القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

حكاية ياسين وليلى كاملة بقلم ملك ابراهيم

 حكاية ياسين وليلى كاملة بقلم ملك ابراهيم 




حكاية ياسين وليلى الجزء الأول



الجزء الأول


الكاتبة ملك إبراهيم 


القاهرة – مبنى الراوي جروب – الساعة 10 الصبح


مكتب الاجتماعات. ياسين الراوي قاعد على راس الترابيزة، قدامُه فايل ووراه إزاز بيكشف نص البلد. مفيش صوت غير صوت التكييف وورقة بتتقلب.


 


هو “الديب” زي ما بيسموه.. كان لابس بدلة سودة، دقنه مرسومة، وعينه ما بترمش. كل اللي في الأوضة حافظين الدرس: تتكلم في دورك، تختصر، ما تغلطش.


 


دخل مدير التسويق ومعاه 3 بنات من قسم التصميم” 


“يا فندم دي الموظفة الجديدة لسه متعينة جديد بس دماغها ألماظ.”


 


ياسين مرفعش عينه من الفايل.  


“خليها تبدأ.”


 


صوتها جه من آخر الترابيزة.. هادي بس واثق:  


“صباح الخير.. أنا ليلى، وعملنا كونسبت اسمه الجذور. الشركة دي ليها هيبة، بس الهيبة دي محتاجة لون..”


 


القلم وقع من إيده.


 


رفع وشه ببطء. شافها.  


نفس العيون الواسعة اللي كان بيغطيها بالبطانية وهي نايمة من 14 سنة. بس كبرت.. شعرها ملموم، لابسة فورمال أسود، وفي إيدها دبلة فضة رفيعة هو اللي جايبها لها في عيد ميلادها الـ18.


 


الدنيا وقفت ثانيتين.  


كل اللي في الأوضة حسوا إن الأكسجين قل.


 


ليلى كملت شرح كأنها مش واخدة بالها من الزلزال اللي قام. قلب ياسين كان مو لع في ضلوعه، بس وشه.. حجر.


 


خلصت. سكوت.  


مدير التسويق بيضحك بتوتر: “هايلة مش كده يا ياسين باشا؟”  


ياسين قام وقف. الطول والقسوة بتاعته خلوا الكل يبلع ريقه.


 


ياسين بقسوة: “الأستاذ.. اللي عيّنها. يجيلي مكتبي حالاً.” 


 


صوته كان واطي، وده أوحش من الزعيق.  


“والاجتماع خلص.”


 


خرج وساب الباب مفتوح. كلهم بصوا لبعض. ليلى بس اللي فضلت باصة في الأرض وبتلم ورقها بإيد بتترعش على خفيف.



مكتب ياسين – بعد 10 دقايق


مدير الـHR واقف وعرقه مغرق وشه .  


“يا فندم والله الـCV بتاعها قوي جداً، فنون جميلة امتياز مع مرتبة الشرف، ومعاها توصية من..”


 


“اخرس.”  


ياسين كان مديله ضهره وبيبص من الإزاز.  


“انت عينت بنت عمي في شركتي من غير ما تعدي عليا. عارف دي معناها إيه؟”


 


الراجل شهق: “بنت.. بنت عم سعادتك؟ أقسم بالله ما نعرف يا باشا! هي مقدمة باسم ليلى سالم، مش الراوي خالص!”


 


ياسين لف. عينه كانت سواد.  


“عشان كده أنا لسه سايبك واقف على رجلك. ظرفك في الحسابات. بره.”


 


الباب اتقفل. ياسين مسك تليفونه وطلب الرقم اللي محفوظ باسم واحد: “الوصية”.  


“ألو يا حاج سعيد.. ليلى كانت في المدرسة في إسكندرية وانا الواصي عليها. إزاي تخرج وتيجي القاهرة من غير ما أعرف؟”


 


“يا ياسين بيه والله البنت كملت 24 سنة، وصايتك انتهت قانوني من 3 سنين، ومبلغين سيادتك.. هي طلبت تاخد ورقها كله من شهرين وقالت إنها مسافرة باريس زي ما حضرتك مرتب..”


 


ياسين قفل السكة في وشه ورمى الموبايل على المكتب.  


“باريس.. بقى بتتحدينـي يا ليلى وتشتغلي في شركتي من غير ما اعرف..”



 


الساعة 6 المغرب – مكتب التصميم


ليلى بتلم حاجتها عشان تروح. أول يوم وكان أطول يوم في حياتها. شافته.. بعد سنة بحالها من آخر زيارة باردة في إسكندرية. كان نفس الوش الخشب، بس النهاردة عينه كانت بتاكلها وهي بتشرح.


 


الباب اتفتح من غير خبط. هو.


 


الموظفين اتسمرّوا. ياسين شاور: “كله بره.”


 


الأوضة فضيت في 5 ثواني.  


هو واقف عند الباب، وهي واقفة ورا مكتبها. بينهم 4 متر.


 


“ليلى.”  


صوته خلاها تتنفس بسرعة.  


“إنتي إيه اللي جابك هنا؟”


 


رفعت راسها. عينها فيها عتاب السنين كلها.  


“ده شغل. أنا خريجة فنون جميلة، وده مجالي. ولا الراوي جروب ممنوع يشتغل فيها حد من العيلة ؟”


 


قرّب خطوة. خطواته بقت أقرب، وريحته اللي حافظاها من وهي عيلة ملت الأوضة.  


“إنتي كان المفروض تبقي في باريس دلوقتي. الشقة جاهزة هناك، الشغل مستنيكي هناك مش هنا.”


