متجوزه ظابط شرطه كاملة بقلم روماني مكرم
متجوزه ظابط شرطه بقالى 10سنين
واكتشفت انه متجوز عرفى واحده من المسجين الى عنده فى السجن
الليلة التي عاد فيها زوجي إلى البيت متأخرًا وهو يحمل على قميصه رائحة عطر نسائي لم أعرفها.
كنتُ واقفة في المطبخ أُحضّر العشاء، والساعة تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل. ابنتنا الصغيرة نائمة منذ ساعات، والبيت غارق في صمت ثقيل، إلا من صوت المفاتيح وهي تدور ببطء داخل الباب.
دخل “المقدم ياسين” بخطوات متعبة، نزع الكاب الأسود عن كتفه، ثم ألقاه فوق الأريكة دون أن ينظر إليّ.
قال بصوت خافت: — لسه صاحيه؟
أجبته وأنا أراقب ملامحه: — مستنياك.
اقترب ليقبّل رأسي كعادته… لكنني توقفت فجأة.
تلك الرائحة.
لم تكن رائحتي.
لم تكن حتى رائحة امرأة عادية… كانت رائحة نفاذة، حادة، تشبه العطور الرخيصة التي تملأ ممرات المصالح الحكومية والسجون.
ابتعدت عنه قليلًا وقلت: — أنت كنت فين؟
فكّ أزرار قميصه بتوتر: — شغل.
“شغل”…
الكلمة التي قت*ل بها كل سؤال طوال عشر سنوات زواج.
كنتُ دائمًا الزوجة الهادئة التي لا تفتش، لا تراقب، لا ترفع صوتها. كنت أقول لنفسي إن طبيعة عمله صعبة، وإن الضباط يعيشون تحت ضغط دائم.
لكني في تلك الليلة شعرت بشيء ينهش صدري.
شيء أسود.
شيء يقول لي إن الرجل الذي ينام بجواري لم يعد أعرفه.
—
في صباح اليوم التالي، استيقظ ياسين مبكرًا على غير عادته. ارتدى بدلته الميري بعجلة، وكان يمسك هاتفه طوال الوقت كأن أحدًا يطارده.
وقبل أن يخرج، جاءه اتصال.
سمعتُه يقول بصوت منخفض: — قلتلك متتصليش هنا… أنا هتصرف.
ثم أغلق الخط فورًا عندما لمحني.
ابتسم ابتسامة مصطنعة: — هتأخر النهارده.
سألته وأنا أثبت عيني في عينيه: — مين اللي كانت بتكلمك؟
تجمّد لثانية… ثم ضحك: — مخبر.
لكن الضحكة كانت مرتبكة.
خرج بسرعة، وبعد دقائق سمعت صوت سيارته يبتعد.
وقفت في منتصف الصالة أشعر أن البيت كله يضيق حولي.
ثم حدث شيء غريب.
هاتفه الثاني… الذي لا يتركه أبدًا… كان فوق الطاولة.
نسِيَه.
ظللت أحدق فيه وكأنه قنبلة.
كنت أعرف بوجوده منذ سنوات، لكنه دائمًا يقول إنه “للشغل السري”.
اقتربت ببطء.
يدي كانت ترتجف.
وحين فتحت الشاشة… شعرت أن الدم انسحب من وجهي بالكامل.
حكايات رومانى مكرم
كانت هناك عشرات الرسائل المحذوفة… وصورة امرأة.
امرأة شابة جدًا.
ملامحها حادة، وعيناها ممتلئتان بتحدٍ غريب.
أسفل الصورة اسم واحد: “ريم الزنزانة 4”.
توقفت أنفاسي.
زنزانة؟
فتحت المحادثة.
أول رسالة ظهرت أمامي كانت:
“وحشتني يا حضرة الظابط… نفسي أخرج عشان أبقى معاك رسمي.”
ثم رسالة أخرى منه: “اصبري… الجواز العرفي حامينا دلوقتي.”
شعرت بدوار عنيف.
جواز عرفي؟
لم أستوعب الكلمات في البداية.
قرأت الرسالة مرة… واثنتين… وثلاثًا.
ثم ظهرت صورة لعقد.
عقد زواج عرفي.
اسم زوجي واضح.
واسمها بجواره.
ريم عبدالسلام.
السجينة الموجودة بعنبر النساء في السجن الذي يعمل به.
سقط الهاتف من يدي على الأرض.
كنت أسمع دقات قلبي أعلى من أي صوت آخر.
