حكايه جبل وقمر كاملة للكاتبه سهر محمد
حكايه جبل وقمر الجزء الاول للكاتبه سهر محمد
“إنتي اتجننتي؟ عايزاني ألبس فستان أختي اللي هربت يوم فرحها، وأدخل لـ ‘جبل الهواري’ مكانها؟ ده راجل مابيعرفش غير لغة الأوامر، عايزاني أكون كبش الفدا لفضيحتكم؟”
قمر صرخت والدموع بتحرق عينيها، بتبص لأمها اللي كانت قاعدة بتعيط بقلة حيلة. أبوها دخل الأوضة، وشه شاحب وكأنه كبر عشر سنين في ليلة واحدة، صوته كان مكسور وهو بيقول:
“الناس مالية السرايا تحت يا بنتي.. لو جبل عرف إن عروسته هربت، هيهد البيت ده على دماغنا كلنا وفضيحتنا هتبقى بجلاجل. استري علينا يا قمر، ده جواز على الورق لحد ما نشوف حل.”
قمر حست إن روحها بتنسحب منها. جبل الهواري.. الراجل اللي طول عمرها بتتحاشى حتى تبص في عينيه من كتر هيبته وصرامته.
لبست الفستان اللي كان تقيل على قلبها أكتر من جسمها. نزلت على السلالم زي اللي رايحة لحكم إعدامها، والكل بيباركلها وهما مش عارفين إنها العروسة البديلة.
في قصر جبل…
الباب اتقفل وراهم. المكان كان فخم جداً بس هادي بطريقة تخطف القلب. جبل قلع عبايته، ووقف يديها ضهره للحظات قبل ما يلف ويبصلها.
نظراته ماكانتش غضب ولا صدمة زي ما توقعت، كانت نظرات… ثابتة، غامضة، وفيها لمعة غريبة كأنه كان مستني اللحظة دي بفارغ الصبر.
”كنت متأكد إنهم هيبعتوكي إنتي.. عشان يداروا على خيبتهم.” صوته كان هادي، بس جواه جاذبية وقوة ترعب وتشد في نفس الوقت.
قمر بلعت ريقها بالعافية، وحاولت ترسم القوة على ملامحها وقالت بصوت مهزوز:
“أنا.. أنا هنا بس عشان أستر على عيلتي، زي ما بابا أكيد قالك. جوازنا هيبقى على الورق فترة وكل واحد يروح لحاله.”
جبل ضحك ضحكة رجولية هادية، وقرب منها بخطوات بطيئة، لحد ما وقف قدامها بالظبط. ملامحه القاسية لانت فجأة بطريقة خلت قلبها يدق بعنف، وميل عليها وهمس بصوت زلزل كيانها:
“جواز على الورق؟ وأبوكي مفهمك إن أختك هربت لوحدها؟”
قمر رفعت عينيها بصدمة، ونسيت خوفها للحظة: “قصدك إيه؟”
ابتسم ابتسامة جانبية فيها دهاء وانتصار، ومسك إيديها اللي كانت بترتعش بين إيديه القوية، وكمل بنبرة كلها شغف وتملك:
“أختك أنا اللي هربتها مع الواد اللي بتحبه.. أنا اللي خططت لكل ده من شهور، عشان أوصل للحظة دي. أنا عمري ما كنت عايز أختك يا قمر… أنا من الأول كنت عايزك إنتي، واللي جبل الهواري بيعوزه، بيخلق له طريق حتى لو هيقلب الدنيا عشانه. بس تفتكري بعد ما أخيرًا بقيتي في بيتي وعلى اسمي، هسيبك تمشي بالسهولة دي؟”
قمر اتسمرت مكانها، ووشها جاب ألوان.. كلامه كان زي الصاعقة اللي قلبت كل الموازين. إزاي خطط لكل ده؟ وليه هي بالذات؟ وإيه اللي جبل ناوي عليه بعد ما أوقعها في فخه بمزاجها؟
“إنت بتقول إيه؟!”
قمر رجعت لورا خطوتين، عينيها مفتوحة على آخرها والدم بيغلي في عروقها.