 


ابتسمت بسخرية، أول مرة تكلمه كده:  


“المفروض؟ على أساس إيه؟ إنك الواصي عليا صح؟ الوصاية خلصت يا باشمهندس ياسين. أنا كبرت.. مبقتش بنت عمك الصغيرة اللي انت واصي عليها “


 


كلمة” باشمهندس ” دي ضربته في صدره.  


قرّب كمان خطوة. بقى بينهم مكتب.  


“لما أقول كلمة تتنفذ. القاهرة مش ليكي. والشركة دي بالذات.. خط أحمر.”


 


“ليه؟” سألت وهي بتثبت عينها في عينه. “خايف عليا ولا خايف مني؟”


 


السكوت اللي حصل كان أتقل من كل صفقاته. عروق إيده بانت وهو ماسك في حرف المكتب. 


 


زقّ فايل على المكتب.  


“من بكره، مكتبك هيبقى في نفس الدور بتاعي ، جنب مكتبي. المسمى الوظيفي: متدربة في مكتب رئيس مجلس الإدارة. ممنوع تعامل مباشر مع أي مدير، ممنوع سهر، ممنوع تطلعي من المبنى من غير الحرس بتوعي.”


 


“إنت بتحبسني.”  


قالتها بهمس.


 


“أنا بحميكي.”  


قالها وهو بيبص في عينها نظرة خلت ركبها تسيب. “من الدنيا.. ومني.”


 


لف وسابها واقفة، قلبها بيدق زي الطبلة، وهو ماشي وكل خلية فيه بتقوله يهرب من المشاعر اللي بيحس بيها اتجاهها.. بس مينفعش. خلاص بقت تحت عينه، ومش هيعرف يهرب من مشاعره تاني.. مش عايزها تعرف انه بيحبها.. هو دفن حبه جوه قلبه من زمان لأنه شايفها اصغر منه بكتير ومينفعش. 



 


وهو راكب الأسانسير لوحده، سند ب ايديه على المراية الباردة وغمض عينه.  


همس لنفسه: “ناويه تعملي فيا ايه يا بنت الرواي.”


… يتبع


 


الفصل 2: 


بعد 3 أسابيع من شغل ليلى في الدور 32 


ياسين نفذ كلمته بالحرف. مكتب ليلى بقى أوضة إزاز جنب مكتبه، بينهم باب. ممنوع أي موظف يدخل لها إلا بإذنه. حتى القهوة.. لازم تطلبها من السكرتارية بتاعته وهو يمضي عليها. مواعيدها ثابتة: 8 الصبح دخول، 5 المغرب خروج. ممنوع سهر.


 


سيد، كبير الحرس، ومعاه 2 من رجالته بقوا ضلها جوه المبنى. وهي كانت بتكره السجن ده. وهو كان بيكره ضعفه كل ما يسمع صوت قلمها على الورق من المكتب اللي جنبه.


 


بس كان فاكر إنه مسيطر.. لحد ليلة الخميس.


 



 


الساعة 5:45 المغرب – الدور 32


 


ليلى واقفة قدام مكتب ياسين.  


“أنا محتاجة أسهر النهاردة. في ديدلاين للكونسبت الجديد ولازم أسلمه للعميل بكرة الصبح.”


 


ياسين مرفعش عينه من اللاب.  


“ممنوع. سيد هيوصلك الشقة اللي مأجرها لك جنب البرج. اشتغلي من هناك.”


 


“دي مش شقة، ده قفص تاني.” صوتها اتخنق. “أنا مش هعرف أركز غير على مكتبي هنا. ساعتين بس.”


 


سكت ثانيتين. عينه راحت للدبلة الفضة الرفيعة في إيدها وهي ماسكة طرف الباب.  


“ساعتين. سيد ورجالته هيفضلوا على باب الدور. والدور كله هيتقفل. مفهوم؟”


 


هزت راسها ومشيت من غير كلمة.


 



 


الساعة 8:05 بالليل – جراج الراوي جروب


 


الجراج فاضي إلا من عربية مصفحة وعربيتين حراسة. ليلى خلصت ونازلة مع سيد واتنين من الرجالة زي ما ياسين أمر.


 


“يا ليلى هانم اتفضلي..”


 


فجأة.. النور قطع. ثانية واحدة والجنريتور اشتغل، بس الثانية دي كانت كفاية.


 


عربية ڤان سودة من غير نمر كسرت البوابة الجانبية اللي بتتفتح يدوي وقت الطوارئ. 4 ملثمين نزلوا منها. قنبلة دخان اترمت.


 


صوت ضرب نار على الكاوتش. واحد من الحرس وقع. سيد لحق يشد ليلى ورا العمود بس اتضرب بماسورة حديد في كتفه.


 


ليلى صرخت. واحد كتم بوقها والتاني شالها. سيد بيحاول يقوم وهو بينزف، ضرب نار في الهوا عشان الإنذار يشتغل.


 


الباب اترزع والعربية طارت.  


الإنذار ضرب في المبنى كله. 8:06


 



 


الساعة 8:09 – فندق الفورسيزون – ياسين


 


كان لسه بيخلص عشا العمل لما حاتم، مدير أمنه، جري عليه ووشه مخطوف.  


“ياسين باشا.. ليلى هانم اتخطفت من الجراج من 3 دقايق. سيد متصاب.”


 


الدنيا اسودت في عينه. الكاس اللي في إيده اتكسر من قبضته.  


