جوزى متجوز عليا كامله
حكايات روماني مكرم
جوزى متجوز عليا ومراته حامل وانا بحبه مش عارفه اسيبه وامشى بس مراته الجديده وحماتى مش سيبينى فى حالى وعايزين يطلقونى بى اى طريقه وهوا مش بياخد حقى عشان مراته الجديده حامل وبيعيرونى انى مخلفتش رغم انى حملت قبل كدا وسقط وكل الدكاتره قاله انى احمل طبيعى عادى وده بتاع ربنآ وفى يوم سمعت حماتى بتقول لضرتى لازم نشوفلها مصيبه علشان يطلقها وتغور من هنا
ضرتى قالت طيب اى رايك اصقط نفسى واقول هى ضربتنى وسقطتنى وكمان تتسجن وتطلق والحمل يتعوض
البدايه
البيت كله كان نايم، إلا عينيّ أنا اللي كانت بتعد العقارب وهي بتتحرك على الحيطة. الدموع كانت بتسيل على خدي وحرقاها، بس مبقاش فيا حيل حتى أمسحها. بقالي سنة عايشة في جهنم الحمرا. من يوم ما “سيد” جوزي جه وقالي: *”يا بنت الناس، الشرع محلل أربعة، وأنا نفسي في حتة عيل يشيل اسمي، وأنتِ بقالك ثلاث سنين مفيش أمل”*.. الدنيا اسودت في وشي.
حاولت أفهمه، بكيت تحت رجليه وقولتله: *”يا سيد، ما أنا حملت قبل كده وسقطت، والدكاترة كلهم قالوا إني سليمة ومفيش أي مانع، وده رزق بتاع ربنا”*.. بس كلامي كان بيدخل من ودن ويخرج من الثانية. حماتي “الحاجة سنية” كانت واقفة وراه زي اللقمة في الزور، تبخ سمها وتقول: *”سيبك منها، دي أرض بور مبترحمش، اتجوز وعمر بيتك وشوف عيالك قبل ما تموت”*.
واتجوز.. جاب “نورا”. بنت أخت حماتي، حية متلقحة، لسانها أطول منها، ونازلة من أول يوم ونيتها خراب البيوت. ومن حظي الأسود، شهرين وطلعت حامل. من يومها والبيت اتقلب. سيد اللي كنت بتموت في تراب رجله، ومستحملة قسوته عشان بحبه ومش قادرة أسيبه وأمشي، اتغير 180 درجة. بقى يجي البيت يرمي الكلمة تلطش في وعيي، وحقي ناشف في كل حاجة. لو نورا اتلككت وقالت “آه”، يجي يزعقلي ويقولي: *”إياكِ وحسِك تقربي من واد عمك، دي شايلة الغالي!”*.
كنت باكل في نفسي وأسكت، لحد اليوم المشؤوم ده..
كنت واقفة في المطبخ بعمل العشا، وسمعت صوت وشوشة جاي من أوضة حماتي. الباب كان موارب سنة صغيرة. قربت براحة ولقيت نورا قاعدة وحاطة إيدها على بطنها اللي لسه مظهرتش قوي، وحماتي قاعدة قدامها بتشرب شاي.
سمعت حماتي بتقول بصوت واطي ومغلول: *”بقولك إيه يا بت يا نورا، البت دي لزقة ومش عايزة تغور من البيت، وسيد قلبها لسه بيحنلها ساعات. إحنا لازم نشوفلها مصيبة كبارة تخلي سيد يرمي عليها اليمين وتغور من هنا ومن الحارة كلها!”*.
نورا ضحكت ضحكة صفرا وقالت بخبث: *”طب إيه رأيك بقى يا خالتي في الفكرة دي؟ أنا هسقط نفسي!”*.
