القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

  سر عمري كاملة بقلم منال علي



جوزي عيط في حضني بحرقة عشان حبيبته القديمة فرحها النهاردة.. طبطبت عليه، وقلتله: بكرة هيبقى أحسن. هو فاكرني ملاك ومضحية، بس ميعرفش إن السرير اللي بنام عليه معاه، فيه تالت عايش معانا في خيالي، بتخيله مكانه في كل لحظة!

كنت قاعدة على طرف السرير، لسه مخلصة لملمة الهدوم اللي مبعثرة في الأوضة، لما دخل شريف، جوزي.

مكنش شريف بتاع كل يوم، اللي بيدخل يرمي مفاتيحه ويشتكي من زحمة الدائري وضغط الشغل.

مكنش الراجل الهادي، المتزن، اللي اتجوزته صالونات، بعد ما كل واحد فينا وصل لسن قالوا فيه: يا دوب نلحق نعمل بيت.

شريف دخل ورمى نفسه على الركبة اللي جنبي. وشه كان أحمر، وعينيه غرقانة دموع.

لأول مرة أشوفه بالضعف ده.

انهار فجأة، ومن غير مقدمات، لقى نفسه بيبكي بحرقة تكسر القلب.

مسك إيدي، كأنه طفل تايه في مول زحمة، وبيترجى أمه متسيبوش.

وفجأة، اعترف بكل حاجة.

النهاردة فرحها يا نادين... النهاردة نهى بتتجوز.

قال جملته دي، ودموعه نزلت زي السيل.

قعد يحكي ويحكي...

عن أول مرة شافها فيها في الجامعة.

عن لون الفستان اللي كانت لابساه يوم ما اعترف لها بحبه.

عن خروجاتهم في وسط البلد، والمطر بيغرقهم.

عن الوعود اللي كتبوها لبعض على مناديل ورقية في كافيهات قديمة.

وعن الوجع اللي عاشه لما أهلها رفضوه، عشان مكنش لسه جاهز.

كان بيتكلم بجوع، كأنه بقاله سنين كابت الكلام ده جوة صدره، ومصدق لقى ثغرة يطلعه منها.

أنا؟مكنش عندي أي ردة فعل.

مدمعتش.ما صرختش.

ماحستش بالغيرة القاتلة اللي المفروض تحس بيها أي ست بتسمع جوزها بيبكي على واحدة تانية في ليلة فرحها.

كل اللي عملته، إني حطيت إيدي على شعره، وبدأت أطبطب عليه ببرود عجيب، وبصوت هادي وناعم قلتله الجملة اللي حافظاها، وبقولها لنفسي بقالي سنين:

معلش يا حبيبي... ربنا يهونها عليك، بكرة هيبقى أحسن أكيد.

تاني يوم الصبح، صحيت في معادي الطبيعي.

الساعة سبعة.

قومت من جنب شريف، اللي كان نايم وتعبان من كتر العياط.

روحت المطبخ، عملت الفطار اللي بيحبه: البيض العيون، والتوست المحمص، والقهوة المظبوطة اللي بتعدل مزاجه.

نضفت الصالة، وشغلت الغسالة، وفتحت اللابتوب بتاعي عشان أبدأ شغلي الفريلانس من البيت.

لما صحي، اتفاجئ بوجودي الهادي والمنظم.

فطر، ونزل شغله، وهو باصصلي بنظرة مش فاهمها، نظرة تائهة بين الذنب والامتنان.

رجعت لشغلي، وتخلصت من الساعات ورا الساعات، وطبخت الغدا، وجهزت السفرة.

رجع شريف، واتغدينا في هدوء، مفيش فيه غير صوت المعالق وهي بتخبط في الأطباق.

كأن ليلة امبارح دي كانت مجرد كابوس، وتبخر مع الشمس.

بليل، وإحنا قاعدين قدام التلفزيون بنشرب شاي، شريف فضل باصصلي كتير.

