الكيل بمكيالين كامله
الكيل بمكيالين كامله
اللي يمنع أمي تدخل بيتي… ما يستغربش لما أرفض أخته تعيش فيه!
عمري ما كنت من الستات اللي بتحب تعمل مشاكل، ولا كنت بدور على خناقة حتى لو الحق معايا. كنت دايماً بقول كبر الدماغ… الجواز محتاج صبر. وكنت بصبر… لحد ما الصبر نفسه تعب مني. من أول يوم اتجوزنا وأنا حاسة إن جوزي عنده مشكلة مع أهلي، خصوصاً أمي. أمي… الست الغلبانة اللي عمرها ما دخلت بيتي إلا وهي شايلة معايا أكلة، أو جاية تطمن عليا، أو تساعدني وأنا تعبانة. لا عمرها تدخلت بيني وبينه، ولا قالت كلمة تزعل حد، بالعكس… كانت كل ما تشوفه تقوم تسلم عليه بابتسامة وتدعيله من قلبها. لكن هو؟ ولا مرة حسيت إنه عاملها باحترام. كان بيكلمها ببرود، ولو قعدت شوية في البيت تلاقي وشه اتقلب، ولو شافني بكلمها كتير يقول هو مفيش غير أمك دي؟ وأكتر حاجة كانت بتوجعني…
حكايات_مني_السيد
لما كان يسافر شغله. أول ما يعرف إن أمي أو أختي هيباتوا عندي عشان أبقى مطمنة وأنا لوحدي، كان يعمل مشكلة. محدش يبات في بيتي. أقوله يا حبيبي… إنت مسافر أصلاً، وأنا قاعدة لوحدي. يرد بمنتهى البرود قولتلك محدش يبات. وأفضل أحاول أفهمه… يعني هسيب نفسي لوحدي؟ ولا كأنه سامعني…. حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
..
وفي الآخر كنت أنا اللي أتنازل، وأقول لأمي متجيش… وهي كانت كل مرة تقول بابتسامة مكسورة ولا يهمك يا بنتي… أهم حاجة بيتك يستقر. وأقفل السكة وأفضل أعيط. كنت بزعل من أمي أكتر ما بزعل منه… لأنها كانت بتتحمل إهانته عشان خاطري. وعدت السنين… ولا هو اتغير… ولا نسيته اللي عمله. يمكن سامحته في حاجات كتير… لكن عمري ما نسيت إحساس الكسرة وأنا بقول لأمي متجيش. لحد من كام شهر… حصلت مصيبة في عيلتهم. ابن أخته الكبيرة… الشاب الوحيد… مات. ربنا يرحمه. قبل ما يموت كان بايع كل حاجة يملكها… حتى الشقة اللي كانت أمه قاعدة فيها…
وفجأة أخته بقت من غير بيت. قعدت فترة عند بنتها المتجوزة، وبعدها راحت عند أختها التانية. وقلت في نفسي ربنا يعينها. لكن ما دخلتش نفسي في أي حاجة. لحد ما في يوم… رجع جوزي من الشغل، وقالي وهو بيشرب الشاي بمنتهى الهدوء أنا خلاص قررت. بصيتله باستغرب. قال هعمل أوضة فوق السطح… وأختي هتيجي تعيش معانا. افتكرت إنه بيهزر. قلت تعيش معانا كام يوم؟ قال لا… على طول. سكت. يمكن دقيقة كاملة. كنت مستنية يكمل ويقول إنه بيستشيرني. إنما لأ… كان بيبلغني. كأن البيت بيته لوحده…حصري على صفحة روايات و اقتباسات…..
كأن رأيي مالوش أي لازمة. قولت بهدوء طيب… وبنتها؟ قال مالها بنتها؟ ما هي أولى بيها. رد بسرعة ظروفها. قلت وأختها اللي قاعدة عندها؟ قال وهو بدأ يتضايق قولتلك هتيجي عندنا وخلاص. الكلمة الأخيرة وقعت على قلبي تقيلة. وخلاص. يعني مفيش نقاش. يعني القرار اتاخد. يعني أنا مجرد واحدة هتصحى كل يوم تلاقي حد عايش معاها غصب عنها. بصيتله وسألته سؤال واحد. هو إنت فاكر لما كنت بتمنع أمي تبات عندي وأنا لوحدي؟ اتغير وشه.
حكايات_مني_السيد
وقال متفتحيش القديم. ابتسمت. أول مرة أبتسم بالطريقة دي. وقولت لا… القديم هو اللي جابنا لحد هنا. قام من مكانه بعصبية. إنتي هتقارني أختي بأمك؟ بصيتله في عينه. وقولت بهدوء عمره ما شافه مني قبل كده أنا مش بقارن حد بحد… أنا بس بستغرب. لما كانت أمي تيجي يومين كنت بتقول البيت مش فندق. دلوقتي أختك هتيجي العمر كله… وبقى عادي؟ سكت. ولأول مرة… ما عرفش يرد. دخل الأوضة وسابني. وأنا فضلت قاعدة مكاني. مش بفكر في أخته… ولا زعلانة منها. هي ست مكسورة وربنا يكون في عونها. لكن اللي وجعني… إن الراجل اللي عمره ما راعى مشاعري، دلوقتي مستغرب ليه أنا مش قادرة أوافق بسهولة. أنا مش ضد إنها تلاقي مكان يأويها… أنا ضد الكيل بمكيالين. ضد إن كرامة أمي كانت رخيصة… وكرامة أخته بقت أغلى من الدنيا.
