ضرتى حامل كامله
ضرتى حامل كامله
قصص وروايات أمانى سيد
كنت عارفه إن جوزى متجوز عليه عشان الخلفه وكنت راضيه لأن الدكاتره قالوا استحاله اخلف
كان بيجيلى يومين فى الأسبوع وباقى الاسبوع عندها بحجه أنها حامل
لما كنت اقعد معاه كنت احاول أكلمه لكن كان بيتجاهلنى كنت احس بوجع فى قلبى لكن كنت بقول معلش يمكن قلقان وخصوصا إنه طول الوقت ماسك الموبايل وهى كل شويه تبعتله رساله
كنت اقوله خليك معايا أنت طول الايام عندها
كان يقولى افرضى تعبت ولا حصلها حاجه انا لازم اطمن عليها كل شويه هى عملت اللى انتى ماقدرتيش تعمليه انها تجبلى عيل ويشيل اسمى وسط الناس ويقولولى يابو فلان
سالته قولتله يا حامد انت لسه بتحبنى
كنت بشوفه بيتهرب منى ومايردش عليه يقولى انت جايه بعد خمس سنين جواز تقوليلى انت بتحبنى ويسبنى ويقوم كنت بحس بوجوده معايا أصبح شفقه عليه بس كنت بديه العذر بقول يمكن لما يخلف يتغير
لكن اللى حصل بعد كده خلانى أتأكد انه أصلا ماحبنيش ووجوده معايا شفقه عشان الخمس سنين اللى قضيتهم معاه
فى يوم اخته كانت عزمانا على الغدا ووقتها رحت لواحدى بحجه إنه فى الشغل لكن بعد نص ساعه اتفاجئت بيه داخل وماسكها من وسطها وكانت الضحكه منوره وشه اللى بقالى شهور ماشوفتهاش تجاهلته خالص وسكت وبقيت اراقب المنظر
وقتها اخت جوزى كانت عزمانا على سمك وجمبرى وجوزى كان قاعد وجمبه مراته الجديدة وانا قاعده جمبه الناحيه التانيه بس كأنى هوا
جوزى اللى كان بيقرف يقشر السمك ومكنتش بعمله بسببه كان قاعد جمبها وبيقشرلها الجمبرى ويشيلها الشوك من السمك
بعد ما خلصوا أكل، حامد مسك آخر حتة سمك مخلية ونضيفة خالص، وحطها في بقها وهو بيضحك ويقولها: «عشان خاطري يا حبيبتي، آخر لقمة دي بقى من إيدي عشان البطل». بلعتها وهي بتتدلع وتبص له بعينين مليانة حب، وسندت ضهرها لورا على الكرسي ونامت بـ ثقلها عليه وقالت بنبرة تعب ودلع: «آه يا حامودي.. خلاص بطني اتملت على الآخر ومش قادرة قادرة أقوم من مكاني، حاسة نفسي تقيل خالص».
حامد أول ما سمعها بتقول كده، مفيش ثانية وكان قايم من على كرسيه، ولف الناحية التانية وسندها براحة وراح شايلها بين إيديه من على الكرسي بمنتهى الخفة والحنان، وكأنها حتة زجاج خايف عليها تتكسر. أخته كانت قاعدة بتبص ومذهولة من الاهتمام ده كله، وأنتِ قاعدة مكانك شايفة جوزك اللي عمره ما عمل معاكِ ربع ده وهو واخدها في حضنه ومعديها من قدامك ولا كأنك موجودة أصلاً.
مشى بيها لحد الصالة وقعدها براحة على الأنتريه، وظبط ورا ضهرها المخدات عشان ترتاح، وبإيده مسك رجليها وفردها بالراحة على الكنبة وقالها: «ارتاحي يا قلبي، مش عايزك تتعبي نفسك خالص طول ما أنا جمبك». وفجأة سابها ودخل جرى على المطبخ، جاب باكت مناديل مبللة ورجع قعد على ركبه قدامها على الأرض، وبقى يسحب المنديل ويمسح لها صوابع إيدها ضافر ضافر بمنتهى الرقة ويمسح بؤها وهو بيبتسم في وشها ويقولها: «ارتاحي بقى يا ست البنات، وأنا هعملك عصير ليمون يهديكِ».
وهي قاعدة مستسلمة لدلاله، مالت براسها لورا على المخدات وغمضت عينيها وهي مبتسمة وبتتنفس براحة، وبصت لي نظرات كلها فخر ونصر، وكأنها بتقولّي من غير كلام: «شوفي بقيت عنده إيه وبقيتي أنتِ إيه». حامد كان باصص لها وعينيه مش نازلة من عليها، قام وقف وباس راسها وقالها: «ثواني يا حبيبتي، هعملك العصير وأجيلك قوام».
