حماتي صبغت شعر بنتي ج 1 حكايات انجى الخطيب
حماتي صبغت شعر بنتي ج 1 حكايات انجى الخطيب
حماتي صبغت شعر بنتي اللي عندها 6 شهور وبوظت فروة رأسها وموتتها من الرعب.
لحد دلوقتي إيدي بتترعش لما دخلت وشوفت بنتي ومنظرها صعب قدامي ولما سالت حماتي لية كدا لية حطتيتي كيماويات على شعر طفلة مكملتش ٦ شهور لسة .. قالت بمنتهي البرود : “أنا كنت عايزة شكلها يبقى مقبول بدل ما هي وحشة ومتتشافش بصتلها وانا منهارة وكل اللي عملتة انها سابتني شايلة بنتي اللي بتروح مني ومشيت وكاننا ملناش قيمة …..
. بنتي “ليلى” جت بعد حمل صعب، حمل من النوع اللي بتتعلمي فيه تدعي ربنا بس عشان تاخدي نفسك براحتك. أنا “مريم”، بنت من منطقة شعبية، بشرتي قمحاوية وشعري كيرلي بس ملامحي حلوة .. جوزي “أحمد” أبيضاني وعيونه ملونة، ابن ناس اغنية ، الناس دي غيرنا بيضحكوا في الوش، بس بيقيموا الناس على حسب نوع العربية، والمنطقة اللي ساكنين فيها، ومدرسة العيال.
كنت بحاول أتعايش مع الكل، إلا أمه، “طنط نادية”.
من يوم الخطوبة وهي بتبصلي َكأني داخلة البيت من باب الخدامين . احمد اتجوزني غصب عنها وعشان هو ابنها الوحيد خافت تزعلوا وقالت اهي لعبة هيلعب بيها شوية وبعد كدا هيزهق ويرميها…
في الأول ما كانتش بتغلط فيا صراحة، بس كلامها كان زي السم ليا من تحت لتحت كلام زي …
- شعرك ده غريب يا مريم.. بيغلبك في التسريح، صح؟”
– هو حمد ابني كدا طول عمره ذوقه غريب.”
– يا حبيبتي ما تزعليش، بس العيلة عندنا كلها طالعة ببشرة فاتحة وملونين زي الأجانب مش زيكوا .
– قاريبي لما شافوكي قالوا دي من السودان صح
– ما تحطي كريمات تفتيح يا مريم لبشرتك يمكن تفتح شوية….
#انجي_الخطيب
أحمد كان دايماً في صفي، يمسك إيدي تحت السفرة، ويقول لأمه بلاش الكلام ده، دي مراتي وليها احترامها. بس نادية ما كانتش بتبطل، دايما كان كلامها عامل زي السم في العسل..
يوم ما كتبنا الكتاب الكل بارك لنا، الا هي:
قالت “ألف مبروك.. بجد كنت فاكرة الموضوع مجرد نزوة وهتعدي.”
وجعتني، بس بلعت الكلمة. قلت مع الوقت هتتقبلني.
بعد الجواز بفترة حصل الحمل…
قلنا الخبر يوم جمعة في عزومة عائلية .. الكل فرح، وحمايا “عم صبري” عينه دمعت، وأحمد حضني كأن الدنيا بتبدأ من جديد.
نادية قامت فجأة ودخلت المطبخ. روحت وراها قلت يمكن متأثرة، لقيتها واقفة عند الحوض وعنيها طالع منها شرار.
— “يا طنط نادية، حضرتك كويسة؟”
بصتلي وقالت: “لا، مش كويسة. حفيدي ما كانش المفروض يجي منك.”
نفسي اتخنق، قلتلها: “دي بنوتة يا طنط.”
ضحكت بسخرية: “وقالت أصعب.. بنت هتكون شبهك مسمرة في وسط عيلتنا البيض طب يارب على الأقل تاخد عيون ابوها ميبقاش من كلة “
ما ردتش عليها ، مشيت وأنا قلبي مكسور من كلامها . أحمد عرف بالليل وحاول يقطع علاقتة بأمة وياخد موقف ، بس أنا، قولتلة لا طبعا دي امك مهما عملت فيا مينفعش تقطع علاقتك بيها ، قلتله اصبر، يمكن لما ليلى تيجي، قلبها يحن.
بس للاسف طلعت غلطانة.