عشر سنوات…
عشر سنوات كنت أظن أنني زوجة رجل محترم يخاف الله.
بينما هو يتزوج سجينة خلف ظهري.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن هنا.
#الكاتب_رومانى_مكرم
الصدمة كانت في آخر رسالة أرسلتها تلك المرأة قبل ساعات فقط.
“لازم مراتك تعرف الحقيقة قبل ما أنا أخرج.”
رفعت الهاتف بسرعة وفتحت باقي الرسائل.
لكن باب الشقة فُتح فجأة.
تجمّدت في مكاني.
ركض ياسين للداخل بخطوات متسارعة، كان وجهه شاحبًا وعيناه تتنقلان بجنون بيني وبين الهاتف القابع في يدي. توقف على بُعد خطوات، وتنفسه يعلو ويهبط بصوت مسموع.
نظر إلى الشاشة المفتوحة، ثم إليّ، وساد صمت ثقيل مرعب، صمت شعرت فيه أن جدران البيت تتداعى فوق رأسي.
قال بصوت متقطع وهو يحاول الاقتراب:
— “أنتِ… أنتِ فتحتي التليفون؟”
لم أتحرك من مكاني. كانت يدي ترتجف بشدة، لكن صوتي خرج جافًا، خالياً من أي ثورة أو صراخ، وكأن الصدمة جمدت كل مشاعري:
— “مين دي يا ياسين؟ مين ريم اللي في الزنزانة ٤؟”
اقترب أكثر وحاول سحب الهاتف من يدي، لكنني تراجعت خطوة للوراء وأمسكت به بقوة أكبر. تغيرت ملامحه فجأة، واختفت حيرته ليحل محلها مزيج من الخوف والارتباك الصريح.
مسح وجهه بكفه وقال بصوت خفيض وهو يلتفت نحو باب الغرفة التي تنام فيها ابنتنا:
— “اخفضي صوتك… البنت نائمة. الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة خالص، دي قض*ية… دي ترتيبات شغل!”
ضحكت بمرارة، ضحكة مخنوقة خرجت من أعمق نقطة في صدري:
— “ترتيبات شغل؟ الجواز العرفي بقى من ترتيبات الشغل يا حضرة المقدم؟ ورقة الجواز العرفي اللي باسمك واسمها دي مأمورية سرية؟”
تجمّد مكانة، وعرف أن الدفاع بكلمة “شغل” لم يعد ينفع هذه المرة. أسقط يديه بجانبه وتنهد بتعب شديد، ثم قال بنبرة استعطاف لم أسمعها منه طوال عشر سنوات:
— “سمعيني للأخر يا ندى… أنتِ مش فاهمة المرأة دي مين، ولا فاهمة هي داخلة السجن في إيه. ريم دي مسجونة في ق/ضية كبيرة، وكان لازم…”
قاطعته بقوة وصوتي يبدأ في الاهتزاز:
— “وكان لازم تتجوزها؟ كان لازم تجيب عطرها الرخيص على قميصك وترجعلي الساعة اتنين بالليل وتقولي شغل؟ عشر سنين وأنا صابرة، أقول جوزي ضابط ومسؤولياته كبيرة، صاينة بيتك وبنتك، وفي الآخر تروح تتجوز سجينة عندك في العنبر؟”
خطى نحوي وأمسك بكتفيّ بقوة، وعيناه تثبتان في عينَيّ بكل ترجي:
— “والله العظيم ما لمستها! الورقة دي كانت الحل الوحيد عشان أسيطر عليها وتكلمني… ريم وراها شبكة كبيرة، وهي الوحيدة اللي حيلتي نوصل بيها للرؤوس الكبيرة. لو كانت عرفت إني بضغط عليها بصفتي ضابط كانت قفلت تماماً، كان لازم أحسسها إنها ماسكاني من إيدي اللي بتوجعني!”
نظرت في عينيه أبحث عن الصدق الذي ألفته لعشر سنوات، لكنني لم أعد أرى سوى غريب.
رفعت الهاتف أمام وجهه وفتحت الرسالة الأخيرة، تلك الرسالة التي جعلت أطرافي تبرد تماماً.
قلت له بصوت يرتجف:
— “ولما هي مأمورية… ورقة ضغط… ليه كاتبالك ‘لازم مراتك تعرف الحقيقة قبل ما أنا أخرج’؟ ليه بتقولك الساعات دي بالذات؟”
ارتبك ياسين تماماً. اتسعت حدقتا عينيه وهو يقرأ الكلمات على الشاشة، وكأنه لم يكن يعلم بأمر هذه الرسالة بالذات.