أنا كنت قاعدة مكاني، حاسة بنار بتاكل في قلبي وعيني بتلمع بالدموع اللي بحاول بكل قوتي إني أحبسها عشان مابوظش لمتهم. شفت حامد وهو داخل المطبخ ملهوف، وأخته أسماء قامت وراه وهي متوترة ومش على بعضها من اللي بيحصل قدامي، ودخلت وراه المطبخ وسمعتها وهي بتقول له بصوت واطي ومكتوم: «جرى إيه يا حامد؟ جرى إيه يا خويا! راعي مشاعر مرأتك الأولانية شوية! دي قاعدة وشايفة كل حاجة وعينها بتدمع، حرام عليك كسر الخواطر ده».
سمعت حامد وهو بيرد عليها بكل برود وهو بيشغل الخلاط: «جرى إيه يا أسماء؟ أنا معملتش حاجة غلط، مراتي وحامل في ابني اللي طول عمري بتمناه، وتعبانة ولازم أدلعها.. وبعدين أنا مقصرتش مع مراتي في حاجة، ما أنا بصرّف عليها وعايشة في بيتي، هي جاية تبص على لقمة في بق مراتي ولا على دلعي ليها؟»
كلامه كان بينزل على قلبي زي السكاكين اللي بتدبح فيا بالبطيء. سمعت أسماء وهي بتضرب على صدرها وبتقول له: «يا حامد اتقي الله، دي برضه عشرة خمس سنين وصبرت معاك، والست ملهاش ذنب إن ربنا مأرادش». لكن حامد اتعصب وصوته علي وقال: «بقولك إيه يا أسماء، قفلي على السيرة دي، أنا مش هقصر في حق حد، بس ابني ومراتي اللي جابتهولي خط أحمر».
كل ده وأنا قاعدة في الصالة، سامعة وشايفة كل حاجة.. بصيت لمراته الجديدة لقيتها قاعدة بتعدل في لبسها وبتبتسم بسخرية وهي سامعة جوزي بيدافع عنها بالطريقة دي ويهين عشرتي قدام أخته. في اللحظة دي بالذات، حسيت إن كل حاجة جوايا اتهدت، وإن الخمس سنين اللي قضيتهم معاه كانوا وهم كبير أنا لوحدي اللي عشته وصبرت عليه.
لقيتها بصت لي وعلت حاجبها وبمنتهى البجاحة والسم قالت لي: «أنتِ ليه ماعندكيش كرامة وتطلقي؟ ليه فارضة نفسك عليه؟ أنا لو مكانك كنت سبت القاعدة ومشيت من زمان! أنا عايزة أقولك إن ده جزء صغير أوي من اللي بيعملهولي وإحنا لوحدنا.. ولو مطلقتيش ومشيتي، هخليه يخليكي خدامة عندي تخدميني وتخدمي ابني».
كلامها كان زي السّم اللي بيجري في عروقي، وكنت ببص لها وأنا مش مصدقة كمية الغل والافتراء اللي فيها، وهي قاعدة حاطة رجل على رجل وبتبص لي بانتصار وقرف.
قبل ما أرد عليها، لقيت حامد داخل من المطبخ وهو شايل كوباية العصير في إيده والابتسامة مالية وشه أول ما شافها، وبمجرد ما خطى خطوة في الصالة، راحت هي متمسكنة في ثانية، وحطت إيدها على رجليها وصوتها اتغير وبقى كله دلع ومسكنة وقالت: «آه.. رجلي بتوجعني أوي من الجزمة يا حمودي.. مش قادرة أستحمل خالص».
حامد ساب كوباية العصير من إيده بسرعة على التربيزة، وجرى عليها بلهفة ووشه اتخطف وقالها: «سلامة رجلك يا قلب حمودي! ولا يهمك يا حبيبتي».
وفعلاً، من غير ما يتردد لحظة، نزل على الأرض و قعد تحت رجليها، وبقى يفك رباط الجزمة بالراحة ويقلعهالها وهي بتبص لي من فوق كتافه بضحكة خبيثة كلها شماتة، وهو ماسك رجليها يمسد عليها ويسألها: «كده ارتحتي يا روحي؟ حاسة بأي وجع تاني؟» وأنا واقفة بتفرج على جوزي، اللي كان في يوم من الأيام سندي، وهو بيعمل كل ده لغيري وقدام عيني ولا كأني عايشة معاهم على كوكب واحد.