وفي تاني يوم الصبح… صحيت على صوت تليفونه بيرن. رد بسرعة وقال أيوه يا أختي… خلاص، جهزي شنطك… النهارده هتيجي. أنا سمعت الجملة… لكن اللي خلاني أتجمد مكاني، إني بعدها بثواني سمعته يقول ومتقلقيش… هي مش هتقدر ترفض. وقتها بس… عرفت إنه مش بس أخد القرار من غيري… ده كمان وعد أخته بحاجة… وهو واثق إن كلمتي مالهاش أي قيمة. وساعتها… أخدت أنا كمان قرار… قرار هيقلب البيت كله رأسًا على عقب… لكن يا ترى… إيه هو؟ حكايات_مني_السيد
خرج من الأوضة وهو لابس ومتشيك، باصصلي بنظرة كلها ثقة، كأنه بينتصر في معركة وهمية جوه دماغه. عدى من جنبي وهو بيعدل قميصه وقال بنبرة هادية بس سمّ برودها واصل لقلبي أنا نازل أجيبها.. ساعتين بالكتير ونكون هنا. جهزي نفسك.. وجهزي الأوضة اللي فوق.
مردتش عليه. ولا حتى بصلته. فضلت باصة للفراغ وسامعة صوت الباب وهو بيتقفل وراه.. التكة دي كانت الإعلان الرسمي إن حياتي القديمة انتهت، وإن السكوت والتنازل اللي عيشت فيهم سنين لازم يتقفل كتابهم هنا ودلوقتي.
القرار مكنش سهل، بس كان نابع من وجع سنين. قمت دخلت أوضتي، فتحت الدولاب وطلعت شنطة هدومي الكبيرة. لميت
لمحة نيوز
فيها كل حاجة تخصني؛ لبسي، حاجتي الشخصية، ودهبي اللي شيلته من شقايا وتعب السنين. مسبتش فتفوتة واحدة تدل إن كان فيه هنا ست بتدير البيت ده وتستحمل قرفه. كنت بحط كل حتة قماش وأنا بفتكر منظر أمي وهي واقفة على الباب بشنطتها المكسورة، ودموعها المحبوسة وهي بتقولي معلش يا بنتي.. جوزك برضه وبيت برضه، أنا همشي عشان متخربيش على نفسك.
قفلت سوستة الشنطة، والصوت ده عمل صدى جوه نفوخي. نزلت الشنطة في الصالة، وطلعت تليفوني وكلمت أخويا الكبير، حازم.
أيوة يا حازم.. إنت فين؟
حازم حس بنبرة صوتي في الشغل يا منى.. خير يا بنتي؟ صوتك ماله؟
قلتله بجمود عمري ما عيشت فيه قبل كده تعالالي دلوقتي حالا يا حازم.. خد إذن وانزلي.. مستنياك تحت البيت.
مسافة السكة يا أختي.. ربع ساعة وأكون عندك.
قفلت مع حازم، وكنت عارفة إن الخطوة الجاية هي القنبلة اللي هتنفجر في وشه. رحت على المطبخ، وعملت كوباية شاي، وقعدت في الصالة أشربها بمنتهى الهدوء. البيت كان هادي هدوء ما قبل العاصفة. أنا مش بكره أخته، وربنا يعلم إني شلت همها لما ابنها مات، بس أنا برفض أكون مكملة عدد في مكان ماليش فيه كلمة، برفض إن كرامة أهلي تداس عشان خاطر الأصول اللي هو ميعرفش عنها حاجة لما الموضوع يخصني.
بعد ربع ساعة، تليفوني رن، كان حازم. نزلت بالشنطة الكبيرة، شلتها بقوة مكنتش أعرف إنها فيا. أول ما حازم شافني وشاف الشنطة، وشه اتقلب في إيه يا منى؟ جوزك طردك ولا إيه؟
قلتله وأنا بركب معاه العربية لأ يا حازم.. منى هي اللي مطردتش.. منى هي اللي مشيت بكرامتها. اطلع بيا على بيت أمي.. وهناك هحكيلك كل حاجة.
طول الطريق وحازم بيحاول يفهم وأنا ساكتة، باصة من الشباك على الشوارع والناس، وحاسة بنوع من الراحة الممزوجة بالخوف.. بس راحة الكرامة غالية أوي.
أول ما وصلنا بيت أمي، وفتحتلنا الباب، اتخضت لما شافت الشنطة.
في إيه يا ضنايا؟ اتخانقتوا؟
حضنتها.. حضنتها جامد أوي، وشميت ريحتها اللي اتحرمت منها في بيتي بسبب تحكماته. قلتلها مفيش حاجة يا أمي.. أنا جيت أقعد عندك كام يوم.. وحشتيني.
أمي بذكائها وطيبتها فهمت إن الموضوع كبير، بس سكتت وطبطبت عليا البيت بيتك يا قلب أمك.. تنوري في أي وقت.
دخلت أوضتي القديمة، حطيت الشنطة، وقعدت على السرير. طلعت تليفوني وقفلت خاصية الانتظار، وعملت تليفونه هو بالذات صامت.. كنت عايزة أسيبه يضرب دماغه في أجدع حيط.