الحاجة سنية برقت وقالت: *”يخرب بيتك! تسقطي ابن ابني؟”*
نورا حطت إيدها على بوق حماتي وقالت: *”اسمعي بس يا خالتي.. الواد يتعوض، إحنا لسه في أول الثالث. أنا هراقبها أول ما تطلع بره الشقة بالليل أو الفجر تعمل أي حاجة، هقوم أنا طالعة وراها على السلم وأرمي نفسي وأصوت! وأقول إنها هي اللي استغلت إن سيد نايم جوه، وطلعت ورايا بره الشقة وزقتني من على السلم وعايزة تموتني أنا وابني! بكده التهمة تلبسها لابس بره وجوه ومحدش هيصدقها، لأننا إحنا الاثنين هنكون بره الشقة وسيد نايم جوه مش دريان بحاجة.. ومش بس هتطلق.. دي هتروح ورا الشمس وتتسجن بتهمة شروع في قتل، والبيت يفضالي أنا وأنتِ!”*.
جسمي كله ساب، وركبي خبطت في بعضها. رجعت أوضتي وأنا بترعش من الخوف.
وعلى الساعة أربعة الفجر، من كتر القلق والخنقة اللي في صدري، حسيت إني مش قادرة أتنفس جوه الشقة. قولت أطلع أقف في هواء المنور على السلم أشم نفس هوا ونورا وسيد نايمين جوه في أوضتهم. فتحت باب الشقة براحة وطلعت، ووقفت عند السلم والهدوء مغطي بيت العيلة كله.
وفجأة، لقيت الباب اتفتح بالراحة ولمحت خيال نورا طالعة ورايا.. وقبل ما أستوعب هي بتعمل إيه، لقيتها رمت نفسها من فوق السلم وهي بتصرخ صريخ شق سكوت الليل! صريخ مرعب يصحّي الميت من تربته، ومصاحب بـ دربكة وزي صوت جسم بيقع ويتدحرج على درجات السلم.
سيد اتنطر من سريره جوه الشقة وهو مخضوض ويصرخ: *”في إيه؟ في إيه؟”*
جرى بملابس النوم وفتح الباب وخرج يجرى على السلم، وأنا واقفة في مكاني مذهولة، مسمرة مش قادرة أتحرك من الصدمة والرعب.
#الكاتب_رومانى_مكرم_روميو
نورا كانت مرمية على بسطة السلم تحت، ساندة ضهرها على الحيطة وظامة رجلها لبطنها، ووشها أصفر زي الليمونة، وبتصرخ بأعلى صوت عندها وتلطم على وشها وعينيها مثبتة عليا بغل وجبروت وهي بتشاور عليا قدام سيد: *”الحقني يا سيد! الحقني يا حبيبي! مرتك الأولى استغلت إنك نايم جوه، ونداهت عليا وطلعتني بره الشقة، وأول ما جيت هنا زقتني ورمتني من فوق السلم.. ابني ضاع.. ابني مات!”*.
سيد بص في الأرض، وعينيه برقت من الصدمة والرعب.. السلم كله كان مغرق دم، والدم نازل من نورا ومغرق الأرض تحتها وهي بره الشقة قدامه طلعت حماتى قالت اتصل بالشرطه حالا بنت اختى هتموت الحقونا
سيد وقف في مكانه ثواني مش مستوعب الصدمة، عينه رايحة جاية بين بركة الدم اللي مغرقة السلم، وبين مراته نورا اللي بتصرخ وبتتلوى من الوجع، وبين نظراتي أنا.. كنت واقفة مكاني زي الصنم، لساني عاجز عن النطق وجسمي كله بيتنفض من الرعب.
في لحظة، تحول الذهول في عين سيد لشرار وغضب أعمى. جرى على نورا، شالها بين إيديه وهو بيزعق بهستيريا: *”ابني! ابنننني ضاع!”*، وبصلي وعينه حمرا من الغل وقال بصوت هز البيت كله: *”ورب العزة يا شيرين لو جرى للولد حاجة لأكون شارب من دمك! مش هسيبك، هسجنك بأقذر تهمة يا خطافة الأعمار!”*.
حماتي الحاجة سنية نزلت تجري على السلم، وشها مكنش عليه علامات حزن على ابن ابنها بقدر ما كان عليه نظرة انتصار خبيثة. بدأت تلطم وتصوت وتلم الحارة: *”الحقونا يا ناس! الحرباية تموت الولد! عادم الضمير والرحمة زقت البت الحامل من على السلم عشان تحرق قلب ابني!”*.
