القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

في مطار القاهرة



في مطار القاهرة


كنت واقفة في مطار القاهرة، ماسكة بوكيه ورد مستنية أهلي، وفجأة شفت جوزي بيبوس واحدة تانية وكأن جوازنا ده مكنش ليه وجود أصلاً. قبل الموقف ده بتلات ساعات، كان باعتلي رسالة من سنغافورة بيقولي إنه وحشتيني. في اللحظة اللي شفته فيها خارج من صالة كبار الزوار في مطار القاهرة وهو حاضن الست دي، أدركت إن أكبر كڈبة في حياتي انكشفت خلاص.

أنا اسمي نور، ولحد بعد الظهر ده، كنت فاكرة إن جوزي ياسين بيلف العالم عشان شغله بيجبره على كده.

كنت غلطانة.

كنت واقفة بره صالة الوصول الدولية، ماسكة بوكيه ورد أبيض وأصفر عشان أهلي اللي راجعين من أول إجازة ليهم بره مصر من ساعة عملية الركبة اللي عملها بابا، وكنت مېتة من الفرحة عشان أعملهم مفاجأة.

وفجأة.. شفت ياسين.

في الأول عقلي رفض يصدق. قولت أكيد ده شبهه. نفس الشعر الأسود، نفس الجاكيت الكحلي، ونفس المشية الواثقة.

وبعدين لف ناحيتي.

كان هو. جوزي.

نفس الجاكيت اللي أنا اللي مطبقاه وحطاه في شنطته من 8 أيام. نفس الابتسامة اللي وقعت في حبها. والست اللي معاه مكنتش زميلة شغل خالص.. كانت ساندة عليه وكأنها ملكية خاصة. حط إيده على وسطها، وباسها من وشها ومن شفايفها، قدام الناس كلها ببرود أعصاب غريب تحت أنوار المطار.

قبلها ب 3 ساعات، بعتلي رسالة

سنغافورة حر مۏت والاجتماعات مابتخلصش، وحشتيني يا حبيبتي، قولي لماما تخبيلي حتة مكرونة بالبشاميل.

يومها ابتسمت وأنا بقرا الرسالة. دلوقتي، الابتسامة دي حسيت إنها تخص واحدة تانية خالص غيري.

الأسوأ من البوسة، إنه مابصش حواليه حتى. كان ماشي في المطار كإنه راجل معندوش أي حاجة ېخاف منها.

مصرختش، ولا جريت وراه. بهدوء طلعت موبايلي وكإني بقرأ رسالة، وخدت صورة.

وشه كان باين جداً، وإيده وهي محاوطة وسطها كانت أوضح. سيفدت الصورة.

بعد عشرين دقيقة، أهلي ظهروا من بوابة الوصول. ماما حضنتني، وفضلت حاضناني وقت أطول من العادي.

شكلك زي القمر يا نور، قالتلي بصوت حنين.

رديت وأنا بحاول أبتسم وانتي كمان يا ست الكل.

كانت حاسة إن فيه حاجة غلط، هي دايماً بتحس بيا، بس مسألتش.

طريق البيت كان عادي بشكل يقرف. بابا بيضحك وبيحكي عن نضارته اللي ضاعت في إيطاليا، وماما بتشتكي من قهوة الطيارة. وأنا كنت بجامل في الكلام، بينما عقلي كان بيعيد بناء ال 6 شهور اللي فاتوا في جوازي.

سنغافورة.. دبي.. لندن.. هونج كونج.. كوالالمبور.

سفريات شغل كتير.. أعذار أكتر.. وعمره ما فكر يعزمني أسافر معاه ولا مرة.

بعد الغدا، ركنت عربيتي في محطة بنزين هادية وسبت نفسي للاڼهيار. ظبطت التايمر على 4 دقايق، عيطت فيهم أكتر ما عيطت في حياتي كلها. ريبيت المشهد في دماغي تاني؛ البوسة، الرسالة، وكل كڈبة صدقتها من غير تفكير.

لما التايمر خلص، مسحت وشي. وبدأت أوثق كل حاجة. التاريخ، الساعة، المطار، كان لابس إيه،



وهي كانت لابسة إيه. كل تفصيلة.