ليلى اتولدت قمر بشرة قمحية بس عيونها ملونة زي أبوها، وشعر كيرلي زيي . بالنسبة لي كانت مثالية، بالنسبة لحماتي كانت ” مش حلوة وقالت..
— “بصي يا مريم، العيون دي على الشعر ده؟ حرام بجد.”
— “شعرها منكوش، احلقيلها زيرو عشان يطلع عدل.”
كنت دايماً بوقفها عند حدها، وأحمد كمان، عشان كدة عمرنا ما سيبناها معاها لوحدها.
لحد يوم الثلاث اللي فات.
أمي عملت حادثة على طريق صلاح سالم، كسر في الإيد وخبطة في الراس. أبويا كان منهار، كنت لازم أروح فوراً، وما ينفعش آخد ليلى معايا وسط الطوارئ.
أحمد كان في شرم الشيخ في شغل، كلمته قاللي: “سيبيها ساعتين عند أهلي، وأنا هركب أول طيارة وأجيلك.”
كنت خايفة، قلبي كان مقبوض، بس عم صبري حلفلي إنه هيكون في البيت، وأنا كنت في حالة لا يعلم بيها إلا ربنا.
#انجي_الخطيب
سبت ليلى نايمة في الكرسي بتاعها، ولفتها بالبطانية حماتي كانت مبتسمة ابتسامة غريبة: “ما تقلقيش يا مريم، أنا عارفة أربي عيال ما انا مربية ابوها اهو .”
خمس ساعات عدوا كأنهم سنين في المستشفى. لما خلصت، كان أحمد وصل من المطار، وصلنا سوا لبيت أهله.
رنيت الجرس.. ما فيش حد.
رنيت تاني، النور كان منور.
اتصلت بحماتي 4 مرات، ما ردتش.
بدأت أخبط على الباب بجنون ، وفجأة عم صبري وصل وفتح بالمفتاح. طلعت بجري على السلم وأنا بصرخ باسم بنتي.
دخلت الأوضة لقيت حماتي واقفة فوق ليلى، بتحاول تصحيها.
بنتي كانت وشها أحمر ومتورم، بتعيط بصوت مكتوم، شعرها كان واقع وعليه بودرة صبغة، وجلد راسها كان طالع عليه بقع حمراء.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
— “إيه اللي عملتيه ده؟!”
#انجي_الخطيب
حماتي وهي إيديها غرقانة بودرة تشقير، ردت ببرود كأنها بتتكلم عن بقعة على فستان:
— “أنا بس كنت عايزة أساعدها.. أهو يبقى شكلها مقبول شوية ولايق مع عنيها الملونة “
ما كنتش أعرف إن اللي جاي أسوأ بكتير لما روحنا ب بنتي المستشفى …..
دخلت المستشفى زي المجنونة، شايلة ليلى في حضني وهي بتصرخ صرخة مكتومة، جسمها كله بيترعش بين إيديا. أحمد كان ورايا بيجري، وشه أصفر وشايفه الرعب في عينه لأول مرة. أول ما الممرضين شافوا منظر ليلى، الدنيا اتقلبت في الطوارئ، خدوا البنت مني بسرعة ودخلوها أوضة الكشف، وأنا وقعت على الأرض مش قادرة أقف، صوت عياطي كان مالي المكان.
قعدت على الكرسي قدام أوضة الكشف، مش حاسة بالدنيا، كل اللي فاكراه ريحة الكيماويات اللي كانت طالعة من راس بنتي، وشكل فروة رأسها اللي كانت ملتهبة ومورمة بشكل يرعب. أحمد كان رايح جاي في الطرقة، تليفونه في إيده ومبيفصلش، بيكلم حد، بيرجع يكلم تاني، صوته عالي ومخنوق، وفجأة شفته بيبصلي بصه كسرت قلبي، بصة حد عرف الحقيقة كاملة.. قرب مني وقعد جنبي، إيده بتترعش وهو بيحاول يمسك إيدي، صوته كان مكسور: “مريم.. الدكتور بيقول إن الصبغة اللي حطتها دي من الأنواع الرخيصة جداً وبتركيز عالي، فروة راسها حصلها حروق كيميائية.. ليلى محتاجة تتحجز في العناية، الجلد محتاج عناية خاصة عشان ميبقاش فيه أثر دائم”.
