القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 انا ارمله كامله



انا ارمله كامله حكايات روماني مكرم 


أنا أرملة وعندي طفلين. اتجوزت أخو جوزي، وكان لسه صغير وموافق على الجواز بس عشان خاطر مامته، ومش بيقربلي خالص بقالنا سنتين. حاولت كتير أقرب منه بس مفيش فايدة. أنا عندي 34 سنة وهو عنده 30.


النهارده جه وقالّي إنه ناوي يتجوز بنت كان على علاقة بيها قبل ما يتجوزني، ولازم يتجوزها عشان بيحبها، وطلب مني أوافق.


البيت اللي كان المفروض يكون “ستر” ليا ولعيالي، اتحول فجأة لساحة حرب، والرصاصة الأولى أطلقها الشخص اللي كان المفروض يحميني. أنا “هناء”، الست اللي شالت لقب “أرملة” وهي لسه بتدبدب في الأرض، والنهاردة انضاف للقب ده وجع جديد.. وجع “الكسرة” من أقرب الناس.


سنتين.. 730 يوم وأنا عايشة مع “سيف” أخو جوزي في بيت واحد، وتحت سقف واحد، بس المسافة بيني وبينه كانت أبعد من السما والأرض. اتجوزته بكلمة من حماتي “يا هناء يا بنتي سيف هو اللي هيشيل لحم أخوه”، وسيف وافق وهو باصص في الأرض، كنت فاكرة إنه خجل، مكنتش أعرف إنه “قرف” من جوازة مفروضة عليه بالخناق.


حكايات رومانى مكرم


اللحظة التي انهار فيها كل شيء


الساعة كانت 6 المغرب، نور الشمس بدأ يهرب ويحل محله ضلمة كئيبة. سيف دخل البيت ورمى مفاتيحه على الترابيزة برنة خلت قلبي يتنفض. مكنش داخل ينام ولا ياكل زي كل يوم، كان داخل ينهي الحكاية.


“هناء.. جهزي نفسك، الأسبوع الجاي الفرح!”


وقعت المعلقة من إيدي، ولفيت له بذهول: “فرح مين يا سيف؟ إنت بتقول إيه؟”


قرب مني خطوة، وعينيه فيها لمعة غريبة، لمعة واحد اتحرر من قيد: “فرحي أنا.. على فريدة. البنت اللي قلبي مدقش لغيرها. أنا عملت اللي عليا وسكنتك إنتي وعيال أخويا في بيتي، بس مش هعيش ميت بقيت عمري. فريدة راجعة، وهتكون هي الست اللي بجد في حياتي.”


الطعنة في الظهر


كلمة “الست اللي بجد” نزلت على كرامتي ذبحتها. بصيت له وأنا كلي بترعش: “يعني إيه يا سيف؟ وأنا؟ والاتفاق؟ ومامتك اللي غصبت عليك؟ إنت بقالك سنتين مبتبصش في وشي، كنت مستنيها هي؟”


ضحك بوجع ممزوج بسخرية: “أمي غصبت عليا بالجواز، بس محدش يغصب عليا بالحب. فريدة كانت مسافرة، والنهاردة رجعت، وأول حاجة عملتها إني روحتلها. أنا مش بطلب إذنك يا هناء، أنا ببلغك.. الشقة اللي فوقنا هتبدأ تجهز من بكرة، وعايزك تقابليها بوش بشوش، مش عايز نكد!”


حكايات رومانى مكرم


سابني وخرج، وفي اللحظة دي حست إن الحيطان بتضحك عليا. الستات في المنطقة هتاكل وشي، “مرات أخوه اللي معرفتش تملى عينه”، “الأرملة اللي اتجوزت سلفها عشان يسترها وفي الآخر راح لحبيبته”.


مكالمة نص الليل


وأنا قاعدة وسط الصالة والضلمة واكلة المكان، تليفوني نور. رسالة من رقم مجهول على الواتساب، فتحتها وقلبي هيوقف. كانت صورة!


صورة لسيف وهو قاعد في كافيه، وماسك إيد واحدة وشها مش باين، ومكتوب تحتها: “اللي اتغصب عليه سنتين، رجع لحضنه الأساسي في ساعتين.. ابعدي بالذوق يا ست يا طيبة عشان اللي جاي مش في مصلحتك.”


الرسالة مكنتش مجرد تهديد، دي كانت إعلان حرب من “فريدة”. فريدة اللي كانت عارفة إني مراته، وعارفة إني أم ليتامى، وقررت تدوس على جرحي بكل جحد.


المفاجأة الكبرى


قمت من مكاني، مسحت دموعي، وقررت إني مش هكون الضحية. روحت لأوضة حماتي، الست اللي دبستني في الجوازة دي، عشان أشوف رد فعلها. فتحت الباب، لقيتها قاعدة بتعيط وبتخبي صورة ابنها الكبير (جوزي الله يرحمه).


“شوفتي يا ماما سيف عايز يعمل إيه؟”


#الكاتب_رومانى_مكرم


بصتلي بحزن وقالتلي كلمة خلت الأرض تتهز تحت رجلي: “يا بنتي.. سيف مغلطش.. سيف كان كاتب كتابه على فريدة في السر من شهر، وهي اللي طلبت منه يقولك النهاردة.. هي مش بس هتبقى مراته، دي بقت صاحبة البيت ده رسمي!”