كان باين عليه التردد، كأنه خايف يكسر الهدوء ده.

بس في الآخر مقدرش يستحمل، وسألني بنبرة مليانة قلق واستغراب:

نادين... هو إنتِ مش متضايقة مني؟ يعني... كلام امبارح... أنا آسف إني ضعفت قدامك، بس...

قطعت كلامه بابتسامة دافية تذوب أي شك، وقلتله وأنا بطبطب على كتفه:

لأ طبعًا يا شريف، مش متضايقة... ربنا يهون عليك وجعك، وبكرة هيبقى أحسن أكيد... متفكرش في اللي فات.

بقلم منال علي.

شريف بصلي، كأنه شايف قدامه ملاك نازل من السماء.

طار من الفرحة، وباس راسي، وقاللي إني أحسن زوجة في الدنيا، وإنه محظوظ بيا.

بس الحقيقة...

الحقيقة الصادمة اللي شريف ميعرفهاش، ومينفعش يعرفها أبدًا...

إني أنا...وويتبع


في اللحظة دي، حسيت إن جدران الصالة بتطبق على نفسي. الهوا اللي في الأوضة فجأة بقى شحيح وساقط كأنه جليد. الممر اللي كان ضلمة من شوية، وبيهرب منه شريف وهو نايم، اتملى فجأة بظله التقيل الطويل اللي كان مغطي على نص الصالة.

أنا مكنتش قادرة أتحرك. صوابعي كانت متجمدة فوق الكيبورد، وعينيا لسه مبرقة في الجملة الأخيرة من إيميل طارق: *”أنا رجعت يا نادين”*.

شريف خطى خطوتين بطيئة ناحيتي. صوت خطواته الحافية على السيراميك كان بيعمل صدى مرعب جوة وداني. انحنى شوية عشان يبص على الشاشة بوضوح أكتر، ملامحه كانت مشوهة بالدهشة، ميكس غريب بين النوم اللي لسه مالي عينيه، والفضول اللي بدأ يتحول لشك مرعب. بقلـم حكايات منـال علي

“مين طارق ده يا نادين؟”

كرر سؤاله تاني، بس النبرة المرة دي كانت أهدى.. والهدوء ده كان بيخوفني أكتر من الزعيق. الهدوء اللي بيسبق العاصفة دايماً.

أنا بلعت ريقي بصعوبة، وحسيت كأن حلقي فيه شوك. لفيت


رقبتي ببطء وبصيت له. حاولت بكل ما أوتيت من قوة وقدرة على التمثيل -القدرة اللي دربت نفسي عليها سنين- إني أرسم ملامح طبيعية ومستغربة على وشي.

“شريف.. إنت صحيت إمتى؟” قولت بصوت مهزوز بس حاولت أخليه هادي.

شريف ماردش على سؤالي. عينيه نزلت على التليفون اللي في إيدي، ومنه ل شاشة اللابتوب اللي كنت بحاول أقفلها ببطء من غير ما أثير شكوكه أكتر. بس هو لمح الحركة دي، ومسك إيدي فجأة. مسكته مكنتش عنيفة، بس كانت قوية لدرجة تمنعني من الحركة.

“أنا بسألك.. ومستني إجابة. مين طارق اللي باعتلك إيميل بيقولك فيه ‘أنا حاولت كتير أنساكي وماعرفتش’؟ ومين نادين اللي هو تعبان ومحتاج يشوفها لمرة واحدة بس؟”بقلـم حكايات منـال علي

عينين شريف كانت بتتحرك بسرعة بين عيني وبين الشاشة. النظرة الممتنة والضعيفة اللي كانت في عينيه امبارح وهو بيعيط على حبيبته، اتخرست تماماً وحل مكانها غضب راجل حاسس إن كرامته بتتهان في عقر داره.

