القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 شقه ابني كامله بقلم روماني مكرم



شقه ابني ج 1 بقلم روماني مكرم


ابنى عمل حدثه واتوفه مراته بعد ست شهور اتجوزت فى شقة ابنى الى مات وكمان وعلى سريره ابنى كان دكتور اتجوز مراته ومكملش سنه معها وعمل حدثه ومات ولسه الحزن جوايا ومراته راحت اتجوزت فى شقته وسريره وعفشه ولم اكتشفت انها اتجوزت اتصلت عليها وقولتلها هو ينفع تجيبى راجل تانى على سرير ابنى وبيت ابنى


ردت وقالت دى شقتى انا ابنك كتبهالى باسمى


لا مستحيل ابنى يعمل كده اكيد فى حاجه غلط


لقيتها توهت فى الكلام وقالت غلط ايه ده


قولت لنفسى الموضوع فى سر كبير


البدايه


الوجع لما بيجي فجأة وبدون مقدمات، بيكسر الظهر وبيطفي النور في العين.. وابني “دكتور طارق” كان هو النور اللي عايشة بيه في الدنيا.


شاب زي الورد، خُلق وأدب وشهامة، طالع عينيه في المذاكرة والمستشفيات لحد ما بقى دكتور أد الدنيا. لما جه يتجوز، اختار “نهى”.. بنت هادية وشكلها طيب، قعدوا مع بعض فترة خطوبة قصيرة، وجوزته في أحسن شقة، فرشناهالهم بأحسن عفش، وكل حاجة كانت كأنها حلم جميل.


بس الحلم دا مكملش سنة..


فجأة وفي يوم أسود زي الطين، تليفوني رن: “يا حجة.. الدكتور طارق عمل حادثة عربية على الطريق الصحراوي.. البقاء لله.”


من اليوم دا، والدنيا اسودت في وشي. كأني اتدفنت معاه في قبره. الحزن أكل قلبي، وكل يوم أصحى وأنام على صورته. نهى مراته كانت بتعيط وتلطم، وبتبين إنها متدمرة.. وفي سري كنت بقول ربنا يصبرها ويصبرني، دي ملحقتش تهنى بيه حتى سنة واحدة.


عدت ست شهور، وأنا عايشة على الذكريات.. لحد ما جه اليوم اللي نزل عليا زي الصاعقة.


كنت قاعدة مع أختي، ولقيتها بتبصلي بنظرات غريبة ومترددة، لحد ما قالتلي بصوت واطي: “يا أختي.. أنا مش عارفة أقولك إزاي، بس الناس في المنطقة عند شقة طارق الله يرحمه بيتكلموا..”


قلبي اتخلع من مكانه: “بيتكلموا يقولوا إيه؟”


قالتلي وهي خايفة: “بيقولوا نهى اتجوزت.. وجابت جوزها الجديد يعيش معاها في شقة طارق!”


ما حسيتش بنفسي، الدنيا دارت بيا.. نهى؟ نهى اللي مكملتش ست شهور على موت ابني؟ تجيب راجل تاني يعيش في بيت ابني؟ وعلى عفشه؟ وعلى السرير اللي ابني كان بينام عليه؟!


مسكت التليفون وإيدي بترتعش من الغضب والذهول، طلبت رقمها.. أول ما ردت، صوتي خرج مخنوق ومحروق: “إنتِ عملتي إيه يا نهى؟! صحيح الكلام اللي سمعته دا؟! جايبة راجل غريب تنيميه على سرير ابني وفي بيته وعفشه اللي لسه ريحته فيه؟!”


ردت عليا ببرود غريب، نبرة صوتها كانت متغيرة تماماً عن البنت الهادية اللي أعرفها، قالتلي جملة قطعت لساني:


“جري إيه يا حجة؟ بيتك إيه وسرير مين؟! الشقة دي شقتي أنا.. ابنك كاتبها باسمي بيع وشراء قبل ما يموت!”


أتسمرت مكاني.. دموعي اتجمدت في عيني، وصرخت فيها: “أنتِ بتكذبي! ابني مستحيل يعمل كده! طارق كان بيحكيلي على كل صغيرة وكبيرة، ومستحيل يكتب الشقة باسمك من غير ما يقولي، وبعدين الشقة دي إحنا اللي دافعين ثمنها معاه.. في حاجة غلط!”



أول ما قولت جملة “في حاجة غلط”، سمعت صوت نفسها بيعلى، والبرود اللي في صوتها اتقلب لتردد وتلعثم.. توهت في الكلام وقالت بتوتر واضح: “غلط إيه.. إنتِ بتقولي إيه يا حجة؟ هو.. هو أي كلام وخلاص؟ الشقة ورقي متسجل ومظبوط.. يلا سلام بقى عشان مش فاضية!”