الساعة جت ٤ العصر.. يعني زمانه وصل البيت ومعاه أخته وشنطها.
أتخيلت المشهد كأني شايفاه قدام عيني.. هو داخل بابتسامة النصر، بينادي بعلو صوته يا منى.. يا منى تعالي سلمي على أختي.. وشوفي الشنط دي.
ومفيش رد.
يدخل المطبخ.. مفيش حد.. البوتاجاز مطفي والمواعين ناشفة. يدخل الأوضة.. يلاقي الدولاب مفتوح وفاضي من لبسي.. ويسأل نفسه بذهول هي راحت فين؟
وفعلاً.. التليفون بدأ ينور. شاشة التليفون متبطلوش رن.. جوزي بيطلبني. سبته يرن مرة.. واتنين.. وتلاتة.. وعشرة. لحد ما بعت رسالة على الواتساب إنتي فين يا منى؟ وإيه الشنطة اللي حازم جيه خدها دي؟ واحد من الجيران كان شافه.. وإيه الدولاب الفاضي ده؟ إنتي اتهبلتي؟ أختي واقفة معايا في الصالة ومصدومة.. ردي عليا حالا!
مسكت التليفون، وكتبتله رسالة واحدة، واضحة ومفهاش أي مجال للمناهدة
البيت اللي ملوش صاحب.. مش فندق لأهلك يا شريف. إنت قولت لأختك إني مش هقدر أرفض.. وأنا بقولك إني مبرفضش.. أنا سيبتلك البيت كله بحاله ومحتاله يشيلك ويشيل أختك. كلمتي اللي ملهاش قيمة عندك.. هي اللي هتحكم من هنا ورايح. أنا في بيت أمي.. الست اللي إنت كسرت بخاطرها ومنعتها تخش بيتي. ورقتي تفركشها وتجيبها معاك وأنت جاي.. لو عايز تطلق.. أهلاً وسهلاً.. لو عايزني أرجع.. يبقى بيتي ليه شروط.. وأول شرط إن أمي هي اللي تحدد مين يدخل ومين يخرج. سلام.
عملت لرقمة بلوك، ورميت الجهاز على السرير. قمت وقفت قدام المراية، وبصيت لوشي.. لأول مرة من سنين أحس إن عيني فيها لمعة قوة مكنتش موجودة.. الكسرة اختفت وحل مكانها عناد ست قررت تاخد حق سنين من التنازل.
عدى يومين.. والبيت عند أمي هادي، بس هدوء يسبق العاصفة التانية. حازم عرف كل حاجة، وكان قايد نار بقى الواطي ده يعمل فيكي وفي أمي كده؟ والله ما هيرجعلك إلا وهو حافي!
وأمي كانت قاعدة تدعي ربنا يصلح حالكم يا بنتي.. أنا مش عايزة أكون سبب في خراب بيتك.
قلتلها وأنا ببوس إيدها يا أمي إنتي مش سبب في حاجة.. إنتي السبب إني لسه عايشة بكرامتي. هو اللي خرب بيته بإيده لما افتكر إن ماليش ضهر.
في اليوم الثالث.. الباب خبط خبطات متتالية وقوية. حازم قام يفتح، وأنا وقفت وراه في الطرقة.
كان شريف.. وشه كان أصفر، وعينيه حواليها هالات سودا، وباين عليه التعب والعصبية في نفس الوقت. أول ما شاف حازم قال بزعيق فين منى؟ فين مراتي اللي سابت بيتي في وقت أختي محتاجلنا فيه وفضحتني قدام أهلي؟
حازم وقفله في الباب زي السد المنيع صوتك ميعلاش هنا يا شريف.. وإلا والله العظيم أرميك برة السلم. أختي عندك جوه.. وبكرامتها.. والبيت ده ملوش دعوة بفضايحك.
شريف شافني واقفة.. بصلي بنظرة عتاب ممزوجة بغل بقى بتبيعي السنين دي كلها عشان خناقة على أوضة؟
عشان أختي الست الغلبانة اللي ملهاش حتة تقعد فيها؟ إنتي معندكيش رحمة؟
ضحكت بصوت عالي.. ضحكة هزت الصالة.. وتقدمت كام خطوة لحد ما بقيت قدامه بالظبط أنا معنديش رحمة؟ سبحان الله! دلوقتي بقيت بتتكلم عن الرحمة والأصول؟ والست الغلبانة؟ طب وأمي؟ أمي الست الغلبانة اللي كانت بتيجى تشيلني وأنا تعبانة.. مكنتش غلبانة؟ مكنتش محتاجة رحمة لما كنت بتقلب وشك وتسمعني كلام زي السم؟ لما كنت بتسافر وتقولي محدش يبات في بيتي وأنا بترجاك عشان خايفة أنام لوحدي؟
شريف حاول يبرر دي كانت ظروف.. والبيت ليه حرمته.. وأنا مبحبش حد يبات في بيتي وانا مش موجود!
قلتله بحدة وصوت قوي وأنا برضه مبرضاش حد يبات في بيتي وإنت موجود أو مش موجود! الكيل بمكيالين ده انتهى يا شريف.. البيت ده زي ما هو بيتك.. هو بيتي.. وكرامة أمي من كرامتي. إنت وعدت أختك وقولتلها هي مش هتقدر ترفض.. أهو أنا رفضت.. ورفضت بشياكة وسيبتلك الجمل بما حمل.