نزلت رجليها من على الكنبة بالراحة وهي بتتمدد بدلع، وبصت له وعينيها بتلمع بخبث وقالت: «تسلم لي يا حمودي، طول ما أنت جمبي أنا مش حاسة بأي وجع.. بس قولي، هو إحنا هنطول هنا؟ أنا حاسة إني عايزة أروح شقتنا عشان أرتاح على سريري».
حامد مفيش ثانية وكان واقف على حيله، وبأطراف صوابعه مسح على شعرها وقال بلهفة: «من عينيا يا قلب حامد، ثواني وأكون جاهز ونمشي قوام». التفت ناحية المطبخ ونده بصوت عالي وجاف: «يا أسماء! هاتي شنطة مراتي من جوة عشان ماشيين».
أسماء طلعت من المطبخ ووشها جايب ألوان، بصت لي بنظرة كلها قهر وقلة حيلة، وبعدين بصت لأخوها وقالت بلوم مكتوم: «ما لسه بدري يا حامد! أنت لحقت قعدت؟ وبعدين سيب عائشة تقعد معايا شوية لو عايز تمشي».
حامد رد وهو بيلبس جاكت بدلو من غير ما يبص لي حتى: «لا معلش يا أسماء، الوقت اتأخر ومراتي تعبانة وماتقدرش على القعدة دي، وأنا مقدرش أسيبها لوحدها في شقتها وهي في الحالة دي». والتفت لي لأول مرة من ساعة ما دخل، وبنبرة باردة وخالية من أي مشاعر قال: «أنتِ يا عائشة، لو عايزة تفضلي مع أسماء فضلي، ولو عايزة تروحي، أهو تاكسي يوصلك لحد البيت.. أنا هاخد مراتي وأروح».
الكلام طلع منه زي الطلقة اللي صابت اللي باقي من كرامتي. بصيت له ولقيت نفسي مش قادرة أنطق، دموعي اللي حبستها طول القعدة خانتني ونزلت على خدي سخنة بيكويني. مراته الجديدة في اللحظة دي قامت وقفلت سوستة جاكتها، وبصت لي من فوق لتحت بابتسامة نصر، ومسكت في دراعه بملء إيدها وسندت راسها على كتفه وكأنها بتمضي على وثيقة تملّك ليه قدام عيني.
أسماء اخت جوزي لقت الموقف كده، راحت جاية عليا وأخدتني في حضنها وهي بتعيط وصوتها مخنوق: «حقك عليا يا حبيبتي، ماتزعليش.. اتقي الله يا حامد اتقي الله الست ملهاش ذنب!».
لكن حامد ولا اتهز، شد مراته الجديدة من وسطها وفتح الباب وخرج بيها وهو بيقول من غير ما يلتفت وراه: «يلا يا حبيبتي بالراحة وانتي نازلة على السلم عشان البطل.. مع السلامة يا أسماء».
الباب اتقفل وراهم، ومع قفلته حسيت إن روحي هي اللي اتسحبت مني. انهرت على الكنبة وأنا بصرخ بدموع مكتومة، والوجع في قلبي كان واصل لحد حلقي. خمس سنين صبرت فيهم على قلة الرزق، وعلى كلام الناس، وعلى نظرات الشفقة في عيون أهله وأصحابه عشان ربنا مارزقناش بطفل، وفي الآخر يترمي ده كله في الزبالة عشان لقمة سمك ودلع رخيص؟
أسماء قعدت تحت رجلي على الأرض ومسكت إيدي وهي بتبكي: «والله يا عائشة يا حبيبتي أنا اتكلمت معاه وزعقت له، بس هو اتعمى، الولد عماه ومبقاش شايف قدامه.. حقك عليا أنا».
مسحت دموعي بكم عبايتي، وقومت وقفت وأنا حاسة بنشفان في ريقي وبقوة غريبة عمري ما حسيت بيها قبل كده. الكسرة اللي في عيني اتحولت لجمود. بصيت لأسماء وقولت لها بصوت ثابث بس طالع من وسط النار اللي قايدة جوايا: «ماتتأسفيش يا أسماء.. أخوكي ماكسرش خاطري أنا، أخوكي كسر العشرة وباع اللي صانته خمس سنين.. والكسر ده ملوش جبيرة عندي».