“أنت اللي خططت لكل ده؟ إنت لعبت بعيلتي وبأختي وبأبويا عشان… عشاني أنا؟”
جبل قرب منها بخطوات واثقة، ملامحه اللي كانت دايماً بترعب الكل، دلوقتي فيها حنية غريبة، حنية مربكة ومخيفة أكتر من قسوته.
“لعبت؟ أنا ما بلعبش يا قمر.. أنا بخطط. أختك كانت بتموت على الواد الخايب اللي هربت معاه، وأبوكي كان رافض ومصمم يجوزهالي. أنا بس.. سهلتلهم الطريق. فتحتلهم الباب اللي كان مقفول، عشان الباب التاني يتفتحلي وأجيبك إنتي هنا.”
قمر صرخت فيه ودموعها نزلت:
“إنت إنسان مريض! أناني! فاكر إنك لما تلوى دراع أبويا بفضيحته وتجبرني أتجوزك كأني صفقة، إني هحبك؟ أنا بكرهك يا جبل.. بكره جبروتك وغرورك ده!”
جبل ما اتهزش شعرة منه، بالعكس، ابتسامته وسعت وعينيه لمعت بتحدي بيعشقه. رفع إيده ببطء ومشى صوابعه الخشنة على خدها الناعم يمسح دموعها، قمر حاولت تبعد بس جسمها كان متخدر من قربه وهيبته.
“الكره ده بداية حلوة أوي يا قمر.. أحسن من البرود. الكره معناه إنك شايفة جبل الهواري وحاسة بيه، معناه إني شاغل تفكيرك. ومادام حاسة بيا، أوعدك إن الكره ده هيتحول لنار هتحرق قلبك لو غبت عنك لحظة. إنتي ليا يا قمر، من زمان أوي.. ودلوقتي بس بقيتي في مكانك الصح.”
سابها وخرج للبلكونة، وقمر قعدت على الأرض بفستانها التقيل، مش عارفة تبكي على حظها ولا على الراجل اللي قدامها ده اللي طلع مهووس بيها بالشكل ده.
طول الليل رفضت تنام على السرير، وفضلت قاعدة على الكنبة، وهو سابها براحتها تماماً، كأنه بيعطيها مساحة تستوعب الصدمة.
في الصباح…
الصبح طلع على قمر بجلابية بيتي واسعة، ملامحها مرهقة. جبل خرج من الحمام، قطرات الميه بتنزل من شعره الأسود الكثيف على ملامحه الرجولية القاسية. بصلها بنظرة طويلة وهو بيلبس ساعته، وراح ناحية الباب.
“انزلي افطري معايا.. مش عايز أسمع كلمة لا.”
قالها بنبرة أمر، بس عينيه كانت بتدور على أي رد فعل منها.
نزلت قمر بخطوات بطيئة، السرايا كانت كبيرة ومخيفة. دخلت غرفة السفرة، لقت “الحاجة رضوى” أم جبل قاعدة على رأس الطرابيزة.
بمجرد ما شافت قمر، بصتلها من فوق لتحت بقرف وقالت بصوت مسموع للخدم:
“أهلاً بست الحسن.. العروسة الاستبن. فاكرة نفسك هتبقي ست السرايا دي؟ ده إنتي جاية تسدي خانة فضيحة أختك، إحمدي ربنا إن جبل ابني رضي يستر عليكم.”
قمر دمعت وحست بكسرة نفس، لسه هترد وتدافع عن كرامتها، لقت صوت زلزل السفرة كلها خلى الخدم يترعبوا.
“قمر مش استبن يا حجة.. قمر هي ست السرايا، وتاج راس الكل هنا.. واللي هيبصلها بطرف عينه، أو يفكر يجرحها بكلمة، هنسى هو مين وهقلعها له!”
جبل كان واقف على باب الأوضة، عينيه بتطلع شرار. أمه سكتت بصدمة، وقمر قلبها دق بعنف.. أول مرة حد يدافع عنها بالقوة دي، وأول مرة تحس بالأمان في مكان كانت فاكراه سجنها.
جبل قرب منها، سحبها من إيديها قدام أمه وكل الموجودين، وطلع بيها على السلم بخطوات واسعة. دخلوا جناح مقفول في آخر الطرقة أول مرة تشوفه.