سحب الهاتف من يدي بسرعة هذه المرة، وظل يقرأ الرسالة مراراً وتكراراً، والوجوم يكسو وجهه.
همس لنفسه بذهول:
— “هي وصلت لندا إزاي؟ هي عرفت توصلك إزاي؟”
رفعت رأسي ونظرت إليه برعب جديد:
— “يعني إيه عرفت توصلني؟ هي تعرفني؟”
نظر إليّ ياسين بنظرة حافلة بالخوف الحقيقي، خوف لم أره في عينيه حتى في أشد المأموريات خطورة. لم يكن خائفاً من كشف أمره أمامي فقط، بل كان خائفاً من شيء آخر… شيء أكبر بكثير.
أمسك بي من يدَيّ بكلتا يديه وقال بنبرة حادة وسريعة:
— “ندى… اسمعيني كويس وركزي في كل كلمة هقولها. أي حاجة بيني وبينك، أي حساب أو عتاب، أجّليه دلوقت. ريم مش مجرد سجينة… ريم خرجت النهاردة الفجر بعفو أو بتهريب، أنا لسه مكتشف ده لما نزلت وسمعت الخبر، وعشان كده رجعت جاري أخد التليفون!”
سقطت الكلمات عليّ كالصاعقة.
— “خرجت؟”
قال بلهفة واضحة:
— “أيوه خرجت… والرسالة دي معناها إنها مش بتنتقم مني أنا بس، ريم بتستهدف بيتي… بتستهدفك أنتِ وبنتنا!”
في تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت أنفاسي تتصاعد وجسدي يرتجف من هول المشهد، رن هاتف الشقة الأرضي بصوت عالٍ ومتقطع، يخرق صمت الصالة الضيقة.
تسمرنا نحن الاثنين في مكاننا.
نظر ياسين إلى الهاتف الأرضي، ثم نظر إليّ بملامح مشدودة. لم نكن ننتظر أي اتصال في هذا الوقت.
سار بخطوات بطيئة وحذرة نحو الهاتف، ثم رفع السماعة ووضعها على أذنه دون أن ينطق بكلمة.
طال الصمت للحظات، قبل أن أسمع صوتاً أنثوياً حاداً وناعماً يأتي من السماعة، صوت رنان بلهجة مليئة بالتحدي والتهديد، كان الصوت عالياً بما يكفي لأسمعه وأنا أقف على بعد خطوات:
— “صباح الخير يا حضرة المقدم… يا رب تكون مدام ندى قرأت الرسالة وعجبتها المفاجأة؟”
متجوزه ظابط شرطه2
بقلم روماني مكرم
تجمّد الدم في عروق ياسين، وسقطت السماعة من يده لتتدلى بخيطها البلاستيكي الملتوي، بينما استمر الصوت الأنثوي الناعم يخرج منها بفحيح أشبه بصفير الأفاعي:
— “ياسين؟ ساكت ليه؟ متقلقش… أنا مش جاية آخد منك حاجة، أنا جاية أرجع حق القديم كله.”
انقطع الخط فجأة، وساد الصمت أرجاء الشقة مرة أخرى، لكنه لم يكن صمتاً عادياً… كان صمتاً ثقيلاً ملغوماً بالخوف والشك.
نظر إليّ ياسين بملامح شاحبة كالموتى، حاولتُ أن أتبين حقيقة ما يحدث، لكن رأسي كان يدور. كل شيء ينهار دفعة واحدة: عشر سنوات من الاستقرار تلاشت في لحظات، والرجل الذي كنت أظنه حمايتي وأماني يقف أمامي الآن عاجزاً، مذعوراً، يخبئ في ماضيه وحاضره أسراراً مدمّرة.
صرختُ فيه بصوت خفيض ومخنوك:
— “حق القديم إيه؟ مين دي يا ياسين؟ رد عليا بدل ما أنت واقف زي الصنم كده!”