حسيت بطلقة في قلبي.. بنتي، اللي عندها 6 شهور، بنتي اللي مكنتش بتعرف تقول غير “أه” و “أوه”، دلوقتي في عناية مركزة بسبب حقد واحدة مريضة! قمت وقفت ووشي بيجيب ألوان، مش قادرة أسيطر على الغضب اللي بيحرق دمي، “أحمد.. أمك لازم تدفع تمن اللي عملته ده، أنا مش هسكت، دي مش غلطة، ده كان تعمد!” أحمد بصلي بجمود، ولقيته بيمسح دموعه اللي كان مخبيها عني، وقام وقف وقال بصوت كله غل: “أمي فاكرة إنها فوق القانون، وإنها بمكانتها دي هتعرف تغطي على قرفها، بس المرة دي هي خبطت في أغلى حاجة عندي.. ليلى”.
خرج الدكتور بعد ساعة، وشه ميبشرش بخير، “الطفلة مستقرة بس الألم شديد، والجلد محتاج وقت ومراهم غالية جداً ومتابعة يومية، إنتوا محتاجين تعملوا محضر باللي حصل ده عشان التقرير الطبي، الحالة دي تعتبر تعدي جنائي”. الكلمة دي كانت زي رصاصة في صدري.. محضر ضد حماتي؟ ضد ست البيت اللي كنت بحاول أرضيها طول عمري؟ أحمد مسك إيدي وبصلي نظرة حزم، “هعمل المحضر يا مريم، وهدخلها الحبس لو لزم الأمر، كفاية لحد هنا، كفاية ذل وكفاية إهانة”.
في اللحظة دي، تليفون أحمد رن، كانت “نادية”. بصيت للتليفون وسمعت صوتها بيطلع منه ببرود مستفز وهي بتقول: “أحمد، أنت فين؟ البيت مكركب وشعر البنت كان هيطلع جميل لو كنتوا سيبتوني أكمل.. خلصتوا وراكم وجايين ولا لسه؟”. أحمد بصلي، وخد نفس عميق، وفتح الاسبيكر وقال بصوت ثابت مرعب: “أنا في القسم يا أمي، ومستنيكي تيجلي عشان تشرحي للضابط ليه حاولتي تشوهي حفيدتك بصبغة كيماوية، جهزي نفسك.. لأن دي المرة الأخيرة اللي هتشوفي فيها وشنا، وليلى مش هتلمسيها تاني طول ما أنا عايش”. قفل السكة، وسابها تصرخ في التليفون، وخدني ودخلنا أوضة ليلى، وهي نايمة والضمادات مغطية راسها، وأنا حلفت يمين قدام ربنا، إن اللي حصل ده هيكون بداية نهاية كل حد أذاني، وبنتي دي، هخليها ملكة، ومش هسمح لأي “كيماويات” ولا أي “سموم” تانية تقرب منها طول ما فيا نفس.
…….
أحمد سحبني من إيدي وخرجنا من المستشفى، وعيني كانت على ليلى وهي نايمة بين الأجهزة، قلبي بيتقطع عليها، بس كان فيه نار جوايا بتزيد، نار عايزة تحرق كل اللي فكر يأذي بنتي. وصلنا القسم، وكان عم صبري واقف قدام الباب، وشه في الأرض، بيحاول يكلم أحمد، بس أحمد كان سد، عيونه مفيهاش أي رحمة، لأول مرة أشوفه كدة، ولا كأنه ابنه اللي اتربى على إيد الست دي.
دخلنا الضابط، وبدأنا نسرد اللي حصل، كنت بطلع الكلام من قلبي، دموعي كانت بتنزل بس صوتي كان طالع قوي لاول مرة، حكيت عن كل كلمة سم، عن كل مرة حاولت أهينني فيها، عن ليلى اللي دخلت العناية بسبب “شكلها اللي مش عاجبها”، الضابط بص لأحمد بذهول وهو بيقرأ التقرير الطبي، “دي جري..مة يا أستاذ أحمد، ده مش إهمال، ده تعمد إيذاء طفلة”.
ما كملناش ساعة إلا وكانت نادية داخلة القسم، داخلة بكل كبريائها، لابسة أغلى ما عندها، وباصة لنا باحتقار، كأننا احنا اللي عملنا مصيبة، ولما شافت الضابط والظرف اللي في إيده، اتغير ملامحها، بس لسه فيها الغرور: “أحمد؟ إيه المسرحية دي؟ أنت واخد مراتك دي وجاي تشتكي أمك عشان شوية صبغة؟ دي طفلة يا جماعة، كنت بصلحلها عيوب خلقتها”.