جدتي كانت دايماً تقول الۏجع اللي في الذاكرة بيخف مع الوقت، لكن الحقيقة المكتوبة بتعيش.

كتبت كل حاجة. وبعدين دخلت على سيستم حجز ال VIP بتاع العيلة، اللي كنت أنا اللي بديره بقالي سنين ومكنتش باخد بالي من السجلات.

عملت سيرش باسم ياسين. قلبي وقف.

استخدم اشتراك العيلة 17 مرة في ال 6 شهور اللي فاتوا. أنا مكنتش أعرف غير عن 4 سفرات بس!

في ال 11 مرة التانية، كان مسجل معاه ضيفة.

اسمها فانيسا رشدي. عملت سيرش عنها.. مستشارة تسويق، عايشة في القاهرة، شيك جداً وجميلة.

لقيت صورة ليها من 8 شهور، واقفة في لاونج المطار ومعاها كاس شامبين، بتضحك للكاميرا.. وانعكاس ياسين كان باين في الإزاز اللي وراها.

سيفدت كل الاسكرينات.

لما روحت البيت، دخلت مكتب ياسين لأول مرة بإحساس الشك بدل الثقة. لقيت فواتير مطاعم رومانسية كان بيقولي إنه سهران فيها لوحده في المكتب، ولقيت كروت غرف فنادق.. 3 أرقام غرف، واسم مكتوب بخط الإيد فانيسا.

صورت كل حاجة ورجعت كل حاجة مكانها بالظبط. وبعدين اتصلت بابنة عمي ليلى.. مكنتش مجرد قريبة، كانت أشطر محامية خلع وطلاق في مصر.

ردت ببهجة إيه أخبار المطار يا نور؟

غمضت عيني وقلت بصوت واطي ليلى.. أنا عايزكي تردي عليا بصفتك محاميتي.. عشان أنا متأكدة إن جوزي عايش حياة تانية خالص.

سكتت فترة طويلة.. وبعدين صوتها اتغير تماماً وقالت نور.. اياكي تلمسي أي حاجة تانية لحد ما أجيلك.

لم تنتظر ليلى أكثر من نصف ساعة. كانت تقف أمام باب شقتي وفي يدها حقيبة جلدية صغيرة، وعيناها تلمعان ببريق مهني حاد، بعيداً عن صلة القرابة التي تجمعنا. بمجرد أن دخلت، لم تطلب قهوة ولم تسأل عن أهلي، بل أغلقت الباب بإحكام، نظرت إليّ وقالت نور، أخبريني بكل شيء، ولا تتركي تفصيلة واحدة مهما بدت تافهة.

سردتُ لها كل شيء من رسالة سنغافورة إلى صورة المطار، وصولاً إلى اكتشافي لاسم فانيسا رشدي في سجلات ال VIP. ليلى كانت تدوّن ملاحظات سريعة في مفكرة صغيرة، وبعد أن انتهيت، لم تبكِ معي، بل بدأت في التحرك.

ياسين ليس مجرد خائڼ، نور. إنه يعيش حياة مزدوجة منظمة بشكل مريب، قالت ليلى وهي تفتح جهاز اللابتوب الخاص بها. أن يقوم بحجز رحلات VIP باسم العائلة، فهذا يعني أنه مطمئن تماماً لغبائك أو ثقتك العمياء. وهذا هو خطؤه الأكبر. لقد ترك بصمات رقمية لا يمكن مسحها.

على مدار الأيام الثلاثة التالية، لم يظهر ياسين في البيت. ادعى أنه عاد من سنغافورة مباشرة إلى فرع الشركة في الإسكندرية لإنهاء أزمة طارئة. كنت أتظاهر بالهدوء عبر الهاتف، أكلمه بصوت ناعم، بينما ليلى وفريقها التقني كانوا يخترقون عالم ياسين السري.

اكتشفت ليلى أن فانيسا رشدي ليست مجرد مستشارة تسويق، بل هي ابنة رجل


أعمال نافذ، وشريكة خفية في شركة استيراد وتصدير يديرها ياسين من الباطن. لم يكن يسافر للسياحة، كان يغسل أموالاً غير مشروعة ويقوم بصفقات تجارية ضخمة خلف ظهري، مستغلاً اسم عائلتي في تبييض سمعته.

