رجعت من الشغل
رجعت من الشغل
رجعت من شغل بره القاهرة بعد أسبوع كامل… ولما فتحت باب الشقة، لقيت بنتي نايمة على أرضية المطبخ. لكن اللي شوفته جوه أوضتها بعدها… خلّى الډم يتجمد في عروقي.
كنت مسافرة مأمورية شغل لمدة أسبوع، وسايبة بنتي “مريم” اللي عندها 12 سنة مع أبوها. مريم كانت دايمًا عاقلة ومسؤولة، وعلاقتها بأبوها كويسة جدًا، فعمري ما قلقت وأنا سايباها معاه.
يوم رجوعي، الطيارة اتأخرت أكتر من مرة، ولحد ما وصلت العمارة وطلعت الشقة، كانت الساعة قربت على نص الليل.
أول ما فتحت الباب، حسيت إن في حاجة مش طبيعية.
الشقة ضلمة بشكل غريب…
وساكتة زيادة عن اللزوم.
وأول حاجة لفتت نظري…
مريم.
كانت نايمة على أرضية المطبخ، متغطية ببطانية خفيفة، وحاطة راسها على مخدة صغيرة.
فضلت واقفة أبصلها كذا ثانية وأنا مش مستوعبة.
ليه بنتي نايمة هنا؟
إيه اللي حصل لأوضتها؟
يا ترى حصل ماسورة اڼفجرت؟ ولا السقف شرّب؟ ولا في حاجة خلت الأوضة مينفعش تنام فيها؟
ولو في مصېبة حصلت… ليه جوزي ماكلمنيش؟
جريت عليها وقعدت جنبها. اتأكدت إنها بتتنفس طبيعي، ومفيش أي إصابة أو كدمة في جسمها. شكلها كان مرهق جدًا… لكن كانت نايمة بعمق.
ارتحت شوية، وقلت بلاش أصحيها دلوقتي.
وطّيت النور بهدوء، وعدّيت من جنبها على أطراف صوابعي، وروحت أدور على جوزي.
دخلت أوضتنا…
ملقيتوش.
الموبايل بتاعه مش بيشحن، والمحفظة مرمية فوق الكومودينو، وكل حاجته مكانها… لكن هو نفسه مش موجود.
الساعة كانت داخلة على 12 بالليل…
راح فين؟
وأنا خارجة من الأوضة، لمحت خيط نور طالع من تحت باب أوضة مريم.
وقفت مكاني.
بدأت أقرب بالراحة…
وفجأة سمعت صوت ناس بيتكلموا بصوت واطي من جوه.
وبعدها بثواني…
صوت دولاب أو ترابيزة بتتحرك على الأرض.
قلبي بدأ يدق بطريقة مخيفة.
مديت إيدي ناحية المقبض، وفتحته سنة صغيرة جدًا…
وبصيت من الفتحة.
وفي اللحظة دي…
وشّي كله اصفر، وحسيت الډم انسحب من جسمي من هول اللي شوفته.
جوه أوضة بنتي… كان جوزي واقف مع راجلين معرفهمش.
الأوضة كلها كانت متقلبة.
الدولاب مفتوح.
السرير متشال من مكانه.
وأرضية الأوضة متغطية بتراب وأسمنت مكسر.
واحد من الرجالة كان ماسك شاكوش صغير، والتاني بيكسر بلاطة من أرضية الأوضة.
فضلت واقفة مش قادرة أستوعب.
إيه اللي بيعملوه في أوضة بنتي نص الليل؟
وقبل ما ألحق أفكر، سمعت جوزي بيقول بصوت واطي:
“خلصوا بسرعة… قبل ما ترجع.”
رجلي كانت هتخذلني.
أنا بالفعل رجعت.
لكن واضح إنه ماكانش يعرف.
فتحت الباب مرة واحدة وأنا پصرخ:
“إنتوا بتعملوا إيه؟!”
التلاتة اتخضوا.
واحد منهم وقع الشاكوش من إيده.
وجوزي بقى لونه أبيض.
حاول يبتسم وقال:
“إنتي وصلتي؟ كنت هفاجئك.”
قلتله وأنا ببص للأرض المکسورة:
“تفاجئني بإيه؟ إنك تبوظ أوضة بنتي؟”
بدأ يتلعثم.