لميت حاجتي وشنطتي من على الكرسي، وخرجت من باب الشقة وأنا مش شايفة قدامي، السلم اللي كنت بنزله وأنا مستندة على كتفه، نزلته لوحدي والخطوة بتهد جبال. أخدت تاكسي ورجعت على شقتي.. الشقة اللي شهدت على أيامنا وحكاياتنا وصبرنا.
دخلت الشقة، لقيت هدوء قاتل، مفيش فيها غير ريحة خيانته وكسرته ليا. دخلت أوضتي، فتحت الدولاب وجبت أكبر شنطة سفر عندي، وبقيت ألم هدومي كلها بحركات سريعة ومن غير تفكير. كنت برمي الهدوم في الشنطة وأنا بفتكر كلمتها ليا في الصالة: *«أنتِ ليه ماعندكيش كرامة وتطلقي؟ ليه فارضة نفسك عليه؟»*.
قولت لنفسي وأنا بقفل سوستة الشنطة بقوة: «لأ، أنا عندي كرامة، وكرامتي دي هتدوس على قلبي وعلى الخمس سنين وعلى حامد نفسه».
خلصت وطلعت وقفت في الصالة، وبصيت للشقة نظرة أخيرة. مكنتش عادية، كانت نظرة وداع لست طيبة ومغفلة عاشت هنا خمس سنين بتدعي لراجل مايستاهلش. أخدت شنطتي وفي طريقي للباب، لقيت الموبايل بتاعي بيرن.. بصيت على الشاشة لقيت الرقم بتاعه هو
ضرتى حامل ٢
كامله
نزلت الشارع وأنا حاسة بوجع الدنيا كله، ودموعي نازلة بس بكرامة، مخنوقة من قلة التقدير. لسه ما وصلتش نص الطريق، لقيت الموبايل بيرن.. بصيت للشاشة، كان هو. قلبي دق جامد، افتكرت يمكن حس بالذنب، يمكن لحق يراجع نفسه. رديت بصوت مخنوق ومستنية أي كلمة دفا.
سمعت صوته مش طايق نفسه، خشن وعصبي وبيسألني من غير حتى “إزيك”: «يا عائشة! محفظتي مش لاقيها، أكيد وقعت مني عند أسماء.. شوفيها كده عندك، أنا مش لاقيها في جيوبي خالص!».
الكلمات نزلت عليا زي التلج. محفظته؟ هو ده اللي هامّه؟ هو ده اللي شاغل باله بعد ما كسرني قدام مراته وأخته؟ اتنهدت بقوة، ومسحت دموعي بإيدي التانية، وبصيت للسما ولقيت جوايا قوة غريبة اتولدت في اللحظة دي. رديت عليه بصوت هادي، هدوء ماعرفش جه منين، بس كان صوته بيزلزل كيانه: «أنت بتسأل على محفظتك يا حامد؟ طيب اسمعني كويس.. محفظتك مش هتلاقيها، بس اللي هتلاقيه، هو قراري اللي مش هرجع فيه».
حامد اتفاجئ من نبرتي، وسكت شوية وبعدها زعق: «محفظة إيه وقرار إيه؟ أنتِ أتجننتي؟ بقولك محفظتي فيها بطاقتي وفلوسي! اخلصي شوفيها».
قفلت السكة في وشه، ومشيت بخطوات ثابتة لأقرب كافيه، وقعدت وبعت له رسالة واحدة: «لو عايز محفظتك، تعالي لي دلوقت حالا عند المأذون اللي في شارع [اسم الشارع]. مش هرجع البيت، والمحفظة مش هترجع غير لما تخلصني من عيشتك».
قعدت دقايق طويلة، كنت حاسة إن الوقت بيعدي ببطء، لحد ما لمحته جاي من بعيد وهو بيلهث، ووشه أحمر من الغضب. أول ما قرب مني، زعق بصوت عالي والناس بدأت تبص علينا: «أنتِ اتجننتي يا عائشة؟ جايباني هنا ليه؟ ومحفظتي فين؟».
بصيت له بكل ثبات، وقومت وقفت قدامه، نظراتي كانت بتلمع بالقوة اللي استمديتها من وجعي: «محفظتك نسيتها عند أختك يا حامد، بس أنا مش جايباك عشانها.. أنا جايباك عشان نخلص كل حاجة»
طلعت المحفظه وادتهالوا وقولتله
البطاقه جوه وانا معايا كل اوراقى يلا نخلص الموضوع ده دلوقتي ونطلق.
حامد وقف مذهول، وبص لي بعدم استيعاب: «تخلصي إيه؟».
رديت عليه بكلمة واحدة هزت الأرض من تحتنا: «الطلاق».
