بعد ما خلصت اجراءات الطلاق كامله
بعد ما خلصت اجراءات الطلاق1
روماني مكرم
بعد ما خلصت إجراءات الطلاق، اتصلت بأبويا وقلتله: «اطرد الـ27 موظف اللي أهل جوزي دخلوهم الشركة من ورا ضهرنا»
بعد 12 دقيقة بس من ما القاضي أعلن رسميًا انتهاء جوازها، خرجت ياسمين المنشاوي من محكمة الأسرة في القاهرة، وهي حاضنة الظرف اللي فيه حكم الطلاق على صدرها، وطلعت موبايلها واتصلت بأبوها.
إيديها كانت بتترعش لدرجة إن الموبايل كان هيقع منها على سلالم المحكمة.
أول ما أبوها رد، قالت:
—بابا… اطرد النهارده الـ27 موظف اللي عيلة شريف دخلتهم الشركة. وممنوع أي واحد فيهم يلمس كمبيوتر أو يطلع ورقة واحدة من الشركة.
سكت أبوها.
الحاج محمود المنشاوي كان عارف بنته كويس.
عارف إنها عمرها ما تاخد قرار متهور، خصوصًا قرار ممكن يأثر على بيوت وعائلات كاملة.
سألها:
—إنتِ متأكدة من اللي بتقوليه يا ياسمين؟
بصت ياسمين لختم المحكمة على ورقة الطلاق.
8 سنين كاملة وهي خايفة تكون السبب في خراب بيتها.
لكن دلوقتي بس فهمت إن البيت ده كان خربان من زمان.
قالت:
—معايا أدلة إنهم سرقوا مننا حوالي 74 مليون جنيه على مدار 6 سنين.
نبرة صوت أبوها اتغيرت.
—ابعتيلي كل حاجة.
—كل الملفات عندك على الإيميل بالفعل. بابا… نفذ القرار قبل ما الخبر يوصل لهم.
بعد أقل من 20 دقيقة، مدير الموارد البشرية في مجموعة المنشاوي للحديد والصلب استلم قائمة سرية فيها 27 اسم.
وقبل نهاية يوم العمل، الأمن بدأ يسحب الكروت الوظيفية.
كل صلاحيات الدخول على الأنظمة اتقفلت.
وأفراد الأمن رافقوا الموظفين واحد واحد لحد باب الشركة.
⸻
الشركة كان أسسها الحاج محمود سنة 1987.
بدأها جوه مخزن صغير بالإيجار في شبرا الخيمة.
كان بنفسه بيلحم أول الهياكل الحديدية.
ويسوق عربية النقل.
وساعات ينام جوه المخزن عشان يوفر مصاريف الرجوع للبيت.
ومع السنين، المشروع الصغير اتحول لواحدة من أهم شركات توريد الحديد الإنشائي في مصر.
لما ياسمين تمت 30 سنة، أبوها نقل لها 25% من أسهم الشركة.
وقال لها وقتها:
—دي مش هدية يا بنتي… دي حاجة لازم تكبريها وتحافظي عليها.
ياسمين كانت فاكرة إنها فهمت كلامه.
لكن وقتها كانت لسه متجوزة شريف، وكانت نفسها تثبت إن العيلتين ممكن ينجحوا مع بعض.
أم شريف، سهير الدمنهوري، بدأت تظهر نواياها من أول عزومة عائلية.
كانت تقول وهي مبتسمة:
—العيلة لازم تسند بعضها. ولاد إخواتي متعلمين وشاطرين، حرام ياسمين تشغل ناس غريبة وعندها ناس ثقة من أهلها.
أول واحد دخل الشركة كان مروان، ابن خالة شريف، واشتغل في قسم المشتريات.
بعده دخل كريم، قريب تاني للعيلة، واتعين مشرف في النقل والمخازن.
وبعد فترة، بدأت تظهر أسماء أكتر.
أصهار.
أولاد إخوات.
قرايب.
أصحاب مقربين من سهير.
كل شخص اتعين كان ليه علاقة بيها بشكل أو بآخر.
وكل مرة ياسمين تعترض، شريف يقنعها إنها مكبرة الموضوع.
—مش ممكن تشكي في كل الناس يا ياسمين. أهلي عايزين يساعدوكي بس.
ولأن ياسمين كانت بتحب جوزها، وأبوها كان واثق في قراراتها، وافقت على التعيينات.
لحد ما في يوم اكتشفت إن عيلة شريف بقى ليها ناس في كل مكان تقريبًا.
المرتبات.
المشتريات.
المخازن.
النقل.