الرسالة اللي حماتي رمتها في وشي مكنتش مجرد صدمة، دي كانت رصاصة الرحمة اللي موتت كل حتة باقية في كرامتي. “صاحبة البيت رسمي؟!” الكلمة دي فضلت تصرخ في وداني وأنا باصة لوش حماتي اللي كان مليان عجز وخوف.


“يعني إيه صاحبة البيت يا ماما؟” سألتها وصوتي طالع بالعافية، برعشة هزت كياني كله.


حماتي نزلت عينيها في الأرض، وبدأت تفرك في إيديها بتوتر: “سيف باع لها نصيب أخوه الميت في البيت يا هناء.. فريدة اشترت نصيبه ونصيب سيف، وبقى لها الحق في المكان. سيف عمل كده عشان يضمن يرجعلها، وهي اشترطت عليه يبيع لها عشان تأمن نفسها منك ومن عيالك.”


في اللحظة دي، حسيت إن النفس اتكتم في صدري. البيت اللي اتنازلت عن حياتي وعمري عشان أقعد فيه وأربي عيالي يتامى، بقى ملك للست اللي جاية تاخد جوزي وتهد استقراري. سيبت حماتي قاعدة في الأوضة بتعيط، وخرجت أجر رجليا لبرة.


دخلت شقتي، بصيت لعيالي وهم نايمين في سريرهم ببراءة، ميعرفوش إن السقف اللي حاميهم خلاص مبقاش ملكهم. قعدت على الأرض جنب السرير وأنا بفتكر كل لحظة سيف كان بيعاملني فيها بجفاء، كل مرة كنت بحاول أهيأ له البيت وأقرب منه بالكلمة الطيبة وكان بيصدني ويقولي “أنا تعبان وعايز أنام”. مكنش تعبان، كان عقله وقلبه وفلوسه كمان مع غيري.


الليل عدا عليا وكأنه سنة. مكنتش عارفة المفروض أتصرف إزاي. ألم هدومي وأمشي؟ وأروح فين بطفلين في الغلا ده؟ ولا أقعد وأستحمل الذل وأشوفها وهي داخلة وخارجة وشايفة نفسها عليا؟


تاني يوم الصبح، الساعة كانت 10، لقيت الباب بيخبط. فتحت وأنا متوقعة أشوف سيف، بس الصدمة كانت واقفة قدامي بلحمها ودمها.


بنت في أواخر العشرينات، لابس طقم شيك جداً، وحاطة ميك أب كامل وكأنها رايحة حفلة، وفي إيديها شنطة براند. كانت بتبصلي من فوق لتحت بنظرة كلها شماتة وثقة.


“إنتي هناء؟” قالتها ببرود وهي بتزق الباب برجليها وتدخل الصالة من غير ما آذن لها.


وقفت قدامها وعقدت حواجبي: “إنتي مين وإزاي تدخلي كده؟”


ضحكت ضحكة صفرا وقالت: “أنا فريدة.. صاحبة المكان، وضرتك المستقبلية. سيف قالي إنه بلغك، فجيت بنفسي أشوف الشقة اللي فوق، وأقترح عليكي اقتراح هيريحنا إحنا الاتنين.”


حكايات رومانى مكرم


وقفت بطولي، وحاولت أجمع كل ذرة قوة جوايا عشان مابانش ضعيفة قدامها: “اقتراح إيه يا شاطرة؟ إنتي جاية بيتي وبتتكلمي بكل بجاحة، مفكرتيش في العيال اليتامى دول ذنبهم إيه في جشعك؟”


فريدة قربت مني، وعينيها تحولت لكتلة من الغل: “اليتامى دول ليهم ربنا وليهم عمهم يصرف عليهم، بس أنا مش جاية آخد الشقة دي. أنا جاية أقولك إن الشقة اللي فوق ضيقة عليا وعلى سيف، وأنا مش هعيش في شقة تلات أوض وصالة. أنا اتفقت مع سيف إننا هناخد الشقة الكبيرة دي.. شقتك إنتي!”


وقعت الكلمة عليا زي الصاعقة: “تأخدي شقتي؟ إنتي اتجننتي؟”


فريدة طلعت ورق من الشنطة وركنته على الترابيزة بثقة: “دي عقود البيع والشراء، والبيت ده قانوناً بقى بتاعي. أنا هسيبك تنقلي في الشقة اللي فوق، أصغر ومناسبة ليكي ولعيالك، وسيف وافق على كده. قدامك أسبوع واحد بس يا هناء، تنقلي حاجتك فوق بالذوق، عشان العمال جايين يهدوا الحيطة ويغيروا ديكور الشقة دي على زوقي.”


في اللحظة دي، سيف دخل من الباب. بصيت له ودموعي نزلت غصب عني: “سيف! الكلام ده صح؟ عايز تطردني أنا وعيال أخوك من شقتنا وتطلعنا فوق عشان الست دي؟”


سيف بخل لوهلة، وبص في الأرض، بس فريدة راحت وقفت جنبه ومسكت إيديه وقالت بنبرة آمرة: “قولها يا سيف.. قولها إن ده الاتفاق.”


سيف رفع عينه فيا، وبكل جحود قال: “إحنا مش هنطردك يا هناء، إنتي فوق في الحفظ والصون، بس فريدة دافعة دم قلبها في البيت ده، ومن حقها تختار الشقة اللي تعجبها. جهزي نفسك عشان النقل الأسبوع الجاي.”


سابوني وخرجوا هما الاتنين، وأنا وقفت وسط الصالة حاسة إن الدنيا كلها بتلف بيا. الحيطان اللي شهدت على دموعي وحزني على جوزي الأولاني، والآن بتشهد على كسرتي من أخوه.