الجيران بدأوا يصحوا، والأبواب تتفتح، والهمهمات زادت. سيد أخد نورا ونزل يجرى بيها على المستشفى، وحماتي وراه وهي بتتوعدني وبتصرخ في الجيران: *”حد يطلب الشرطة! متخلوش المجرمة دي تهرب!”*.
أنا لقيت نفسي لوحدي على السلم، الدنيا بتلف بيا، والدم اللي على الأرض بيطارد عيني. دخلت الشقة وقفلت الباب ورايا بترعش. قعدت في الأرض وضميت ركبي لصدري وبكيت بحرقة. كنت بقول لنفسي: *”ليه يا رب؟ أنا حبيت سيد وصنته، ليه يتبلي عليا بالشكل ده؟”*.. افتكرت كلامهم في الأوضة، الخطة القذرة اللي نورا عملتها ونفذتها بالحرف، بس الصدمة الأكبر إنها ضحت بابنها فعلاً عشان تخلص مني! أي جبروت ده؟!
ساعتين مروا كأنهم ميت سنة. فجأة، الباب اتخبط برزع عنيف كأنه هيتكسر. قمت فتحت وإيدي بترتعد، لقيت سيد واقف ومعاه اتنين أمناء شرطة وضابط.
سيد أول ما شافني، تف في وشي وزعق: *”هي دي يا باشا.. هي دي المجرمة اللي قتلت ابني في بطن أمه، نورا سقطت والرحم بتاعها اتدمر والدكاترة بيقولوا صعب تخلف تاني! دمرتلي حياتي عشان الغيرة عمت قلبها!”*.
الضابط بصل صرامة وقال: *”هاتي بطاقتك يا مدام، واتفضلي معانا على القسم من غير شوشرة”*.
حاولت أتكلم، صوتي طلع مخنوق ودموعي مغرقة وشي: *”يا بيه والله العظيم ما لمستها، هي اللي رمت نفسها، أنا سمعتها وهي بتتفق مع حماتي..”*.
الضابط قاطعني بحدة: *”الكلام ده تقريه في المحضر قدام النيابة، اتفضلي قدامي”*.
أخدوني ونزلت وسط نظرات الاحتقار والشماتة من أهل الحارة اللي واقفين يتفرجوا. ركبت بوكس الشرطة وأنا حاسة إن حياتي انتهت، والراجل اللي ضحيت بعمري وبكرامتي عشانه، هو اللي بيسلمني بإيده للسجن.
في القسم، اتعملي محضر بتهمة “الضرب المفضي إلى الإجهاض والشروع في القتل عمدًا مع سبق الإصرار والترصد”، وبناءً على شهادة الزوج (سيد) وشهادة الحماة (الحاجة سنية)، وتقرير المستشفى اللي بيكدبش وفيه إن نورا حصلها إجهاض حاد نتيجة السقوط من مرتفع.. تم ترحيلي لحجز القسم لغاية ما أتعرض على النيابة الصبح.
قعدت في زاوية في الحجز الضلمة، وسط نظرات الستات المسجونات. كنت حاسة بظلم يهد جبال، بس وسط الوجع ده كله، افتكرت حاجة.. حاجة صغيرة جداً ممكن تكون هي طوق النجاة الوحيد ليا من المشنقة أو السجن المؤبد..
افتكرت إن المنور اللي أنا وقفت فيه، جارنا الأستاذ عصام في الدور الأرضي مركب فيه كاميرا مراقبة موجهة على مدخل السلم والمنور عشان السرقة!
فضلت طول الليل مستنية الصبح يجي بفارغ الصبر عشان أقول لوكيل النيابة على الكاميرا دي، لأنها الدليل الوحيد اللي هيثبت إني ملمستش نورا، وإنها هي اللي رمت نفسها بقصد.. لكن الخوف كان بياكل قلبي: هل حماتي ونورا هياخدوا بالهم من الكاميرا دي ويروحوا يمسحوا التسجيل قبل ما الشرطة توصله؟
جوزى متجوز عليا٢
حكايات روماني مكرم
بدأ نور الفجر يدخل من شباك الحجز الضيق، وأنا منمتش ولا ثانية. قلبي كان بيدق زي طبول الحرب. الخوف من إن حماتي ونورا يكتشفوا الكاميرا اللي في المنور ويمسحوا التسجيل كان هيموتني. الأستاذ عصام جارنا راجل طيب وفي حاله، بس حماتي بلسانها وحيلها تقدر تخليه يمسح الشريط لو شكت في حاجة، أو تقول إن الكاميرا كانت عطلانة.