وقفلت السكة في وشي!


الحركة دي صحّت جوايا شطان الشك.. التوتر اللي ظهر في صوتها فجأة لما قولت إن في حاجة غلط، وطريقتها وهي بتهرب من الكلام، أكدولي إن الموضوع مش مجرد واحدة اتجوزت بدري واستولت على شقة.. الموضوع وراه سر كبير وأسود!


طارق ابني ما ماتش موتة طبيعية.. والحادثة اللي حصلتله، وعقد البيع اللي هي بتقول عليه.. كل دي خيوط للعبة أكبر بكتير مما أتخيل.


قمت من مكاني، مسحت دموعي، وقلت لنفسي: “وحياة كل نقطة دم نزلت منك يا طارق، وحياة حزني عليك.. لو كانت الأرض هتنطبق على السماء، لأعرف الحقيقة.. ولأعرف إنتِ عملتي إيه في ابني يا نهى!”


#الكاتب_رومانى_مكرم_


بدأت أول خطوة.. نزلت ورحت للشقة في سرية تامة من غير ما تحس، وقفت تحت العمارة أراقب الشباك اللي كان منور بالدفا زمان.. ولقيت راجل غريب طالع من البوابة، ماسك في إيده ميدالية مفاتيح طارق.. نفس الميدالية الفضة اللي طارق كان معلق فيها صورته وهو صغير!


قلبي دق بسرعة جنونية.. الراجل دا مش مجرد جوزها الجديد.. الراجل دا أنا شفت وشه قبل كده، شفته في جنازة ابني طارق، وكان واقف ورا نهى وبيهدّيها!


يا


وقف العقل عن التفكير، واتجمد الدم في عروقي وأنا بصالي من بعيد.. الراجل اللي طالع من بوابة العمارة، اللي ماسك ميدالية طارق الفضة وبيقلبها في إيده بدم بارد، هو هو نفس الشخص اللي كان واقف في سرادق العزاء ورا نهى، بيطبطب عليها وهي بتمثل البكاء والانهيار!


زمان في الجنازة، افتكرته قرايبها أو جار ليهم بيساعد في الوقفات.. لكن دلوقتي، الموقف أخد شكل تاني خالص، شكل يخوف ويرعب.


استخبيت ورا شجرة قريبة من العمارة، إيدي على قلبي اللي كان هيقفز من صدري من كثر الدق. الراجل مشي بكل ثقة، ركب عربية كانت مركونة على جنب، وبص في المراية وعدّل شعره وكأن الدنيا ملكه. العربية دي.. أنا عارفة شكلها كويس! دي العربية اللي نهى كانت بتقول إنها تابعة لشركة صاحب طارق، اللي جابها يوم الحادثة عشان يلم أوراق المستشفى!


الخيوط بدأت تتشبك وتتعقد، والعقدة أصبحت خنقاني.


رجعت بيتي وأنا مش شايفة قدامي، الأفكار بتمزق في عقلي. “عقد بيع وشراء؟” طارق كان طبيب، وعقله يوزن بلد، وكان عارف كويس إن الشقة دي شقى عمري أنا وأبوه قبل ما يتوفى، وإحنا اللي كملنا معاه ثمنها. مستحيل، لو السماء انطبقت على الأرض، يكتبها بيع وشراء لمراته بعد كام شهر جواز من غير ما يرجعلي، أو حتى يلمحلي!


تاني يوم الصبح، كان لازم أبدأ الحركة. كلمت “حسام”، ابن عم طارق وصاحب عمره، وكان محامي شاطر وبيحب طارق زي أخوه وأكثر.




لما جه وقعدت حكيتله كل حاجة، من أول مكالمة نهى وتلعثمها، لحد الميدالية والراجل اللي شفته نازل من العمارة وركب عربية صاحب طارق.. حسام اتسمر في مكانه، وعينيه أوسعت من الصدمة.


قال بصوت واطي ومشدود:


* “يا عمتي.. الكلام ده خطير جداً. طارق الله يرحمه قبل الحادثة بأسبوعين اثنين بس، كان قايل لي إن في مشاكل بينه وبين نهى، وإن في مبالغ مالية كيرة بتختفي من حسابه، وكان شاكك إن في حد بياخد أرقامه أو بيستغل ثقته!”


قمت وقفت بصرخة مكتومة:


* “يعني طارق كان شاكك فيها؟! وطيب ليه مقتليش؟!”


حسام مسك إيدي وقعدني:


* “طارق كان طيب يا عمتي، وكان خايف يظلمها أو يكبر الموضوع قبل ما يتيقن.. بس موضوع العقد ده لازم نتأكد منه فوراً. الشقة دي لو متسجلة، لازم نطلع شهادة تصرفات عقارية من الشهر العقاري ونشوف التاريخ والتبصيم والتوقيع تموا إزاي ومتى.”