وحتى جزء من المراجعة الداخلية.
⸻
السرقة بدأت بحاجات صغيرة محدش ياخد باله منها.
فاتورة مكررة.
طلبية حديد سعرها أعلى شوية من الطبيعي.
شركة نقل بتحاسبهم أكتر من باقي الشركات.
وبعدين المخالفات بدأت تكبر.
مروان كان بيوافق على مشتريات بالملايين من غير ما يجيب عروض الأسعار المطلوبة.
وكريم كان بيحول عربيات محملة بالحديد لمخزن فرعي مزعوم في مدينة العبور.
على الورق، المخزن كان فيه مئات الأطنان من الحديد.
لكن لما ياسمين تحرت عن العنوان…
اكتشفت إن المكان مجرد أرض فاضية ورا مول تجاري مملوك لسهير.
في ليلة، ياسمين واجهت شريف وهما بيتعشوا.
قالت:
—في حاجة غلط في عقود النقل.
حط الشوكة والسكينة على الطبق بعصبية.
—هنبدأ تاني؟
—الفواتير مش متطابقة مع حركة المخزون.
رد:
—أهلي هما اللي كبروا الشركة دي.
بصتله بصدمة.
—الشركة كانت ناجحة قبل ما أهلك يدخلوها أصلًا.
قام من على السفرة.
وقال:
—إنتِ بقيتي موسوسة.
بعدها بشهور، لما فتحت الموضوع تاني، رد عليها بشكل أعنف.
—المفروض تشكري أمي على كل اللي عملته عشانك.
الجملة وجعتها أكتر من أي شتيمة.
الشركة دي أبوها بناها من الصفر.
مش أمه.
⸻
من غير ما تقول لحد، ياسمين استعانت بمحاسبة متخصصة في كشف الجرائم المالية اسمها داليا رياض.
كانت بتدفع لها كاش.
ويتقابلوا مرتين كل أسبوع في كافيه بعيد عن القاهرة عشان محدش يعرف.
داليا احتاجت 11 شهر كامل عشان تفك الشبكة.
اكتشفت فواتير متضخمة.
مبالغ مدفوعة مقابل استشارات وهمية.
شركات موردين ملهاش وجود.
وتحويلات مالية لشركة اسمها النيل للخدمات اللوجستية.
على الورق، الشركة مملوكة لشخص ملوش علاقة بعيلة شريف.
لكن لما تتبعوا الفلوس…
اكتشفوا إنها في النهاية بتوصل لحسابات مرتبطة بسهير.
والـ27 موظف كانوا مشتركين بشكل أو بآخر.
فيه اللي كان بيوافق على المدفوعات.
وفيه اللي يمسح سجلات.
وفيه اللي يغير أرقام المخزون.
وفيه اللي يبلغ سهير قبل أي مراجعة مفاجئة.
إجمالي الفلوس المسروقة عدى 74 مليون جنيه.
ياسمين قعدت جوه عربيتها وعيطت يوم ما استلمت التقرير النهائي.
هما ما سرقوش أبوها بس.
هما استخدموها هي شخصيًا عشان يدخلوا الشركة.
لكنها ما واجهتش شريف.
كانت عارفة إن أول ما يعرف، هيحذر أمه.
والأوراق ممكن تختفي.
قدمت قضية الطلاق بسبب استحالة العشرة.
واستحملت شهور من محاولات شريف يرجعها.
وعدها إنه هيتغير.
وإنهم يسافروا.
وإنهم أخيرًا يخلفوا ويعملوا العيلة اللي أجلوا تكوينها سنين.
أكتر من مرة كانت هتضعف.
لكن كل ما تتردد، تفتح التقرير.
وتشوف التوقيعات.
فتفتكر كل حاجة.
استنت لحد ما الطلاق بقى رسمي.
وبعدها ضربت ضربتها.
⸻
في نفس الليلة، كانت ياسمين بتفتح الكراتين في الشقة الصغيرة اللي أجرتها في مدينة نصر.
فجأة، حد خبط على الباب بعنف لدرجة إن الجيران فتحوا أنوار شققهم.
فتحت.
كانت سهير.
الست اللي عمرها ما ظهرت قدام حد إلا وهي في كامل أناقتها، كانت واقفة وشعرها منكوش ووشها أحمر من العصبية.
صرخت:
—هترجعي الـ27 موظف شغلهم حالًا!
ياسمين وقفت عند الباب.
—اتفضلي امشي من بيتي.
—دول ناس عندهم بيوت! عندهم عيال عايشة من المرتبات دي!