بصيت لورق العقود اللي سابوه على الترابيزة، ومسكت تليفوني اللي نور تاني برسالة جديدة من رقم فريدة: “لو فكرتي تعملي مشاكل أو توقفي الجوازة، العقود دي هتطلع للمحكمة، وهتلاقي نفسك في الشارع إنتي وعيالك من غير حتى الشقة اللي فوق.. فكري كويس يا حلوة.”


قعدت على الكنبة، وبدأت الأفكار تروح وتيجي في دماغي. هل أستسلم للنقل وأعيش تحت رحمتهم؟ ولا أدور ورا العقود دي؟ وفي وسط ما أنا بفكر، افتكرت حاجة جوزي الله يرحمه كان قايلها ليا قبل ما يموت بخصوص البيت ده.. حاجة سيف وحماتي وممكن فريدة كمان ميعرفوش عنها حاجة!


انا ارمله حكايات روماني مكرم 2

السر اللي افتكرته في اللحظة دي رجع الروح لجسمي بعد ما كنت جثة هامدة. افتكرت جوزي الله يرحمه، “محمود”، قبل وفاته بشهور لما جاب لي علبة قطيفة حمراء وقالي: “يا هناء، البيت ده أنا وأخويا سيف ورثناه عن أبويا، بس سيف طول عمره ملوش في الشقا، وأنا اللي دفعت دم قلبي في بنا الدورين التاني والتالت. وعشان أأمنك إنتي والعيال، أنا عملت لك عقد بيع وشراء وتنازل عن الشقة دي، وموثق في الشهر العقاري وبصمة إيدي عليه.”


العقد ده كان مدفون وسط ورق قديم في قاع الدولاب، مكنتش عايزة أطلعه زمان عشان ميعملش حساسية بيني وبين حماتي وسيف، وكنت فاكرة إن سيف هيصون لحم أخوه بالمعروف، مكنتش أعرف إن النفوس اتقيدت بالغل والجشع.


قمت جري على الدولاب، قلبت الورق كله وإيديا بترتعش، لحد ما إيدي لمست الورقة الصفراء الموثقة. فتحتها وقريت السطور.. الكلام واضح، الشقة ملكي “بيع وشراء قطعي وغير قابل للإلغاء”. يعني سيف لما باع لفريدة، باع لها نصيبه في بيت العيلة كـ “مبنى وأرض”، لكن شقتي أنا برا الحسبة دي تماماً ومحدش يقدر يخرجني منها بقوة القانون.


شلت العقد في مكان أمان، ومسحت دموعي. النظرة المكسورة اللي كانت في عيني اختفت، وحل محلها نظرة حد بيحارب عشان لقمة عيالها.


حكايات رومانى مكرم


تاني يوم، نزلت من الصبح وروحت لمحامي من طرف أبويا، ورجعت البيت وأنا عارفة رأسي من رجلي. دخلت لقيت سيف وقاعد مع أمه في الصالة تحت، وحماتي عمالة تقنع فيه: “يا بني بلاش كسر خاطر هناء، بلاش تاخد شقتها، دي برضه مرات أخوك وشايلة عيال الغالي.”


سيف رد عليها بنرفزة وهو بيشرب الشاي: “يا أمي فريدة دافعة تمن البيت، ومش هتقعد فوق، وبعدين هناء مش هتترمي في الشارع، الشقة اللي فوق موجودة، هي هتعملي فيها دراما ليه؟”


دخلت عليهم بكل ثقة، ووقفت قدام سيف. بص لي باستخفاف وقالي: “ها يا هناء، بدأتي تلمي الحاجه؟ العمال جايين بعد بكرة عشان يبدأوا توضيب.”


قعدت على الكرسي اللي قباله وحطيت رجل على رجل، وبكل برود قولت له: “مش هلم قشاية واحدة من الشقة يا سيف.. والشقة دي مش هتخرج منها غير على قبرها.”


سيف وقف والغل ملى وشه: “إنتي هتعلي صوتك عليا في بيتي؟ أنا قولت كلمتي، والورق اللي مع فريدة يرميكي برة البيت كله لو لعبتي معايا!”


طلعت صورة من عقد الشهر العقاري ور ميتها على الترابيزة قدامه: “الورق اللي مع فريدة ده تبلوا مبلول وتشربوا ميته يا سيف. أخوك الله يرحمه بايع لي الشقة دي بيع وشراء وموثق في الشهر العقاري من سنين. يعني إنت لما بعت لفريدة، بعت لها الهوا، أو بعت لها نصيبك في الأرض والشقة اللي فوق بس. شقتي دي برا البيعة، ولو فريدة أو عمالها حطوا رجلهم فيها، المحضر هتعمل في قسم الشرطة بالهجوم على ملكية خاصة والتعدي على حرمة منزل.”


سيف مسك الورقة، وعينيه كانت بتتحرك بسرعة بين السطور، ووشه بدأ يقلب ألوان.. الأخضر والأصفر، الصدمة لجمت لسانه. حماتي برقت عينيها وقالت: “محمود عمل كده يا هناء؟”


قولتلها: “أهو ورق ابنك الغالي يا ماما، اللي كان خايف عليا وعلى عياله من غدر الزمن.. وغدر أخوه.”