“اقفل القاهرة. عايز كل كاميرات الدائري. ومحدش يجيب سيرة للبوليس لحد ما أفهم.”


 


تليفونه رن. رقم برايفت.  


“الدِيب.. واحشنا. عايز البنت ترجعلك سليمة؟ يبقى تتنازل عن مناقصة المينا لإبراهيم الشناوي. معاك للفجر. ولو البوليس دخل، هتسمع صوتها وهي بتستنجد بيك في ريكورد.”


 


الخط اتقفل.


 


ياسين بص لحاتم. صوته واطي بس الكل اتجمد:  


“إبراهيم الشناوي. هاتلي مكانه دلوقتي. مش عايز نقطة دم تنزل من ليلى.”


 



 


الساعة 1:40 الفجر – مخزن مهجور في شق التعبان


 


ليلى مربوطة في كرسي وإيدها متجرحة من الحبل. الدبلة الفضة اتخربشت بس لسه في صباعها. قدامها واقف راجل خمسيني، بدلة غالية ووش بجح.


 


“أنا إبراهيم الشناوي. أظن سمعتي سابقاني مع ابن عمك.”  


ضحك وهو بيقرب. “بصراحة مكنتش مصدق إن الدِيب عنده نقطة ضعف. بس طلع عنده قلب.. وقلبه إنتي يا حلوة.”


 


ليلى كانت باصة في الأرض وبتترعش، بس مش من الخوف عليه.. من الخوف على ياسين. هي عارفة الجنان اللي هيعمله.


 


فجأة الباب الحديد اتفتح بهدوء. مش انفجار. اتفتح بمفتاح.


 


ياسين دخل لوحده. لابس نفس البدلة السودا، مفيش نقطة تراب عليها. في إيده مفيش سلا*ح. وراه حاتم ورجالته ماليين المكان بالسلا*ح، بس محدش ضرب نار.


 


2 من رجالة الشناوي كانوا مرميين على الأرض مربوطين ومتكلبشين. التالت واقف مصدوم.


 


عين ياسين كانت سواد.. سواد بارد يخوف أكتر من الدم.  


“إبراهيم.”


 


الشناوي بلع ريقه وطلع مسد*سه وصوبه على راس ليلى. “خطوة كمان وهطير دماغها! انت فاكر نفسك مين؟”


 


ياسين مقربش. وقف مكانه وقال بهدوء قاتل:  


“أنا الديب. والدِيب مبيقتلش.. الدِيب بيدفن حي.”


 


شاور بصباعه. حاتم رمى فايل قدام رجل الشناوي. اتفتح وخرج منه صور ومستندات.  


“دي صور تحويلات مناقصة بورسعيد 2019. ودي تسجيلاتك وانت بتتفق مع الأتراك على تهريب. وده.. عقد ملكية كل شركاتك اللي مضيته ب اسم مراتك عشان تهرب من الضرايب.”


 


وش الشناوي جاب ألوان.  


“إنت.. جبت الورق ده منين؟”


 


“أنا ربيتك في السوق 10 سنين. فاكرني كنت بلعب؟” ياسين خطى خطوة. “قدامك حل من اتنين. ترمي السلا*ح وتقضي باقي عمرك في السجن، وساعتها ليلى هتطلع من هنا ومشافتش نقطة دم. أو.. تدوس الزناد.”


 


قرب كمان خطوة. “بس لو دوست الزناد، أوعدك إن الورق ده هيكون في مكتب النائب العام كمان 5 دقايق، وعيالك هيتشردوا في الشارع، واسم الشناوي هيتمسح من مصر كلها. وأنا.. هكون آخر وش تشوفه قبل ما حاتم يرميك في حفرة محدش يعرف طريقها.”


 


إيد الشناوي بتترعش. باصص للمسد*س، وباصص لليلى، وباصص للورق.  



ياسين وقف قدامه. المسافة بينهم متر.  


“اختار. دلوقتي.”


 


الشناوي صرخ ورمى المسد*س على الأرض. وقع على ركبه.  


“كسبت.. كسبت يا ديب.”


 


ياسين مداش إشارة. حاتم ورجالته اتحركوا زي الآلة. كلبشوا الشناوي في ثانيتين.


 


ياسين راح لليلى. فك الحبل من إيديها بإيدين ثابتة. لما صوابعه لمست معصمها المتعور بالغلط، اتنفض.  


عينها كانت مليانة دموع بس مش بتعيط. كانت بتبص له كأنها شايفاه لأول مرة.


 


مقالتش كلمة. مقدرتش تقف.  


شالها. لأول مرة من وهي 10 سنين، شالها. كانت خفيفة زي العصفورة، ودافنة وشها في جاكيت بدلته عشان متشوفش الرجالة.


 


وهو خارج بيها من المخزن، همست:  


“إنت.. إنت مجنون.”


 


ياسين كان باصص قدامه.  


“مجنون بيكي.” قالها بصوت مبحوح محدش سمعه غيرها. “وعشان كده.. كان لازم تفضلي في باريس.”


 


ركبها العربية المصفحة وقفل الباب. قال لحاتم: “الشناوي والورق كله على مكتب النائب العام. عايزه يتحاكم، مش يموت. الدم يوسخنا.”


 


ركب جنبها. العربية اتحركت. ليلى كانت ساندة راسها على الإزاز وباصة للدبلة المخربشة في إيدها.


 


الخط الأحمر اللي اسمه “محدش يلمس ليلى. حتى أنا”.. هو اللي كسره. هو اللي شالها. وهو اللي وراها الوحش اللي جواه من غير ما يقتل.