كل كلمة يقولها كانت أغرب من اللي قبلها.
مرة يقول بيصلح مواسير.
ومرة يقول في تسريب.
ومرة يقول بيغير السيراميك.
لكن مفيش سباك.
ولا أدوات شغل.
ولا حتى بلاطات جديدة.
كل اللي كان موجود…
حفرة كبيرة في نص الأرض.
ولما قربت منها…
شوفت صندوق خشب قديم.
كان مغطي بطبقة تراب سميكة.
واحد من الرجالة حاول يقف قدامي.
لكن زقّيته.
فتحت الصندوق بإيدي.
ولقيت…
صور قديمة جدًا.
وعقود ملكية.
وأوراق مكتوب فيها اسم أبويا.
وقتها افتكرت.
قبل ۏفاة أبويا بسنين، كان بيقول دايمًا إنه مخبي أوراق مهمة جدًا في مكان محدش يعرفه.
لكن عمره ما قال فين.
واضح إنه كان قاصد يخبيها تحت أرضية أوضة حفيدته.
بصيت لجوزي.
وسألته:
“عرفت منين مكانها؟”
سكت.
كررت السؤال.
سكت برضه.
لكن الراجل اللي معاه اتوتر وقال:
“هو اللي جابنا… وقال إن الست مسافرة أسبوع… وإن لازم نخلص قبل ما ترجع.”
الجملة دي كانت كفاية.
عرفت إن الموضوع كله متخطط.
بعدها بأيام اكتشفت الحقيقة الكاملة.
جوزي كان غرقان في ديون كبيرة من غير ما أعرف.
وواحد من قرايبنا حكاله عن كلام قديم كان أبويا قاله قدام العيلة عن أوراق وأمانة مخبية في البيت.
فضل يدور شهور.
ولما لقى المكان…
استنى أول فرصة أسافر فيها.
لكن لأنه كان خاېف مريم تشوف اللي بيعمله، قالها تنام في المطبخ بحجة إن أوضتها فيها “ريحة دهان”.
البنت صدقته.
وقضت أسبوع كامل نايمة على الأرض.
أما هو…
فكان كل ليلة يحفر شوية.
لحد ما وصل للصندوق.
الأوراق اللي كانت جوه أثبتت ملكية قطعة أرض كبيرة كان عليها ڼزاع من سنين، وكانت قيمتها بالملايين.
ولو كانت اختفت…
كان حقي كله هيضيع.
بلغت الشرطة بكل اللي حصل.
والتحقيقات أثبتت إن الراجلين دخلوا البيت بعلمه، وإنه كان ناوي يبيع الأوراق قبل ما أعرف.
بعد شهور طويلة…
اتطلقت منه.
وخدت حضانة مريم.
ولأول مرة من سنين حسيت إني أنقذت بنتي قبل ما أنقذ فلوسي.
لكن القصة مخلصتش هنا…
بعد ما خلّصنا تجديد أوضة مريم، وهي بترتب ألعابها، نادت عليا بصوت مړعوپ.
“ماما… هو ده كان موجود جوه الحيطة.”
روحت جري.
كان في ظرف صغير جدًا، لونه أصفر من الزمن.
عليه بخط إيد أبويا:
“ما يتفتحش إلا لو اكتشفتي الصندوق.”
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
وجواه ورقة واحدة بس.
مكتوب فيها:
“اللي يخون مرة… هيخون ألف مرة. لو وصلتي للرسالة دي، يبقى الشخص اللي وثقتي فيه حاول يسرقك. حافظي على بنتك… لأنها أغلى من أي ميراث.”
قريت الرسالة أكتر من مرة.
وبصيت لمريم وهي واقفة جنبي.
حضنتها بكل قوتي.
وساعتها أدركت إن أغلى حاجة رجعت بيها من السفر… ما كانتش الأرض، ولا الأوراق، ولا الفلوس…
كانت بنتي.
ولو كنت اتأخرت يوم واحد بس في الرجوع…
يمكن كانت الحقيقة كلها اتدفنت تحت نفس الأرض اللي كانوا بيحفروا فيها.


تعليقات
إرسال تعليق