة دي حمايتك يا أحمد.. لو حد من شركاء محمود حاول يهددك عشان تاخد الأرض أو تتنازل عن الق*ضية، سلم الفلاشة دي للنيابة العامة فوراً.. دي هتودي حيتان كتير ورا الشمس وتنهي الشر ده كله.”
دموعي نزلت على الورقة ومسحت خطها. هدى مكنتش مجرد زوجة صالحة، هدى كانت جيش كامل بيحارب في الضلمة عشان يحميني ويحمي أولادي من غدر الدنيا وغدر أقرب الناس ليا.
وقفت وضمت العلبة لصدري وأنا ببص للسما وبتنفس لأول مرة بحرية، وحسيت إن روحها فعلاً محاوطاني وبتطبطب عليا. ركبت عربيتي وقررت أرجع القاهرة عشان أسلم الفلاشة دي للجهة المختصة وأقفل الصفحة دي تماماً.
لكن وأنا بلف العربية على الطريق الصحراوي راجع، لقيت عربية دفع رباعي سودا فاميه بالكامل بتكسر عليا الطريق فجأة، ونزل منها تلات رجالة ضخام البنية، واحد منهم قرب من إزاز عربيتي وخبط عليه بقوة وهو ماسك طبنجة في جنبه، وقال بصوت غليظ: “باشا.. هات الأمانة اللي أخدتها من تحت الشجرة بالذوق.. وإلا هتحصل المدام!”
تجمدت في مكاني للحظة. قلبي كان بيدق بعنف، لكن فجأة، لمست بيدي العلبة اللي حطيتها جنب مقعد السواقة، وحسيت بقوة غريبة بتسري في عروقي.. قوة مش ملكي، قوة هدى اللي كانت بتحارب بكل ما أوتيت من ضعف.
بصيت للراجل اللي بيخبط على الإزاز، ملامحه كانت توحي بأنه واحد من “الحيتان” اللي قالت عنهم هدى. ابتسمت بسخرية، ابتسامة باردة جداً خلت الراجل يتراجع خطوة لورا باستغراب. فتحت باب العربية ببطء ونزلت وأنا لابس نظارتي الشمسية، وبصيت في عينه مباشرة من غير أي خوف.
قلتله بصوت ثابت وقوي: “إنت فاكر إنك بتهدد مين؟ أنا مش أحمد الغلبان اللي كنتوا بتلعبوا بيه السنين اللي فاتت. أنا دلوقتي شايل دم مراتي في إيدي، وشايل ملفاتكم اللي هتخليكم كلكم تعيشوا باقي عمركم ورا القضبان.”
الراجل ضحك باستهزاء ورفع الطبنجة، لكنه اتفاجئ لما شافني مش برجع لورا، بالعكس، كنت بقرب منه. قلتله: “قبل ما ترفع إيدك عليا، لازم تعرف حاجة.. أنا مش جاي هنا لوحدي.”
في اللحظة دي، سمعت صوت سيرينة شرطة بعيدة بتقترب بسرعة جنونية. اتضح إن الدكتور شريف -اللي كان شاكك إن فيه حد مراقبني من ساعة خروجي من المستشفى- كان بلغ الشرطة وطلب منهم يتتبعوا موقعي عبر الـ GPS بتاع العربية، وكمان كان فيه قوة أمنية سرية بتابعني من بعيد عشان يحموني من أي غدر.
الرجالة التلاتة ارتبكوا، واحد منهم صرخ: “دي الحكومة! اهربوا!”
حاولوا يرجعوا لعربيتهم، لكن قوات الشرطة اللي كانت بتمشط الطريق حاصرتهم في ثواني. نزل الضباط وأسلحتهم مصوبة عليهم، وخلال لحظات، كان التلاتة متكتفين على الأرض.
الضابط اللي قاد العملية قرب مني، وعرفته إنه نفس الضابط اللي قبض على محمود. مسح على كتفي وقالي: “أحمد بيه، إحنا كنا بنأمن طريقك من لحظة ما خرجت من القاهرة. الفلاشة دي اللي هدى سابتهالك هي المفتاح اللي كنا محتاجينه عشان نوقع الشبكة دي كلها.”
أخدوا الرجالة، وطلبت من الضابط إني أروح معاه فوراً لمقر الأمن الوطني لتسليم الفلاشة. طول الطريق، كنت باصص من الشباك للسما، وأنا بكلم هدى في سري: “يا هدى.. يا أغلى ما ليا.. أنا خلاص قربت أنفذ وصيتك. محمود في السجن، والشبكة دي هتتحاسب، والأرض رجعت، ومستقبل ولادنا بقى في أمان.”