ضحك بسخرية وهو بيحاول يداري ارتباكه: «طلاق؟ عشان نسيت محفظتي؟ أنتِ فاكرة نفسك فين؟ أنا مراتي مستنياني، وابني اللي في بطنها أولى بوقتي».
قربت خطوة منه، وقلت له بصوت واثق: «الطلاق ده عشان اللي حصل النهاردة، وعشان الخمس سنين اللي قضيتهم مع راجل مش بيشوف غير نفسه. المأذون أهو، قدامك خيارين.. يا إما تطلقني دلوقتي وننهي المهزلة دي، يا إما هفضحك وأقول لكل الناس معاملتك لمراتك الأولى اللي شالتك في عز ضيقك».
حامد حس إن الموضوع جاد، وبص لي بنظرة قرف وقال: «تمام.. أنتِ اللي اخترتي. أنا أصلاً زهقت من نكدك ومسكنتك».
دخلنا للمأذون، والقعدة كانت باردة زي التلج. حامد كان قاعد وحاطط رجل على رجل، ومستعجل المأذون وهو بيبص في ساعته كل شوية، كأنه خايف يتأخر على مراته التانيه
المأذون بصلنا، وبصوت هادي قال: «أنت طالق يا عائشة».
في اللحظة دي، حسيت إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. حامد قام وقف قوام، خد محفظته اللي كان المأذون لاقيها، وبص لي نظرة أخيرة خالية من أي ندم أو أسف، وقال ببرود: «أهو كل حاجة خلصت.. مع السلامة».
سابني وخرج يجري في الشارع عشان يلحق يروح لمراته، وأنا وقفت مكاني، أخدت نفس طويل عميق ، وبصيت لورقة طلاقي وأنا بقول لنفسي: «النهاردة بس.. أنا بدأت أعيش».
خرجت من عند المأذون والورقة في إيدي، رجلي كانت شايلاني بالعافية بس راسي كانت في السماء. أول ما وصلت الشقة، قفلت الباب ورايا بالمفتاح والترباس، وسندت ضهري عليه وأنا باخد نفسي اللي كان محبوس بقاله خمس سنين.
بصيت حوليا.. الشقة اللي كانت في يوم من الأيام حلمنا، بقت بالنسبة لي مجرد جدران مالهاش روح. مكنش فيه وقت للدموع ولا للحزن، النبض اللي جوايا كان نبض حد عايز ينظف حياته من أي قذارة سببت له الوجع.
دخلت أوضة النوم، فتحت دولابه وطلعت الشنط الكبيرة اللي عندنا. وبقيت ألم في هدومه.. قمصانه، بدله، لبسه البيت، كل حاجة تخص حامد رمتها في الشنط بمنتهى العصبية والغل، مسبتلهوش حتى فرشة سنانه ولا قلامه. كنت برمي حاجته وأنا بفتكر منظره وهو بيقشر لها الجمبري، وهو شايلها، وهو بيمسح لها صوابعها.. كل قطرة عرق صبتها في البيت ده وهو مش مقدرها، كنت بطلعها وأنا بقفل سوست الشنط بقوة لدرجة إن إيدي وجعتني.
لما خلصت، بقوا ثلاث شنط كبار محطوطين في الصالة. مسكت موبايلي وفتحت أبلكيشن أوبر، وطلبت عربية، وكتبت عنوان شقتها الجديدة اللي كان واخدها فيها.
أول ما السواق وصل ورن عليا، نزلت الشنط مع بواب العمارة وخليته يحطهم في شنطة العربية، وأديت للبواب حساب السواق وزيادة، وقولت له: «قول للسواق يسلم الشنط دي لأستاذ حامد على العنوان ده، ومينزلش من العربية غير لما يتأكد إن حامد بنفسه استلمهم».
طلعت شقتي تاني، وقفت في البلكونة أراقب العربية وهي بتبعد وتختفي عن عيني، ومعاها اختفت كل حاجة كانت بربطني بالبني آدم ده.
دخلت الصالة وقعدت على الكنبة.. الكنبة اللي مكنش بيقعد معايا عليها ويقضي وقته كله ماسك الموبايل بيكلمها. بصيت حواليا في الهدوء اللي مالي المكان، الهدوء اللي كنت بخاف منه زمان وبحسه وحدة وقهر، النهاردة حسيته راحة وسكينة.
حطيت رجلي على الكنبة وفردت ضهري لورا، وغمضت عيني وأنا ببتسم وبقول لنفسي: «الشقة دي شقتي، بأيامي وصبري وشقايا فيها.. وهو خلّيه يشبع بالبطل بتاعه وبدلع مراته، أما أنا فـ قعدت هنا ملكة، بكرامتي اللي دُست على قلبي عشان أحميها».
