اكل حماتي كامله
اكل حماتي كامله حكايات زهرة حصري
كل ما اعمل لقمه لحماتي تقولي الاكل مالح ، لدرجة اني قررت اعمله من غير ولا نسمة ملح واحده، وبرضه حماتي بكل هدوء وقفت تقولي بس الأكل النهاردة.. برضه مالح حبتين يا بنتي.!!!!
جوزي قرر يفتح كاميرات المراقبة اللي في البيت عشان يفهم إيه اللي بيحصل بالظبط. وأول ما شفنا اللي حصل الظهرية في التسجيل.. ما قدرت شوية وأمسك دموعي؟؟
حماتي في الأصل مش من الستات النكدية ولا بتاعت مشاكل وخناقات.. بالعكس خالص.
من أول يوم دخلت فيه عيلتهم، كانت كريمة معايا لأقصى درجة، و ما بخلتش عليا بأي حاجة.
قدام القرايب والناس، عمرها ما عملت فيها الحما اللي بتتحكم ولا حطتني في دماغها.
يوم الفرح، قلعت أسبوع دهب من إيدها ولبستهولي، وقالتلي وهي بتضحك
أنا حيلتي ولد واحد يا ولاء.. ودلوقتي بقى عندي بنتي اللي هتشيله في عينيها وهتوحشني لما تغيب.
تاني يوم الصباحية، وأنا واقفة بخرط خضار في المطبخ، الصوبع اتعور بالسكينة.. لقيتها دخلت جرتني من المطبخ وقالتلي
عروسة جديدة إيه اللي تقف في المطبخ! انتي مش معزومة هنا عشان تخدمي يا بنتي.
عشان كده، لما جُم قالوا إنها هتتنقل تعيش معانا في شقتنا في التجمع، أنا فرحت من كل قلبي.. البيت لما يدخله حس بيحلو ويدفى.
بس المشكلة إن أنا ومصطفى شغلنا واكل وقتنا.
تالت سنة جواز اهيه، والمنبه بتاعنا يرن الساعة 6 ونص الصبح زي ما
هو.
هو شغال في شركة برمجيات في القرية الذكية في أكتوبر.
وأنا شغالة في شركة ديكور في مصر الجديدة.
بنخرج من البيت والشمس يا دوبك بتشقشق، ولما بنرجع بالليل،
وطول اليوم، طنط قاعدة في البيت لوحدها بين أربع حيطان.
بس كانت دايما تقولنا متشلوش همي انا بحب اقعد لوحدي
.انا لما برجع من الشغل، نغير بغير واجري على المطبخ فورا وجوزي كمان بيجي ورايا يساعدني.
هو يغسل الخضار ويقطع ويجهز.
وأنا أطبخ وأعمل الأكل.
وبعدها نرص اكلنا على السفره ونجهز ونقسم اكل حماتي بتاع تاني يوم في العلب بتاعة الثلاجة.. علبة للرز، علبة للطبيخ
يبقى جاهز على في الميكرويف
كل ده عشان تصحى الظهر تضغط زِرار الميكرويف وتأكل لقمة سخنة ونظيفة.
وعشان ما تزهقش، كنت بغير الاكل كل يوم
الأحد صينية فراخ بالبطاطس ورز بشعرية وشوربة لسان عصفور.
الإثنين كفتة داوود باشا وسلطة خضرا ورز أبيض.
الثلاثاء مسقعة بالبشاميل وطبق سلطة زبادي بالخيار.
ساعات كنت أرجع متأخر جداً وعيني بتغفل من التعب، وبرضه أقف أطبخ أكل بكرة..
مصطفى كان يصعب عليه حالي ويقولي
يا ولاء، بكرة هطلب لها دليفري من أي مطعم نظيف وخلاص!
أرد وأنا بهز رأسي
أكل الشارع كله زيوت وتهريج.. يضر صحتها.
يهديني ويقول
طب ما تحمليش نفسك فوق طاقتها.
أغطي الحلة وأقوله
هي قاعدة طول اليوم لوحدها.. لما تلاقي لقمة بيتي سخنة ومعمولة
بحب الظهرية، دي بالدنيا عندي.
وهي بصراحة كانت حاسة بتعبي..
كانت تسيب لمبة الصالة واطية منورة لنا بالليل، وتلم الغسيل من البلكونة وتطبقه بانتظام.
وفي أيام المطر، تبعتلي من الصبح
يا ولاء يا بنتي خدي الشمسية معاكي وخلي بالك من الطريق.
الحاجة الوحيدة اللي كانت خنقاني.. هي موضوع الأكل!
ما بتقولش الأكل وحش..
ولا بتقول مش عاجبني..
هي كلمة واحدة ملهاش تاني
مالح.
أول مرة قالتها، كنت بصب الشوربة في الترمس عشان أكل بكرة.