وصلنا المقر، وقعدت مع قيادات أمنية كبيرة، حطيت الفلاشة على المكتب، وبدأوا يفتحوا الملفات اللي عليها. الساعات عدت، وأنا بمرر في الصور والأسماء، ولما خلصنا، الضابط الكبير بصلي بتقدير وقالي: “أنا عمري ما شفت ست بتفكر بذكاء وشجاعة زي هدى الله يرحمها. هي مش بس حمت عيلتها، هي قدمت خدمة للبلد كلها.”
خرجت من المقر وأنا حاسس بتقل كبير انزاح عن كتافي. رجعت البيت، وكان البيت فاضي، بس لأول مرة من سنين، مكنتش حاسس بالوحدة. دخلت أوضة النوم، وقعدت على السرير، وفتحت درج الكومودينو، لقيت فيه رسالة أخيرة، مكتوبة بخط إيد هدى، مختلفة عن كل اللي فات، كانت الورقة متغلفة بكيس بلاستيك ومكتوب عليها من بره بخط كبير: “لأحمد.. لما تخلص كل حاجة.”
فتحت الكيس ببطء، وقلبي كان في حالة هدوء غريب.. الورقة كانت مكتوب فيها: “أحمد.. دلوقتي بس تقدر تبدأ حياتك من جديد.. افتح الدولاب، في الشنطة اللي تحت الهدوم الشتوي، هتلاقي هدية صغيرة مني ليك.. هدية مش عشان تذكرني، لكن عشان تعيش بها.”
مددت إيدي داخل الدولاب، تحت الهدوم الشتوي اللي ريحتها لسه معبّرة عن وجودها، ولمست الشنطة الصغيرة. سحبتها براحة وفتحت السوستة.. لقيت جواها علبة قطيفة حمراء، وجنبها باسبور (جواز سفر) جديد باسمي، وجواه تأشيرة سفر لبلد كنت دايماً بنبهر بيه ونفسي أزوره من سنين وطول عمرنا بنأجل الخطوة دي عشان مصاريف البيت والأولاد.
فتحت العلبة القطيفة، ولقيت جواها ساعة يد كلاسيكية غالية جداً، أنا كنت وقفت قدام فترينة المحل وبصيت عليها من سنة وفضلت أقولها: “شوفي الساعة دي جميلة إزاي يا هدى؟ بس خسارة، تمنها يعيشنا شهرين مرتاحين”. كانت شيلالي كل تفصيلة، كل أمنية خطرت على بالي وموقفتش عندها، هي وقفت عندها وحققتها لي.
جوه جواز السفر، كانت فيه ورقة صغيرة أخيرة، بخطها الجميل المستقر، وكأنها بتكتبها وهي مبتسمة ومرتاحة بعد ما رتبت كل قطة في حياتي:
“أحمد.. دلوقتي الحق رجع، وولادنا أمانتهم بقت في رقبتك وفي أمان الله، والشر اللي كان محاوطنا انتهى. الساعة دي عشان تفتكر إن الوقت اللي جاي بتاعك إنت.. البسها، وحط الباسبور في جيبك، وسافر.. اخرج للدنيا وشوفها يا أحمد. أنا عشت معاك 23 سنة مكنتش محتاجة فيهم أي حاجة من الدنيا لأنك كنت دنيتي، ودلوقتي جه الوقت اللي تفرح فيه بنفسك ومن غير ما تشيل هم حد.
أنا مش سايباك لوحدك.. أنا سايبة لك أمان، وسايبة لك ذكريات حلوة، وولادنا هما حتة مني ومنك. سافر ولف الدنيا، ولما ترجع، اضحك وعيش، وافتكر دايماً إن أكتر مكان أنا مرتاحة فيه دلوقتي.. هو جوه قلبك. بحبك يا أحمد.. مع السلامة يا حبيبي.”
ضميت الباسبور والساعة لصدري، والمرة دي دموعي منزلتش بحرقة ولا بكسرة.. نزلت دموع راحة، دموع امتنان لربنا إنه رزقني في الدنيا بـ “هدى”.
قمت وقفت، لبست الساعة في إيدي، وأخدت جواز السفر وحطيته في جيبي. بصيت لبيتنا اللي بقى ماليان بنور الشمس والدفا، وبصيت لصورتها اللي على الحيطة وقلت لها بصوت مليان يقين: “حاضر يا هدى.. هسافر وهعيش وهفرح.. ووعد عليا، عمرك ما هتغيب عن قلبي لأخر يوم في عمري”.
خرجت من الأوضة، وأنا حاسس إن روحي رجعت لي تاني، جاهز إني أبدأ من جديد، مسنود على حب عظيم عاش معايا، وهيأمن خطواطي لحد ما أقابلها تاني.


تعليقات
إرسال تعليق