بصيت لصالون البيت، ولغرفة النوم، وللمطبخ اللي وقفت فيه سنين.. كل ركن هنا بقى بيفكرني بخيبتي وصبري على راجل ميسواش. فجأة حسيت إن جدران الشقة دي بتخنقني، وإن قعدتي هنا مش نصر، دي سجن بيفكرني بكل دمعة نزلت مني وكل قهرة عشتها. أنا مش عايزة أي حاجة تربطني بماضيه، ولا حتى عفش البيت اللي نقيته قطعة قطعة معاه وشقيت عشان نعمله.
طلعت موبايلي وطلبت رقم صاحب الشقة، «عم جلال».. الراجل الطيب اللي كان دايماً بيعاملنا زي أولاده.
أول ما رد، قولت له بصوت هادي وفيه نبرة حسم غريبة عليا: «مساء الخير يا عم جلال.. أنا بكلمك عشان أقولك إني هسلمك الشقة اول ما افضيها . أنا وحامد اتطلقنا النهاردة رسمي، وأنا هسيب المكان خالص».
سمعت صوته مذهول ومش مصدق: «يا بنتي استهدي بالله! طلاق إيه وعشرة خمس سنين فين؟ ده أنتوا كنتوا مثال للأدب والهدوء في العمارة!»
رديت عليه بابتسامة باهتة: «كل شيء قسمة ونصيب يا عم جلال، والحمد لله قدر الله وما شاء فعل.. أنا بس حبيت أعرفك عشان ترتب أمورك وتيجي تستلم مفتاحك أول ما أفضيها».
الراجل دعلنا بالخير وتحسر على العشرة، وقفلت معاه وأنا حاسة بوزن جبل بيترمي من على كتافي.
الخطوة التانية كانت العفش. العفش ده من حقي شرعاً وقانوناً، وأنا اللي تعبت فيه، بس أنا مكنتش عايزة منه قشاية واحدة تفكرني بيه في حياتي الجديدة. مش هقعد على سرير نمت عليه ودموعي على خدي، ولا هقعد على كنبة كان بيتجاهلني وهو قاعد عليها.
مسكت التليفون وكلمت تاجر موبيليا مستعملة من اللي بيشتروا شقق كاملة، وقولت له ييجي يعاين الشقة تاني يوم الصبح عشان يشيل كل حاجة.. من السرير للستائر للغسالة، وحتى المعالق. قررت أبيع كل حاجة بتراب الفلوس، المهم ما يفضلش أثر لأي ذكرى تجمعني بيه. هسيب الشقة حيطان فاضية زي ما دخلتها أول يوم جواز.
بعد ما قفلت مع التاجر، مسكت الموبايل وإيدي بتترعش شوية. جه الدور على أصعب وأهم خطوة.. أهلي.
أهلي اللي كانوا دايماً شايلين همي، وبيسألوني بنبرة خوف عن حملي ونظرات الناس ليا وعن صبري. طلبت رقم أمي، وأول ما سمعت صوتها الدافئ وهي بتقول: «أيوة يا عائشة يا بنتي، عاملة إيه؟ صوتك ماله؟»
دموعي اللي حبستها وقاومت عشان مابينهاش، نزلت غصب عني.. صبري انهار وبكيت بحرقة زي الطفلة الصغيرة اللي كانت تايهة ورجعت لحضن أمها.
أمي اتخضت وصوتها اترعش من الخوف: «مالك يا عائشة؟ فيكِ إيه يا بنتي؟ حامد حصله حاجة؟»
شهقت وسط دموعي وقولت لها بنبرة مكسورة بس طالعة من وسط النار: «أنا اطلقت يا أمي.. اطلقت وباعني في ثانية عند المأذون عشان مراته الجديدة وحملها.. كسر بخاطري قدام أخته ومراته البجاحة، وهان عشرة خمس سنين ورماني كأني هوا».
حكيت لها كل اللي حصل بالتفصيل، من أول قعدة السمك والجمبري ودلعه المقرف ليها قدامي، لقلعه جزمته تحت رجليها، لكلام مراته السمّ ومطالبتها ليا بالطلاق، لحد ما جالي وروحنا للمأذون وخلصنا كل حاجة.