شريف اتنرفز جداً وبص لحازم عاجبك كلام أختك يا حازم؟ دي بتخرب بيتها بإيدها.. أختي قاعدة في الصالة عندي دلوقتي مكسوفة ومش عارفة تروح فين.. والناس في المنطقة بدأت تتكلم إن مراتي سابت البيت أول ما أختي دخلت!
حازم رد عليه ببرود وثقة وأختك تنور يا شريف.. بس في بيتك لوحدك.. طالما إنت راجل وبتاخد قرارات لوحدك.. شيل شيلتك لوحدك. أختي مش هترجع معاك إلا بنظام جديد.. وشروط جديدة.. وأولها إن الست والدتي دي وشاور على أمي اللي كانت واقفة بعيد بتعيط.. يكون ليها تمن عندك وعند أهلك.. والبيت يتكتب نصين.. نص باسم منى عشان تضمن إنك متصحاش الصبح تقولها أختي هتقعد العمر كله وغصب عنك.
شريف اتصدم.. الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة أكتب البيت نصين؟ إنتو بتستغلوا ظروف أختي عشان تلووا دراعي؟
قربت منه وبصيت في عينيه بمنتهى الجمود إحنا بنأمن نفسي من غدرك يا شريف.. اللي ملوش أمان مع أهل مراته.. ملوش أمان معاها. قدامك حل من الاتنين.. يا تجيب المأذون والورقة تخلص بالمعروف.. يا تمضي على الشروط وتعرف إن منى بتاعة زمان ماتت وفيه منى جديدة.. كلمتها بتمشي زي كلمتك بالظبط.
شريف بصلي بنظرة عمري ما شوفتها في عينيه قبل كده.. نظرة تائهة بين كبريائه كرجل شرقي عايز يفرض رأيه بالدراع.. وبين ورطته قدام أخته والناس اللي بدأت تتكلم..
سكت لثواني.. وبص للأرض.. وفجأة رفع راسه وقال بصوت واطي ومليان تهديد ماشي يا منى.. إنتي اللي اخترتي.. وأنا مش هكتب شبر واحد من بيتي لحد.. والظاهر إن السنين اللي عيشتها معاكي مكنتش كفاية عشان تعرفي أنا مين..
لف ضهره ومشي.. ودب الباب وراه بكل قوته.
أمي جريت عليا وهي بتعيط يا بنتي حرام عليكي.. البيوت مبتتخربش كده.. شريف ملوش في الأذى بس طبعه ناشف.
قلتلها وأنا بمسح دموعها يا أمي الطبع الناشف بيتكسر لما يلاقي صخرة.. وأنا مش هسيب حقك وحقي تاني. سيبيه يمشي.. مسيره يرجع.. ولو مرجعش.. يبقى الكسبانة هي كرامتي.
كنت فاكرة إن الموضوع هيقف لحد هنا.. وإنها مجرد خناقة وهتاخد وقتها.. لكن اللي عرفته تاني يوم الصبح من واحدة صاحبتي جارتي في العمارة.. قلب كياني كله وخلى الدم يجري في عروقي من الصدمة..
تليفوني رن وصاحبتي بتقولي بصوت واطي ومرعوب منى.. إنتي فين؟ الحقيني.. شريف جاب ناس ومقاولين ونازلين تكسير وبُنى فوق السطوح.. وبيقول للناس إن الأوضة دي مش لأخته.. ده هيعمل شقة كاملة فوق السطوح عشان يتجوز فيها!
التليفون وقع من إيدي.. والصدمة شلت حركتي.. شريف مش بس بيعاند.. ده قرر يكسرني بأكتر طريقة توجع أي ست..
يا ترى شريف فعلاً هيتجوز؟ ولا دي لعبة عشان يلوى دراعي وأرجع غصب عني؟ وأنا هعمل إيه في الخطوة الجاية؟.. وفكرة الشقة اللي فوق السطوح دي وراها إيه بالظبط؟
حكايات_مني_السيد
أنا فضلت واقفة مكاني في وسط الصالة، والكلمات اللي سمعتها في التليفون بتلف في دماغي زي السكاكين. شقة فوق السطوح؟ جواز؟ شريف اللي عيشت معاه سنين وعارفة إنه حريص على القرش ومبيخطيش خطوة إلا بحساب، رايح يدفع دم قلبه في بُنى ومقاولين بس عشان يكسر عيني ويجيب عليا ضرة؟
حازم أخويا دخل الصالة وشافني بالمنظر ده، وشي مخيرجش منه نقطة دم والتليفون واقع على الأرض. جِه عليا بسرعة ومسكني من كتافي في إيه يا منى؟ اتكلمي يا بنتي.. شريف عمل إيه تاني؟
نطقت بالعافية، والنبرة اللي طالعة مني كانت مرعوبة بس مليانة غل شريف بيسقف السطوح يا حازم.. جاب مقاولين ونازل تكسير.. بيقول في المنطقة إنه بيبني شقة عشان يتجوز فيها.
حازم عروق وشة برزت وعينيه اسودت من الغضب يتجوز؟ على خيبته القوية؟ بقى بيستقوى عليكي وبيتفشخر بفلوسه اللي حارمك منها؟ والله ما هسيبه، أنا رايحله العمارة دلوقتي وأهد البُنى ده على دماغه ودماغ اللي جابوه!