اقترب مني بسرعة وحاول أن يمسك بذراعي، لكنني دفعت يده بقوة وجفوف:
— “إياك تلمسني! قولي الحقيقة… ريم دي مين؟ وليه بتتصل على تليفون البيت؟ إزاي تعرف رقم بيتنا أصلاً؟”
مسح ياسين العرق المتصبب على جبهته، ونظر نحو غرفة ابنتنا بنظرة مليئة بالرعب، ثم قال بصوت هادئ ومتقطع يحاول به السيطرة على الموقف:
— “ندى… ارجوكِ اسمعيني كويس. ريم دي مش مجرد سجينة دخلت السجن في ق*ضية عادية… ريم تبقى بنت ‘توفيق الخشاب’!”
عندما نطق ذلك الاسم، شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
توفيق الخشاب… كان هذا الاسم سبب الكوابيس التي عاشها ياسين قبل خمس سنوات، أحد أكبر تجار الس*لاح الذين ألقى ياسين القبض عليهم في مأمورية شهيرة، وصدر ضده حكم بالسجن المشدد، لكنه توفي داخل سجنه بعد عام واحد.
تابع ياسين بنبرة متسارعة وهو يتحرك في الصالة بقلق:
— “لما ابوه مات في السجن، هي حلفت إنها هتدمرني… دخلت السجن في قض*ية مخ*درات مصنعة، ولما أتمسكت في دائرني، عرفت إنها متسبتش الق/ضية بالصدفة، دي كانت داخلة العنبر برجلها عشان توصل لي. الجواز العرفي ده كان الطُعم اللي بلعته عشان أقدر أسيطر على الشبكة اللي بتديرها من جوة السجن… أنا كنت فاكر إني بشتغلها، بس يظهر إنها هي اللي كانت بتلعب بيا طول الوقت!”
سقطتُ على الأريكة المجاورة، وأمسكتُ برأسي بين يدي.
— “يعني أنت اتجوزتها عرفي عشان الشغل؟ ولا عشان هي عرفت تضحك عليك؟ أنت خنتني يا ياسين… خنتني مع وحدة حاطة مس*دس على رقبتك ورقبة بنتك!”
نظر إليّ بعينين ملطختين بالندم والترجي:
— “أنا غلطت… غلطت لما افتكرت إني قادر ألعب العبة دي لوحدي ومبلغتش القيادة بالتفاصيل. كنت فاكر إني حامي بيتي وبنتي لما أخلص الموضوع ده في السر… بس هي طلعت أذكياء من كل التوقعات، وعرفت تخرج النهاردة!”
قبل أن أتمكن من الرد، سمعنا حركة خفيفة في الممر المؤدي للغرف.
التفتنا نحن الاثنين بلهفة… كانت ابنتنا الصغيرة “جنى” تقف في منتصف الممر، تمسك بدميتها الصغيرة وتفرك عينيها بنعاس:
— “ماما… بابي… أنتم بتتكلموا بصوت عالٍ ليه؟”
تغيرت ملامح ياسين في ثانية. اختفى الخوف وحل محله قناع الأب الحنون فوراً، بلع غصته واقترب منها بابتسامة مصطنعة وجثا على ركبتيه أمامها:
— “مفيش حاجة يا حبيبة بابي… صحيتي ليه؟ تعالي أدخلك تنامي تاني.”
أخذها في حضنه وحملها إلى غرفتها، بينما بقيتُ أنا في الصالة أسترجع كل كلمة.
كانت الشكوك تتآكلني… هل ياسين يقول الحقيقة كاملة؟ أم أن ورقة الزواج العرفي كانت مجرد نزوة وسقوط منه، وأنه الآن يحاول التغطية عليها بحكاية “الانتقام وتوفيق الخشاب”؟
بعد دقائق، خرج ياسين من غرفة جنى وأغلق الباب ببطء. كان وجهه متيبساً.
توجه فوراً إلى المكتب الصغير في زاوية الصالة، فتح الدرج السري، وأخرج منه مس/دسه الميري الإضافي وخرطوشة طلقات.
وقفتُ مرعوبة:
— “أنت بتعمل إيه؟”
قال وهو يشحن المس/دس بنظرات جامدة:
— “ريم مش هتسكت… والرسالة اللي أتبعتتلك والاتصال ده كان عشان تشتت انتباهي. هي عارفة إني هجيبها… بس هي مش بتتحرك لوحدها، في حد جوة القطاع بيساعدها، حد هو اللي هربها وهو اللي إداها رقم البيت.”
اقترب مني ووضع يديه على كتفي، وكانت يداه باردتين كالثلج:
— “ندى… أنا عارف إنك مش قادرة تصدقيني، وعارف إن الجرح كبير… بس وحياة بنتنا، لو في عمري بقية هصلح كل حاجة. بس دلوقت لازم تقفلي الباب ده بالمفتاح من جوة، ومفتحيش لأي حد مهما كان… أنا نازل ومش راجع غير وهي في إيدي، أو…”
صمت ولم يكمل الجملة.