في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت فريدة، وكانت شايلة معاها كتالوجات ديكور وشكلها فرحانة، وبتقول: “سيف حبيبي، أنا كلمت مهندس الديكور وهيجي…”


سكتت لما شافت منظر سيف والورقة في إيده وهو بيترعش من الغضب. قربت منه وقالت: “في إيه يا سيف؟ مالك واقف كده ليه؟”


سيف بصلها ورمى الورقة في وشها وهو بيصرخ: “المحروس أخويا ضحك علينا كلنا! البيت مش ملكي لوحدي، والشقة دي هناء معاها عقد مسجل ليها من سنين!”


فريدة مسكت الورقة وقريتها، ولأول مرة أشوف علامات الرعب والغل تظهر على وشها بالشكل ده. بصت لي وقالت بحدة: “إنتي فاكرة بالورقتين دول هتاخدي جوزي والبيت؟ أنا دافعة شقا عمري في الخليج عشان أشتري البيت ده وأعيش فيه ملكة، مش هسيبك تاخديه!”


رديت عليها بكل برود وقمت وقفت قدامها: “البيت بيتك يا حبيبتي، اطلعي عيشي فوق في الشقة الضيقة اللي مش عاجباكي، أو خدي سيف وعيشوا في الشارع، إنما شقتي دي خط أحمر. والسبع أيام اللي إدتهملي عشان أنقل؟ أنا بديهملك إنتي وسيف عشان تشيلوا ورقكم وتشوفوا هتعملوا إيه، لأن خطوة واحدة تانية في طريقي.. هتشوفوا مني وش عمركم ما تخيلتوه.”


فريدة لفت لسيف وقالت له بزعيق هز البيت: “يعني إيه يا سيف؟ إنت ضحكت عليا؟ بعت لي بيت مش بتاعك؟ أنا عايزة فلوسي دلوقتي حالا يا إما هحبسك!”


سيف وقف مشلول مش عارف يرد، وحماتي حطت إيديها على راسها وهي بتصوت من الفضيحة اللي هتحصل في المنطقة. وأنا سبتهم في وسط حريتهم اللي بدأوا ياكلوا في بعض فيها، وطلعت شقتي، قفلت بابي بالمفتاح والترباس، وحضنت عيالي وأنا حاسة لأول مرة من سنتين.. إن ظهري مش مكشوف.


بس الحرب مخلصتش هنا، فريدة مش الست اللي تستسلم بسهولة، وسيف لما لقى نفسه مهدد بالحبس وخسارة فريدة والفلوس، عقله وداه لحتة تانية خالص.. حتة مكنتش أتوقع إن أخو جوزي ممكن يوصل لها أبداً!


#الكاتب_رومانى_مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم


الصوت العالي والزعاق اللي كان جادد في بيت حماتي تحت اختفى فجأة، وحل محله سكون مرعب. السكون ده مكنش مريحني، لإن الهدوء اللي بيجي بعد العاصفة دايماً بيكون وراه مصيبة أكبر.


عدا يومين، ومفيش أي حس لسيف ولا لفريدة. حتى حماتي منزلتش ولا رنت عليا، والعمال اللي كانوا المفروض يجوا يهدوا الشقة مجوش. كنت فاكرة إن فريدة لوت دراع سيف وأجبرته يرجع لها فلوسها، أو إنهم بيدوروا على حل قانوني، بس اللي غاب عن عقلي إن الشيطان لما بيتحشر في زاوية، مبيفكرش في القانون.. بيفكر في الأذى.


في اليوم التالت، الساعة كانت حوالي 2 بالليل. العيال كانوا نايمين، وأنا قاعدة في الصالة بقرا في كتاب، هدوء الليل قطعته حركة غريبة برا الشقة. صخب خفيف، وصوت خطوات رجلين بتتحرك بحذر شديد على السلم، مكنتش خطوة سيف المعتادة الرزيعة.


قمت براحة من غير ما أعمل صوت، وقربت من الباب. بصيت من العين السحرية، الدنيا كانت ضلمة كحل، لمبة السلم كانت مكسورة، بس لمح خيال طويل واقف قدام باب الشقة وبيمد إيده ناحية كالون الباب.


حكايات رومانى مكرم


قلبي بدأ يدق زي الطبل، وجسمي كله سقع. لقيت الكالون بيتحرك براحة.. حد بيحاول يفتح الباب بمفتاح! سيف معاه نسخة من مفتاح الشقة القديم، بس أنا كنت مأمنة نفسي وقافلة بالترباس الحديد اللي ركبته من يومين.


لما المفتاح عِشق في الكالون ولف، خبط في الترباس ووقف. اللي برا عرف إن الباب مقفول من جوه، فسمعت نفس حار ومكتوم وصوت همس واطي جداً.. صوت سيف وهو بيكلم حد: “مقفول بالترباس من جوه يا فريدة.. مش هعرف أدخل.”


رد عليه صوت فريدة الهامس والمليان غل: “اتصرف يا سيف! الورق الأصلي بتاع الشهر العقاري جوه الدولاب بتاعها، المحامي قالي لو الورق ده اختفى أو اتحرق، العقد اللي معايا هيبقى هو الوحيد اللي ساري، ومحدش هيدور ورا واحدة أرملة. لازم تدخل وتجيب الورق الليلة دي قبل ما ترفع القضية الصبح!”


الدم هرب من عروقي. الاتنين جايين يسرقوا العقد! سيف اللي المفروض عم ولادي، جاي نص الليل يتسحب زي الحرامية عشان يسرق حق الأيتام ويرضّي الست اللي عميت قلبه وعينيه بالفلوس والحب المزيف.