فتح الباب، وقمر وقفت متسمرة مكانها من الصدمة… الجناح كان نسخة طبق الأصل من المرسم اللي كانت دايماً بترسمه في خيالها وتكتب عنه في مذكراتها اللي ضاعت منها من خمس سنين! نفس الألوان، نفس اللوح الفاضية اللي مستنية ريشتها، حتى نوع الورد المفضل ليها مالي المكان.
”إيه ده؟” همست وهي مش مصدقة عينيها، وبتمد إيديها تلمس أدوات الرسم كأنها في حلم.
جبل وقف وراها، حوط وسطها بإيديه الاتنين برقة متتناقضة مع ضخامته، ودفن وشه في رقبتها، وهمس بصوت دافي دوب كل حصونها:
“ده حلمك اللي ضاع.. أنا بنيتهولك طوبة طوبة من خمس سنين. من اليوم اللي لقيت فيه مذكراتك وعرفت إني مستحيل أكون لغيرك. أنا كنت براقبك بتكبري قدامي يوم ورا يوم، وكنت مستني اللحظة اللي تبقي فيها مراتي.”
قمر لفت ببطء عشان تبصله، عينيها مليانة دموع وحيرة ومشاعر متلخبطة. قربت منه لدرجة إن أنفاسهم اختلطت، قلبها كان بيدق طبول، ولسه هتتكلم وتكسر حاجز الصمت… الباب خبط بقوة وعنف، وصوت “سالم” دراع جبل اليمين جاي من برا بيصرخ:
“يا جبل بيه.. يا جبل بيه.. إلحق!”
جبل شد على سنانه، وفتح الباب بغضب جحيمي: “في إيه يا زفت زلابيا إنت؟”
سالم بيبلع ريقه بخوف وبص لقمر ورجع بص لجبل وقال: “أبو العروسة.. الحاج عبد الرحمن.. جالنا السرايا دلوقتي، ومعاه مأذون، وبيقول إنه…”
جبل عروقه برزت، وقمر حطت إيديها على قلبها برعب.. يا ترى أبوها جاي ليه؟ وإيه اللي خلاه يجيب مأذون بعد ما اتجوزوا؟ وإيه السر اللي الحاج عبد الرحمن جاي يكشفه دلوقتي بالذات وهيقلب كل اللي جبل خططله؟
. حصري للكاتبه #سهر_محمد
“أبو العروسة جايب مأذون؟”
الكلمة طلعت من بين سنان جبل كأنها فحيح أفعى، ملامحه اللي كانت من ثواني غرقانة في العشق والحنية، اتحولت لبركان غضب جاهز ينفجر ويحرق الأخضر واليابس. ساب الباب، ونزل درجات السلم الطويلة بخطوات سريعة ومرعبة كأنه عاصفة هتهد السرايا على دماغ الكل.
قمر قلبها وقع في رجليها، حست إن روحها بتتسحب منها. مسكت ديل فستانها وجريت وراه حافية، مش قادرة تستوعب إيه اللي بيحصل. أبوها جاي يطلقها؟ بعد ليلة واحدة من جوازهم؟ طب ليه؟ وإزاي عرف إن جبل هو اللي ورا هروب أختها؟
في بهو السرايا الواسع…
الحاج عبد الرحمن كان واقف شامخ، رغم التعب والكسرة اللي كانت في عينيه امبارح، النهاردة واقف كأنه أسد بيدافع عن شرفه. جنبه المأذون قاعد على طرف الكرسي بيترعش من هيبة المكان واسم “جبل الهواري”. الحاجة رضوى (أم جبل) كانت واقفة بتبتسم بشماتة، كأنها مصدقت تلاقي حجة عشان تطرد قمر من السرايا.
جبل وصل لآخر السلم، ووقف قدام الحاج عبد الرحمن، حط إيديه في جيوب بنطلونه ببرود مخيف وقال بصوت واطي بس بيرجّ المكان:
“خير يا حاج عبد الرحمن؟ خطوتك عزيزة، بس دخول السرايا بمأذون الصبحية دي بدعة جديدة ولا إيه؟”
الحاج عبد الرحمن بصله بقوة، ورفع عكازه خبط بيه الأرض وقال بصوت مليان قهر وتحدي:
“بدعة إنت اللي خلقتها يا جبل بيه! فاكر إن فلوسك ونفوذك هيعموا عينيا عن الحقيقة؟ أنا بنتي التانية كلمتني الفجر.. حكتلي كل حاجة. حكتلي إزاي رجالتك أمنوا طريقها هي والزفت اللي هربت معاه، وإزاي إنت سهلتلهم السفر عشان تحطني قدام الأمر الواقع، وتجبرني أجوزك قمر عشان أداري على الفضيحة!”