أمي جريت ومسكت في هدوم حازم وهي بتبكي بلاش يا حازم.. بلاش خناق ومشاكل يا ابني، هتروح تتبلى عليه في ملكه؟ الست ملهاش إلا بيتها، وهي اللي بدأت وشرطت شروط تقطم الظهر.
بصيت لأمي، ولأول مرة أحس إن طيبتها دي هي اللي بتضيع حقوقنا. قولت بصوت عالي
وثابت هز الحيطة لأ يا أمي! مش أنا اللي بدأت.. هو اللي بدأ بقالنا سنين.. هو اللي استرخصنا ودلوقتي بيبيع! اهدى يا حازم.. اقعد ومتروحش في حتة.
حازم بصلّي باستغراب أقعد إزاي يا منى؟ ده بيبني شقة عين جهارك قدام الناس عشان يكسر كرامتك وكرامتنا!
ابتسمت.. بس المرة دي كانت ابتسامة غامضة، ممزوجة بوجع وتخطيط. قعدت على الكرسي وقولتله شريف مبيحبش يخسر مليم واحد يا حازم.. شريف أجبن من إنه يتجوز ويفتح بيتين في الغلاء ده وهو لسه شايل هم أخته اللي ملهاش مكان. الحركة دي ملعوبة.. دي قرصة ودن عشان أروحله راكعة وأقوله حَقك عليا وأبوس إيده عشان ميتجوزش، وأوافق على دخول أخته وأنا جازمة فوق رقبتي.
حازم سكت وبدأ يفكر في كلامي يعني تفتكري بيمثل؟
رديت عليه حتى لو بيمثل أو ناوي بجد.. أنا مش هتحرك خطوة لورا. هو فاكرني زي الستات اللي بتخاف من كلمة جواز تاني فترجع لبيت جوزها مكسورة الجناح. أنا هروحله.. بس مش لوحدي.. ومش عشان أترجاه.
تاني يوم الصبح، لبست أحسن طقم عندي، وحطيت كحل في عيني عشان أداري قلة النوم، ولفيت طرحتي بمنتهى الشياكة. نزلت أنا وحازم، ورحنا على العمارة بتاعتنا.
أول ما وصلنا الشارع، سمعت صوت الخبط والرزع، وشوفت عربية نقل محملة رمل وطوب واقفة تحت البيت. الجيران أول ما شافوني، اللي دار وشه، واللي بصلّي بنظرة شفقة.. النظرة دي بالذات كانت هتموتني، بس رَفعت راسي ومشيت بثقة كأني ملكة داخلة قصرها.
طلعنا السلم، وبدل ما أدخل شقتي اللي في الدور الثالث، طلعت علطول على السطوح.
المنظر فوق كان يفرس. عمال شايلين قصاع أسمنت، وطوب مبيّض بيترص، وشريف واقف في النص حاطط إيده في جِنابه وبيدي أوامر للمقاول بمنتهى الفخر. وأخته.. أخته الكبيرة كانت قاعدة على كرسى خشب في جنب، باصة للأرض ووشها باين عليه الهم والكسوف.
أول ما رجلي عتبت السطوح، العمال سكتوا، وشريف لف وبصلي. شوفت في عينيه لمعة انتصار مفاجأة، كأنه بيقول لنفسه أهي جِت وراكعة وزي ما أنا عايز.
عدل وقفته وتقدم خطوتين، وقال بنبرة كله تريقة منورة يا مدام منى.. أخيرًا جيتي تشوفي بيتك الجديد؟ ولا جاية تباركي؟
حازم كان هيتقدم يضربه، بس مسكت إيد أخويا وجرّيت نفسي ووقفت قدام شريف بالظبط. بصيت حواليا على الطوب والرمل، وقولت ببرود تام مبروك يا شريف.. خطوة ممتازة.. السطوح فعلاً كان محتاج يتنظف ويتعمل فيه حاجة مفيدة بدل الكراكيب.
شريف وشه اتغير، الانتصار اللي في عينيه اتهز إنتي فاهمة أنا ببني هنا إيه؟ أنا مش بنظف.. أنا بعمل شقة كاملة.. شقة لعروسة جديدة هتدخل البيت ده وتعرف الأصول وتعرف إزاي تحترم جوزها وأهله.
بصيت لأخته اللي قاعدة، وقولت بصوت مسموع للكل والله يا شريف العروسة الجديدة تنور.. بس أنا بسأل نفسي سؤال.. إنت هتمضيها على وصل أمانة بالشبكة والمؤخر كام؟ عشان تعمل حسابها من دلوقتي إنك لما تزهق منها هتبني فوق السطوح اللي فوقيها وتجيب الثالثة.
شريف زعق منى! لِمي نفسك وماتسوقيش فيها.. إنتي جاية هنا ليه طالما بايعة؟
قربت منه أكتر، ووطيت صوتي بس النبرة كانت حادة زي الموس أنا جاية أقولك.. إني رفعت عليك قضية تمكين من الشقة اللي تحت.. الشقة دي من حقي وحق عيالي لو فيه عيالأو شقتي كزوجة طالما مفيش طلاق رسمي، والمحامي قالي إن القانون معايا طالما البيت لسه قايم وإحنا مطلقناش. ف ابنِ براحتك يا شريف.. وادفع للمقاولين.. وشطب العروسة الجديدة.. بس الشقة اللي تحت دي.. مفيش مخلوق هيعتبها.. ولا حتى أختك.