قعدت على الترابيزة وأخدت حتة لحمة من بتاعت إمبارح تدوقها.. ضيقت عينها وقالت
ولاء يا بنتي.. اللحمة مالحه شويتين.
استغربت ومصطفى طلع رأسه من المطبخ
يا أمي ده ولاء أكلها عادم اصلاً!
ابتسمت بهدوء وقالت
يمكن أنا اللي بقيت بقلل الملح عن زمان.
رديت بسرعة
خلاص يا طنط، من بكرة هقلل الملح خالص.
تاني يوم، قللت معيار الملح للنص!
رجعت بالليل، لقيتها بتقول بمنتهى الرقة
الفراخ النهاردة برضه مالحه حبة.
إيدي اتجمدت وهي ماسكة الشوكة!
مصطفى بصلي وحط الطبق من إيده
أمي.. هو انتي حاسة بمرار في بؤك ولا حاجة؟
قالت بساطة
لا يا حبيبي، فل الحمد لله.. بس الأكل مالح.
كانت بتقولها بهدوء شديد من غير أي نبرة لوم
اليوم التالت مالح.
اليوم الرابع برضه مالح.
اليوم الخامس حتى الشوربة مالحه!
اليوم السادس السلطة مالحه!
وصلت لدرجة إني عملت بيض
مسلوق ومُطجن من غير نقطة صلصة صويا ولا أي حاجة وبرضه قالتلي مالح!
هنا أنا فعلاً بدأت أشك في عقلي وتذوقي.
في الإجازة، سحبت مصطفى على المطبخ، وطلعت كل البطرمانات على الرخامة
الملح.
الفلفل.
الصويا صوص.
الدبس.
المرقة.
بقيت أمسك بطرمان بطرمان وأقرا المكونات بتركيز.
مصطفى سَند على التلاجة وهو مكسوف ومش عارف يضحك ولا يزعل
ولاء.. انتي بتطبخي ولا بتعملي رسالة دكتوراه في الكيميا؟
ما قدرتش أبتسم حتى
مصطفى.. طنط ست كبيرة والضغط والملح خطر عليها.
قرب مني وأخد بطرمان الملح من إيدي بالراحة
انتي اصلاً بتحطي ملح لا يذكر !
قلت بقلة حيلة
بس هي كل يوم بتقول مالح!
سكت شوية وبعدين قال
بكرة هاخدها ونروح للدكتور نعمل تحليل وظايف ونطمن على التذوق والضغط.
وافقته.. بس هي رفضت قاطع!
قالت إنها صحتها زي الفل ومافيهاش الهوا.. ومسكت إيدي وطبطبت عليا
يا ولاء يا بنتي، أنا مش بعيب في أكلك ولا بقلل منك.. ما تشيليش في خاطرك.
قلت لها إني مش زعلانة ولله انا عيزاكي تاكلي لقمه حلوه
و في نفس الليلة دخلت على أمازون واشتريت المعلقة المعيارية الرقمية اللي بتحسب الملح بالجرام!
أول ما وصلت، كنت حاسة إني ماسكة طوق النجاة.
غسلتها ونشفتها وحطيتها جنب بطرمان الملح.
بقيت قبل ما أحط أي ملح، أوزن بالظبط!
الأحد بطاطس 0 9 جرام.
الإثنين كفتة 0 7 جرام.
الثلاثاء
بيض 0 3 جرام.
قلت المرة دي مستحيل يكون فيه غلطة!
رجعت بالليل، لقيتها قاعدة بتتفرج على التلفزيون
في الصالة.
أول ما سمعت خبطة الباب رفعت رأسها
حمد الله على السلامة يا ولاء.. تعبتوا النهاردة.
ابتسمت وسألتها بتلقائية
الله يسلمك يا طنط.. الأكل النهاردة كان أخباره إيه؟
سكتت كام ثانية.. صوابعها مشيت بالراحة على الريموت..
وبعدين قالت بصوت هادي يائس
برضه.. مالح حبتين.
في اللحظة دي.. ما نطقتش ولا كلمة.
ومصطفى سكت هو كمان.
دخلت المطبخ بهدوء مصطفى وقف جنب الحوض يبصلي
ولاء.. بلاش تكتمي في نفسك كده.
أنا شغالة أخرط كوسة بشرائح رفيعة منتظمة
أنا مش كاتمة ولا حاجة.
بص للسكينة اللي في إيدي
انتي بتدبي السكينة في الخشب أشد من العادة.
إيدي اتجمدت.. بصيت لشرايح الكوسة المرصوصة، وابتسامة مكسورة ظهرت على وشي.
مش ضحك.. ده كان غُلب!