شهقة مكتومة طلعت من قمر اللي كانت واقفة على السلم بتسمع كل حاجة.. أبوها عرف!
عبد الرحمن كمل بصوت بيتهدج من الانفعال:
“أنا يمكن راجل بسيط جنب نفوذك، بس بناتي أغلى من روحي. قمر مش بيعة وشروة يا جبل، ولا هي عروسة لعبة هتكسر عين أبوها بيها عشان تاخدها. المأذون ده جاي يفك الغمة دي.. بنتي هتطلق دلوقتي، وهترجع معايا بيتي معززة مكرمة، ولو هبيع هدومي عشان أسددلك أي خسارة هعملها!”
الحاجة رضوى ضحكت بسخرية وقالت:
“عين العقل يا حاج.. خد بنتك اللي ما تليقش بمقامنا، وريحنا من الليلة الكدابة دي!”
”امييييي!”
صرخة مدوية طلعت من جبل خلت السرايا كلها تتهز، والكل سكت كأن على روسهم الطير. عروق رقبته برزت، ولف لأمه بنظرة خلتها ترجع لورا بخوف، وبعدين رجع بص للحاج عبد الرحمن، بس المرة دي ملامحه اتغيرت.. الغضب اتبخر، وظهرت مكانه لمعة غريبة، لمعة عاشق مجنون مستعد يهد الدنيا عشان يثبت حبه.
”طلق؟” جبل نطق الكلمة وكأنه بيدوق طعمها المر، وقرب خطوة من الحاج عبد الرحمن، صوته نزل لدرجة الهمس بس كان مسموع للكل:
“الظاهر إنك مش فاهم يا حاج. أنا ما كسرتكش عشان أذلّك.. أنا عملت المستحيل عشان أطول النجمة اللي في سماك. قمر دي روحي اللي مسلوبة مني بقالها خمس سنين.. إنت فاكر إني ممكن أفرط في روحي بسهولة دي؟”
رفع عينيه وبص لقمر اللي واقفة على السلم بتبكي ومصدومة، عيونهم اتقابلت في نظرة طويلة، نظرة فيها ألف اعتراف واعتذار وشغف. جبل شاور للمأذون اللي كان بيترعش وقال بثبات:
“افتح دفترك يا مولانا.. بس مش عشان تكتب طلاق. إكتب ملحق لعقد الجواز.”
المأذون طلع القلم وهو متلخبط: “مـ.. ملحق إيه يا جبل بيه؟”
جبل بص لقمر، وعينيه ما نزلتش من عليها، وقال بصوت عالي وثابت:
“إكتب إن جبل الهواري بيكتب نص أملاكه، سرايته، وأراضيه، وشركاته باسم حرمه ‘قمر عبد الرحمن’.. مهر متأخر ليها. وإكتب إن العصمة بقت في إيدها.. لو حبت تطلقني وترميني بره جنتها، تقدر تعملها في أي لحظة.”
الصدمة ألجمت الكل. الحاج عبد الرحمن عينيه وسعت بذهول، والحاجة رضوى لطمت على صدرها بصمت، والمأذون القلم وقع من إيده. دي مش تصرفات جبل الهواري القاسي.. ده تصرف راجل متيم، مجنون، مسلم رقبته بكامل إرادته للي ملكت قلبه.
جبل سابهم كلهم، وطلع السلم ببطء لحد ما وقف قدام قمر. مسك إيديها اللي كانت متلجة، وباس باطن إيدها بعمق قدام أبوها والكل، وهمس لها بصوت بيدوب الحجر:
“أنا ما سرقتكيش يا قمر.. أنا حاربت الدنيا عشانك. ودلوقتي، أنا حطيت رقبتي وثروتي وكبريائي تحت رجليكي. لو شايفة إني أستاهل فرصة أثبتلك إنك ملكة قلبي، انزلي معايا وقولي لأبوكي إنك مرات جبل الهواري.. ولو شايفة إني لسه الوحش الأناني، العصمة في إيدك.. طلقيني، وامشي مع أبوكي، وأقسم بالله ما هرفع عيني فيكي طول ما أنا عايش.”