على الساعة عشرة الصبح، جم أمناء الشرطة وندهوا على اسمي: *”شيرين محمد.. يلا عشان العرض على النيابة”*.
خرجت وكلبشوا إيدي في إيد عسكري. ركبنا العربية وروحنا المحكمة. دخلت طرقة النيابة وعيني كانت بتدور في المكان برعب، لحد ما شفته.. سيد كان واقف مع حماتي، ووشه باهت وعينه فيها غل مشفتهوش في حياتي. حماتي أول ما شافتني مكلبشة، ضحكت ضحكة شماتة مكسورة وقالت بصوت مسموع: *”أهو ده مقامك يا خطافة العيال، عقبال ما نشوف حبل المشنقة حوالين رقبتك”*.
سيد مبصليش، كان بيبص في الأرض وجازز على سنانه. دخلت مكتب وكيل النيابة، راجل وقور، بصل لورق المحضر وتقرير المستشفى، وبعدين بصل لوشي الباكي الضعيف.
بدأ المحقق يسألني: *”أنتِ يا شيرين متهمة بضرب المجني عليها نورا، وزقها من على السلم بقصد إجهاضها والشروع في قتلها.. إيه قولك في الكلام ده؟”*.
انفجرت في البكاء وقولت: *”والله العظيم مظلومة يا بيه! أنا ملمستهاش، نورا هي اللي رمت نفسها بالقصد عشان تتبلى عليا وتطلقني من جوزي!”*.
وكيل النيابة رفع حاجبه وبصلي بشك: *”ترمي نفسها وتضحي بابنها وتدمر رحمها عشان تتبلى عليكِ؟ ده كلام يعقله عقل؟ جوزك وحماتك شهدوا إنهم سمعوا صريخها وشافوكِ واقفة فوق السلم وهي واقعة تحت بتنزف”*.
مسحت دموعي بسرعة ولقيت القوة بتدب في عروقي فجأة، وقولتله: *”يا فندم، أنا سمعتها بودني قبلها بكام ساعة وهي بتتفق مع حماتي في أوضتها، وقالتلها الواد يتعوض بس نخلص من شيرين ونسجنها! وفي دليل واحد يثبت كلامي ويبرأني”*.
المحقق انتبه وقال بجدية: *”دليل إيه؟”*.
قولت بلهفة: *”البيت بتاعنا بيت عيلة، وجارنا في الدور الأرضي، الأستاذ عصام، مركب كاميرا مراقبة جوه المنور وفوق السلم عشان السرقة، الكاميرا دي كاشفة مكان الحادثة كله وموجهة على السلم.. أرجوك يا بيه، اطلب تفريغ الكاميرا دي فوراً قبل ما حماتي ونورا يحسوا ويمسحوا التسجيل، الكاميرا دي هي اللي هتقول مين الجاني ومين المجني عليه!”*.
وكيل النيابة سكت لحظة، وبص لسكرتير التحقيق وقال: *”اكتب عندك.. يرسل وقوة من القسم فورا للتحفظ على جهاز التسجيل (DVR) الخاص بكاميرات المراقبة بالمنزل محل الواقعة، وتفريغ محتواه في ساعة وتاريخ الحادثة”*.
خرجت بره المكتب وأنا حاسة إن في أمل ضعيف نور في ضلمة حياتي. قعدت في الطرقة مستنية القوة تروح وتيجي. بعد حوالي ساعتين، جه أمين الشرطة ومعاه فلاشة، ودخل مكتب النيابة.
بعدها بدقائق، العسكري نده عليا ودخلت تاني، ولقيت المحقق طالب سيد وحماتي يدخلوا كمان.