أنا اتربيت عند تيتا الله يرحمها.. وكانت دايماً تقول كلمة زمان
عارفة أكتر حاجة تتعب الست اللي واقفه في المطبخ ايه ؟ مش المجهود ولا الوقفة.. تتعب لما تلاقي كل اللي بتعمله على الفاضي
زمان ما كنتش بفهم
الكلمة دي.. دلوقتي بس فهمتها صح.
أنا عمر ما كان نفسي حماتي تقولي الله يا ست البنات يا شاطرة.. ولا مستنية شهادة تقدير.
كل اللي كان نفسي فيه إنها الظهرية وهي قاعدة لوحدها، تأكل لقمة بفتحة نفس وتتبسط..
بس كلمة واحدة كانت هتفرحني
النهاردة مظبوط يا ولاء.
مصطفى قرب مني وقال بصوت واطي
طب إيه رأيك أتكلم معاها بكرة؟
هزيت رأسي بسرعة
لا.. بلاش.
استغرب ليه؟
طنط نيّتها مش وحشة والله.. هي مش تقصد تزعلني.
تنهد مصطفى وقال طب ناوية تعملي إيه؟
حطيت الكوسة في الطبق وقلت
بكرة هجرب آخر محاولة.
إزاي يعني؟
بصيت لبطرمان الملح وقلت بجمود
مش هحط ملح خالص.
اتصدم ولا نقطة؟
ولا نقطة.. الملح هيدخل الدولاب ويتقفل عليه. ولا صويا، ولا مرقة، ولا أي توابل فيها صوديوم.
مصطفى حواجبة اتعقدت طب وده هيتأكل إزاي؟!
خضار مسلوق بمية بيضا.. بيض مسلوق عادم.. وطبق فول من غير نقطة ملح ولا طحينة.
بصيت له في عينه وقلت
لو بعد كل ده وقالت حادق... يبقى السر
مش في الأكل يا مصطفى!
مصطفى بصلي فترة طويلة، وبعدين هز رأسه وقال
أنا معاكي في اللي تشوفيه.
في الليلة دي، عملنا أبرد وأعُدم غدا اتعمل في البيت ده من يوم ما اتجوزنا مفيهوش نقطة ملح
حطينا العلب في التلاجة.. وبصيت لهم، الأكل كان طعمه يسد النفس من كتر ما هو عادم!
ولما رجعنا بالليل جرينا عليها انا وجوزي بحماس وسالناها عن الأكل
ها يا حببتي ايه اخبار الاكل النهارده
اتنهدت بتعب وحزن وقالت.....برضه مالح حبتين يا بنتي.
انا وجوزي بصينا لبعض بذهول ووقتها بس جوزي قرر يفتح كاميرات المراقبة اللي في البيت عشان يفهم إيه اللي بيحصل بالظبط. وأول ما شفنا اللي حصل الظهرية في التسجيل.. ما قدرتش أمسك دموعي
أول ما مصطفى فتح الموبايل وجاب تسجيلات الكاميرا بتاعة الصالة والمطبخ، وقعدنا إحنا الاثنين على الكنبة والقلب بيخفق من التوتر، شغّلنا تسجيل الساعة 12 الظهرية بالظبط.. اللحظة اللي طنط بتصحى فيها عشان تتغدى.
شفناها وهي طالعة
من أوضتها بخطوات بطيئة، باين عليها الإرهاق.. راحت على المطبخ، طلعت علبة الأكل من التلاجة، وحطتها في الميكرويف زي كل يوم. لحد هنا، كل حاجة كانت طبيعية جداً. بس أول ما الميكرويف صفر وأخدت العلبة وقعدت على سفرة المطبخ.. بدأ السحر والوجع كله!
حطت أول معلقة في بقها، وقبل ما تبلع، شفناها بتتنهد تنهيدة طوييييلة، وحطت المعلقة من إيدها. مسكت موبايلها القديم اللي شاشته مكسورة، وفضلت تقلب فيه بثقل، وبعدين طلعت صورة.. ثلّتنا الصورة على شاشة الموبايل، لقينها صورة عمي الله يرحمه، جوزها المتوفي من خمس سنين.
مسحت على الصورة بإيدها وهي بتبتسم ابتسامة مكسورة تخلع القلب، وقالت بصوت هادي خرق صمت البيت في التسجيل
الله يرحمك يا حاج حسن.. الملح كان مظبوط من إيدك، الأكل من بعدك ما بقاش ليه طعم ولا لون.. كل حاجة بقت حادقة ومرة في بؤي.
في اللحظة دي، أنا ومصطفى بصينا لبعض، والدموع نزلت من عيني من غير ما أحس. بس التسجيل ما خلصش على كده.. المشهد اللي بعده كان هو السر الحقيقي اللي خلانا ننهار!