— “أو إيه يا ياسين؟” سألته بصوت يرتجف.
لم يجيب. قبل رأسي بسرعة، ثم خرج مسرعاً وأغلق الباب خلفه بقوة، ليعود الصمت الموحش يلف المكان.
جلستُ بجوار الباب، أمسك بمفتاح الشقة، وقلبي يدق كطبول الحرب.
كان الوقت يمر ببطء قاتل… مرت ساعة… ساعتان… والساعة تشير إلى الخامسة صباحاً والظلام يبدأ في الانسحاب تدريجياً أمام ضوء الفجر الخافت.
فجأة… سمعت صوت خطوات خفيفة جداً تتقدم في الممر الخارجي للفيلم أو العمارة.
توقفت الخطوات تماماً أمام باب شقتنا.
حبستُ أنفاسي، واقتربتُ من العين السحرية للباب ببطء شديد كي لا أصدر أي صوت.
وضعتُ عيني على الزجاج الصغير…
ولم أصدق ما رأته عيناي.
لم يكن ياسين… ولم تكن امرأة.
كان هناك رجل يرتدي زي الشرطة، يمسك بيده مظروفاً أسود كبير، وبيده الأخرى… كان يحاول إدخال نسخة من مفتاح شقتنا في القفل!
تجمّد الدم في عروقي وأنا أرى المفتاح يدور ببطء شديد داخل القفل.
كان صوت احتكاك المعدن بالنحاس يتردد في أذني كأنه طلقات نارية. تراجعت إلى الخلف بخطوات هادئة للغاية، وعقلي يعمل بأقصى سرعة: من هذا الذي يرتدي زي الشرطة ويمتلك نسخة من مفتاح شقتنا؟ وكيف حصل عليها؟
تذكرتُ كلمات ياسين الأخيرة قبل أن يخرج: *”في حد جوة القطاع بيساعدها… حد هو اللي هربها وهو اللي إداها رقم البيت.”*
أسرعت بنعومة نحو المطبخ، وسحبت أكبر سكين وقعت عليه يدي. ثم ركضت بخفة إلى غرفة جنى، حملتها وهي غارقة في نومها ووضعتها داخل الخزانة الكبيرة بين الملابس، وهمست في أذنها بصوت يرتجف:
— “جنى حبيبتي… اتعمّلي نايمة وم تخرجيش ولا تعملي أي صوت مهما سمعتي… ماشي؟”
نظرت إليّ ابنتي بعينين متسعتين من الخوف وهزت رأسها بنعم، فأغلقت باب الخزانة ببطء، وعدت فوراً إلى الصالة وأنا أعتصر مقبض السكين بيدين مبتلتين بالعرق.
تكتكة القفل انتهت.
فُتح الباب ببطء شديد، ودخل منه رجل ثلاثيني ذو بنيان قوي، يرتدي بدلة ضابط برتبة “رائد”. كان يحمل المظروف الأسود تحت ذراعه، وبيده الأخرى يمسك مس*دساً مزوداً بمكاتم صوت.
عندما خطى أول خطوة للداخل، وقفتُ أمامه بثبات لم أعهده في نفسي من قبل، ورفعت السكين في وجهه وصرخت بأعلى صوتي:
— “أنت مين؟! وازاي تدخل هنا؟! اخرج بره وإلا هصرخ وألم عليك العمارة كلها!”
توقف الضابط في مكانه، ولم تظهر على وجهه أي علامة مفاجأة. بالعكس، ابتسم ابتسامة باردة وهادئة، وأغلق الباب خلفه بكتفه دون أن يبعد عينيه عني.
قال بصوت منخفض وثابت:
— “اهدي يا مدام ندى… الصوت العالي مش هيفيدك، والعمارة معظمها مكاتب ومفاضية في الوقت ده من الفجر. وبعدين أنا مش جاي أؤذيكي… أنا جاي أنقذك أنتِ وبنتك من ‘المقدم ياسين’.”
تجمّدت في مكاني، وشعرت بدوار.