قمر كانت بتترعش، قلبها بيدق بسرعة جنونية كأنه هيخرج من ضلوعها. كل حاجة حواليها بتلف.. حب مجنون، تضحية غير متوقعة، وأبوها اللي واقف تحت مستني كلمتها.
نزلت عينيها لجبل اللي كان راكع على ركبة واحدة قدامها على السلم، باصصلها بنظرة رجاء أول مرة تظهر في عيون الصقر. خدت نفس عميق، ونزلت بخطوات بطيئة، كل العيون متعلقة بيها.. وقفت قدام المأذون، وبصت لأبوها، وبعدين لفت لجبل وقالت بصوت هادي بس واثق:
“أنا………”
…يتبع
صلوا على النبي في التعليقات.. وقولولي رأيكم في البارت الطويل ده! تفتكروا قمر هتقول إيه؟ هتختار ترجع مع أبوها بعد ما جبل سلمها كل حاجة؟ ولا هتختار تدي لجبل فرصة وتكون ست السرايا؟
متحمس للباقي شوف الجزء الثاني بسرعه
حكايه جبل وقمر الجزء الثاني للكاتبه سهر محمد
“أنا… أنا هفضل مرات جبل الهواري، وهكمل معاه يا بابا.”
الكلمة نزلت على السرايا كلها زي السكوت اللي بيسبق العاصفة. الحاج عبد الرحمن عينيه وسعت بصدمة، كأنه مش مصدق إن بنته الرقيقة، اللي كانت بتترعش من الخوف امبارح، واقفة دلوقتي بالثبات ده.
قمر سابت المأذون، وقربت من أبوها، مسكت إيده العجوزة وباستها بدموع محبوسة، وقالت بصوت قوي نابع من كرامتها:
“أنا مش هطلق يا بابا.. بس مش عشان خايفة من نفوذه، ولا عشان طمعانة في الفلوس اللي كتبها باسمي. أنا هفضل هنا عشان جبل بيه اداني الس*لاح اللي أحمي بيه نفسي.. العصمة في إيدي، يعني أنا قاعدة في السرايا دي بمزاجي وبإرادتي، مش غصب عني ولا كبش فدا لفضيحة حد. اطمن يا حبيبي، بنتك بميت راجل، ومحدش هيقدر يكسرها.”
جبل كان باصصلها، وصدره بيعلى ويهبط من كتر الأنفاس اللي كان حابسها. ملامحه اللي دايماً صارمة، ظهرت عليها ابتسامة إعجاب وفخر هزت كيانه من جوه. دي مش مجرد بنت بيحبها، دي ملكة تستاهل تتربع على عرش السرايا وقلبه.
الحاج عبد الرحمن بص لجبل نظرة طويلة، كلها تحذير، وقال بصوت خشن:
“سمعت كلامها يا جبل؟ بنتي قاعدة بإرادتها.. بس قسماً بالله، لو دمعة واحدة نزلت من عينها قهر، أو مسيت كرامتها بكلمة، لهقفلك ولو كنت مين!”
جبل قرب منه بكل هدوء واحترام، حط إيده على كتف الحاج عبد الرحمن وقال بنبرة مليانة يقين:
“دمعتها بكفر يا حاج.. ورقبتي سدادة لو في يوم قصرت معاها. قمر في عيني، ومفيش راجل بيأذي روحه.”
انسحب الحاج عبد الرحمن والمأذون، والباب الكبير اتقفل. وهنا، الصمت اتكسر بصوت “الحاجة رضوى” اللي ضربت كف على كف بذهول وغضب:
“يا مراري الطافح! بقى حتة عيلة زي دي تلوي دراع جبل الهواري؟ تاخد نص أملاكك وتبقى العصمة في إيدها؟ السرايا دي ليها كبير يا جبل، وإنت الظاهر عقلك طار!”