حماتي دخلت وهي بتعيط تباكي: *”يا سعادة البيه، البت دي مجرمة ومب تخلفش وعايزة تحرم ابني من الذرية..”*.
المحقق قاطعها بصوت جهوري هز الأوضة: *”اسكتي خالص! أنا مش عايز اسمع صوتك!”*.
المحقق لف شاشة الكمبيوتر بتاعته ناحيتنا، وشغل الفيديو..
الفيديو كان واضح، المنور منور بنور السلم الضعيف. ظهرت أنا وأنا بفتح الباب وبطلع أقف أشم هوا وجسمي بيرتعش.. وبعدها بدقيقة، ظهرت نورا وهي بتتسحب بالراحة بره الشقة، ومفيش أي حد لمسها.. نورا وقفت على أول درجة، وبصت وراها، وفجأة رمت نفسها بكل قوتها لورا وهي بتصرخ!
سيد عينه برقت وصدمة عمره لجمت لسانه، وهو شايف مراته الجديدة بترمى نفسها بإرادتها من غير ما أنا أمد إيدي عليها!
المحقق قفل الفيديو، وبص لحماتي وسيد وقال ببرود قاتل: *”التسجيل واضح.. المتهمة شيرين ملمستش المجني عليها، بل إن نورا هي اللي ألقت بنفسها بقصد التباغض والافتراء وعمل جناية تزوير واتهام كاذب بمساعدة حماة المتهمة”*.
حماتي وشها اصفر وبقت تترعش وتقول: *”يا بيه.. ده.. ده البت نورا هي اللي غوتني.. أنا ماليش دعوة!”*.
سيد بص لأمه بذهول وكأنه بيشوفها لأول مرة، وبعدين بصلي وعينه مليانة دموع وندم، وقرب مني وقال بصوت مرعوش: *”شيرين.. أنا.. أنا آسف.. أنا ظلمتك”*.
المحقق ضرب على المكتب وقال: *”قررت النيابة العامة إخلاء سبيل المتهمة شيرين محمد من سراي النيابة بضمان محل إقامتها، وحبس المدعوة نورا والمدعوة سنية أربعة أيام على ذمة التحقيق بتهمة البلاغ الكاذب وتزوير اتهام جنائي والشروع في الانتحار وإجهاض النفس”*.
أنا اتنفست الصدمة، القيود اتفكت من إيدي، وسيد جرى عليا يحاول يمسك إيدي ويبكي تحت رجليا ويطلب السماح.. لكن في اللحظة دي، وأنا شيفة حماتي بتتقاد بالكلبشات، وسيد مكسور قدامي.. حسيت إن في حاجة جوايا ماتت للأبد ناحيته، ومبقاش الحب يشفع للظلم.. وفجأة، تليفون سيد رن، وكان الدكتور من المستشفى بيقوله: *”الحقنا يا أستاذ سيد.. نورا حالتها تدهورت وجالها نزيف حاد، وفي كلام خطير لازم تعرفه عن حملها!”*.
سيد وقف مكانه والتليفون على ودنه، وشه اتقلب تماماً من الصدمة، ملامحه اتخطفت وعينه اتسعت وهو بيسمع كلام الدكتور: *”يا أستاذ سيد، المدام نورا جالها نزيف حاد بسبب السقوط، وإحنا وبنظف الرحم عشان نوقف النزيف اكتشفنا حاجة غريبة جداً.. نورا مكنتش حامل في الشهر الثالث زي ما كانت بتقول، الرحم مكنش فيه جنين حقيقي، ده كان حمل كاذب، وهي كانت عارفة كدة ومخبية عليك ومنظفة بطنها ومزورة التحاليل واللوحة اللي جابتها، ولما رمت نفسها الدم اللي نزل ده كان نزيف طبيعي ملوش علاقة بجنين مات!”*.
التليفون وقع من إيد سيد على أرضية مكتب النيابة، وبص لأمه اللي كانت مكلبشة وبتبكي، وبص للفراغ وهو مش مصدق إن كل اللي عاشه كان وهم.. إن الولد اللي كان مستنيه وضيع علشانه بيته وظلم مراته الأولى طلع كذبة كبارة، صممتها نورا وحماتي عشان يطردوني من حياته.