أخته أول ما سمعت الكلمة دي، قامت من على الكرسي وجريت علينا وهي بتعيط يا منى يا بنتي.. والله العظيم أنا ماليش ذنب.. أنا قولتله بلاش يخرب بيته، وأنا مستعدة أقعد في أي أوضة أو أرجع عند أختي الثانية.. متزعليش مني يا بنتي، بيتك أولى بيكي.
شريف مسك أخته من دراعها بعصبية اسكتي أنتِ يا أختي متتذليش لحد! البيت
بيتي وأنا حر فيه! وبصلي بغل قضية تمكين؟ إنتي بتهدديني بالقانون في بيتي؟
حازم رد عليه والقانون ده معمول للناس اللي زيك يا شريف.. اللي مبيعرفوش الأصول بالود.. بنعرفهالهم بالمحاكم. أختي مش هترجع هنا إلا وراسها فوق، والشغل اللي بتعمله ده مش هيحرك فيها شعرة.
شريف بص للمقاول وللعمال اللي واقفين يتفرجوا، وحس إن برستيجه في المنطقة بيموت. زعق فيهم شوفوا شغلكم أنتو! مفيش توقيف!
بصيتله للمرة الأخيرة وقولت شطب كويس يا عريس.. عشان لما المحكمة تحكم بالتمكين.. يمكن أحب أطلع أهوي نفسي فوق في الشقة الجديدة.. سلام يا شريف.
لفيت ضهري ونزلت أنا وحازم، وأنا نازلة على السلم كنت حاسة بنبضات قلبي سريعة جداً. أنا قوية قدامه، بس من جوايا كنت بتقطع.. السنين اللي ضاعت مع راجل بالدناءة دي كانت بتوجعني.. بس خلاص، مفيش عياط تاني.
عدى أسبوع.. الخناقة بقت حديث المنطقة كلها. الناس كلها بتتكلم عن منى اللي وقفت لجوزها ورفعت قضية، وعن شريف اللي بيبني فوق السطوح عنادًا فيها.
وفي يوم، وأنا قاعدة مع أمي في المطبخ بنعمل غدا، الباب خبط. حازم كان برة، فقمت أفتح أنا.
أول ما فتحت الباب، اتصدمت. مكنش شريف.. كانت أم شريف.. حماتي!
الست الكبيرة اللي دايماً كانت واقفة في صف ابنها، ودايماً كانت تشوف إن كلامه هو اللي صح وإن الست لازم تستحمل وترخي. كانت واقفة وساندة على عصايتها، ووشها مليان كسرة وتعب.
أهلاً يا طنط.. اتفضلي قولت الكلمة بحذر.
دخلت الست الكبيرة، وأمي أول ما شافتها رحبت بيها بحرارة وطيبة قلبها المعتادة يا مرحب يا أم شريف.. نورتي البيت.. اتفضلي يا حبيبتي.
قعدت حماتي على الكنبة، وبصتلي ونزلت دموعها أنا جاية ومكسوفة منك يا منى يا بنتي.. وعارفة إن ابنِ غلط في حقك وحق والدتك.. بس أنا جاية أترجاكي.. بلاش خراب بيوت.
قولتلها بهدوء هو ابنك ساب فيها بيت يا طنط؟ ابنك بيبني فوق السطوح عشان يتجوز عليا لمجرد إني قولت كرامة أمي غالية.
حماتي هزت راسها بالنفي وقالت كلام خلاني أتجمد في مكاني جواز إيه يا بنتي! شريف مبيمنيش شقة عشان يتجوز.. شريف ملوش عين يتجوز أصلاً.. شريف في مصيبة!
أمي وأنا بصلنا لبعض بذهول. أمي سألتها مصيبة إيه يا أم شريف؟ خير؟
حماتي شهقت بالبكاء وقالت البيت اللي أنتو قاعدين فيه ده.. شريف كان واخد عليه قرض كبير من البنك من سنتين عشان يدخل في تجارة مع واحد صاحبه.. والتجارة خسرت وصاحبه هرب برة البلد. البنك بعت إنذار بالحجز على العمارة كلها! شريف بيبني الشقة اللي فوق السطوح دي عشان يبيعها نص تشطيب لواحد برة المنطقة وياخد فلوسها يسدد بيها القسط المتأخر قبل ما البنك يطردنا كلنا في الشارع! هو قال للناس إنه بيتجوز عشان ميفضحش نفسه ويقول إن بيته محجوز عليه.. وأخته جت تقعد معاه لأنها باعت شقتها وعطتله فلوسها عشان يساعده في القرض.. البيت كله بيقع يا منى!
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. شريف مش بيبني عشان يتجوز.. شريف بيغرق! والبيت اللي أنا رافعة عليه قضية تمكين.. ممكن ميبقاش ملكنا أصلاً بعد كام شهر!
بصيت لحماتي وأنا مش مصدقة.. الغرور والثقة الكدابة اللي كان واقف بيهم فوق السطوح كانوا مجرد قناع بيداري بيه خيبته وفقره ومصيبته.