أنا أخدت نفس طويل. كنت عارفة إن الكدب المباشر في الموقف ده هيوسع الفجوة، بس الحقيقة كاملة كانت هتهد البيت فوق دماغي ودماغه. كان لازم ألاقي مخرج يخليني أبان بريئة، وبسرعة مرعبة عقلي اشتغل عشان ينقذني.

“ده.. ده زميل قديم في الشغل يا شريف.” قولت ودموعي نزلت بجد، بس المرة دي دموع رعب وخوف مش وجع على طارق. “طارق ده كان مهندس معانا في الشركة القديمة قبل ما أسيبها من تلات سنين.”

شريف ساب إيدي ورجع خطوة لورا، حط إيده في وسطه وبصلي بشك: “زميل قديم باعتلك إيميل شخصي الساعة واحدة بالليل يقولك حاولت أنساكي ومش عارف؟ هو كان فيه إيه بينك وبينه يا نادين عشان يكتب الكلام ده؟ إنتي كنتي على علاقة بيه؟”بقلـم حكايات منـال علي

جملة “إنتي كنتي على علاقة بيه؟” نزلت عليا زي السكين. في اللحظة دي، افتكرت كلامي لنفسي امبارح: المجتمع اللي بيدي للراجل الحق ينهار على حبيبته القديمة، هو نفسه اللي هيصلب الست لو شكت مجرد شك في خيالها.

“علاقة إيه يا شريف؟! إنت بتقول إيه؟!” صرخت بصوت واطي عشان الجيران، بس نبرتي كانت مليانة قهر مصطنع وحقيقي في نفس الوقت. “إنت عارفني كويس وعارف أهلي.. أنا عمري ما كلمت ولد برة الشغل، وعمري ما سمحت لنفسي بكدة. طارق ده كان معجب بيا من بعيد في الشركة، ولما عرف إني هتجوز سافر وقطعنا أي كلام. أنا حتى ممسكتش إيده ولا خرجت معاه خروجة واحدة!”بقلـم حكايات منـال علي

“أمال الإيميل ده معناه إيه؟!” شريف زعق وهو بيشاور على الشاشة. “ده باعت كأنه بيكلم واحدة كانت شريكة حياته! ‘تعبان ومحتاج أشوفك’.. ده كلام يتبعت لواحدة متجوزة؟!”

“هو باعت من وراه قلبه يا شريف! أنا ذنبي إيه؟!” وقفت وواجهته وأنا بمسح دموعي بقوة. “هو اللي باعت، مش أنا اللي دورت عليه ولا أنا اللي كلمته! أنا كنت بشتغل، وفجأة جالي الإشعار ده وصدمتي ووجعي من جرأته عليا هي اللي خلتني أعيط! كنت بعيط عشان خايفة على بيتي، وخايفة تفهمني غلط.. والظاهر إن خوفي كان في محله!”



شريف فضل واقف مكانه، صدره بيعلو ويهبط بسرعة. الكلمات كانت بتخبط في دماغه. كلامي كان منطقي بنسبة كبيرة لمجتمع بيقيس الشرف باللمس والكلام الحركي، وأنا فعلاً عمري ما عملت ده. طارق كان خيالاً محضاً، قصة حب صامتة لم تتعدى العيون والإيميلات الرسمية.بقلـم حكايات منـال علي

بس وجع شريف مكنش بس من الشك.. وجعه كان من المقارنة اللي حصلت في دماغه فجأة.

بصلي ونبرة صوته اتغيرت تماماً، بقت حزينة ومكسورة: “يعني إنتي.. إنتي كمان كان فيه حد في حياتك؟”

هنا، الصالة رجعت تسكت تاني. السؤال ده كان هو لب الموضوع.