 


ومن اللحظة دي، الحرب مبقتش على المينا.. الحرب بقت إنه يخليها تسامحه على إنه دخلها عالمه الأسود ده.


… يتبع



الفصل 3: 


الساعة 4:17 الفجر – فيلا الراوي – التجمع


 


الفيلا كلها كانت على رجل. دكاترة، حرس، حاتم مدير الأمن واقف بره الأوضة مستني أوامر.


 


ياسين دخل بيها أوضته هو. مرماشهاش على سرير الضيوف. لأ.. حطها على سريره.  


السرير اللي محدش لمسه غيره من سنين.


 


ليلى كانت ساكتة. عينها حمرا من العياط، شفايفها بيضا، وجاكيت الفورمال بتاعها متبهدل من الحبل. الدبلة الفضة في إيدها متخربشة.  


هو واقف قدامها. جاكيت بدلته عليه تراب من المخزن، وقميصه متكرمش. لأول مرة مش عارف يقول إيه.


 


“الدكتور بره.” قالها وصوته مجروح من الزعيق. “خليه يشوف إيدك.”


 


“مش عايزة دكاترة.”  


صوتها كان واطي بس ثابت.  


بصت لإيده هو. كفّه متشرح من الإزاز اللي كسره في الفندق لما عرف الخبر، والشاش اللي لفوه له في العربية نشع دم.


 


قامت من على السرير برجليها اللي مش شايلاها، وعدت من جنبه رايحة الحمام بتاعه. فتحت درج الإسعافات الأولية اللي هي عارفة مكانه من وهي طفلة. جابت قطن وبيتادين وشاش.


 


رجعت ووقفت قدامه.  


“اقعد.”


 


“ليلى.. قولتلك الدكتور..”


 


“قولتلك اقعد يا ياسين.”


 


اسمه. من غير باشا، من غير أستاذ. قالت “ياسين” حاف.  


الكلمة دي كسرت آخر حتة خشب في وشه. قعد على طرف السرير زي العيل اللي بيتعاقب.


 


قعدت على ركبها قدامه على الأرض. مسكت إيده الكبيرة المتعورة بين إيديها الصغيرين.  


إيده اتنفضت. القاعدة: “محدش يلمس ليلى. حتى أنا.” بس هي اللي لمساه دلوقتي.


 


بدأت تطهر الجرح بالقطن. كانت بتحاول تبقى جامدة، بس إيدها بتترعش وهي شايفة عمق الجرح.  


هو باصص لفوق راسها. مش قادر يبص في عينها. ريحة شعرها لسه نفس الشامبو بتاع الأطفال اللي كان بيجيبهولها زمان.


 


السكوت تقيل. مفيش غير صوت نفسها اللي متقطع.


 


“كنت هتضيع نفسك.” همست وهي مركزة في الجرح.  


“لو كان ضغط على الزناد كنت هتضيع.”


 


“ومكنتش هتفرق.” قالها وهو بيجز على سنانه. “إنتي لو جرالك حاجة.. أنا كده كده انتهيت.”


 


الإعتراف طلع منه غصب عنه. أول مرة.


 


إيدها وقفت. رفعت عينها وبصتله.  


“ليه؟ عشان الوصاية؟ عشان أنا بنت عمك؟”


 


ضحك ضحكة مكسورة مفيهاش أي فرح.  


“وصاية إيه يا ليلى.. الوصاية خلصت من سنين. أنا بحبسك وببعدك وبكرهك فيّ عشان أحميكي.. مني. من اسمي، من حربي، من أعدائي.”


 


ساب الجملة معلقة في الهوا.  


ليلى كملت تضميد الجرح، لفت الشاش حوالين كفّه. ولما خلصت، مسبتش إيده. فضلت ماسكاها وبصت للدبلة المخربشة في إيدها التانية.


 


“بصلي.” قالتها بأمر.


 


بصلها. عينه كانت حمرا، مش من السهر.. من الرعب. من فكرة إنه كان ممكن يخسرها.


 


“أنا مبقتش العيلة الصغيرة يا ياسين.”  


صوتها كان ثابت، قوي. “مبقتش البنت اللي بتغطيها بالبطانية وتخاف عليها من الضلمة. أنا كبرت وأنا شايفاك في كل راجل محترم بيعدي من قدامي.. وملقيتش زيك. كبرت وأنا بحبك.”


 


الكلمة نزلت عليه زي صاعقة.  


“ليلى.. إنتي مش فاهمة..”


 


“هش.” حطت صباعها على شفايفه. أول لمسة منها على وشه من وهي 9 سنين.  


“إنت شايل جبل لوحدك من يوم ما أبويا مات. جبل الذنب، جبل المسؤولية، جبل الخوف عليا. بس أنا دلوقتي عايزة أشيل معاك. مش عشان إنت ضعيف، عشان أنا بقيت قوية بيك.”


 


قربت منه. ركبها لسه على الأرض، وهو قاعد على حرف السرير. وشها بقى قدام وشه بالظبط.  


“أنا مش نقطة ضعفك يا دِيب.” همست وهي عينها في عينه. “أنا ممكن أبقى درعك.. لو إنت سمحتلي.”


 


كانت قريبة لدرجة إنه شايف الدموع اللي لسه منشفتش في عينها…..كملوا الباقي في الجزء الأخير 


حكاية ياسين وليلى الجزء الأخير



الجزء الأخير


الكاتبة ملك إبراهيم


قربت منه. ركبها لسه على الأرض، وهو قاعد على حرف السرير. وشها بقى قدام وشه بالظبط.