جبل لف لأمه، ونظرته رجعت قاسية زي الجليد:
“الكبير ربنا يا أمي. والسرايا دي مالهاش غير ست واحدة، وهي اللي واقفة قدامك دي. قمر خط أحمر، كلامها يمشي على الكبير قبل الصغير هنا.. وأي حد هيزعلها، السرايا دي هتبقى ضيقة عليه أوي، حتى لو كان أقرب الناس ليا.”
الكلمات كانت زي الرصاص، الحاجة رضوى سكتت وهي بتغلي من جواها، وبصت لقمر بنظرة توعد قبل ما تسيبهم وتطلع أوضتها.
جبل لف لقمر، عينيه كلها شغف ولهفة. مد إيده ومسك إيديها، وسحبها وراه من غير ولا كلمة لحد ما طلعوا لجناحها (المرسم). أول ما قفل الباب، ساب مسافة بينه وبينها احتراماً لطلبها القديم، بس عينيه كانت بتحضنها.
”كنت هموت لو مشيتي..” همس بيها بصوت أجش، فيه ضعف أول مرة راجل زيه يبينه. “لما شوفتك واقفة قدام المأذون، حسيت إن روحي بتنسحب مني.. إنتي مش متخيلة الكلمة دي عملت فيا إيه يا قمر.”
قمر بلعت ريقها، وحاولت تحافظ على قوتها قدام طوفان المشاعر اللي بيحاصرها منه، وقالت بجدية:
“أنا وافقت أفضل عشان مكسرش أبويا مرتين، وعشان مسمحلكش تنتصر في لعبتك وتتحكم في مصايرنا براحتك. إنت إديتني مفتاح حريتي.. بس ده مش معناه إني سامحتك أو إني بقيت بتاعتك. إنت لسه محتاج تثبتلي إنك تستاهلني، وإني ممكن أثق في راجل خطط من ورايا سنين.”
جبل ابتسم ابتسامة خطفت قلبها، وقرب خطوة واحدة، رفع إيده ومشى ظهر صوابعه على خدها برقة متناهية وقال:
“وأنا قابل التحدي. هخليكي تعشقيني يا قمر، هخليكي ما تشوفيش غيري، وهعوضك عن كل دمعة. إحنا هنبدأ من الصفر.. بس في حاجة واحدة لازم تعرفيها الأول.”
قمر عقدت حواجبها بحيرة: “حاجة إيه؟”
جبل مشى بخطوات هادية ناحية خزنة حديد صغيرة متدارية في ركن المرسم. فتحها، وطلع منها حاجة خليت قلب قمر يدق بعنف.. “مذكراتها”! الدفتر القديم اللي ضاع منها من 5 سنين وكان فيه كل أسرارها وتفاصيل حياتها.
جبل رجع وقف قدامها، ومد إيده بالمذكرات، وعينيه بتلمع ببريق غامض:
“عارفة إيه اللي خلاني أصبر 5 سنين بحالهم وما أجيش أطلب إيدك من أبوكي وقتها؟ مع إني كنت قادر أعملها وأنا حاطط رجل على رجل؟”
قمر خدت المذكرات وإيديها بترتعش، وبصتله بتساؤل: “ليه؟”
جبل أخد نفس عميق، وقال بصوت مليان مشاعر متأججة:
“عشان وعد قطعتوا على نفسي. افتحي المذكرات يا قمر.. افتحي آخر صفحة إنتي كتبتيها قبل ما تضيع منك بيوم.”
قمر فتحت المذكرات بسرعة، قلبت الصفحات لحد ما وصلت لآخر صفحة. قرأت كلامها اللي كانت كاتباه بخط إيدها عن “فارس أحلامها المجهول”، بس فجأة عينيها اتجمدت.. كان في سطرين مكتوبين تحت كلامها، بخط رجولي قوي، حبره لسه محتفظ بلونه وكأنه مكتوب إمبارح.
قرأت السطرين في سرها، وشهقة صدمة مكتومة طلعت من شفايفها. رفعت عينيها المليانة بالدموع والذهول لجبل، ملامحها كلها بتنطق بسؤال واحد مستحيل عقله يصدقه.
”إنت… إنت اللي كنت….؟!” صوتها طلع بالعافية وهي بترجع خطوة لورا.