— “أنقذني من جوزي؟ أنت بتخرف بتقول إيه؟”
سحب الرائد كرسياً من طاولة الطعام وقعد عليه ببرود، ثم وضع المظروف الأسود على الطاولة، وأشار إليّ بيده:
— “أنا الرائد ‘حازم’… صديق ياسين في نفس القطاع. أو بالأحرى… كنت صديقه قبل ما اكتشف إنه تورط مع شبكة توفيق الخشاب للآخر.”
نفيت برأسي في جنون:
— “كذب! ياسين قال لي كل حاجة… قال لي إن ريم بنت توفيق الخشاب ورجلها هي اللي جابته، وإن الجواز العرفي كان طُعم عشان يوقعها!”
ضحك الرائد حازم بصوت عالٍ، ضحكة ملؤها السخرية والشفقة:
— “ياسين قالك كده؟ يا الله على القدرة على التأليف! ياسين قالك إنه هو اللي بيلعب بـ ‘ريم’؟”
فتح حازم المظروف الأسود وسحب منه أوراقاً وصوراً عديدة، ثم ألقاها على الطاولة أمامي:
— “بصي في الصور دي كويس يا مدام… ياسين مش مجرد ضابط اتورط في مأمورية. ياسين هو الشريك الفعلي للشبكة دي من أربع سنين! توفيق الخشاب لما مات في السجن، ساب ثروة وخطوط تهريب بمليارات… مين اللي كان ماسك ملف الخشاب وبيشرف على حصر أملاكه؟ ياسين!”
اقتربت ببطء، وعيناي تتنقلان بين الصور المعروضة على الطاولة.
كانت صوراً لياسين… ليس في مواجهات أو مأموريات، بل في أماكن خاصة، يجلس مع رجال أعمال مشبوهين، وصور أخرى له وهو يوقع على أوراق مالية، والأبشع من ذلك… صور تجمع بينه وبين ريم في أحد الشاليهات الساحلية، والضحكات تملأ وجهيهما، قبل حتى أن تدخل السجن بأشهر طويلة!
سقطت السكين من يدي على الأرض بصوت رنان.
تابع الرائد حازم بنبرة جادة وهو ينظر في عيني:
— “ريم مكنتش سجينة مظلومة ولا بتمثل عليه… ريم وياسين اختلفوا على تقسيم أموال شحنة س*لاح كبيرة دخلت البلد الشهر اللي فات. ياسين حب يتخلص منها ويحبسها لحسابه الخاص، عشان كده تلفق لها ق*ضية الم*خدرات ودخلت السجن. وهي جوة السجن، هددته بإنها هتفضح كل حاجة وتسلّم الأدلة للرقابة الإدارية، فا اضطر يتجوزها عرفي عشان يضمن سكوتها ويخليها تفتكر إنه لسه معاها.”
كانت الكلمات تنزل على رأسي كالمطارق. كل ما بنيت عليه حياتي طوال عشر سنوات كان مجرد وهم كبير. الرجل الذي أحببته وأمنت له كان مجرماً يرتدي زياً ميرياً!
قلت بصوت مبحوح:
— “وليه ريم أبعتتلي الرسالة دي؟ وليه هربت؟”
رد حازم وهو يقف ويمسك بمظروفه:
— “ريم مهربتش… ياسين هو اللي هربها بنفسه المأمورية اللي فاتت دي عشان يصفّيها بره السجن بعيد عن العيون! بس ريم كانت أذكى منه… قبل ما تخرج، سابتلي أنا الملف ده كله لأنها عارفة إن ياسين هيغدر بيها. والرسالة اللي أتبعتتلك… ريم أبعتتها من تليفونها عشان تخليكي تفتحي عينيكي وتعرفي الحقيقة قبل ما ياسين يخلص عليها ويختفي بفلوس الشحنة!”
ساد صمت قاتل في الصالة. كنت أشعر أن الهواء يقل من حولي، وجسدي كله يرتجف.
فجأة، اهتز هاتف الرائد حازم في جيبه. أخرجه بسرعة وفتح الخط، ولحظات حتى تغيرت ملامح وجهه تماماً وارتفعت حواجبه بذهول ورعب.
نظر إليّ وقال بصوت مشدود:
— “المأمورية اتكشفت… ياسين اتصاب في ضرب نار على طريق السخنة، وهو دلوقت في مستشفى الشرطة بين الحياة والموت… وفي قوة من النيابة العامة والرقابة في طريقها لبيتك هنا دلوقت عشان يفتشوا الشقة ويقبضوا على أي حد ليه علاقة بيه!”