“كنتي بتصبريني امبارح وبتقوليلي بكرة هيبقى أحسن.. وإنتي نفسك محتاجة اللي يصبرك؟” شريف قالها وهو بيبتسم ابتسامة باهتة مليانة وجع. “كنتي بتسمعيني وأنا ببكي على نهى، وإنتي جواكي قصة تانية خالص؟ إنتي وافقتي تتجوزيني ليه يا نادين؟ عشان تنسي؟ ولا عشان تهربي؟”

كل كلمة من شريف كانت بتخبط في الحقيقة اللي دفناها بقالنا سنين. كنت عايزة أقوله: *أنا وافقت عليك عشان المجتمع قال إن ده الصح، وعشان إنت كمان كنت ‘جوازة مناسبة’، وعشان لما بكون معاك بتخيل طارق مكانك فبقدر أعيش!* بس طبعاً، لو قولت كدة، ورقة الطلاق هتكون جاهزة قبل الأذان.

“أنا اتجوزتك عشان لقيت فيك الراجل المحترم اللي يقدر يصونني يا شريف.” قولت بقوة وأنا باصة في عينيه مباشرة. “أنا عمري ما قصرت معاك في حاجة، وعمري ما قارنتك بحد. امبارح لما عيطت في حضني عشان حبيبتك، أنا وقفت جنبك وطبطبت عليك ومحاسبتكش على ماضيك ولا على خيانتك اللفظية ليا في ليلة فرحها. قولت ده ماضي وراح.. ودلوقتي إنت جاي تحاسبني على ماضي أنا حتى معشتوش؟ وعلى إيميل ماليش أي ذنب فيه؟”بقلـم حكايات منـال علي

شريف سكت. الكلمات ألجمته. حس بالذنب اللي كنت بحاول أزرعه جواه عشان أحمي نفسي. هو فعلاً لسه باكي بحرقة امبارح على واحدة تانية، فبأي حق يحاسبني على طيف راجل مر في حياتي من بعيد؟

لف وشه بعيد عني، ومسح جبهته بتعب. “أنا مش عارف أقولك إيه يا نادين.. بس الإيميل ده لازم يتمسح، والإيميل بتاعك القديم ده يتقفل تماماً.. ومبقاش عايز أسمع الاسم ده تاني في بيتنا.”

“حاضر يا شريف.. همسحه قدامك حالا.” قولتله بسرعة البرق وأنا بمسك الماوس وبضغط “دليت” للإيميل من غير ما أفكر مرتين. قفلنا الصفحة، وقفلنا اللابتوب.

شريف رجع الأوضة في صمت، وأنا دخلت وراه بعد شوية. نمنا على السرير، ضهرنا لبعض، ومفيش أي تواصل بيننا.

ساعتها، وأنا باصة للسقف في الضلمة، حسيت بوجع مرعب. طارق رجع.. ورجع يدور عليا. الخيال اللي كنت بهرب ليه من روتين حياتي مع شريف، بقى حقيقة بتهدد كل حاجة. وفي نفس الوقت، الوجع الأكبر كان إن طارق تعبان ومحتاج يشوفني.. وقلبي اللي كنت فاكرة إني لجمته، بدأ ينبض بقوة وعنف كأنه عايز يكسر ضلوعي ويطير ل برة.بقلـم حكايات منـال علي

عدى أسبوع على الليلة دي. الهدوء رجع للبيت، بس كان هدوء كاذب وبارد. شريف بقى بيعاملني بحذر، وأنا بقيت بحسب كل خطوة وكل كلمة. مكنتش بفتح اللابتوب غير وهو مش موجود، ومسحت كل الإيميلات القديمة فعلاً.. بس طارق مكنش في الإيميل، طارق كان عايش جوة دماغي أكتر من الأول.

في يوم، شريف نزل الشغل الصبح كالعادة. نزلت أنا كمان عشان أشتري طلبات للبيت من السوبرماركت الكبير اللي في أول الشارع. الدنيا كانت شمس والجو زحمة.بقلـم حكايات منـال علي

وأنا واقفة بختار حاجات، تليفوني رن. رقم غريب ومش متسجل عندي.

قلبي دق بسرعة غريبة، كأنه كان مستني المكالمة دي.