سيف رد عليها بخوف: “أنا مش حرامي يا فريدة، لو صحت ولمت علينا الناس هتبقى فضيحتنا بجلاجل في المنطقة!”


فريدة وزته بجحد: “فضحتك هتبقى أكبر لما أرفع عليك قضية النصب وأرميك في السجن بالفلوس اللي أخدتها مني وصرفتها على تجهيز شقتنا! خلص نفسك.. ادخل من بلكونة المطبخ، إنت عارف إن سورها قريب من سلم السطح.”


سمعت خطواتهم بتبعد وبتطلع لجهة السطح. في اللحظة دي، الخوف اللي كان شالني اتحول لكتلة من النار. جريت على المطبخ، وقفلت باب المطبخ الخشب وعشقته بالترباس هو كمان، ووقفت وراه وأنا ماسكة في إيدي “إيد الهون” الحديد، وعيني على شباك البلكونة.


ثواني وسمعت خربشة على السور، وخيال سيف ظهر وهو بينط جوه البلكونة. بدأ يزق في ضلفة الشباك الألوميتال براحة لحد ما فتحها، ومد إيده عشان يفتح باب المطبخ.. بس الباب مكنش بيفتح. سيف بدأ يضغط أقوى بصدره، وفي اللحظة دي أنا مأستنتش.


فتحت باب المطبخ فجأة وبكل قوتي، وبدون ما ينطق بكلمة، نزلت بإيد الهون على إيده اللي كانت ممدودة.


سيف صرخ صرخة مكتومة وهو بيمسك إيده اللي اتصابت: “آه.. إديا! هناء إنتي صاحية؟”


شغلت نور المطبخ، ووقفت قدامه وعيني فيها شرار: “صاحية وعارفة إنك جاي تسرق يا سيف! جاي تسرق ورق عيال أخوك عشان الست اللي ممشياك وراها زي الخاتم؟”


فريدة أول ما سمعت الصوت، نزلت جري من السلم ودخلت البلكونة وراه، وبصتلي بكل بجاحة وقالت: “آه جايين ناخد حقنا، والبيت ده بتاعي، والورق اللي معاكي ده هنـاخده يعني هنـاخده!”


مسكت تليفوني اللي كان في جيب جلاليبي، ورفعته في وشهم وأنا ببتسم بوجع وسخرية: “تؤ.. مش هتاخدوا حاجة. لإن من أول ما سمعت صوتكم على الباب وأنا مشغلة تسجيل الصوت والفيديو.. والمكالمة اللي دارت بينك وبينه على السلم متسجلة، ومحاولتكم لدخول الشقة سرقة نص الليل متصورة فيديو واضح وصريح لوشوشكم.”


سيف وش الصدمة لجمه، وفريدة خطت خطوة لقدام وهي ناوية تهجم على التليفون وتخطفه: “هاتي التليفون ده هنا!”


رفعت إيد الهون في وشها وصوتي طلع قوي زلزل الحيطان: “خطوة واحدة كمان يا فريدة، وهتكون دماغي ودماغك للبوليس، والتسجيل ده دلوقتي حالا بيتبعت على الواتساب للمحامي بتاعي ولجروب العيلة والمنطقة كلها.. عشان الكل يعرف سيف وفريدة جايين يعملوا إيه في نص الليل في شقة أرملة!”


فريدة وقفت مكانها، وبصت لسيف برعب، وسيف وقع على ركبه في البلكونة وهو ماسك إيده اللي بتنزف وبصلي وعينيه فيها انكسار حقيقي لأول مرة.. بس الانكسار ده مكنش بسبب الندم، كان بسبب المفاجأة التانية اللي ظهرت وراهم في ضلمة السلم، وصوت خطوتها خلتنا كلنا نلف برأسنا!


انا ارمله حكايات روماني مكرم 3


## الجزء الخامس: حبل المشنقة


الصوت اللي طلع من ضلمة السلم مكنش غريب عليا، بس ظهوره في التوقيت ده بالذات كان زي الصاعقة اللي نزلت فوق دماغ سيف وفريدة. خطوتها كانت تقيلة، متهادية، وفيها كسر نفس وفي نفس الوقت فيها غضب مكتوم بقاله سنين.


حماتي!


وقفت على أول عتبة من السطح، منورة كشاف تليفونها القديم على وشوشهم. وشها كان شاحب زي الأموات، وعينيها غرقانة بالدموع، بس الدموع دي مكنتش دموع ضعف.. دي كانت دموع صدمة أم اكتشفت إن ابنها اللي تعبت فيه طلع حرامي بيسرق لحم أخوه الميت.


بصت لسيف وهو راكع في البلكونة ماسك إيده اللي بتنزف، وقالت بصوت مرتعش بس طالع من غل قلبها:


“بتسرق يا سيف؟ بتتسحب في نص الليل زي الفئران عشان تسرق حق ولاد أخوك؟ هي دي الأمانة اللي سيبهالك أخوك قبل ما يموت؟”


سيف وشه جاب ألوان، وحاول يقوم وهو بيترعش:


“يا أمي افهميني.. فريدة هي اللي..”


“اخرس!”