“أنا مش نقطة ضعفك يا دِيب.” همست وهي عينها في عينه. “أنا ممكن أبقى درعك.. لو إنت سمحتلي.”


 


كانت قريبة لدرجة إنه شايف الدموع اللي لسه منشفتش في عينها. شايف الشجاعة والخوف مع بعض. شايف الخربوش اللي على الدبلة الفضة اللي جابهالها.


 


القاعدة.. القسم اللي حالفه لنفسه من 14 سنة.. كل الخطوط الحمرا ساحت.


هو كان منهار. متكسر. لأول مرة في حياته مش الدِيب.. كان ياسين اليتيم اللي شايل موت أبوه وعمه على كتفه.


 


إيديه السليمة اترفعت ببطء ولمست وشها. كأنه خايف تكون سراب وهتختفي.


“لو قربت.. مش هعرف أحميكي من عالمى. وإنتي هتتكوي بناري.”


 


“إتحرق معاك.” ردت من غير تفكير. “بس متسبنيش في التلج لوحدي تاني.”


 


وهنا انهار السد.


 


هي اللي اتحركت. ملمستش شفايفه بقوة.. لأ. لمستها بمواساة. بوسة خفيفة، مرتعشة، على طرف شفايفه. كأنها بتقوله “أنا هنا، مش هسيبك”.


كانت بوسة اعتذار عن السنين اللي قضاها لوحده، وبوسة وعد إنها مش هتمشي.


 


ياسين اتجمد. نفسه اتقطع.


14 سنة بيحارب الإحساس ده. 14 سنة بيقول لنفسه “حرام، عيب، مسؤوليتك”.


وفي ثانية.. كل ده بقى رماد.


 


إيديه اللي كانت بتترعش، مسكت وشها خلاص. ثبتها، وقرب جبهته من جبهتها. ماباسهاش. كان بيتنفس ريحتها كأنه بيتأكد إنها حقيقية.


بوسة مش شهوة. بوسة واحد غرقان ومسك في طوق النجاة بتاعه. بوسة فيها وجع السنين، وخوف الفقدان، وراحة إنه رجعها.


 


بعد عنها ثانية واحدة عشان يتنفس، جبهته لازقة في جبهتها. الاتنين بيتنفسوا بسرعة.


“سامحيني.” همسها وهو مغمض. “سامحيني إني ضعفت، وإني دخلتك حربي.”


 


ليلى ابتسمت وسط دموعها وحضنت وشه بإيديها الاتنين.


“إنت كده أقوى.. عشان بقيت بني آدم، مش ديب لوحدك.”


 


بره الأوضة، حاتم سمع صوت همس بس. مفيش كسر ولا زعيق. سكوت غريب على الدِيب.


وبص للحرس وقال: “محدش يقرب من الدور ده للصبح. الدِيب.. سلم.”


 


… يتبع


 



 


الفصل 4:


تاني يوم الصبح – فيلا الراوي – الساعة 8:00


ياسين صحي قبلها. قاعد على الكرسي اللي جنب السرير، وضهره مفرود، ولابس قميص وبنطلون بس من غير جاكيت. كفّه متشاش من جرح الإزاز. عينه كانت على ليلى وهي نايمة في سريره، متغطية باللحاف بتاعه.


 


اللي حصل بالليل كان لسه تقيل على قلبه. هو الدِيب.. اللي عمره ما كسر قاعدة حطها لنفسه.. كسر أهم قاعدة في حياته. “محدش يلمس ليلى. حتى أنا”. ولمسها. بس كان مضطر.


 


ليلى فتحت عينها بالراحة. شافته قاعد. اتخضت لثانية وبعدين افتكرت اللي حصل في المخزن، وافتكرت جبهته على جبهتها. وشها احمر.


“صباح.. الخير.”


 


“صباح النور.” صوته كان ناشف كالعادة. بس نبرة “النور” وهو بيبصلها كانت مختلفة. فيها حاجة دافية ومكسورة في نفس الوقت.


 


قام وقف: “الدكتور قال إنك كويسة بس محتاجة راحة. النهاردة إجازة. الفطار تحت.”


 


رجع الدِيب تاني. الآمر الناهي. بس ليلى لاحظت إن كلمة “إجازة” طلعت منه بالعافية. هو مش متعود حد يعصي كلامه، حتى لو الحد ده هو نفسه.


“مش عايزة إجازة.” قامت وهي بتستوعب.. “عايزة أرجع المكتب. لو قعدت هنا هفكر في اللي حصل.”


 


بص لها ثانيتين. شاف العند في عينها. نفس العند اللي خلاها تيجي القاهرة.


“تمام. ربع ساعة وتكوني جاهزة. هنروح سوا.”


 



 


مبنى الراوي جروب – الدور 32 – الساعة 9:30


 


الخبر انتشر أسرع من النار في الهشيم. “المتدربة” بايته في فيلا ياسين باشا، وجاية معاه في عربيته، وإيده متشاش.


 


الموظفين بيتوشوشوا. النظرات بتاكل ليلى وهي ماشية جنبه رايحة مكتبها الإزاز.


هو ملاحظ كل نظرة. فكه معضّم. إيديه السليمة في جيبه عشان ميمدش إيده يكسر وش حد.


 


أول ما دخل مكتبه، فتح الباب الإزاز اللي بينهم على الآخر.


“ليلى.”


 


قامت وقفت.


“الباب ده يفضل مفتوح طول ما إنتي هنا. ومفيش موظف يدخل مكتبك إلا وحاتم أو أنا على الباب.”