قبل أن أستوعب ما قاله، سمعنا صوت سرينات سيارات الشرطة تصرخ في الشارع الأسفل وتتوقف بكثافة أمام العمارة!
تعالت أصوات أجهزة الإنذار وصفيح سيارات الشرطة في الشارع، واهتزت جدران الشقة مع خفخفة أقدام مسرعة تتصاعد على السلم الهادئ.
انقبض وجه الرائد حازم، وسحب مس*دسه بسرعة وهو يتراجع نحو النافذة المطلة على المنور الخلفي، ثم التفت إليّ بنبرة حادة وخاطفة:
— “النيابة والرقابة تحت… لو لقوا المظروف ده معاكي أو افتكروا إنك شريكة معاه في تحويلات الأموال، مش هتخرجي منها! اسمعيني يا ندى… أنا لازم أختفي دلوقت، الملف ده خبيه في أأمن مكان عندك، هو الس*لاح الوحيد اللي هيحميكي أنتِ وبنتك!”
وقبل أن أنطق بكلمة، قفز حازم بمهارة عبر النافذة ليختفي في عتمة مواسير المنور الخلفية.
بقيتُ بمفردي في منتصف الصالة، الأوراق والصور الممتلئة بأسرار ياسين المظلمة منثورة على الطاولة. ركضتُ بذهول، جمعتُ الأوراق وخبأتها في المكان الوحيد الذي لا يخطر على بال أحد… داخل البطانة الداخلية لحقيبة ابنتي المدرسية الملقاة في الزاوية، ثم ركضتُ إلى غرفة جنى، أخرجتها من الخزانة واحتضنتها بقوة وأنا أردد:
— “ماتخافيش يا حبيبتي… ماما معاكي.”
في تلك اللحظة، تدمر قفل الباب الخارجي بضربة قوية، واقتحمت قوة رئيسية من رجال الرقابة العامة والشرطة العسكرية الشقة. تقدمهم ضابط كبير برتبة عميد، نظراته حادة وصارمة.
تفحص المكان بعينين خبيرتين، ثم توقف أمامي وقال بصوت جهوري خالي من العاطفة:
— “مدام ندى… أنتِ وصغيرتك تحت التحفظ. الشقة دي بالكامل محل معاينة وتفتيش بأمر من النيابة العامة في القض*ية رقم (٤٠٢) حصر أمن دولة.”
تجمعت الدموع في عيني وأنا أحضن جنى التي أجهشت بالبكاء:
— “أنا ماليش دعوة بحاجة… أنا معرفش أي حاجة عن شغل ياسين!”
رد العميد بجفاف:
— “المقدم ياسين اتصاب في اشتباك مسلح على طريق السخنة، وحالياً في العناية المركزة بمستشفى الشرطة تحت حراسة مشددة. والأدلة المبدئية بتأكد إن الشقة دي فيها وثائق تخص تحويلات مالية لحسابات بره مصر.”
بدأ رجال التفتيش في قلب الشقة رأساً على عقب؛ الكتب، الملابس، المطبخ، والأدراج… بينما كنتُ أقف ومعدتي تتلوى من الخوف، يدَيّ تتصلبان فوق حقيبة جنى المدرسية التي يحملها ظهرها الصغير.
مرت ساعتان كأنهما دهر. لم يجدوا شيئاً ملموساً سوى الهاتف الثاني الذي تركه ياسين على الطاولة.
تم اقتدادي أنا وجنى في سيارة معتمة نحو مقر النيابة العامة. هناك، قَضيتُ ساعات طويلة في تحقيق مرهق، حاولوا فيه كسري بأسئلة لا تنتهي عن علاقات ياسين، وعن “ريم”، وعن الأموال. لكنني تمسكتُ بموقفي: زوجة مخدوعة لا تعرف عن حياة زوجها العملية سوى ما يظهره أي ضابط لبيته.
وبسبب عدم وجود دلائل مباشرة تتهمني، وبفضل تدخل محامٍ من أصدقاء والدي القدامى، صدر قرار بإفراج مؤقت عني بضمان محل الإقامة، مع منعي من السفر ووضعي تحت المراقبة.
خرجتُ من مبنى النيابة في منتصف النهار، أجرّ قدمي بوهن، وأمسك بيد جنى التي كانت ترتجف من الإرهاق. لم أعد أملك مكاناً أذهب إليه، فشقتي مغلقة بالشمع الأحمر.