الكلمة دي كانت القشة اللي قسمت ضهر البعير، أحمد قام من كرسيه، صوته هز حيطان القسم: “انتي مريضة يا نادية، مريضة حقد وكره، دي مش بنتي، دي روحك اللي انتي شوهتيها، ومستعدة تبيعيني وتبيعي حفيدتك عشان بس كبرياؤك يرضى.. أنا مش بس هعمل محضر، أنا هحرمك مننا للأبد، لا هتسألي فينا ولا هتدخلي بيتنا، والبيت اللي انتي فاكرة إنك بتتحكمي فيه، هيتغير فيه كل حاجة”.
نادية بصتلي، بصة غل وحقد، وقالت بصوت واطي ومسموع ليا بس: “أنتي اللي عملتي فيه كدة، خلتيه يبيع أهله عشان حتة خدامة”، ردت عليها وعيني في عينها، لاول مرة مش خايفة: “الخدامة دي يا طنط هي اللي هتربي بنتها على الحب والقبول، مش على العنصرية والسموم اللي في قلبك، بنتي طلعت أحلى منك ومن عيلتك كلها، لأن جمالها طالع من جواها، مش من صبغة ولا لون بشرة”.
خرجنا من القسم، وأحمد أخدني في حضنه وسط الشارع، ولأول مرة أحس إني مراتي بجد، مش مجرد حد داخل يكمل ديكور بيتهم. ركبنا العربية، وروحنا ليلى، وقفت قدام مراية العربية، وشفت مريم اللي اتحملت كتير، مريم اللي قررت إنها تعيش عشان ليلى، مش عشان ترضي حد، وأحمد مسك إيدي وقال: “مش هنرجع البيت ده تاني يا مريم، هنبدأ حياتنا من جديد، في مكان ليلى فيه هتكبر وهي عارفة إنها غالية، وإن جمالها في اختلافها، مش في معايير أمي المريضة”.
بصيت لبيتنا من بعيد، وحسيت إن كل وجع السنين اللي فات، كان مجرد تمن عشان أتحرر، عشان بنتي تعيش حرة، وعشان أحمد أخيرًا يشوف الحقيقة بعينه. الدنيا لسه صعبة، وليلى لسه محتاجة علاج، بس لأول مرة، حسيت إننا عيلة بجد، عيلة قوية، ومحدش يقدر يكسرنا تاني، ولا حتى “نادية” بكل جبروتها.
حكايات انجى الخطيب
حماتى صبغت شعر بنتي ج 2 حكايات انجى الخطيب
مرت السنين، وليلى دلوقتي عندها خمس سنين، بقت طفلة زي الوردة، عيونها الملونة بتنور وشها القمحي، وشعرها الكيرلي بقى تاجها اللي بتفتخر بيه. دخلت مدرسة انترناشونال، وشخصيتها قوية، محدش يقدر يقلل منها ولا يكسر ثقتها في نفسها.
أحمد بقى أب مثالي، شغله كبر وبقى ليه كيانه المستقل بعيد عن تجارة أبوه، وبقى بيعاملني بتقدير وحب بيعوضني عن كل ثانية وجع عشتها. بقينا أنا وهو فريق واحد، ليلى في وسطينا هي النور اللي بيوجهنا، علمناها إن الجمال مش “أبيض ولا أسود”، الجمال هو إننا نكون “حقيقيين”.
في يوم، كنت ماشية في المول أنا وليلى، وفجأة شفت ست كبيرة، وشها مليان تجاعيد، ماشية ببطء، ملامحها مألوفة جداً.. “نادية”. وقفت متسمرة في مكاني، كانت بتدور بعينيها على حاجة، وفجأة عينيها وقعت علينا. ليلى كانت لابسة فستان أبيض، وشعرها الكيرلي متسرح بطريقة تخطف القلب، كانت ملاك ماشي على الأرض.
نادية وقفت، ملامحها اتغيرت، للحظة شفت في عينيها ندم، للحظة تانية شفت انكسار، كانت بتبص لليلى وكأنها بتشوف معجزة ضيعتها بإيديها. ليلى بصتلي وقالت ببراءة: “ماما، الست دي بتبصلي ليه كدة؟ هي عايزة حاجة؟”
بصيت لنادية، لا لقيت كره، ولا غل، ولا حتى رغبة في الانتقام، لقيت بس شفقة. ابتسمت لليلى وقلت لها: “لا يا حبيبتي، هي بس معجبة بجمالك المميز.”