صرخت فيه حماتي بصوت زلزل السلم كله، صرخة خلت فريدة نفسها ترجع خطوة لورا بخوف. حماتي كملت وكأنها بتلف حبل المشنقة حوالين رقبتهم:


“أنا اللي غلطانة.. أنا اللي دلعتك ووقفت في صفك لما جيت تظلم هناء وولادها، قولت ابني الكبير وعايز يعيش ويسكن. لكن توصل بيك الدناوة إنك تيجي تسرق ورق الشهر العقاري عشان الست دي؟” وبصت لفريدة بقرف واشمئزاز: “عشان حتة العقد المزور اللي معاها؟”


فريدة حاولت تستجمع بجاحتها وقالت وهي بتعدل هدومها:


“جرى إيه يا حمايا؟ ابنك واخد مني شقا عمري وفلوس تظبيط الشقة، وأنا مش هسيب حقي، والبيت ده من حقي أخد فيه شقة!”


حماتي قربت منها وبصت في عينها مباشرة، وقالتلها بكل برود قاتل:


“حقك؟ الشقة اللي بتتخانقوا عليها دي، والأرض اللي البيت مبني عليها، الورق الأصلي بتاعها مش جوه في الدولاب عند هناء يا فريدة.. الورق الأصلي معايا أنا في شقتي تحت، ومكتوب باسم ولاد المرحوم أحمد من قبل ما يموت بسنة! اللي جوه عند هناء دي صور ضوئية عشان القضايا اللي كانت هترفعها عليكم الصبح!”


الكلمة نزلت على سيف وفريدة زي الصاعقة. سيف بص لفريدة بذهول، وفريدة حست إن الأرض بتلف بيها. يعني كل التخطيط، والسرقة، والنطة من البلكونة، وإيد سيف اللي اتصابت.. كل ده كان على سراب!


أنا كنت واقفة عند باب المطبخ، ماسكة إيد الهون في إيد، والتليفون في الإيد التانية، وبتابع المشهد بوجع بس بنصر داخلي. ربنا مبيسبش حق الأيتام أبداً، والطبخة اللي طبخوها سوا، اتقلبت عليهم في ثواني.


رفعت تليفوني تاني وقولت بصوت عالي ومسموع:


“التسجيل اتبعت للمحامي يا سيف.. والجروب بتاع العيلة والمنطقة كله دلوقتي بيسمع صوتك وصوت الست هانم وهي بتوزك على السرقة. الفيديو والصوت بقوا مع نص المنطقة دلوقتي.”


سيف بدأ يعيط زي العيال الصغيرة، وبص لفريدة بغل وعمى:


“خربتي بيتي! ضيعتيني وضيعتي سمعتي في المنطقة! أنا كنت محترم وسط الناس.. بقيت حرامي بسببك!”


فريدة بصتله باحتقار وقالتله:


“إنت اللي جبان ومبتعرفش تتصرف! ضيعت فلوسي وضيعت الشقة!” ولفة وشها عشان تنزل، بس حماتي وقفت في طريقها على السلم وقالتلها بلهجة حاسمة:


“مش هتنزلي من هنا يا فريدة.. البوليس زمانه على وصول، هناء كلمتهم من أول ما سمعت خربشتكم على الباب، ومحضر السرقة والشروع في القتل والتعدي على حرمة ملك غير متسجل وجاهز.”


فريدة وشها اصفر، وبدأت تتلفت حوالين نفسها زي القطة المحبوسة في مصيدة. وسيف قعد على الأرض، حاطط راسه بين رجليه وبيعيط من الألم والفضائح اللي هتحاصره مع أول ضوء للنهار.


بصيت ليهم هما الاتنين، وحسيت بنقاء غريب جوايا. الخوف اللي كان مالي قلبي ملوش وجود دلوقتي. وبصيت لحماتي اللي نظراتها ليا كانت مليانة ندم وأسف، وكأنها بتقولي بـعينيها: “سامحيني يا بنتي.. أنا اللي جبتلك ديل الكلب لحد عندك.”


الهدوء رجع تاني للمكان، بس المرة دي مكنش هدوء مرعب.. كان الهدوء اللي بيجي بعد ما العدالة بتاخد مجراها، وصوت سرينة عربية البوليس بدأ يظهر من بعيد وهو بيقرب من أول الشارع..


## الجزء السادس: الحصاد المر (قبل الأخير)


صوت سرينة عربية البوليس وهي بتقرب من أول الشارع كان زي المسمار الأخير اللي اتدق في نعش “سيف وفريدة”. في ثواني، الدنيا اتقلبت في المنطقة. الصوت العالي اللي كان سيف خايف منه مبقاش بإيده، الناس صحيت على السارينة، والشبابيك بدأت تفتح، والكل نزل يتفرج على الفضيحة اللي بقت “لايف” على جروب المنطقة.


سيف كان لسه قاعد على أرضية البلكونة، ودمه سايل، بس دموعه كانت أكتر من دمه. فريدة كانت واقفة مكانها على السلم زي الصنم، عينيها بتلف في المكان برعب، وبجاحتها اللي كانت بتطاول بيها عليا ا تخرست تماماً.


دخل الظابط ومعاه أمين شرطة وعسكري، لقوا المنظر: سيف مصاب في البلكونة، وفريدة محبوسة على السلم، وحماتي واقفة زي القاضي، وأنا واقفة في المطبخ ماسكة إيد الهون والتليفون في إيدي.


الظابط بص للمشهد ووجه كلامه ليا: “إيه اللي بيحصل هنا يا مدام؟ ومين الناس دي؟”


قبل ما أنطق، حماتي هي اللي ردت، وصوتها كان قوي ومسمع الكل:


“يا باشا، ده ابني سيف ودي مراته فريدة.. جم في نص الليل، نطوا من السطح على بلكونة شقة مرات أخوه المرحوم، عشان يسرقوا ورق الشقة والشهر العقاري ويهددوها. ومرات أخوه دافعت عن نفسها وعن عيالها الأيتام.”