جبل ابتسم بحنين، وعينيه ركزت في عينيها وقال:
“أيوه يا قمر… أنا اللي كنت…”
ياترى قمر قرأت إيه في المذكرات؟ وإيه السر العاطفي اللي جبل مخبيه عنها من 5 سنين وبيقلب كل الموازين بين ليلة وضحاها؟ وهل هتقدر تقاوم السحر اللي جواه، ولا الحاجة رضوى هيكون ليها رأي تاني وهتحضرلهم مفاجأة تدمر الليلة دي؟ …يتبع
في الجزء الاخير من الروايه
“إنت… إنت اللي كنت بتبعتلي الورد الأبيض كل يوم الصبح؟ إنت اللي اشتريت كل لوحاتي من المعرض البسيط اللي عملته في الكلية من غير ما أعرف مين المشتري؟”
صوت قمر كان بيترعش، والدموع متجمعة في عينيها وهي بتبص للسطرين اللي مكتوبين في آخر مذكراتها:
“أنا طيفك اللي بيحرسك من بعيد.. أنا الراجل اللي شاف روحه بين سطورك. مش هظهر في حياتك دلوقتي، بس بوعدك، لما نتقابل، هخليكي ملكة متوجة على عرش قلبي، في قصر ما تدخلوش ست غيرك.. الإمضاء: جَبَلِك وحمايتك.”
جبل قرب منها بخطوات بطيئة، ملامحه القاسية دابت تماماً، وبقت كلها حنية ودفء، ومسك إيديها اللي كانت ماسكة المذكرات برعشة:
“أيوه يا قمر.. أنا. من خمس سنين، لما شُفتك صدفة قاعدة تحت شجرة التوت اللي على أول أرضكم، بترسمي وبتتكلمي مع نفسك كأنك طير حر.. قلبي اتخطف. ولما نسيتي المذكرات دي وفتحتها، وعرفت إزاي بتفكري، وإيه أحلامك، وإزاي بتتمني راجل يحميكي مش يتحكم فيكي… حلفت إنك مش هتكوني لغيري.”
قمر بلعت ريقها والدموع نزلت على خدها: “ولما إنت بتحبني كل ده.. ليه ما جيتش طلبتني من أبويا؟ ليه الرعب اللي عيشتني فيه ده كله واللعبة اللي عملتها؟”
جبل اتنهد تنهيدة طويلة، ورفع إيده يمسح دموعها بصباعه بإحساس خلاها تغمض عينيها غصب عنها:
“عشان جبل الهواري من خمس سنين ما كانش الراجل اللي يقدر يسعدك.. كنت غارق في شغل السرايا ومسؤوليات أكبر مني، وسمعتي كراجل قاسي وصارم كانت سابقة اسمي. أبوكي كان مستحيل يوافق، وإنتي كنتي لسة زهرة بتفتح، كنتي هتتخضي مني وتكرهيني. قررت أبني نفسي، وأجهزلك السرايا دي، وأعملك المرسم اللي حلمتي بيه. ولما عرفت إن أختك هتهرب وهتجيب العار لأبوكي، وعرفت إنهم هيفكروا يدوكي ليا كترضية.. قولت دي إشارتي، إني أنقذ أختك من جوازة غصب، وأنقذ أبوكي من الفضيحة، وأجيبك لحضني.”
قمر فتحت عينيها، وبصتله بصدمة ممزوجة بإعجاب.. الراجل ده ما كانش أناني ولا وحش زي ما كانت فاكرة، ده كان الحارس الخفي اللي بيحميها من بعيد.
وقبل ما قمر تنطق بكلمة تعبر بيها عن الزلزال اللي جواها، باب الجناح اتفتح بقوة من غير استئذان. دخلت “الحاجة رضوى”، عينيها بتطق شرار، وماسكة في إيدها ورق.
“أنا مش هسكت يا جبل! البنت دي بتلعب بيك وبفلوسك! أبوها مديون وطمعان في أملاكنا، وهي متفقة معاه تاخد نص السرايا وتضحك عليك بكلمتين! الورق ده بيثبت إن أبوها…”
”أمييي!”