ردت ياسمين:
—وأبويا عنده عيلة برضه. وإنتوا بقالكم 6 سنين بتسرقوه.
سهير اتجمدت.
ثانية واحدة بس.
لكن ياسمين شافت الخوف في عينيها.
قالت:
—إنتِ مش عارفة إنتِ بتقولي إيه.
ردت ياسمين:
—عارفة إن شركة النيل كانت بتاخد فلوس مقابل مخزن مش موجود. وعارفة إن مروان وافق على أكتر من 300 فاتورة مزورة. وعارفة إن الفلوس في الآخر كانت بتوصل لحسابات ليها علاقة بيكي.
سهير وطت صوتها فجأة.
—شريف لسه بيحبك. إحنا ممكن نحل كل ده. ارجعي لجوزك، رجعي الناس شغلهم… وننسى أخطاء الماضي.
ياسمين كانت هتضحك.
من ثواني الست دي كانت بتهددها.
ودلوقتي بتحاول تلعب دور الأم الحنينة.
قالت:
—طلاقي نهائي.
وسكتت لحظة.
—وقرار فصلهم نهائي برضه.
صرخت سهير:
—هدمرك في المحاكم!
ردت ياسمين بهدوء:
—اعمليها.
سهير سكتت.
ياسمين كملت:
—لأن أول ما ترفعي قضية، تقرير المحاسبة الجنائية هيبقى ضمن أوراق القضية… وساعتها الجهات المختصة ممكن تراجعه كله.
وش سهير فقد لونه.
قالت:
—إنتِ مش عندك الجرأة تفضحي عيلة جوزك السابق وتبلغي عنهم.
ياسمين بصتلها بثبات.
—إنتِ عمرك ما اعتبرتيني من عيلتك أصلًا.
وقفلت الباب في وشها.
لكن اللي ياسمين ما كانتش تعرفه…
إن بعد أقل من ساعة من خروج سهير من عندها، أبوها هيتصل بيها ويقول لها إن الأمن لقى واحد من الـ27 موظف لسه مستخبي جوه الشركة.
وإنه ماكانش بيحاول يسرق ملفات.
كان بيحاول يوصل لخزنة قديمة في مكتب الحاج محمود.
ولما الأمن فتح الشنطة اللي معاه…
لقوا جواها عقود ملكية وأسهم أصلية باسم شخص واحد.
شريف… جوز ياسمين السابق.
والتاريخ المكتوب على العقود كان قبل جوازهم بسنين.
الصدمة لجمت لسان ياسمين. الكرتونة اللي كانت شايلاها وقعت من إيدها، والكتب والأوراق اتطوحت على أرض الشقة الجديدة.
سألت أبوها بصوت مبحوح:
—يعني إيه يا بابا؟ عقود إيه وأسهم إيه اللي باسم شريف ومن قبل ما نتجوز؟ الشركة دي إنت بانيها عرق فوق عرق من سنة 87!
رد الحاج محمود بنبرة مجهدة، نبرة عمر ياسمين ما سمعتها منه حتى في أصعب أزمات الشغل:
—تعالي على الشركة حالًا يا ياسمين. الموضوع أكبر من مجرد سرقة فواتير.
## في مقر شركة المنشاوي – الواحدة صباحًا
الهدوء في الشارع كان مريب، لكن جوه مبنى الإدارة كانت الأنوار كلها منورة. أول ما ياسمين دخلت، شافت مروان —ابن خالة شريف اللي كان شغال في المشتريات— قاعد في مكتب الأمن، وشة أصفر وبيترعش، وجنبه الشنطة الدبلوماسية القديمة اللي كانت دايماً محطوطة في خزانة أبوها السرية.
طلعت ياسمين لمكتب أبوها جري.
الحاج محمود كان قاعد وراه مكتبه، وحاطط قدامه ثلاث ورقات بلون أصفر قديم.
قعدت ياسمين وهي بتنهج:
—فهمّني يا بابا.. إيه الورق ده؟
مسك الحاج محمود النظارة بتاعته وبدأ يتكلم وهو بيبص للفراغ:
—سنة 2012.. قبل ما تشوفي شريف بسنتين.. الشركة مرت بأزمة سيولة طاحنة، كنا هنفلس. وقتها ظهر راجل أعمال مصري عايش في الخليج اسمه توفيق الدمنهوري.. أبو شريف.
ياسمين حست ببرودة بتجري في دمها:
—أبو شريف؟ إنت عمرك ما قلت لي إنك كنت تعرف أبوه! شريف قالي إن أبوه مات وهو صغير ومسابش وراه غير معاش بسيط!