سيف صرخ وهو بيبكي: “يا باشا أنا مدخلتش الشقة، أنا كنت واقف في البلكونة!”


رديت عليه بكل برود، ورفعت التليفون في وش الظابط:


“الفيديو والصوت عندك يا فندم. متسجلين وهما على السلم بيخططوا للسرقة وحرق الورق، ومصورة سيف وهو بيمد إيده يفتح الباب من جوه بعد ما نط البلكونة. والمكالمة والتسجيل ده اتبعتوا للمحامي بتاعي ولأهالي المنطقة كلهم من ربع ساعة.”


الظابط هز راسه وبص لأمين الشرطة: “لمهم هما الاتنين، وهاتوا حد من الإسعاف يربط إيد الأستاذ ده، ويتحولوا على القسم.”


فريدة لما لقت العسكري بيقرب منها عشان يكلبشها، صرخت وبدأت تتنطط زي المجنونة:


“أنا ماليش دعوة! هو اللي قالي الورق جوه! هو اللي قالي تعالي معايا! هو اللي نصب عليا وأخد فلوسي وضحك عليا وقال هكتبلك الشقة باسمك!”


سيف بص لها بصدمة وغل: “أنا يا فريدة؟ إنتي اللي وزيتيني! إنتي اللي عميتي عيني بالفلوس وقولتيلي ارمي ولاد أخوك في الشارع! إنتي الشيطان اللي خرب بيتي ودمر علاقتي بأمي وأهلي!”


بقوا يرموا التهم على بعض زي الكلاب اللي بتتخانق على عضمية، والظابط يزعق فيهم عشان يسكتوا. نزلوا بيهم على السلم وسط نظرات الاحتقار من الجيران اللي كانوا واقفين على السلالم وفي الشارع. الكل كان بيبص لسيف بقرف.. الراجل اللي كان مالي مركزه وسط الناس، نازل متكلبش ومفضوح لإن عينه جت على حق ولاد أخوه الميت.


حماتي قعدت على أول عتبة، حطت راسها بين إيديها وبكت بكسرة ونحيب يقطع القلب. قربت منها، ورغم كل اللي عملته معايا، مأهانش عليا كبرها وسنها. وطيت عليها وحطيت إيدي على كتفها: “وحدي الله يا حمايا، قومي ادخلي جوه معايا.”


بصتلي وعينيها حمرا من الدموع: “تسامحيني يا هناء؟ تسامحيني يا بنتي؟ أنا اللي عميت عيني عنه، وقولت ابني وسندي، وكنت باجي عليكي وعلى لحم الغالي أحمد عشان أرضيه.. وفي الآخر طلع حرامي وندل وكان عايز يسرق عيال أخوه!”

مسحت دموعها وقولت لها بوجع: “المسامح ربنا يا حمايا.. بس ربنا ميرضاش بالظلم، واللي حصل ده حماية ليكي وليا وللعيال. الورق اللي قولتِ إنه معاكي تحت.. ده بجد؟”


حماتي هزت راسها وطلعت من جيب جلابيتها مفتاح صغير: “آه يا بنتي بجد. أحمد الله يرحمه قبل ما يموت، كان حاسس إن سيف عينه مش شبعانة، فجابني وكتب البيت كله بيع وشراء لعياله، وشال الورق الأصلي والشهر العقاري معايا أنا، وقالي متطلعيهوش إلا لو سيف فكر يظلمهم. وأنا لما لقيت سيف اتمادى وجاب الست دي، كنت هجيبلك الورق الصبح ونرفع القضية.. بس هما استعجلوا على خراب عِشهم.”


الليل عدا، والصبح طلع.. بس مكنش صبح عادي. كان صبح بنكهة النصر والراحة. المحامي بتاعي اتصل بيا وقالي إن موقفنا القانوني “حديد”، التسجيلات والفيديو مع شهادة حماتي تثبت جناية الشروع في السرقة بالإكراه والتعدي، وفريدة وسيف اتقبض عليهم وأمرت النيابة بحبسهم 4 أيام على ذمة التحقيق.


المنطقة كلها بقت بتتكلم عن شجاعة “هناء” اللي وقفت ليهم بإيد الهون، وعن عدالة ربنا اللي ظهرت في وقتها. شقة سيف اللي تحت، اللي كانوا بيجهزوها بالفلوس الحرام، اتقفلت، وبقت ضلمة وكئيبة، زي قلوبهم بالظبط.


بعد يومين من الواقعة، كنت قاعدة في الصالة مع ولادي، وحماتي قاعدة معانا بتلاعبهم ودموعها في عينيها. الباب خبط، قمت فتحت، لقيت المحامي بتاعي واقف ومبتسم، وفي إيده ملف كبير.


بصيت له بلهفة: “خير يا أستاذ؟ في جديد في النيابة؟”


المحامي ابتسم وقالي: “الجديد هيقلب الموازين كلها يا مدام هناء.. فريدة وسيف في النيابة اعترفوا على حاجات تانية، وفي سر خطير طلع في التحقيقات هيغير مصير البيت ده ومصيرك إنتي وولادك للأبد!”


## الجزء السابع والأخير: نهاية الظالم ونبتة الحق


دخل المحامي الصالة وعلامات الانتصار مرسومة على وشه بشكل ميتوصفش. حماتي قامت وقفت وهي بتترعش، وأنا قلبي رجع يدق تاني بس المرة دي دقات ترقب وشغف عشان أعرف إيه السر اللي ممكن يقلب موازين حكايتنا بعد كل اللي حصل.