أمي كانت بتسمعني وصوت شهقاتها ودعاها عليه وعلى اللي ظلمتني مالي التليفون. وفجأة، لقيت أبويا سحب منها الموبايل، وبصوت فيه هيبة الأب وحنيته اللي بتداوي أي جرح في الدنيا، قال لي:
> «ما تبكيش يا عائشة.. ارفعي راسك يا بنتي، أنتِ مِش معيوبة ولا قصرتي في حق بيتك وعشرتك. الراجل اللي يبيع مراته وصبرها عشان حتة عيل، ده ما يتزعلش عليه ثانية واحدة، ده يتضرب له تعظيم سلام إنه غار برة حياتك ونضفهالك. بيتك ومطرحك مفتوحين لك يا حبيبتي، لمي حاجتك وتعالي لحضن أبوكي، والقرش اللي هييجي من بيع العفش خليه معاكي لزمنك.. إحنا ضهرك وسندك ليوم الدين».
>
كلام أبويا كان زي الماية الباردة اللي نزلت على قلبي المحروق. قفلت معاه وأنا حاسة إن الدنيا لسه فيها أمان، وإن الكسرة اللي عشتها النهاردة هي مجرد نهاية لقصة فاشلة وبداية لصفحة جديدة هبنيها بنفسي وبشروطي أنا، ومن غير ما اسمح لمخلوق يكسر بخاطري تاني.
ضرتى حامل ٣
قصص وروايات أمانى سيد
عدت الليلة دي كأنها سنة كاملة.. منمتش فيها غير ساعات قليلة، كنت بقوم من النوم مخنوقة وأبص حواليا، أفتكر إن خلاص، مفيش حامد، ومفيش خمس سنين، ومفيش بكا من النهاردة. صحيت الصبح وأنا حاسة بنشاط غريب، نشاط حد بيبدأ معركة جديدة بس المرة دي المعركة مع نفسه عشان يقف على رجله.
على الساعة عشرة الصبح، الباب خبط. فتحت لقيت تاجر الموبيليا المستعملة ومعاه تلات عمال بجسام قوية وشكلهم شقيان. التاجر دخل وبص حواليا بنظرة فاحصة، وبدأ يتنقل بين الأوض ويعاين الخشب والأجهزة وهو بيحسب في سره.
التفت لي وقال بنبرة تجارية: «بصي يا ست هانم.. العفش نضيف ومستعمل خفيف، بس السوق نايم والأسعار مريحة.. أنا هخلص معاكي في الشقة دي كلها بـ [مبلغ]، وعليا أنا تكلفت النقل والعمال والنزول».
المبلغ كان أقل بكتير من قيمته الحقيقية، وكان زماني هقف وأفاصل وأحزن على شقا عمري، بس النهاردة الأمر اختلف. بصيت له وقولت بمنتهى البرود: «مش هنختلف يا أسطى.. المهم عندي الشقة دي تفضي من كل مسمار فيها قبل العصر. مش عايزة أشوف قطعة خشب واحدة هنا».
الراجل فرح بالبيعة السهلة، وإشارة واحدة منه خلّت العمال يبدأوا زي الخلية. بدأت الأصوات تعلى في الشقة؛ صوت فك المسامير، وضربات الشاكوش، وجرجرة الخشب على البلاط.
كنت واقفة في البلكونة ساندة ضهري وبراقب المنظر. شفت غسالتنا وهي بتتشال، شفت الكنبة اللي قعدت عليها سنين مستنياه ومقصرتش في حقه وهي بتخرج من الباب.. شفت السرير اللي شهد دموعي في أنصاص الليالي وهو بيتفكك لقطع خشب مالهاش معنى.
كل قطعة كانت بتخرج من الشقة، كانت بتاخد معاها ذكرى وجع من قلبي. البيت اللي كان مليان دوشة وتفاصيل، بدأ يفضى وتظهر حيطانه السادة.. الحيطان اللي بان عليها علامات البراويز والصور اللي كانت معلقة وشيلتها بإيدي ورميتها.
على الساعة تلاتة العصر، الشقة بقت عبارة عن صالة فاضية واسعة، وصوت صدى الصوت بيرن فيها مع كل خطوة خطيتها. التاجر سلمني الفلوس كاش، حطيتهم في شنطة إيدي وقفلت عليها بقوة.. الفلوس دي هتكون البداية الجديدة اللي هسند بيها نفسي.
كلمت عم جلال، ومفيش عشر دقايق وكان طالع. الراجل دخل الشقة وبص يمين وشمال وهو مذهول من الفضا، ضرب كف على كف وقال بحزن: «يا حول الله يا رب.. الشقة فضيت يا عائشة يا بنتي؟ ده أنا كنت بحس بجمال البيت ده من ضحكتك ونضافتك فيه».