 


“ياسين!” قالتها بحدة خفيفة. “إنت كده بتأكد الإشاعة. وبتحطني في قفص إزاز تاني.”


 


قرّب من فتحة الباب لحد ما بقى على بعد خطوة منها.


“الإشاعة كده كده طالعة من إمبارح بالليل. أنا بحميكي من الكلام. ومحدش يبصلك بصّة متعجبنيش، خصوصاً بعد اللي حصل.”


 


ده كان أول إعلان تملّك. قاسي، غيور، مفيهوش نقاش. بس كان فيه خوف. خوف الفقدان بتاع إمبارح لسه معلم فيه.


 



 


الساعة 3 العصر – اجتماع مجلس الإدارة


 


ليلى قاعدة في آخر القاعة بتدون ملاحظات، بناءً على أوامره. “عايزك تفهمي الشغل كله، عشان تبقي فاهمة بتحاربي مين”.


 


الباب اتفتح ودخلت.


روز فريد. مديرة أعمال ياسين، 30 سنة، لبنانية، شيك لدرجة توجع العين. هي دراعه اليمين في كل صفقات أوروبا. وكل الشركة عارفة إنها بتحاول معاه من سنين.


 


دخلت سلمت على الكل، ولما وصلت لياسين، مالت سلمت عليه وباست خده باست سلام رسمي سريع وقالت بصوت عالي:


“وحشتني يا دِيب. أوروبا من غيرك مالهاش طعم.”



ليلى القلم وقف في إيدها. بصت للدبلة المخربشة في صباعها لا إرادياً.


ياسين متكلمش. بس عينه راحت على ليلى لثانية.. شاف الغيرة مولعة في وشها. قلبه دق. دي أول مرة يشوفها بتغير عليه.


 


روز كملت وهي بتقعد على الكرسي اللي جنبه بالظبط: “بمناسبة رجوعي، هنحتاج نقعد النهاردة. عشا عمل في النايل ريتز، زي زمان. أنا وانت، عشان نراجع ورق صفقة إيطاليا اللي متعطل.”


 


قالت “أنا وانت” وهي بتبص ناحية ليلى بابتسامة باردة.


 


هنا ياسين اتكلم. صوته هادي يخوف.


“روز.. حمد الله على السلامة. الأستاذة ليلى الراوي، المدربة التنفيذية الجديدة في مكتبي. من النهاردة هي اللي هتمسك ملف إيطاليا معايا.”


 


قال “الراوي” قاصد. روز وشها جاب ألوان.


“الراوي؟ بنت..”


 


“بنت عمي.” قاطعها ياسين مسبلهاش فرصة تكمل. “وعشا العمل هيبقى أنا وإنتي والأستاذة ليلى. الساعة 8. في المكتب هنا، مش في النايل ريتز.”


 


القاعة كلها اتكهربت. روز بصت لياسين بصدمة، وبصت لليلى بغِل مكتوم.


وليلى؟ كانت باصة في ورقها، بس قلبها بيرقص. هو دافع عنها.. بطريقته القاسية. أعلنها “الراوي” قدام الكل.


 



 


الساعة 11 بالليل – فيلا الراوي – الجنينة


 


بعد عشا العمل اللي كان عبارة عن حرب باردة، وروز ماشية وهي بتغلي، ياسين كان قاعد لوحده. جاكيت البدلة مرمي، وأول زرار في القميص مفتوح. باصص للشاش اللي في إيده وبيقرأ تقرير حاتم: “الشناوي اتحول للنيابة. القض*ية متقفلة. مفيش نقطة دم.”


 


ليلى خرجت وقفت جنبه.


“مبتعرفش تجامل حد، صح؟ حتى لو كان ده هيهدي الحرب.”


 


“مبعرفش أكدب.” حط الموبايل وبص في عينها. “روز عارفة حدودها من زمان. بس إنتي.. إنتي حدودي اتشالت كلها بسببك.”


 


“وعاجبك إنها بتحاول؟” سألته وهي بتحاول تبان كاجوال، بس الغيرة كانت باينة في لمعة عينها.


 


ياسين ساب الكرسي وقام وقف قصادها. مسك إيدها اللي فيها الدبلة المخربشة.


“ليلى.. أنا عمري ما دخلت واحدة حياتي. عمري ما وريت ضعفي لحد. إنتي أول واحدة تنامي على سريري، أول واحدة تعمليلي جرحي، أول واحدة أخاف عليها لدرجة إني أسهر ألم ورق عشان أسجن بني آدم بدل ما أمد إيدي عليه.. عشانك.”


 


قربها منه، ودي كانت من المرات النادرة اللي بيتكلم فيها من قلبه من غير قناع الدِيب.


“لما هشام من قسم التصميم وقف يشرحلك حاجة على اللاب ووشه كان قريب منك النهاردة.. كنت هقوم أرفده قدام الشركة كلها. دي الغيرة بتاعتي. غيرة بتخنق.. مش غيرة بتلوم.”



 


ليلى سابت نفسها تقرب منه. دفنت راسها في صدره وسمعت دقات قلبه السريعة.


“وأنا لما شفتها بتبوسك، كنت عايزة أقوم أقولها الراوي دي بتاعتي أنا.” اعترفت بهمس. “دي غيرتي أنا. غيرة عيلة صغيرة ومجنونة.”


 


حس بضحكة مكتومة هزت صدره. باس راسها.