حماتي شافت شكل سيد، صرخت وقالت: *”في إيه يا سيد؟ البت نورا جرى لها إيه؟ ابنك جرى له إيه؟”*.
سيد ملقاش في نفسه طاقة حتى يزعق، رد بصوت ميت ومكسور: *”مفيش ابن.. مفيش جنين أصلاً يا أمي.. نورا ضحكت عليا وعليكِ، وعيشتنا في كذبة عشان تخرب بيتي.. أنتِ ونورا دمرتوني!”*.
العساكر سحبوا حماتي وهي بتصرخ وتولول من الصدمة والشماتة اللي بقت فيها، ووكيل النيابة أمر بمغادرة الجميع بعد ما المحضر اتقفل بانتصاري وبراءتي الكاملة.
خرجت من مكتب النيابة وأنا حاسة بوزن جبل انزاح عن صدري. كنت ماشية في الطرقة بخطوات ثابتة، وسيد ماشي ورايا زي الضِل، مكسور، عينه في الأرض، ودموعه نازلة من غير صوت.
أول ما وصلنا الشارع، سيد جرى وقف قدامي، مسك إيدي وبدأ يبوسها بهستيريا وهو بيعيط: *”شيرين.. أبوس رجلك سامحيني، أنا كنت أعمى، الغيرة والوهم عموني.. أمي ونورا هما السبب، هما اللي خططوا ودمروا كل حاجة.. أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك، أنتِ حب عمري وصنتي بيتي وعرضي وأنا رخصت بيكِ.. ارجعي معايا الشقة والبيت كله هيبقى ملكك، وأمي ونورا هياخدوا جزاءهم في السجن”*.
بصيت لإيده اللي ماسكة إيدي، ولقيت نفسي بسحب إيدي منه براحة وهدوء غريب.. الهدوء اللي بيجي بعد العاصفة لما تدمر كل حاجة حلوة جواك. بصيت في عينه وقولتله بصوت قوي ومسمعش منه أي رجفة: *”سيد.. أنا كنت مستعدة أستحمل معاك الفقر والتعب، واستحملت قسوتك وجوازك عليا وكسرة قلبي وأنا شايفة واحدة ثانية في حضنك.. كل ده عشان كنت بحبك.. بس لحد الظلم لحد ما كنت هروح ورا الشمس وأتسجن وتضيع سمعتي وشرفي بسببك وبسبب أهلك، وأنت واقف تتفرج وتتمنى موتي.. هنا الحب مات يا سيد”*.
سيد بكى بحرقة وقال: *”والله هعوضك.. هبقى تحت رجلك طول العمر بس متسيبينيش!”*.
قولتله وأنا ببتسم ابتسامة وجع صافية: *”اللي بيتكسر مبيتصلحش يا ابن الناس.. والرحم البور اللي أمك كانت بتعايرني بيه، طلع أنظف بمليون مرة من القلوب البور اللي عيشت وسطها.. أنا رايحة لبيت أبويا، ورقتي تديها لأخويا بالمعروف، وإلا المحاكم اللي كنت عايز تسجنني فيها، هقف فيها وأخلعك”*.
لفت ضهري ومشيت وأنا سامعة صوت بكاه وعياطه ورايا في وسط الشارع، بس قلبي متهزش ليه ولا خطوة.. كنت حاسة لأول مرة من سنين إني حرة، ونور الشمس مغطي وشي بعد أيام طويلة من جهنم. بس الحكاية لسه مخلصتش.. لأن نورا وحماتي في السجن مكنوش هيسكتوا، وسيد لما لقى نفسه خسر كل حاجة في لحظة، عقله طار، وقرر يعمل حاجة مكنتش تخطر على بال حد علشان يرجعني.. أو ينتقم من كل اللي حصل.