نادية حاولت تقرب، إيدها كانت بتترعش، بس قبل ما تاخد خطوة، أحمد ظهر من ورايا، مسك إيدي وبص لنادية نظرة باردة، نظرة غريب، وكأنها مش أمه، وسحبني أنا وليلى وكملنا طريقنا.
ما التفتش لورا، ولا فكرت في اللي حصل، لأن اللي فات مات، والوجع اللي كان في فروة راس ليلى وهي صغيرة، بقى مجرد ذكرى بتفكرني أنا ليه بحب بنتي وبحميها.
الدرس اللي اتعلمته في حياتي، واللي دايماً بقوله لليلى، إننا مش محتاجين نغير ملامحنا ولا أصولنا عشان نرضي حد، لأن اللي بيحبنا بجد، هيشوف فينا الجمال اللي غيرنا بيحاول يداريه بصبغة أو بمظاهر كدابة.
نادية كملت طريقها، وأنا كملت حياتي، ومعايا أغلى ما أملك، أحمد وليلى، بطلة قصتي اللي رغم كل شيء، طلعت أقوى وأجمل بكتير من كل التوقعات. انتهت الحكاية، بس الحقيقة اللي طلعت بيها إن “البيت مش حيطان ولا عيلة كبيرة، البيت هو المكان اللي بتلاقي فيه نفسك.. وأمانك.”
……..
بعد ما نادية اختفت من حياتنا تماماً ومبقتش حتى مجرد طيف بيطاردني في أحلامي، الحياة خدت شكل تاني خالص، شكل فيه سكي..نة حقيقية. بيت صغير، فرش بسيط بس دافي، ريحة أكلنا اللي بنحبه، وضحكة ليلى اللي بقت تملى كل ركن في الشقة.
ليلى دخلت المدرسة وبدأت تكون شخصيتها، وأجمل حاجة فيها إنها طالعة واثقة في نفسها. في مرة، وهي عندها 8 سنين، رجعت من المدرسة عينيها مدمعة، سألتها في إيه، قالتلي: “يا ماما، في واحدة في الفصل قالتلي شعرك ده غريب ومختلف، ليه مش زي البنات اللي في التلفزيون؟”
قلبي وجعني للحظة، افتكرت كلام حماتي وسمومها، بس مسكت نفسي وبصيت في عينيها الملونة اللي بتنور الدنيا، وخدتها في حضني وقلتلها: “يا ليلى يا حبيبتي، الناس أنواع، والجمال مش نسخة واحدة مكررة. لو كل الناس شبه بعض، الدنيا هتبقى مملة جداً. شعرك ده زي التاج، مفيش حد عنده زيه، ده خصلات متميزة زيك بالظبط.”
يومها ليلى سكتت، وبعدها بفترة لقيتها هي اللي بتسرحه وبترسم خصلاتها بكل فخر، وبقت هي اللي بترد على أي حد يتنمر عليها بذكاء وهدوء، كأنها ورثت مني القوة اللي اكتسبتها من التجربة دي.
أحمد بقى مبيفوتش فرصة إلا ويقولي فيها إنه فخور بيا وبليلى، وإن حياته قبلنا كانت “أبيض وأسود” ودلوقتي بقت ملونة. حتى عم صبري، اللي كان بيجي يزورنا كل فين وفين، اتغير تماماً؛ بقى بيشوف ليلى بيشوف فيها “الروح” اللي كانت مفتقداها عيلته، وبقى بيعتذر لي عن كل كلمة قاسية اتقالت في حقي، وأنا كنت بقابله بابتسامة، لأن الغل مكنش مكانه قلبي أبداً.
ساعات لما بنقعد أنا وأحمد ونبص لليلى وهي بتذاكر أو بتلعب، بنبتسم لبعض، نظرة مليانة حكايات. الوجع اللي كان في بدايتنا خلانا نقدر قيمة “الستر” وقيمة “الحب الحقيقي” اللي مش مشروط بمركز أو مظهر.
بنتي ليلى، اللي كان حد عايز يغير ملامحها عشان تليق بمقاييسه المريضة، كبرت وبقت أجمل طفلة في الدنيا، مش بس بملامحها، لا، بروحها اللي متعلمتش تكره، وبقلبها اللي بقى حصن لأي حد بيحبها. وأنا مريم، اللي كانت “بنت منطقة شعبية” في نظرهم، بقيت بطلة حكاية نفسي، عرفت إن الكرامة مش بتداس، وإن اللي بيمد إيده على طفلة عشان يغيرها، هو اللي في الآخر بيطلع خسران، خسران أثمن حاجة في الدنيا.. العيلة، والحب، والقبول.