حماتي مسكت إيدي وهي بترتجف بوس إيدك يا بنتي.. اقفي جنبه.. شريف لو اتفضح والعمارة راحت إحنا كلنا هنترمى في الشارع.. أرجوكي يا منى.
الدموع اتجمعت في عيني.. ووقفت في حيرة تنهش في عقلي..
هل أسيبه يغرق ويشيل شيلته لوحده بعد كل اللي عمله فيا وفي أمي؟ ولا أقف معاه عشان العشرة والبيت اللي عيشت فيه.. بس لو وقفت معاه.. كرامتي اللي رجعتها هتروح فين؟ وشروطي اللي حطيتها هتدوب في وسط المصيبة دي؟
وفجأة.. تليفوني رن برقم غريب.. رديت والصوت كان غريب ومخيف أيوة.. معايا مدام منى؟ جوزك شريف في المستشفى العام.. حصله حادثة على الطريق وهو راجع من المقاول.. وحالته خطيرة!
التليفون وقع من إيدي للمرة الثانية.. بس المرة دي.. الدنيا كلها اسودت في عيني..
يا ترى شريف هيعيش؟ والمصيبة دي هتنتهي على إيه؟ والبيت اللي بيقع ده مين اللي هيشيله؟
تابعوا الفصل الرابع لمعرفة باقي الأحداث المشتعلة..
حكايات_مني_السيد
الدنيا لفت بيا، وصوت الراجل في التليفون بيتعاد في ودني زي الصدى.. شريف في المستشفى بين الحيا والموت؟ المصايب لما بتيجي مبتقدمش إنذار، بتنزل فوق الروس تكسرها.
حماتي أول ما شافت تليفوني وقع ووشي اتقلب، صرخت ولمت رجليها تحتها ابني! شريف جرى له إيه يا منى؟ انطقي يا بنتي!
قلتلها وأنا برعش والدموع نزلت غصب عني شريف عمل حادثة يا طنط.. في المستشفى العام.
المطبخ اتقلب مناحة في ثواني. أمي بقت تصوت وتدعي له، وحماتي مبقتش قادرة تقف على رجليها. كلمت حازم أخويا جالي جري بالعربية، وأخدنا أنا وأمي وحماتي وطيرنا على المستشفى. طول الطريق وأنا باصة من شباك العربية، دماغي مبتقفش عن التفكير. سبحان مغير الأحوال.. من كام ساعة كنت واقفة قدامه بندب في بعض، ودلوقتي رايحة له وأنا مش عارفة هشوفه تاني ولا لأ. الزعل والحقد اللي كان في قلبي ناحيته اتبخر في لحظة، ومبقاش فيه غير الخوف.. الخوف من الفراق، والخوف من الدخلة دي. مهما كان، ده جوز العشرة، والست الأصيلة متفرحش في الشماتة حتى لو
مظلومة.
وصلنا المستشفى، الريحة هناك لوحدها تقبض القلب. جرينا على الطوارئ، وعلمنا إنه جوه في غرفة العمليات بقاله ساعتين. أخته الكبيرة كانت هناك، أول ما شافتني جريت عليا وحضنتني وهي بتبكي سامحيني يا منى.. أخويا كان هيضيع عشان يداري خيبته ويشيل همي.. يا رب قومه بالسلامة.
قعدنا في الطرقة على كراسي جلد مقشرة، الساعات كانت بتمر كأنها سنين. حماتي قاعدة بتسبح وأمي بتدعي له من قلبها.. أمي اللي شريف كسر بخاطرها، هي أكتر واحدة كانت بتدعي له بصوت عالي يا رب ارجعه لمراته وبيته، يا رب ميتّموش ولا تكسر بظهره. بصيت لأمي وحسيت بالفخر إني بنت الست دي.. الست اللي قلبها أبيض ومبتعرفش تشيل غل.
بعد حوالي أربع ساعات، باب العمليات اتفتح والدكتور خرج والتعب باين عليه. جرينا عليه كلنا خير يا دكتور؟ طمنا!
الدكتور مسح وشه وقال الحمد لله.. عدى مرحلة الخطر. الحادثة كانت شديدة، وعنده كسور في الحوض والرجل الشمال، وشروخ في الضلوع.. بس النزيف وقف. هو هيفضل في العناية المركزة تحت الملاحظة ٢٤ ساعة، وبعدها هيتنقل أوضة عادية. ادعوا له.
حماتي سجدت في الأرض تبكي من الفرحة، وأنا حسيت بنَفَس طويل خرج من صدري بعد ما كان مكتوم. شريف عاش.. ربنا عطاله فرصة ثانية.
بعد يومين، شريف اتنقل أوضة عادية. كان شكله يوجع القلب.. متجبس من كل حتة، خراطيم محاليل في إيده، ووشه فيه جروح وخدوش ضيعت كل ملامح الكبرياء والغرور اللي كان واقف بيهم فوق السطوح.
دخلت له الأوضة لوحدي بعد ما حماتي وأخته خرجوا. أول ما شافني، عينيه دمعت.. دار وشه الناحية الثانية كأنه مكسوف يبص في عيني.
قربت منه، وقعدت على الكرسي اللي جنب السرير، ومسكت إيده السليمة. كانت دافية بس بترعش.
قولتله بصوت هادي حمد الله على سلامتك يا شريف.. كفارة إن شاء الله.