كمل أبوها:
—توفيق دخل معايا كشريك موسر، ضخ ملايين عشان ينقذ الشركة، لكنه اشترط إن الشراكة تفضل سرية لأسباب ضريبية تخصه بره مصر. وعملنا العقود دي.. 40% من أسهم المجموعة باسم ابنه الوحيد «شريف»، على أن تُفعل العقود دي قانونيًا إما بوفاة توفيق، أو بوصول شريف لسن الثلاثين.
ياسمين مسكت العقود بإيد بتترعش. التوقيع توقيع أبوها فعلاً، والختم ختم الشركة القديم.
وقالت بصوت مخنوق:
—يعني شريف ما اتجوزنيش حب؟ ده كان داخل وعارف إن ليه 40% من المكان ده؟
رد محمود:
—توفيق مات بعد توقيع العقود بسنة. وسهير ابنه اختفت هي وابنها لفترة، ولما ظهروا تاني في حياتنا عن طريق معارف، وعملوا نفسهم ما يعرفوش حاجة، وشريف اتقدم لك.. أنا قولت ده نصيب، وبدأت أقتنع إن شريف ما يعرفش حاجة عن العقود دي لأن أبوه مات فجأة.. لكن واضح إني كنت مغفل.
## المواجهة المستحيلة
في اللحظة دي، تليفون ياسمين رن.
الاسم على الشاشة كان: **شريف**.
ياسمين ردت، وفتحت المايك بصوت جامد:
—عايز إيه يا شريف؟
جاءها صوته من السماعة، بس المرة دي ما كانش النبرة الهادية الضعيفة اللي كان بيتمسكن بيها في المحكمة. كان صوت حاد، واثق، وفيه نبرة تشفي:
—مبروك الطلاق يا ياسمين.. أهو ورقك في حضنك زي ما كنتِ عايزة. بس ياريت تلحقي تلمي حاجتك إنتِ وأبوكي من مكتب رئيس مجلس الإدارة.
ياسمين جزت على سنانها:
—مروان اتمسك يا شريف. والورق اللي سرقه من الخزنة معانا دلوقتي. يعني لعبتكم اتكشفت.
ضحكة شريف الرخمة هزت السماعة:
—يا حبيبتي مروان ما كانش بيسرق العقود.. مروان كان رايح ياخد «النسخ الأصلية» عشان نطابقها بالنسخ اللي معانا ونوديها الشهر العقاري الصبح. إنتِ طردتي الـ27 موظف بتوعنا؟ تمام.. إحنا بقى هنطرد الشركة كلها.
ياسمين صرخت:
—العقود دي فات عليها سنين ومحدش فعلها! وإنتوا سرقتوا من الشركة 74 مليون جنيه، تقرير المحاسبة الجنائية يوديكم في داهية!
رد شريف بكل برود:
—الـ74 مليون دول كانوا جزء من أرباح نسبتي الـ40% اللي أبوكي كان مخبيها عني طول السنين اللي فاتت.. يعني حقي وبالمستندات. بكره الصبح المحامين بتوعنا هيقدموا طلب فرض حراسة قضائية على شركة المنشاوي للحديد والصلب بناءً على العقود دي.
وقبل ما ياسمين ترد، كمل جملته الأخيرة اللي وقعت عليها زي الصاعقة:
—آه، ونسيت أقولك.. العقود دي فيها بند شرط جزائي.. لو طرف أخفى الأرباح عن الطرف التاني، من حق الطرف المتضرر الاستحواذ على الـ60% الباقيين بالقيم الاسمية القديمة.. يعني من بكره الصبح، شركة المنشاوي هتبقى ملك عيلة الدمنهوري بالكامل.. قانونيًا وبإمضاء أبوكي!
شريف قفل السكة.
## سباق مع الزمن
ياسمين بصت لأبوها اللي حط إيده على قلبه وفجأة بدأ يتنفس بصعوبة.
—بابا! بابا رد عليا!
صوت سرينة عربية الإسعاف بدأ يقرب من مبنى الشركة، وفي نفس الوقت، تليفون ياسمين نور برسالة جديدة من رقم مجهول.
فتحت الرسالة، كانت صورة لملف قديم مكتوب عليه: **«مشروع تسوية توفيق الدمنهوري – 2013»**، وتحتها جملة واحدة:
*«لو عايزة تنقذي أبوكي والشركة.. اطلعي على العنوان ده حالاً ومن غير ما حد يعرف».*
بعد ما خلصت اجراءات الطلاق 2
روماني مكرم
ياسمين ركبت مع أبوها في عربية الإسعاف، ماسكة إيده اللي كانت باردة زي التلج.