“خليكي عيلة صغيرة.” قالها بحنية عمرها ما سمعتها منه. “العيلة الصغيرة دي هي الوحيدة اللي عرفت تخلي الدِيب يفكر قبل ما يهجم. خلتني بني آدم.”


 


شدد دراعه حواليها.


“بس قاعدة جديدة.. روز، هشام، أي حد.. هتعامل معاهم بشغلي. وإنتي.. هتفضلي جنبي. في المكتب، في البيت، في حربي. بس مش نقطة ضعف. إنتي درعي. اتفقنا؟”


 


“اتفقنا.” قالتها وهي حاسة إنها ملكت قلبه.. بس متعرفش إن الاتفاق ده لسه هيتحط في اختبار أوله لسه جاي.


 


من بعيد، من ورا شجر الجنينة، كان فيه فلاش كاميرا بيضرب. حد صورهم وهو حاضنها.


الشناوي اتسجن، بس الحرب على سمعة “الديب” اللي بقى ليه “نقطة ضعف” لسه بتبدأ.


… يتبع


 



 


الفصل الأخير:


بعد شهرين – حفلة الراوي جروب السنوية – فندق النايل ريتز


 


القاعة كلها دهب وناس لابسة بدل وفساتين سهرة. بس الجو كان متوتر. من شهرين والصور المسربة لياسين وهو حاضن ليلى في جنينة الفيلا مالية السوشيال ميديا والصحف الاقتصادية. المنافسين استغلوها وقالوا “الدِيب بقى ليه نقطة ضعف”. روز فريد قدمت استقالتها بعد ما ياسين رفض يسافر معاها إيطاليا لوحدهم، وقالت للمجلس “مش هاشتغل في مكان سُمعته بقت على كل لسان”.


 


ياسين؟ وشه كان خشب كالعادة. لا نفى ولا أكد. ساب الكل يتكلم. بس تعليماته لحاتم كانت واضحة: “ليلى متغيبش عن عينك ثانية. واللي يجيب سيرتها بكلمة.. عايز اسمه على مكتبي الصبح.”


 


ليلى كانت زهقت. زهقت من الهمس، من نظرة الشفقة، من إحساس إنها السبب في الحرب دي. قررت النهاردة تخلص الموضوع. بطريقتها.


 


لابسة فستان كحلي بسيط، حزام رفيع مبيّن خصرها، وشعرها سايب لأول مرة في مناسبة شغل. شكلها هادي بس واثقة. والدبلة الفضة المخربشة في إيدها بتلمع.


ياسين كان واقف في جنب بيتكلم مع مستثمرين، البدلة السودا، نفس الدِيب، بس عينه بتدور عليها كل ثانيتين. كفّه لسه عليه أثر خفيف من جرح الإزاز. والدبلة بتاعتها هو لابسها في سلسلة جوه قميصه. محدش يعرف غيره.


 


قرب منها **ماجد**، مدير فريق في قسم التصميم. شاب وسيم، شاطر، وطول عمره معجب بشغل ليلى وشخصيتها بس كان بيحترم المسافة عشان الإشاعات.



بس النهاردة، بعد كاسين عصير، وقرر إنه مش هيفضل ساكت و”الديب” سايب الكل يتكلم.


“آنسة ليلى.. ممكن دقيقة؟”


 


ليلى بصت ناحية ياسين من تحت لتحت. هو شايفهم. الكاس اللي في إيده وقف في النص. فكه اتشد.


 


ماجد كمل بتوتر بس صوته واضح: “أنا.. أنا بحترمك وبحترم شغلك جداً. والكلام كتير، وأنا مش عايز أكون جزء من الكلام ده. فـ.. تسمحيلي أطلب منك.. لو إنتي مش مرتبطة، تسمحيلي أتقدملك رسمي؟ من الباب؟”


 


قالها باحترام. واللي حواليهم سمعوا. المزيكا هديت لثانية.


كل العيون راحت على ياسين اللي بدأ يتحرك ناحيتهم بخطوات هادية بس تقيلة. الدِيب داخل.


 


ليلى بصت لماجد، وبعدين بصت لياسين اللي بقى واقف وراها بالظبط. ريحة برفانه اللي حافظاها وصلتلها.


وقالت بصوت مسموع، هادي بس واصل لآخر القاعة:


“أستاذ ماجد.. أنا مقدرة احترامك. بس قبل ما أرد، لازم أوضح حاجة. أنا مش محتاجة آخد إذن حد.. بس لازم احترم الراجل اللي حياتي معاه.”


 


ماجد اتلخبط: “حياتك معاه؟”


ليلى لفت نص لفة ومسكت إيد ياسين اللي كانت جنبه. رفعتها قدام الكل. الدبلة الفضة المخربشة كانت باينة في صباعه.


“مع ياسين الراوي.”


 


القاعة كلها اتكتمت. ياسين بص لماجد نظرة كانت كفيلة تخليه يتبخر.


“سمعت الآنسة بتقول إيه؟” صوته كان واطي، بس واصل لكل ركن.


 


ماجد وشه جاب ألوان وبلع ريقه: “أنا.. يا فندم.. أنا مكنتش أعرف. أنا آسف، مقصدش..”


 


“بتتأسف على إيه؟” ياسين شد ليلى جنبه، دراعه حوالين وسطها بتملك صريح قدام الكل. “إنك راجل محترم واتقدمت بالاصول؟ مشكلتك إنك اتأخرت.”


 


وبص للقاعة كلها، للمستثمرين، لمجلس الإدارة، لروز اللي واقفة بعيد وبتبص بصدمة.