الحكاية خلصت، بس كل يوم بنصحى فيه، بنحمد ربنا على النعمة اللي إحنا فيها، نعمة إننا أحرار، نعمة إننا “إحنا”، وبس.
………
السنين بتمر زي لمح البصر، وكأنها كانت اختبار لقوة الروابط اللي بينا. ليلى دلوقتي بقت صبية في الجامعة، طول بعرض، وجمالها بقى جمال طبيعي من غير أي رتوش، شعرها الكيرلي سابته على طبيعته، وبقت بتلبس اللي يليق عليها مش اللي الناس عايزاه. بقت دكتورة واعدة، حلمها مش بس النجاح، حلمها كانت رسالة بتوصلها لكل أم ولكل طفلة قابلتها في رحلتها: “انتي جميلة زي ما أنتي”.
في يوم من الأيام، وأنا قاعدة بقلب في ألبوم صور قديم، لقيت صورة لليلى وهي لسه رضيعة، بملامحها البريئة. أحمد جه وقعد جنبي، حط إيده على كتفي وبص للصورة بابتسامة هادية. “كنتي خايفة عليها أوي اليوم ده يا مريم، خايفة أكتر من أي حاجة في الدنيا.” رديت عليه وأنا بمسح على شعره اللي بدأ يغزوه الشيب: “كنت خايفة لأن دي كانت معركتي الأولى عشان أحمي كرامتنا يا أحمد. لولا التجربة دي، يمكن كنا فضلنا عايشين في دايرة تانية.”
فجأة، جرس الباب رن. كانت ليلى داخلة، جاية من كليتها، وشها منور بالضحكة اللي بتملا البيت دفء. وقفت قدامنا وقالت: “يا جماعة، مش هتصدقوا مين قابلته النهاردة في المستشفى.” استنيت، قلبي دق دقة غريبة. ليلى كملت بهدوء: “قابلت جدتي نادية.”
البيت سكت تماماً. أحمد بص لي، وأنا بصيت لليلى. كملت هي: “كانت مريضة جداً، ومحدش جنبها. لما عرفت مين أنا، بصتلي بصة غريبة أوي، مش بصة كره، ولا حتى حقد.. كانت بصة انكسار وشوق. طلبت مني أسامحها، وقالت لي إنها طول عمرها كانت بتدور على السعادة في المظاهر، وطلعت هي أكتر واحدة كانت محتاجة للحب اللي أنا وأمي لقيناه في بعض.”
أحمد قام وقف، وشاف ليلى وقالت لها: “وانتي يا ليلى؟” ليلى ابتسمت ابتسامة الواثق: “أنا سامحتها يا بابا، مش عشانها، عشان قلبي ميشيلش تقل لغيري. وسامحتها عشان أثبت لنفسي إن الوجع اللي عشته وأنا طفلة، علمني أكبر درس: إن الغفران هو اللي بيخلينا أحلى، وإن الحقد مش بيعمل غير عجز.”
نادية ماتت بعد الواقعة دي بفترة قصيرة، سابت وراها دروس كتيرة لينا كلنا. مش بس دروس عن المظاهر، لكن دروس عن قيمة كل لحظة بنقضيها مع اللي بنحبهم.
النهاردة، وأنا قاعدة في البلكونة وببص على الشارع، بشوف ليلى وهي نازلة، واثقة في خطوتها، رافعة راسها للسما، عرفت إن اللي بنيته مكنش بيت ولا عيلة، كان “بنيان” لروح بنتي. مريم، البنت اللي كانت “مش من مستواهم”، قدرت تخلق مستوى جديد خالص: مستوى الكرامة، والحب غير المشروط، والأمان اللي ملوش تمن.
الحكاية انتهت بجد المرة دي، والبيت اللي كان دايماً خايف، دلوقتي بيتنفس حب. وأنا عرفت أخيراً، إن “الجمال” الحقيقي هو اللي بيطلع من قلب حقيقي، مش من قزازة صبغة أو نظرة عيون مريضة.
تمت
حكايات انجى الخطيب


تعليقات
إرسال تعليق