توجّهتُ إلى شقة والدي الراحل المغلقة منذ سنوات في حي قديم. هناك، وسط الغبار والذكريات، أغلقتُ الباب علينا بالمفتاح، وسحبتُ حقيبة جنى المدرسية.
فتحتُ البطانة وأخرجتُ أوراق الرائد حازم.
بدأتُ أقرأ الوثائق بتمعن وصدمة تلو الأخرى. لم تكن مجرد صور ومستندات س*لاح… بل كانت تحتوي على تفاصيل حساب بنكي باسم مستعار، ومفكّرة صغيرة بخط يد ياسين، فيها تواريخ ومواعيد لمأموريات وهمية… وأسماء لشخصيات نافذة.
لكن المثير للرعب، أن الصفحة الأخيرة من المفكرة كانت تحتوي على رسم تخطيطي لبيتنا القديم، وملاحظة بخط ياسين تقوّل:
*”إذا حدث لي شيء… الوديعة الحقيقية في خزينة المستشفى.”*
وفجأة… اهتز هاتفي الشخصي برقم مجهول.
ترددتُ كثيراً قبل أن أجيب، ثم وضعت الهاتف على أذني بصوت متهدج:
— “ألـو؟”
جاءني صوت ضعيف، مبحوح، يصارع الأنفاس والأجهزة الطبّية… صوت عرفته طوال عشر سنوات:
— “نـدى… اسمعيني كويس… حازم ضحك عليكي… حازم هو اللي ورا كل حاجة… أوعي تصدقي أي حاجة في المظروف… ريم… ريم مع حازم دلوقت… وهمّه جايين لك عشان الأوراق…”
انقطع الصوت فجأة، وتحول إلى صفير مستمر لجهاز قياس نبضات القلب!
تجمّدت في مكاني والسماعة في يدي تصدر ذلك الصفير القاتل الذي يعلن نهاية نَبض ياسين.
رحل ياسين وتركني في منتصف الدوامة، مع أوراق تسوي حسابات رجالٍ شربوا من نفس كأس الجشع. لم يكن هناك وقت للبكاء أو الذهول؛ فالصوت الدفين لخاطر أم تحمي ابنتها استيقظ في أعماقي بقوة لم أعهدها من قبل.
فهمت اللعبة كلها في ثوانٍ…
حازم ورئيسه وتوفيق الخشاب وريم وياسين؛ كلهم كانوا أجزاءً في شطرنج أسود، وحازم استغل الصدمة في رأسي ليمثل دور المنقذ الشريف ليحصل على الخيط الأخير الذي يربطه بالشبكة: أوراق الحسابات والوديعة.
أسرعتُ وجمعت الأوراق كلها، ولم أتردد للحظة. لم أعد تلك الزوجة السلبية التي تنتظر الفرج أو تثق بالوعود البراقة. خرجتُ مع ابنتي من الباب الخلفي للبناية القديمة قبل أن تصل أقدام حازم أو زبانيته.
توجهتُ مباشرة إلى الإدارة العامة للرقابة الإدارية، وطلبتُ مقابلة المحقق المسؤول عن ملف قض*ية الس/لاح شخصياً. سلمته المظروف بالكامل، ومعه مفكرة ياسين، وكشفتُ له عن مكان الوديعة في مستشفى الشرطة.
خلال 48 ساعة، سقطت الأقنعة وتهاوت القلاع الشامخة.
دُهم مقر حازم وتم القبض عليه متلبساً مع ريم أثناء محاولتهما الهروب خارج البلاد بملفات مزورة، واعترف الجميع بالشبكة الممتدة التي استغلت السلطة والنفوذ لسنوات.
رجعتُ إلى بيتي بعد رفع الشمع الأحمر عنه، لكنني لم أعد نفس المرأة. رفعتُ رأسي واسترددتُ حريتي وكرامتي، وبدأتُ مع ابنتي “جنى” حياة جديدة خالية من الشك والخوف والوجوه المستعارة.
### **الحكمة من القصة**
> **”ليس كل من يرتدي ثوب الحماية أليفاً، ولا كل من يرفع شعار الإنقاذ صادقاً.”**
> إن الثقة المطلقة دون وعي هي الجسر الذي يعبر عليه الخداع إلى حياتنا. الحقيقة قد تكون مؤلمة وقاسية، لكن مواجهتها بشجاعة واتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب هو الس*لاح الوحيد الذي يحمي شرف الإنسان ويعيد له حريته وكرامته، مهما بلغت قوة الظلام من حوله.
>


تعليقات
إرسال تعليق