مرت ثلاثة أشهر على ذلك اليوم المشهود. ثلاثة أشهر وأنا في بيت والدي، أستنشق الحرية وأستعيد روحي التي سُلبت مني. قضت المحكمة بحبس نورا وحماتي “الحاجة سنية” ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ، بتهمة البلاغ الكاذب، والتزوير، والافتراء الجنائي، وإلحاق الأذى العمدي بالنفس. كان الحكم بردًا وسلامًا على قلبي، وبمثابة صك براءتي أمام الحارة كلها التي كانت تنظر إليّ بالأمس كمجرمة.
أما “سيد”.. فقد تحولت حياته إلى رماد. خسر أمه التي سُجنت، وخسر زوجته الجديدة التي خدعته، والأهم.. أنه خسرني أنا. كان يأتي كل يوم تحت بيت أبي، يبكي، ويتوسل، ويطلب العفو، لكن قلبي كان قد تحول إلى قالب من الثلج ناحيته. الحب الذي لا يحميك في وقت المحنة، هو ليس حبًا، بل هو فخ.
وفي يوم جلسة دعوى الطلاق التي رفعتها ضده، دخل سيد قاعة المحكمة ووجهه شاحب كالأموات، وشعره غطاه الشيب كأنه كبر عشرين سنة في ثلاثة أشهر. نظر إليّ وعيناه تفيضان بالدموع والندم، لكنه رأى في عيني إصرارًا وجبروتًا لم يعهده فيّ من قبل.
وقفنا أمام القاضي، وقبل أن ينطق القاضي بالحكم، طلب سيد الكلمة وقال بصوت مرتعش: *”يا سيادة القاضي.. أنا مش مستني المحكمة تطلقها.. أنا اللي بطلقها طلقة بائنة لا رجعة فيها.. أنا طلقتها لأنني لا أستحقها، ولأنني كنت ندلاً مع إنسانة صانتني وصانت شرفي، وأنا أهنتها وظلمتها.. شيرين حرة طليقة، وكل حقوقها الشرعية والمادية هتوصلها لحد باب بيتها وزيادة”*.
التفت إليّ سيد، والدموع تنهمر على لحيته، وقال: *”سامحيني يا بنت الناس.. سامحيني يا شيرين، وعيشي حياتك لأنك تستاهلي راجل بجد يحميكي، مش واحد زيي”*.
خرجت من باب المحكمة، ولأول مرة منذ سنوات شعرت أنني أتنفس هواءً نقيًا. لم تمر سوى أشهر قليلة، حتى رزقني الله بوظيفة محترمة بدأت فيها حياتي من جديد، وحققت كياني الذي أهدرته تحت أقدام رجل لم يصني. وبعد سنة، التفتت حولي القلوب الطيبة، وتقدم لي رجل صالح، يعلم قيمتي، ويرى فيّ الدنيا بأكملها، وتزوجته، وعوضني الله معه بالحب والأمان الجدير بكل امرأة صالحة.
أما سيد.. فقد عاش وحيدًا في بيته المهجور، تطارده جدرانه بذكريات ظلمه، وندمه الذي لن ينتهي حتى آخر يوم في عمره.
### 💡 الحكمة من القصة:
> **”إن الظلم مرتعه وخيم، ويمهِل الله ولا يهمل.”**
> * **البيوت لا تُبنى على حساب كسر الخواطر:** من سعى لبناء سعادته على أنقاض وعذاب غيره، سيهدم الله سقفه فوق رأسه، كما حدث مع نورا والحماة.
> * **العقم الحقيقي هو عقم القلوب والأخلاق:** الرحم الذي لا ينجب هو قضاء وقدر ورزق مؤجل من الله، أما القلب البور الخالي من الرحمة والأمانة فهو العقم والهلاك الحقيقي.
> * **الحب بلا كرامة وبلا حماية هو مَذلة:** لا تتمسكي برجل لا يكون لكِ سندًا وحصنًا في وقت الشدة، فالرجل الذي يصدق فيكِ سوءًا دون دليل، لا يستحق أن تشاركي معه الحياة.
> * **الله هو المدافع الأول عن المظلومين:** عندما تغلق كل الأبواب في وجهك، وتُحاك ضدك المؤامرات، تذكري أن عين الله لا تنام، وأنه سبحانه يخرج الحق من بين الركام ولو بعد حين.
>


تعليقات
إرسال تعليق