قلبها كان بيدق أسرع من سرينة الإسعاف نفسها.
في المستشفى، بعد دقايق طويلة من الرعب، الدكتور خرج وطمنها إنها ذبحة صدرية خفيفة نتيجة الضغط العصبي المفاجئ، وإنه أخد الأدوية اللازمة بس محتاج راحة تامة في العناية المركزة تحت الملاحظة.
ياسمين سابت «عم جابر» —رئيس أمن الشركة القديم واللي أبوها بيثق فيه ثقة عمياء— واقف قدام باب العناية.
وقالت له بصرامة:
—محدش يدخل له، حتى لو أنا يا عم جابر، لحد ما أرجع.
بصت في ساعتها. الساعة كانت 3 الفجر.
فتحت الموبايل وبصت على الرسالة المجهولة اللي جاتلها.
اللوكيشن كان بيشاور على عمارة قديمة في منطقة وسط البلد.
⸻
ساقت عربيتها في شوارع القاهرة الفاضية، دماغها بتغلي.
وصلت للعمارة. من العمارات الكلاسيكية اللي مكاتبها بتتقفل بعد الضهر ومبيفضلش فيها غير بوابين نايمين.
طلعت الدور الرابع على السلم لأن الأسانسير كان عطلان.
في نهاية الطرقة الضلمة، كان فيه باب خشب قديم موارب وبيسرب نور خفيف.
زقت الباب بحذر.
لقيت «داليا رياض» —المحاسبة الجنائية اللي استأجرتها عشان تكشف السرقة— واقفة بتلم ورق وملفات في كراتين بسرعة وهي مرعوبة، وشكلها كأنها بتهرب.
ياسمين دخلت بصدمة:
—داليا؟ إنتِ اللي بعتيلي الرسالة؟ إيه اللي جابك هنا؟ وإيه مشروع تسوية توفيق ده؟
داليا بصت لياسمين بخوف وراحت قفلت الباب بالمفتاح بسرعة:
—لما طردتي الـ27 موظف النهاردة، أنا دخلت على السيرفرات القديمة من حسابي كـ«أدمن» عشان أتأكد إنهم ممسحوش حاجة من أثار السرقة. بس وأنا براجع، لقيت فولدر مخفي متشفر جوه حساب مروان. فكيته… ولقيت الكارثة.
داليا طلعت ملف أصفر قديم من الكرتونة وحطيته قدام ياسمين على المكتب.
وبلعت ريقها وكملت:
—الفلوس اللي توفيق أبو شريف ضخها في شركة أبوكي سنة 2012 عشان ينقذها… ماكانتش فلوسه يا ياسمين.
ياسمين كشرت:
—أومال فلوس مين؟
—توفيق كان مجرد واجهة لكيان دولي بتاع غسيل أموال. الفلوس دي كانت قروض غير مشروعة جاية من بره مصر. العقود اللي شريف بيهددك بيها صحيحة، بس شريف نفسه ميعرفش إن الـ40% دي مرهونة للكيان ده. لكن سهير حماتك… عارفة.
ياسمين حطت إيدها على راسها وهي بتربط الخيوط ببعض، وحست إن الأوضة بتلف بيها:
—يعني الـ74 مليون اللي سهير وشريف سرقوهم على مدار 6 سنين…
داليا قاطعتها بصوت مهزوز:
—بالظبط! ماكانوش بيسرقوهم عشان يبنوا ثروة شخصية. دول كانوا بيسددوهم كـ«فوائد سنوية» للكيان ده من ورا ضهر أبوكي، عشان الكيان ما يطالبش بالـ40% من الشركة وتتفضح اللعبة! عيلة الدمنهوري مجرد وسطاء. والـ27 موظف اللي طردتيهم دول ماكانوش قرايب وبس… دول كانوا شبكة مراقبة عشان يتأكدوا إن الفلوس بتتحول في ميعادها لشركة «النيل للخدمات اللوجستية» اللي هي مجرد غطاء للكيان ده.
داليا قفلت الشنطة ولبست البالطو بتاعها بسرعة.
—أنا حجزت تذكرة طيران لألمانيا والطيارة بعد 3 ساعات. ياسمين، لو شريف نفذ تهديده الصبح وفرض حراسة على الشركة واستحوذ عليها، الكيان ده هيدخل مصر رسمي من خلال شركتكم. وأبوكي هيبقى المتهم الأول في قضية غسيل أموال وتسهيل دخول أموال مشبوهة، لأن إمضاءه على العقود الأصلية!