“ليلى الراوي مش موظفة عندي. ليلى الراوي مراتي. على سنة الله ورسوله. كتبنا الكتاب من أسبوعين، في هدوء.”


 


كذب. مكتبوش حاجة لسه. بس في عُرف الدِيب، كلمته عقد، وقراره بيتنفذ بأثر رجعي.


“واللي عنده كلام على مراتي، أو على سُمعة شركتي، يجيبهولي أنا. أنا بس. مفهوم؟”


 


الصمت كان تقيل. محدش اتنفس.


ياسين بص لماجد اللي كان واقف ميت في جلده: “وأنت.. شكراً على احترامك. اتفضل على شغلك.”


 


ماجد هز راسه وجري من قدامهم.


 


ياسين لف لليلى. القناع الخشب وقع. الدِيب اختفى، وفضل ياسين اللي كان جبهته على جبهتها يوم المخزن.


مسك وشها بإيديه الاتنين قدام كل الناس، ومكنش هامه كاميرا ولا همس.


 


“إنتي اللي استفزتيني عشان أقولها قدامهم، صح؟” قالها بصوت واطي وهو بيبتسم نص ابتسامة، نص تعب.



 


“كنت عايزة أسمعها منك.” قالت وهي دموعها هتنزل بس ماسكة نفسها. “كنت عايزة أبقى أمانك اللي بتعلنه، مش سرك اللي بتحاربه.”


 


سكت ثانية، وخد نفس طويل كأنه كان كاتمه 14 سنة. بص للدبلة في إيده.


“ليلى.. أنا بحبك.”


قالها ببساطة. من غير دراما. من غير صريخ. بس الكلمة من بوق الدِيب كانت أغلى من كل صفقات المينا.


 


“بحبك من وإنتي 10 سنين، لما كنتي بتستنيني بالبيجاما وأنا راجع من السفر. بحبك من وإنتي 15 وأنا بزورك في المدرسة وبمثل البرود عشان المدرسات ميقولوش متعلق ببنت عمه. بحبك من وإنتي 20 وأنا ببعدك عني بالعافية عشان فرق السن، عشان وصية أبوكي اللي مات في حضني، عشان أنا راجل حرب مينفعش يدخل بنت زيك جحيمه.”


 


صوته اتخنق: “بس طلعتي إنتي جحيمي وجنتي. وطلعتي إنتي اللي خلتيني أعرف أكسب حرب من غير ما أوسخ إيدي.. عشانك.”


 


ليلى محستش بنفسها غير وهي بتحضنه. مش بتتشعبط، بتحضنه. بتحاوط ضهره بإيديها وتطمنه.


“وأنا بحبك يا ياسين. بحبك من قبل ما أفهم يعني إيه حب. إنت أبويا اللي مات، وسندي اللي مقدرش أقع وهو موجود.”


 


مهمهمش الكاميرات، ولا همس الناس، ولا صدمة مجلس الإدارة.


ياسين باس راسها. قدام الكل. بوسة تأكيد، بوسة ملكية، بوسة بتقول “خلص الكلام. دي مراتي”.


 


لما بعد عنها، بص للقاعة كلها وقال بنبرة الدِيب اللي ترجع أي حد 10 خطوات لورا:


“الحفلة تكمل. وشغلكم يكمل. وليلى الراوي هتفضل مديرة ملف إيطاليا. واللي عنده مشكلة مع مرات الدِيب.. يحلها مع الدِيب الأول.”


 


مسك إيد ليلى وخرجوا من القاعة، وساب وراه ذهول، واحترام، وبداية حكاية الكل هيعملها ألف حساب.


 



 


بعد 3 شهور – فيلا الراوي – مكتب المأذون


 


كتب الكتاب كان في الجنينة. مفيش غير المأذون وحاتم وأم حاتم كشاهدة. مفيش صحافة، مفيش هيصة.


ليلى بفستان أبيض بسيط، وياسين ببدلة سودا من غير كرافتة. أول ما المأذون قال “بارك الله لكما”، ياسين مسك إيدها ولبسها دبلة جديدة جنب الفضة المخربشة.


“دي عشان الدنيا. والتانية.. دي عشان قلبي. هتفضل متخربشة زي ما هي، عشان تفضلي فاكرة إني كنت هموت قبل ما أوصلك.”


 


ياسين اتغير؟ لأ. لسه قاسي مع الدنيا كلها، لسه غيور لدرجة إنه رفد مدير بنك عشان قال لليلى “يا هانم” بنبرة ماعجبتوش، لسه الدِيب اللي اسمه يخوف السوق.


بس في حضنها.. كان ياسين وبس. الراجل اللي بيسيب راسه على حجرها بعد يوم شغل، ويحكيلها عن خوفه من إنه ميكونش أب كويس، عن كوابيسه اللي بقت أقل، عن وصية أبوها اللي نفذها أخيراً: “خلي بالك منها يا ياسين.. دي أمانة.”



وفي ليلة، وهو حاضنها وبيتفرجوا على صورهم زمان، همست له وهي حاطة إيده على بطنها اللي بدأت تبان بالعافية:


“لسه شايفني مسؤولية؟”


 


باس راسها وضمها لدرجة إنها سمعت دقات قلبه.


“مبقتيش مسؤوليتي يا ليلى.”


سكت وبص في عينها، ودمعة نزلت من عين الدِيب لأول مرة من 20 سنة.


“بقيتي أماني.. إنتي وعيلتنا اللي جاية.”


تمت ♥


الكاتبة ملك إبراهيم



 


 



تعليقات

close