لف راسه ببطء، وبصلي ونبرة صوته كانت مكسورة ومبحوحة جاية ليه يا منى؟ مش إنتي رفعتي قضية تمكين؟ مش سيبتيني ومشيتي وقولتي ورقتي تجيبها معاك؟
نزلت دمعة من عيني ومسحتها بسرعة أنا سيبتك وأنت قوي وقادر وبتفتري.. بس في المرض والمصيبة مسبكش يا شريف. أنا منى.. الست اللي صانت بيتك وعشرتك سنين، مش اللي بتشمت وتبيع في أول وقعة.
شريف غطى عينيه بإيده وبدأ يبكي بنشيج قطع قلبي أنا خسرت كل حاجة يا منى.. العمارة هتروح.. والفلوس راحت، وأنا بقيت عاجز ومش هعرف أتحرك ولا أسدد القرض.. أنا اتقطمت يا بنت الناس.
شلت إيده من على عينه وقلتله بثقة مفيش حاجة ضاعت طالما الروح لسه في الجسد. الفلوس بتيجي وتروح، والعمارة غار في داهية الطوب طالما إنت وسطنا وسطينا. طنط حكت لي كل حاجة يا شريف.. عرفت موضوع القرض وموضوع أختك.
شريف بصلي بذهول وعرفتي ومشتيتيش؟
رديت عليه لأ ممشيتش. . وأزيدك من الشعر بيت.. حازم أخويا كلم محامي صاحبه شاطر في قضايا البنوك، وقاله إننا ممكن نعمل إعادة جدولة للقرض ونرفع قضية على صاحبك اللي هرب ونثبت الشراكة، وبكده البنك هيوقف الحجز لحد ما القضية تفصل.. يعني فيه أمل.
شريف مكنش مصدق.. بص للباب وشاف أمي داخلة وفي إيدها ترمس فيه شوربة دافية. أمي قربت من السرير وابتسمت بطيبتها المعهودة حمد الله على سلامتك يا ابني.. شد حيلك كده عشان تقف على رجليك والبيت ينور بيك تاني.
شريف بكي بحرقة، وأخد إيد أمي وباسها سامحيني يا أمي.. حقك عليا.. أنا كنت أعمى وبقابل طيبتك بقساوة.. أنا أسف.
أمي طبطبت على راسه متقولش كده يا بني.. إنت زي حازم، والمسامح كريم.. أهم حاجة صحتك.
عدى شهرين.. شريف خرج من المستشفى وقاعد في البيت على كرسي متحرك لحد ما يعمل علاج طبيعي. العمارة متباعتش.. الشقة اللي فوق السطوح اتشطبت نص تشطيب وحازم ساعد شريف إنه يأجرها إيجار قديم بمبلغ محترم أخدوه ودفعوه مقدم للبنك عشان يثبتوا جدية الجدولة، والحجز اتوقف فعلاً.
أخته الكبيرة قاعدة معانا في الشقة اللي تحت، بس المرة دي برضايا وبحب. الست بقت شايلاني من على الأرض شيل، ومبتعملش خطوة في البيت إلا لما تستشيرني، وأنا بقيت بعاملها زي أختي الكبيرة بالظبط.. المحنة قربت النفوس وصفّت القلوب.
وفي يوم الجمعة.. البيت كان مليان بريحة المحشي والبط. أمي وحازم كانوا معزومين عندنا. شريف كان قاعد على الكرسي في الصالة، وأمي قاعدة جنبه بتناوله الشاي وبتضحك معاه. حازم واقف مع شريف بيتابعوا أوراق المحامي وبيرتبوا الشغل الجديد اللي شريف هيعمله من البيت على الكمبيوتر لحد ما يخف.
دخلت الصالة وفي إيدي أطباق الفاكهة، شريف بصلي ونادى عليا منى.. تعالي عايزك في كلمة.
قربت منه خير يا شريف؟
طلع من جيبه علبة قطيفة صغيرة، وفتحها.. كان فيها خاتم دهب رقيق. مسك إيدي ولبسهوني وقال قدام أمي وحازم الخاتم ده مش تمن وقفتك جمبي.. لأن وقفتك ملهاش تمن. ده بس تفكيرة إنك غالية أوي.. وإن البيت ده من غيرك كان هيبقى خرابة.. أنا كتبت نص العمارة باسمك يا منى.. مش عشان حازم شرط عليا.. لأ.. عشان دي الحقيقة.. البيت ده نصيبه واقف على كرامتك وصبرك.
أمي زغرطت، وحازم ابتسم وطبطب على كتف شريف. أنا بصيت في عين شريف وشوفت فيها الراجل اللي اتعلم الدرس بجد.. الراجل اللي عرف إن الست مش مكملة عدد، وإن الأصول مبتتجزأش، وإن
اللي يبيّع مراته أهلها.. بيبيع نفسه.
حضنت أمي وبست راسها.. وعرفت إن كرامة الأم لما بتصونها البنت.. ربنا بيرجع لها حقها تالت ومتلت. قفلت باب شقتي وأنا حاسة إن الهوا بقى نظيف، وإن الحكايات اللي بدأت بكسرة.. انتهت بأقوى نصر.. نصر الكرامة والأصول.
تمت بحمد الله..


تعليقات
إرسال تعليق