ياسمين اتجمدت مكانها.
شريف وسهير مكانوش بيسرقوها… دول كانوا بيلبسوها هي وأبوها تهمة ممكن توصل للمؤبد.
داليا شورت على الملف الأصفر اللي على المكتب:
—ده الدليل الوحيد اللي يثبت إن أبوكي كان حسن النية ومايعرفش مصدر الفلوس. دي المراسلات السرية اللي تثبت إن توفيق زور أوراق مصدر الأموال وقدمها لأبوكي على إنها مدخراته. حافظي على الملف ده بحياتك. أنا ماشية… إنتِ لوحدك دلوقتي.
داليا خرجت وسابت ياسمين لوحدها في المكتب الضلمة.
ياسمين مسكت الملف الأصفر وضمته على صدرها.
دلوقتي فهمت ليه سهير كانت مرعوبة لما هددتها بفتح الدفاتر. الموضوع مابقاش سرقة عائلية، دي مافيا.
لازم تسبق شريف.
لازم تروح مكتب النائب العام أول ما النهار يطلع، قبل ما محامين شريف يوصلوا للمحكمة الاقتصادية ويطلبوا فرض الحراسة.
نزلت تجري على السلالم، وخرجت للشارع الضلمة.
فتحت عربيتها وركبت، وحطت الملف جنبها، ودورت الموتور.
لكن قبل ما ترفع رجلها من على الفرامل… باب العربية اللي جنبها اتفتح فجأة.
راجل ضخم لابس جاكيت أسود قعد على الكرسي اللي جنبها وقفل الباب، وفي ثانية كان حاطط مسدس كاتم للصوت على جنبها.
ياسمين شهقت وكانت هتصرخ، لكن قبل ما تفتح بوقها، حست بحركة في الكرسي اللي وراها.
سمعت صوت ناعم، هادي، وفيه فحيح زي التعبان… صوت سهير.
—تؤ تؤ يا ياسمين… إنتِ فاكرة إن طرد 27 موظف هيعدي بالساهل كده؟
سهير مدت إيدها من ورا وخدت الملف الأصفر من على الكرسي، وابتسمت في المراية بتاعة الصالون.
—اطلعي بينا بقى على المستشفى عند الحاج محمود… عشان نمضي ورق التنازل عن الشركة بهدوء، ومن غير ما أجهزة الإعاشة بتاعته تفصل فجأة.
ياسمين حسّت إن الدم هرب من عروقها بالكامل. البرودة اللي سكنت أطرافها كانت أقوى من برودة تكييف العربية. بصت لسهير في المراية، الست اللي كانت دايماً بتمثل دور الراقية والأم الحنينة، ملامحها في الضلمة كانت مرعبة، خالية من أي إنسانية.
الراجل اللي جنبها ضغط بوز المسدس أكتر في جنبها، وقرّب وشه منها وقال بنبرة خفيضة:
—دوري العربية، واطلعي زي ما الهانم قالت لك. أي حركة غدر، مش هتلاحقي تشوفي أبوكي صاحي.
ياسمين دورت العربية بـ إيدين بترتعش. ساقوا في شوارع وسط البلد الفاضية باتجاه المستشفى. كل إشارة حمراء كانت بتعدي عليها، كانت بتدعي في سرها إن أمين شرطة يوقفهم، أو يحصل أي حادثة تعطلهم، لكن الشوارع كانت مهجورة كأنها بتعاندها.
طول الطريق، سهير كانت بتقلب في الملف الأصفر بولاعة صغيرة في إيدها، وكأنها بتقول لها إن دليل براءتها ممكن يتحول لرماد في ثانية.
سهير قالت بنبرة باردة:
—عارفة يا ياسمين؟ غباءك هو اللي وصلك لهنا. لو كنتِ قعدتي في بيتك وغمضتِ عينك عن الكام مليون اللي كنا بناخدهم، كان زمانك لسه هانم، وأبوكي لسه بيمارس دور رجل الأعمال الكبير. لكن إنتِ صممتِ تفتشي ورا مروان وكريم… صممتِ تلعبي مع كبار.
ياسمين بلعت ريقها، وحاولت تستجمع شجاعتها وقالت بصوت مهزوز بس ثابت:
—شريف عارف باللي إنتِ بتعمليه ده؟ عارف إنك مهددة حياته وحياتنا مع المافيا دي؟
سهير ضحكت ضحكة مكتومة:
—شريف ابني طيب، وفاكر إن الموضوع مجرد ورث وعقود قديمة وحق أبوه. أنا مخلية وشه نظيف قدام المحاكم عشان لما يستلم الشركة يبقى الكيان مطمن له. شريف بيمضي اللي بقوله عليه وهو مغمض… زي ما كان بيمضي معاكي بالظبط.