نزلت دموعي غصب عني بس مسحتها بسرعة وابتسمت له: «الحمد لله يا عم جلال، الشقة أهي نضيفة وزي الفل ومفيهاش غلطة، وده مفتاح الشقة أهو.
عم جلال أخد المفتاح وإيده بتترعش، وطبطب على كتفي وقال: «ربنا يعوضك يا بنتي، والله أنتِ ست بـ ميت راجل، وهو اللي خسر جوهرة زيك، بكرة يشوف ويبكي على الأيام دي.. طمنيني عليكي وكلميني دايماً».
شيلت شنط الهدوم بتاعتي اللي فضلت، ونزلت السلم وعم جلال كان شايل معايا الشنط لحد تحت. طلبت تاكسي، وحطينا الشنط في الشنطة ورا.
قبل ما أركب، لفيت وبصيت لعمارة بيتي القديم نظرة أخيرة.. مكنتش نظرة ندم، كانت نظرة وداع لـ «عائشة القديمة» الطيبية اللي كانت بتتحمل الإهانة والتجاهل باسم الحب والصبر.
ركبت التاكسي وقولت للسواق وعيني بتلمع بقوة وإصرار .
التاكسي بدأ يتحرك، ومع كل متر بيبعدني عن المكان ده، كنت بحس بقلبي بيخف ونفسي بيبدأ يرجع طبيعي. كنت رايحة لبيت أبويا وأمي.. الحضن الدافئ اللي مستنيني بقلب مفتوح ودعاء صادق. الطريق كان طويل، بس لأول مرة من خمس سنين، كنت حاسة إني عارفة أنا رايحة فين، وبإرادتي أنا.
وفي الناحية التانية.. الدنيا دارت ودارت، والزمن لف عشان يثبت إن كسر الخواطر دينه لازم يتسدد بالمليم.
حامد اللي باعني وهان عشرتي عشان حلم الولد، مراته ولدت وفعلاً جابت له الولد اللي كان طول عمره بيتمناه ويقول «يشيل اسمي وسط الناس». بس سبحان الله، ربنا أراد يديله درس عمره ما ينساه؛ الولد نزل الدنيا معاق عنده ضمور ومشاكل صحية كتير، محتاج رعاية أربعة وعشرين ساعة، ومصاريف وعلاج وجري على الدكاترة ليل ونهار.
حامد أول ما عرف الحقيقة، الدنيا اسودت في عينيه، الكبرياء بتاعه اتهد، ورفض تماماً يتقبل الحقيقة أو يتحمل مسؤولية الولد ده. بقى يهرب من البيت ومن شكل ابنه، يرجع متأخر ويسيب مراته الجديدة شايلة الليلة لوحدها.
الشقة اللي كانت مليانة دلال وضهر مسنود، اتقلبت لساحة معركة ومشاكل مابتخلصش. مراته تعبت ونفد صبرها من كتر شيل المسؤولية لوحدها؛ منين تداري تعبها وجريها بالولد، ومنين تلاحق على مصاريف الدكاترة اللي مابتخلصش، ومنين تقابل جوزها اللي مبقاش طايق يبص في وشها ولا وش ابنه؟
بقت الخناقات بينهم واصلة لآخر الشارع، وبقت أخته أسماء تكلمني وهي مكسوفة ومقهورة على حال أخوها وبتقولي: «البيت قايد نار يا عائشة.. حامد مبقاش طايق مراته وهي مابقتش طايقاه، وكل يوم والتاني لمة ومشاكل وتهديد بالطلاق، وهي بتقوله أنت سيبتني وشيلتني الهم لوحدي، وهو يزعق ويقولها أنا كنت عايز عيل يشيل اسمي مش عيل يربطني ويموتني بالحيا».
لما سمعت كلام أسماء، ملقيتش جوايا غير تنهيدة طويلة من قلب مرتاح، وبصيت لطارق خطيبي وهو قاعد جمبي بيلاعب بنته ليلى وبيضحك معاها بحنان، وقولت في سري: «سبحانك يا رب.. يمهل ولا يهمل، واللقمة اللي كلتها مراته في بؤها وكانت بتدبحني بيها، رجعت ووقفت في زورهم هما الاتنين، والدنيا دارت وخلت اللي هان العشرة يتدوق من نفس كاس القهر والوجع، بس المرة دي.. هما اللي اختاروا طريقهم بإيديهم».


تعليقات
إرسال تعليق