قعد المحامي، فتح الملف الكبير اللي في إيده، وبصلي وبص لحماتي وقال:


“فريدة وسيف في النيابة كانوا زي الفراخ المذعورة، كل واحد فيهم عايز ينجد رقبته على حساب التاني. فريدة لما لقت حبل السجن بيلف حوالين رقبتها في قضية السرقة والتهجم، فجرت مفاجأة مكنتش خطرا على بال حد.. قدمت للنيابة إيصالات أمانة وعقود ومستندات تثبت إن سيف مخدش منها فلوس عشان يجهز الشقة زي ما كان بيتدعي!”


قطعت كلامه بذهول: “يعني إيه يا أستاذ؟ أمال الفلوس الكتير والدهب والشاشات والأجهزة اللي كان سيف بيشتريها ويجهز بيها شقته اللي تحت دي جت منين؟”


المحامي ابتسم نص ابتسامة مليانة مرار وقال:


“هنا بقى السر اللي يوجع ويفرح في نفس الوقت. فريدة اعترفت إن سيف من سنة كاملة، يعني من قبل وفاة أخوه المرحوم أحمد بكام شهر، كان حاطط إيده على حساب بنكي وتجارة تخص أحمد الله يرحمه في بورسعيد.. أحمد كان مأمن سيف على توكيل عام لإدارة الشغل هناك ومحدش منكم كان يعرف عنه حاجة. سيف بعد وفاة أحمد، بدل ما يتقي الله في الفلوس دي ويسلمها لورثة أخوه، جمد الحساب ونقل الأصول باسمه، والفلوس اللي كان بيجهز بيها الشقة دي كانت شقا عمر جوزك يا مدام هناء! كانت حق ولادك الأيتام!”


حماتي لطمت على صدرها وصرخت بدموع حارقة:


“يا مصيبتي السودا في ابني! سرق مال أخوه وهو في قاع قبره؟ سرق اليتامى وعامل فيها صاحب مال وعز؟”


أنا حسيت إن دموعي بتنزل لوحدها، بس المرة دي مكنتش دموع قهر، كانت دموع دهشة من عدالة ربنا سبحانه وتعالى. ربنا مبيسبش، وعمى قلب سيف وجشعه هما اللي قادوه لحد باب شقتي عشان يتفضح، وتطلع سرقته القديمة اللي مكنش حد هيعرفها أبداً لولا المحضر والتحقيق!


المحامي كمل وهو بيسلمني الملف:


“النيابة تحفظت على كل أملاك سيف، والحسابات دي كلها هترجع بالمليم ليكي ولولادك بحكم القانون وبقوة مستندات بورسعيد اللي فريدة أرشدت عنها عشان تنتقم منه. ده غير إن عقد فريدة المزور اللي كانت بتهددكم بيه اتفرم في النيابة وبقى حبر على ورق، وهما الاتنين دلوقتي لابسين قضية سرقة بالإكراه، وشروع في سرقة مستندات، وتزوير، وتبديد أموال قصر.. يعني حكم بالسجن المشدد مش هيقل عن 5 لـ 7 سنين.”


مرت الشهور بسرعة، وكأنها بتغسل كل الوجع اللي عيشناه. المحكمة أصدرت حكمها العادل بسجن سيف وفريدة، وبقت شقتهم اللي تحت تحت الحراسة لحد ما تتضم رسمي لأملاك ولادي. سيف نال جزاء جشعه، وضيع سمعته وشرفه، ولبس البدلة الزرقا عشان يعرف إن مال اليتيم بياكل صاحبه. فريدة رجعت للمكان اللي تستاهله ورا القضبان، بعد ما افتكرت إن بفلوسها وبجاحتها تقدر تشتري بيوت الناس وتطرد أصحابها.


أما في بيتنا.. فالهدوء والسكينة رجعوا من تاني، بس المرة دي كان هدوء حقيقي مليان بركة.


في يوم العصر، كنت قاعدة في البلكونة الكبيرة، الشمس كانت دافية، وصوت ضحك ولادي “أحمد الصغير” وأخته مالي الصالة جوه وهما بيلعبوا حوالين جدتهم. حماتي اللي اتغيرت حالها 180 درجة، وبقت متفارقش شقتي، وبتعوض الولاد عن كل لحظة قسوة شفوها.


دخلت عليا البلكونة وهي شايلة صينية الشاي، حطتها وبصتلي وابتسمت ابتسامة صافية وقالت:


“عارفة يا هناء يا بنتي.. البيت ده طول عمره كان عالي بحسه، بس النهاردة حاسة إن جدرانه منورة، لإن الباطل اتمحى منه، والأساس اللي بناه أحمد الله يرحمه رجع لأصحابه.”


مسكت إيدها وقولت لها برضا:


“الحمد لله يا حمايا.. الضربة اللي متموتش بتقوي، وإيد الهون اللي دافعت بيها عن بيتي، علمتني إن الست لما تملك الحق، متهابش لا جن ولا شيطان. ربنا سترها معانا لإننا منويناش الأذى لحد، وكل واحد في الآخر حصد اللي زرعه.”


بصيت للسماء وأنا بـتنفس براحة وبقول في سري: “نام ارتاح يا أحمد.. ولادك بقوا في أمان، وبيتهم هيفضل مفتوح ومرفوع الراس.. لآخر العمر.”






تعليقات

close