## في ساحة المستشفى – الرابعة صباحًا
وصلوا المستشفى. الراجل اللي معاهم نزل الأول وهو مخبي المسدس تحت الجاكيت، ومسك ياسمين من دراعها بقوة كأنهم زوجين، وسهير كانت ماشية وراهم بخطوات واثقة والملف الأصفر جوه شنطتها الكبيرة.
طلعوا الدور اللي فيه العناية المركزة. الممرات كانت هادية تماماً، ومفيش غير ممرضة واحدة قاعدة ورا مكتب الاستقبال ونايمة على مكتبها.
أول ما وصلوا قدام باب الأوضة، ياسمين شافت «عم جابر» رئيس الأمن. كان قاعد على الكرسي، بس راسه كانت مقلوبة لورا وعينه مقفولة. ياسمين اتفزعت واكتشفت إنه مش نايم، ده مغمى عليه أو مِتخدر.
سهير شاورت للراجل الضخم، ففتح الباب بهدوء ودخلوا كلهم الأوضة.
الحاج محمود كان نايم على السرير، الأجهزة متوصلة بجسمه، وصوت مؤشر نبضات القلب بيطلع نغمات منتظمة ورتيبة جوه الأوضة.
سهير طلعت من شنطتها دفتر عقود جديد، لسه حبره ناشف، وحطته على الترابيزة اللي جنب السرير، وطلعت قلم فاخر وقالت لياسمين:
—ده تنازل نهائي وخالص من أبوكي ومنك عن الـ60% الباقية من أسهم المجموعة لصالح شريف الدمنهوري، مقابل تسوية ودية وإبراء ذمة مالية شامل.
ياسمين بصت لأبوها النايم، ودموعها نزلت:
—أبويا تعبان، مش هيقدر يوقع ولا يفهم إنتِ بتكتبي إيه!
سهير ابتسمت وقربت من جهاز التنفس الصناعي:
—لو ما وقعتوش إنتوا الاتنين دلوقتي.. أنا هفصل الفيشة دي. والدكاترة هيقولوا سكتة قلبية ناتجة عن الذبحة اللي جتله بالليل.. ومحدش هيشك في حاجة. وساعتها شريف هياخد الشركة برضه بقوة القانون والعقود القديمة اللي معانا.. بس أبوكي هيكون تحت التراب. اختاري يا ياسمين.. الشركة ولا حياة محمود المنشاوي؟
الراجل الضخم مسك إيد الحاج محمود النايم، وبدأ يرفعه عشان يخليه يمسك القلم، وفي الإيد التانية كان مجهز بصامة حبر.
ياسمين صرخت بصوت مكتوم:
—خلاص! سيبوه وأنا هبصمه وأوقع مكاننا إحنا الاتنين! أنا معايا تفويض رسمي بإدارة حصته!
سهير عنيها لمعت بالانتصار:
—وقعي إنتِ الأول بصفتك شريكة ومديرة تنفيذية.
ياسمين مسكت القلم، وإيدها بتترعش بشكل هيستيري. حطت السن على ورقة التنازل.. شافت اسم أبوها، واسم الشركة اللي اتبنت من مخزن صغير في شبرا الخيمة بعرق وشقى سنين.
كانت خلاص هتوقع وتنهي كل حاجة..
لكن فجأة، صوت حركة سريعة حصلت وراهم عند الباب.
الباب اتفتح بعنف، ودخل شخص مكانش يخطر على بال سهير ولا ياسمين إنه يظهر في المكان ده وفى التوقيت ده بالذات.
الشخص ده كان ماسك موبايله وهو بيسجل فيديو لايف، وبص لسهير وقال بنبرة مليانة غضب وصدمة:
—أمي؟ إنتِ بتعملي إيه هنا؟! ودفتـر إيه ده اللي بيمضوا عليه؟!
الكلمة فضلت معلقة في الهوا، وصوت شريف —اللي كان المفروض قاعد في بيته مطمن— ضرب في الجدران. سهير اتجمدت في مكانها، والقلم وقع من إيد ياسمين على الأرض.
شريف قرب خطوتين، عينيه طايرة بين أمه، وبين المسدس اللي في إيد الراجل الضخم، وبين أبوه النايم على سرير المرض. صوته كان بيكسر:
—إنتِ بتعملي إيه يا أمي؟ تنازل إيه؟! إنتِ قولتي لي إننا هنسترد حقنا بالقانون والمحامين! قولتي لي إن مفيش أذية!