رديت بصوت واطي: “ألو؟”

جالي صوت دافي، نفس النبرة اللي كنت بسمعها في الممرات زمان بس كانت المرة دي مليانة لهفة وتعب:بقلـم حكايات منـال علي

“نادين.. أنا عارف إنك مسحتي الإيميل ومردتيش.. بس أنا كان لازم أوصلك. أنا واقف قدام السوبرماركت اللي إنتي فيه دلوقتي.. أرجوكي بصي وراكي.”

تلفوني كان هيقع من إيدي. التفت ببطء مرعب ورايا ناحية الباب الإزاز بتاع السوبرماركت..بقلـم حكايات منـال علي

ولقيت طارق واقف برة، لابس نضارته وباصص لي بنظرة كلها رجاء..

وبينما أنا واقفة متجمدة والوقت واقف بيا، لمحت عربية شريف وهي بتهدي فجأة قدام السوبرماركت عشان ينزل يجيب حاجة نسيتها!



ج الاخير


في الجزء من الثانية ده، عقلي اشتغل بأقصى سرعة ممكنة. شفت عربية شريف وهي بتركب على الرصيف، وشفت طارق واقف برة الإزاز عينه في عيني، ملهوف ومستني خطوة مني. لو فضلت واقفة مكاني، شريف هينزل، هيشوف طارق، وهيفتكر ملامحه من صور الشغل القديمة اللي كان شافها زمان، أو على الأقل هيحس بالارتباك اللي مالي المكان والبيت كله هيتهد فوق دماغي. بقلـم حكايات منـال علي

الخوف مكنش بس على بيتي، الخوف كان من المواجهة مع الحقيقة. الحقيقة الصعبة إني كنت متمسكة بـ “وهم” عشان أهرب بيه من واقع عادي.

أخدت نفس طويل، رميت سلة المشتريات من إيدي على أقرب رف، وطلعت برة السوبرماركت بسرعة قبل ما شريف يطفي الموتور وينزل. وقفت قدام طارق مباشرة.بقلـم حكايات منـال علي

طارق أول ما شافني قربت منه، عينيه لمعت بابتسامة دافية، الابتسامة اللي كنت بنام وأصحى أتخيلها: “نادين.. أنا مش مصدق إني شايفك..”

“امشي يا طارق.”

قطعت كلامه بنبرة حادة وصوت واطي جداً بس قوي زي الطلقة. الابتسامة اختفت من على وشه وحل مكانها ذهول: “نادين؟ أنا تعبت عشان أوصلك.. أنا رجعت عشانك!”بقلـم حكايات منـال علي

“عشاني أنا؟ ولا عشان البنت اللي في خيالك من


تلات سنين؟” بصيت في عينيه مباشرة ولأول مرة محستش بالشغف اللي كنت بتخيله، حسيت بس برعب وبشخص غريب واقف قدامي. “البنت اللي إنت بتتكلم عنها دي مبقتش موجودة. أنا ست متجوزة، وعندي بيت وراجل بيصونني وأنا بصونه. لو سمحت.. لو كان فيه بيننا أي احترام متبادل زمان، امشي حالا ومتورينيش وشك تاني.”بقلـم حكايات منـال علي

“بس إنتي مكنتيش سعيدة يا نادين.. أنا عارف..” طارق قالها وهو بيحاول يمسك إيدي.

سحبت إيدي بسرعة وبصيت ناحية العربية، شريف كان بيفتح الباب وبيعدل قميصه عشان ينزل.

“امشي يا طارق.. حالا!” قولتله وعيني بتلمع بدموع رجاء حقيقية. “امشي ومتخربش حياتي.”بقلـم حكايات منـال علي

طارق بص لملامح الرعب الحقيقية اللي في وشي، وبص للراجل اللي نازل من العربية وبيتجه ناحيتنا. أدرك أخيراً إن اللعبة انتهت، وإن الخيال اللي عيشنا فيه زمان ملوش مكان في الواقع. لف وشه وبدأ يختفي وسط زحمة الشارع بسرعة، كأنه طيف ملوش وجود.