شفنا طنط وهي بتقوم بصعوبة، تفتح درج المطبخ، وتطلع منه علبة مخلل ليمون وزيتون كانت شرياها من بره ومخبيَاها في أخر الدرج ورى العلب!
مسكت ليمونة مخللة، وحطت منها حتة كبيرة في بقها مع كل معلقة أكل بتاكلها من الأكل العادم اللي أنا عاملاه! كانت بتاكل المخلل بشراهة غريبة، وكأنها بتدور على أي طعم قوي يكسر حالة العُدم والوحدة اللي عايشة فيها، أو يمكن ضغطها كان ببيوطى جداً من كتر القعدة لوحدها والتفكير!
وبعد ما خلصت أكل، مسحت إيدها، ورجعت علبة المخلل مكانها في أخر الدرج، وغسلت بقها بمية كتير عشان ما نشمش ريحة المخلل لما نرجع!
اتاريها طوال الأيام اللي فاتت، كانت بتاكل الأكل المظبوط اللي أنا بعمله، وتاكل معاه مخلل حادق جداً من ومانا، فاليقمة كلها في بؤها تتحول لكتلة ملح! ولما نيجي نسألها بليل، كانت بترد
بعفوية شديدة بناءً على الطعم اللي فضل في بؤها من المخلل، وفي نفس الوقت كانت بتتكسف تقول إنها أكلت مخلل عشان عارفة إننا بنخاف على ضغطها وبنمنعها منه!
مصطفى حط إيده على وشه وقعد يعيط بصوت واطي.. كان حاسس بذنب رهيب. الذنب مش إننا أثرنا معاها في الأكل، الذنب إننا سيبناها للوحدة تتآكل فيها طول النهار لدرجة إنها بتدور على طعم يرجع لها ذكريات زمان، أو يسلّيها في الأربع حيطان!
في ساعتها، قفلت الموبايل، وقمت من جنب مصطفى.
مسحت دموعي، ودخلت المطبخ.. فتحت الدرج، وطلعت علبة المخلل.
مشيت بخطوات هادية وراحت أوضتها، فتحت الباب بالراحة لقيتها قاعدة على السرير بتسبح في الضلمة.
قعدت جنبتها على طرف السرير، وحطيت علبة المخلل في حجرها.
طنط برقت بذهول واتحرجت جداً وقالت بصوت لجلج: "ولاء.. انتي.. انتي لقيتي العلبة
دي فين؟ والله يا بنتي أنا..."
مسكت إيدها وبستها بحرارة، وقلت لها والنبرة طالعة بالعافية من خنقة الزور:
"حقك عليا يا طنط.. حقك عليا يا أمي. أنا اللي آسفة إني سبتك طول اليوم لوحدك.. آسفة إننا افتكرنا إن علبة أكل سخنة في الميكرويف هي كل اللي انتي محتاجاه."
طنط بصتلي والدموع اتجمعت في عينها، ومصطفى دخل الأوضة وقعد الناحية التانية، حضن إيدها وقبل رأسها وقال:
"يا أمي.. لو الأكل عادم من غير بابا، ومُر من غير لمتنا.. فحقك علينا. من بكرة مفيش قعدة لوحدك تاني."
اتفقنا من ليلتها على نظام جديد خالص..
مصطفى كلم شركته وضبط معاهم إنه يشتغل يومين في الأسبوع من البيت (Work from home). وأنا قدمت طلب في شركتي ونقلت فرع أقرب للشقة وبيخلص بدري ساعة.
والأهم من ده كله.. اتصلت بأختها (خالتو هدى) وبقيت أعمل لها عزومة
كل أسبوع تيجي تقعد معاها بالنهار، واتفقنا مع جارتنا اللطيفة في الدور الأرضي تدخل تشرب معاها الشاي الظهرية.
وتاني يوم.. وقفت في المطبخ، بس المرة دي ما مسكتش معلقة رقمية ولا وزنت ملح بالجرام.
طبخت صينية بطاطس بالفراخ، وحطيت الملح بالمناسبة والبركة زي ما أي ست بيت مصرية بتعمل.. وحطيت جنبها طبق مخلل صغير مخدوم صح!
ولما قعدنا كلنا نتغدى مع بعض بالليل، واللمة دافية والضحكة مالية المكان، أخدت طنط أول معلقة.. بصتلي وابتسمت ابتسامة صافية من قلبها وقالت:
"الله يسلم إيديكي يا ولاء يا بنتي.. الأكل النهاردة.. سكر عسل، ومظبوط بالتمام والكمال!"
عرفت ساعتها إن الأكل عمره ما كان محتاج معايير ولا جرامات.. الأكل كان محتاج بس "لمة ونََفَس طيب".. والملح الحقيقي اللي بيظبط طعم الحياة، هو وجود الناس اللي بنحبهم جنباً إلى جنب.


تعليقات
إرسال تعليق