صوت جبل قاطعها بحدة، بس المرة دي ما كانش فيه عصبية، كان فيه حسم قاطع ونهائي. وقف قدام قمر كأنه درع بيحميها، وبص لأمه بهدوء مميت:
“الورق اللي في إيدك ده تبليه وتشربي ميته. حتى لو أبوها مديون بمال قارون، أنا أسدد ديونه بمالي كله، ده شرف ليا. قمر بقت مراتي، وست السرايا، ونص أملاكي اللي انكتبت باسمها دي ماتجيش نقطة في بحر غلاوتها عندي. من اللحظة دي، الجناح ده محرم على أي حد يدخله من غير إذنها، حتى إنتي يا أمي. يا تقبلي بمرات ابنك وتشيلها فوق راسك زي ما أنا شايلها جوة عيني، يا السرايا كبيرة وكل واحد يعيش في حاله.”
الحاجة رضوى وقفت مذهولة، الكلمات سقطت منها. شافت في عين جبل نظرة ما شفتهاش في حياتها.. نظرة راجل مستعد يحارب الدنيا كلها عشان الست اللي واقفة وراه. عرفت إن دورها انتهى، وإن قمر ما بقتش مجرد عروسة، دي بقت روح جبل. لفت وسابت الجناح من غير ولا كلمة، وقفلت الباب وراها.
بمجرد ما الباب اتقفل، جبل لف لقمر، ملامحه رجعت لينة، بس شافها بتبكي بصمت.
“بتعيطي ليه دلوقتي؟ أنا قولتلك محدش هيقدر يمس شعرة منك طول ما أنا بتنفس.”
قمر ابتسمت وسط دموعها، ومدت إيديها لمست وشه لأول مرة بجرأة، حست بمدى خشونته ورجولته، وقالت بصوت مليان رقة وعشق بدأ يتولد:
“بعيط عشان أنا كنت غبية.. كنت خايفة من الجبل، وما عرفتش إن الجبل ده هو أكتر مكان ممكن أستخبى فيه وأحس بالأمان. إنت ما كذبتش يا جبل.. إنت فعلاً الفارس اللي رسمته في خيالي.”
جبل عينيه لمعت بفرحة ما تتوصفش، حس إن الدنيا كلها بقت بين إيديه.
قمر راحت ناحية التربيزة اللي عليها شنطتها، طلعت منها “وثيقة العصمة” اللي المأذون كتبها، ومسكتها قدام عينيه، وبحركة سريعة… قطعتها حتت صغيرة ورمتها في الهوا.
جبل عقد حواجبه بصدمة: “بتعملي إيه يا مجنونة؟ ده سلاحك وضمانك!”
قمر قربت منه، وحطت إيديها الاتنين حوالين رقبته، وبصت في عينيه بحب خالص وتحدي لذيذ:
“أنا مش محتاجة سلاح ضدك يا جبل.. أنا سلاحي هو إنت. وضماني هو قلبك اللي فضل يحبني 5 سنين في السر من غير ما يمل. العصمة في إيد الراجل اللي بيعرف يصون، وإنت صُنتني قبل حتى ما أكون ليك.”
جبل ما قدرش يستحمل أكتر من كده، شدها لحضنه بقوة كأنه بيدخلها جوه ضلوعه، شالها من على الأرض ولف بيها في وسط المرسم، وضحكته العالية الرنانة ملت أركان السرايا كلها لأول مرة من سنين.
نزلها ببطء، وسند جبينه على جبينها، وأنفاسهم اختلطت في لحظة رومانسية خطفت الأنفاس، وهمس لها بصوت دايب في العشق:
“بحبك يا قمر.. بحبك يا نور الجبل اللي نور عتمته.”
قمر غمضت عينيها بابتسامة صافية، وهمست له برد زلزل كيانه:
“وأنا بعشقك يا جبل.. يا حصني وأماني.”
وهنا، بين الألوان واللوحات، وفي قلب السرايا اللي كانت بتعتبرها سجن، بدأت قمر أجمل قصة حب عاشتها، مع الراجل اللي أثبت إن الحب مش بالسيطرة والأوامر، الحب هو إنك تبني قصر من الأمان للي بتحبه، وتستناه لحد ما يجيلك بكامل إرادته.
(تمت)


تعليقات
إرسال تعليق