في نفس اللحظة، شريف قرب مني. كان ماسك في إيده كيس صغير فيه علبة دواء كنت نسياها على السفرة الصبح.

“نادين؟” شريف قالها وهو بيبص حواليه بشك خفيف. “أنا جيت عشان أديكي علبة الدواء دي.. لقيتها على السفرة وكنتي محتاجاها. هو.. مين الراجل اللي كان واقف معاكي ده؟”بقلـم حكايات منـال علي

قلبي دق بسرعة، بس المرة دي الهدوء نزل عليا كأنه معجزة. بصيت لشريف، لملامحه التعبانة من الشغل، للراجل اللي حاول امبارح يفضفضلي بكل عيوبه وضعفه عشان بيثق فيا، الراجل اللي بيسعى عشان بيتنا يفضل واقف.

“ده.. ده واحد كان بيسأل عن مكان فرع البنك اللي في آخر الشارع يا شريف.” قولت بابتسامة هادية وأنا باخد منه كيس الدواء. “شكراً يا حبيبي إنك جيبتهولي.. تعبت نفسك.”بقلـم حكايات منـال علي

شريف بص في عيني كتير، كأنه بيدور على طارق، أو بيدور على أي كدبة. بس لقى عيني صافية ورايقة لأول مرة من سنين. مسك إيدي وقال بصوت دافي: “تعبك راحة يا نادين.. يلا عشان نرجع البيت سوا؟ أنا كدة كدة خلصت شغل بدري النهاردة.”

“يلا يا حبيبي.”

ركبت معاه العربية. وإحنا ماشيين في طريقنا، وشريف مشغل أغنية هادية في الراديو وبيسوق بهدوء، بصيت من الشباك على الشوارع والناس. حسيت كأن حمل جبل انزاح من على صدري.

أدركت في اللحظة دي حقيقة مهمة جداً؛ طارق اللي كنت بحبه وبتمناه وبتخيله مكان شريف، مكنش طارق الحقيقي.. كان “وهم” أنا اللي صنعته وزينته في خيالي عشان أهرب بيه من روتين الحياة التقليدية. طارق الحقيقي لما ظهر، خاف على نفسه وممشيش غير لما لقى بيتي هيتخرب. أما شريف.. شريف الحقيقي بكل عيوبه، وبكل ضعفه وبكائه على حبيبته القديمة، هو اللي واقف جنبي، هو اللي بيجيبلي دواي، وهو الواقع اللي بيحميني.بقلـم حكايات منـال علي

بصيت لشريف وقولتله فجأة: “شريف.. أنا بحبك.”

شريف اتفاجئ، بصلي وابتسم ابتسامة حقيقية طالعة من قلبه، ومسك إيدي بقوة وقال: “وأنا كمان بحبك يا نادين.. وفعلاً.. بكرة هيبقى أحسن طول ما إحنا مع بعض وبنسند بعض.”

جملة “بكرة هيبقى أحسن” المرادي مكنتش الجملة اللي بصبر بيها نفسي على الحرمان، كانت الوعد الحقيقي اللي هبدأ أعيشه.بقلـم حكايات منـال علي

في الحقيقة، يمكن نكون أنا وشريف متجوزناش عن حب أسطوري، ويمكن نكون دخلنا الجوازة دي وفي قلوبنا أشباح من الماضي.. بس الأكيد إننا قررنا النهاردة ندفن الأشباح دي ونقفل عليها بالتراب، ونعيش لبعض بجد. مش مهم مين فينا كان الضحية ومين الخاين في أفكاره.. المهم إننا اخترنا نكون لبعض في الحاضر والمستقبل.

والخيال؟ الخيال هيفضل مجرد حكايات بنحكيها لنفسنا في الضلمة، بس لما الشمس بتطلع.. مبيفضلش غير الواقع اللي بنبنيه بإيدينا.

**تمت**


تعليقات

close