في اليوم الرابع، عاد ياسين. دخل المنزل بابتسامته المصطنعة، يحمل في يده علبة شوكولاتة فاخرة من سنغافورة التي اشتراها بوضوح من السوق الحرة في مطار القاهرة.

اشتقت لكِ يا حبيبتي، قال وهو يحاول احتضاني.

رجفتُ من لمسته، لكنني استجمعت كل ذرة من كبريائي. انسحبتُ بهدوء وابتسمت ابتسامة باردة لم يفهم معناها. حمد لله على السلامة يا ياسين. ارتح قليلاً، سنحتاج للحديث لاحقاً.

في المساء، دعوت ليلى ووالديّ بعد أن أخبرتهما بالحقيقة كاملة، مما أصاب أبي بوعكة صحية شديدة بسبب الصدمة، لكنه أصر على الحضور، وجلستُ في الصالون. كان ياسين يجلس واثقاً، حتى دخلت ليلى ومعها ظرف سميك.

ألقت ليلى الصور والوثائق على الطاولة الزجاجية.

ياسين، هل تعرف هؤلاء؟ سألت ليلى ببرود.

تجمدت ملامح ياسين. حاول التماسك، ضحك باستهزاء ما هذا؟ هل تجسستِ عليّ يا نور؟ هذه خصوصياتي!

الخصوصية انتهت عندما استخدمت أموال عائلتي واسمها في صفقات غير مشروعة مع فانيسا رشدي، قلتُ بصوت هادئ وقوي.

بدأتُ أنا بسرد الحقائق أعرف أنك لم تكن في سنغافورة، بل كنت في دبي تقضي عطلة معها. أعرف عن الحساب البنكي السري في جزر الكايمن الذي فتحته باسمها. وأعرف أنك كنت تخطط للطلاق مني بمجرد أن تنتهي من نقل أصول شركة والدي إلى شركتك الوهمية.

حاول ياسين الوقوف، كان وجهه أحمر من الڠضب والارتباك. أنتِ واهمة! سأدمركم جميعاً!

أنت لن تدمر أحداً، قاطعته ليلى بابتسامة سم، لقد أرسلتُ نسخة من هذه الوثائق للنيابة العامة وللشركاء في شركتك. أنت الآن لست في موضع قوة، أنت في موضع متهم. أمامك خياران إما التوقيع على أوراق الطلاق والتنازل عن كل قرش نهبته من حسابات العائلة، أو سأتركك تواجه القانون پتهم التزوير والاختلاس، وساعتها لن تنقذك فانيسا ولا أموالها.

الخروج من النفق

ساد صمت خانق. كان ياسين ينظر إلينا، يرى في أعيننا جميعاً نفس الشيء الاحتقار. أدرك أن ألعابه انتهت. أدرك أن تلك المرأة التي كان يراها ساذجة ومطيعة هي من حطمت إمبراطوريته الكاذبة في ساعات.

وقع الأوراق بيده المرتجفة. لم يقل كلمة اعتذار واحدة. غادر المنزل وهو يحمل فقط حقيبة ملابسه، طرده والدي من حياتنا للأبد.

الخاتمة

بعد عام من ذلك اليوم، أجلس الآن في مكتبي الخاص، أدير أعمال العائلة بنجاح أكبر مما كنت أتخيل. تعلمت أن الثقة ليست عمياء، وأن الحقيقة مهما كانت مؤلمة، فهي النور الوحيد الذي يخرجنا من الظلام.

سمعت أن ياسين يقبع الآن في محاكم القضايا التجارية، وفانيسا تبرأت منه بمجرد أن بدأت التحقيقات، وكأنهم لم يعرفوا بعضهم يوماً.

أما أنا، فقد تعلمت الدرس. الورد الذي كنت أحمله في المطار لم يذبله ياسين، بل كان بداية لحياة جديدة، عرفت فيها أنني لست مجرد زوجة لرجل خائڼ، بل أنا امرأة تستطيع بناء حياتها من بين أنقاض الكذب. لم أعد أنتظر أحداً في المطار، لأنني أصبحت أسافر إلى حيث أريد، وبشروطي الخاصة.

انتهت الحكاية، ولكن القوة التي استمدتها نور ستعيش معها دائماً.


تعليقات

close