سهير وشها انقلب للون الأصفر، ونبرتها اترجت ابنها وهي بتقرب منه:
—شريف! افهم يا ابني، الناس دي ماكانتش ناوية تدينا حقنا بالحسنى. دول سرقونا! والمحاكم هتاخد سنين…
—تسرقونا؟ —شريف قاطعها وصوته بترعش من الصدمة والغضب— أنا كنت فاكر إننا بنطالب بحق أبويا وبس! لكن… لكن تهدلهم بالقتل وفصل الأجهزة؟! إنتِ جننتي يا أمي؟!
قبل ما سهير تلحق ترد، الراجل الضخم اللي كان ماسك المسدس، وبإشارة سريعة من سهير، وجه سلاحه ناحية شريف وقال بصوت حاد:
—ابعد عن الطريق يا باشمهندس، الهانم عارفة هي بتعمل إيه.
شريف بص للراجل بذهول، وبعدين بص لأمه:
—إنتِ مجيبة معاكي بلطجية يهددوني أنا كمان؟!
—ابعد يا شريف! —صرخت سهير وهي بتحاول تجذب ابنها بعيد عن الباب.
بس في اللحظة دي، حصل اللي محدش كان متوقعه.
باب العناية المركزة اتهد واتفتح على مصراعيه. «عم جابر» رئيس الأمن، اللي كان مرمي بره كأنه مغمى عليه، نط جوه الأوضة ومعاه أربعة من رجال الأمن القدامى بتوع الشركة، وفي إيد جابر عصا غليظة. في ثانية واحدة، كان عم جابر هجم على الراجل الضخم ونزل فيه ضرب لحد ما المسدس طار من إيده وخبط في الحيطة، وباقي الحرس سيطروا على الموقف وربطوا حركه البلطجي.
(ياسمين بصت لعم جابر بدهشة، وهو غمز لها بعينه وقال: “يا بنتي أنا أخدت ضربة على قفاي تدوخ حصان، بس رجعت فوقت وعملت تليفون صغير لرجالة المخازن الأقوياء قبل ما أدخل”).
سهير لقيت نفسها لوحدها، محاصرة، والملف اللي في شنطتها وقع على الأرض واتفتحت أوراقه.
شريف وقف قدام ياسمين، وبص لأبوه النايم، وبعدين بص لياسمين ونزل بعنيه في الأرض بكسرة نفس:
—أنا آسف يا ياسمين… والله العظيم ما كنت أعرف إنها وصلت لكده. أنا كنت أعمى.
ياسمين بصتله نظرة أخيرة خالية من أي مشاعر، وقالت بصوت هادئ وثابت:
—كل واحد بيشيل شيلة عمايله يا شريف. المحاكم هتقول كلمتها في كل حاجة… السرقة، التهديد، والكيان اللي أمك كانت بتستتر وراه.
بعد أقل من ساعة، كانت عربية الشرطة واقفة قدام المستشفى. سهير خرجت وهي متلبسة، راسها في الأرض، والكلابشات في إيديها، ومروان وباقي الشبكة اتقبض عليهم في نفس التوقيت من بيوتهم.
## بعد ستة أشهر
الشمس كانت طالعة منورة على واجهة “مجموعة المنشاوي للحديد والصلب”.
الحاج محمود رجع لمكتبه، صحته أحسن بكتير، وقاعد على كرسيه، بيبص من الشباك على عمال الشركة وهما شغالين بجد وهمة.
ياسمين دخلت المكتب ومعاها كوباية القهوة مظبوطة زي ما بيحب، وحطتها قدامه.
الحاج محمود بص لبنته وابتسم بحنان:
—الشركة رجعت أقوى من الاول يا ياسمين.. والأسهم اللي حاولوا يسرقوها رجعت في خزنتنا بحكم المحكمة، والكيان ده كله اتقبض على رؤوسه برا مصر وجواها.
ياسمين قعدت على الكرسي اللي قدامه، وفتحت التابلت بتاعها تراجع الشغل، وقالت بابتسامة واثقة:
—الشركة دي يا بابا اتأسست في مخزن صغير في شبرا الخيمة.. واللي يبني حاجة بعرقه وشقاه، مستحيل حد يقدر يهدها.. مهما كان مين.
محمود مد إيده وطبطب على إيد بنته، وقال:
—إنتِ بقيتي أحسن رجل أعمال في مصر يا ياسمين.. مش بس في عيلة المنشاوي.


تعليقات
إرسال تعليق