مرت يومين أصعب من السنين. حسام كان بيجري في المحاكم والشهر العقاري عشان يوصل لأصل الورق اللي نهى بتتكلم عنه. وأنا في البيتي، كنت بقعد في أوضة طارق، أمسك هدومه وأشم ريحتها وأقول: “حقك مش هيضيع يا طارق.. والله ما هيضيع.”


وفي اليوم التالت، دخل عليا حسام.. وشه كان أصفر زي الليمون، وإيديه بتتنفض وهو ماسك ملف أبيض.


قعد قدامي على الكنبة، وبصلي بنظرة مليانة حسرة وشكوك أكتر من الأول.


سألته بسرعة ونفسي مقطوع:


* “لقيت إيه يا حسام؟ العقد مزور صح؟”


بلع ريقه بصعوبة وقال:


* “يا عمتي.. المصيبة ألعن من التزوير. العقد فعلاً متسجل في الشهر العقاري باسم نهى، ومكتوب فيه بيع وشراء.. بس العقد ده اتعمل واتسجل قبل وفاه طارق بأربعة أيام بس!”


شهقت وربطت إيدي على صدري:


* “قبل وفاته بأربع أيام؟! وطارق كان في المستشفى بيعمل عمليات ومشغول!”


حسام كمل وهو بيهز رأسه بقلة حيلة:


* “ومش بس كده.. التوقيع اللي على العقد، توقيع طارق بنسبة كبيرة، لكن البصمة مش واضحة وفيها توتر.. والأدهى بقى من كل ده، إن اللي شاهد على العقد كشاهد ثاني.. هو نفس الراجل اللي إنتِ شفتيه نازل من العمارة! اسمه ‘سامح’، ومكتوب في الورق إنه مهندس وصديق العائلة!”


الدم هرب من جسمي كله. الراجل اللي جوزها دلوقتي، هو نفسه اللي شاهد على بيع الشقة ليها قبل ما طارق يموت بأربع أيام!


وقبل ما أرد أو أستوعب البشاعة دي، تليفون حسام رن. حسام رد، وشوية ولقيت وشه اتغير 180 درجة، عينيه اتملت بالذهول والخوف، وقال بصوت متلخبط:


* “إيه؟! انت متأكد من الكلام ده؟! محضر الحادثة اتفتح تاني بطلب من مين؟!”


بصيت لحسام وأنا بترعش، وهو قفل الخط وبصلي وقال بصوت يزلزل الكيان:


* “يا عمتي.. التقرير المبدئي لمعاينة عربية طارق بعد الحادثة، اللي كان مقفول على إنه ‘اختلال في عجلة القيادة’.. في ظابط جديد مسك القضايا القديمة وبيرجع يفحصها، ولقى إن فرامل العربية كانت مقطوعة بآلة حادة بفعل فاعل.. حادثة طارق طلعت مش حادثة قضاء وقدر.. طارق اتقتل!”



شقه ابني ج 2

بقلم روماني مكرم


سرت البرودة في جسمي كأن قطعة ثلج نزلت على قلبي.. “فرامل العربية مقطوعة بآلة حادة؟!”


الكلمات كانت بتتردد في ودني زي صدى صوت مرعب في بئر مهجور. طارق ابني مات مقتول.. ابني اللي ما أذاش نملة في حياته، اتغدر بيه عشان شقة وعفش ووساخة نفوس!


حسام مسك إيدي وقالي بصوت واطي ومحروق:


* “يا عمتي، انطقي.. الست دي وسامح ده مش بس استولوا على الشقة، دول مهدوا لكل حاجة من بدري. العقد اللي اتوقع قبل الحادثة بأربع أيام، وشهادة سامح عليه، وقطع الفرامل.. دي جري\مة متكاملة الأركان!”


ما بكيتش.. الدموع جفت في عيني، وحل مكانها نار شرار. وقفت على طولي وقُلت لحسام:


* “الموضوع ده مش هيتحل في المحاكم بس يا حسام.. اللعبة دي لازم نتسحب هما فيها لحد ما ينطقوا بلسانهم.”


بدأنا نراقبهم بكل حرص. حسام قدر عن طريق معارفه يجيب خط تليفون باسم تاني، وبدأنا نتتبع تحركات “سامح” و”نهى”. اكتشفنا إن سامح ده مش مهندس ولا حاجة، ده كان شغال فني صيانة سيارات زمان قبل ما يفتح معرض عربيات مستعملة مستواها مشبوه.. يعني قطع فرامل العربيات ولعب في الأجزاء الميكانيكية بالنسبة له لعبة أطفال!


في يوم، حسام اتفق مع واحد صاحبه شغال في شركة الاتصالات، وشنقوا شبكة مراقبة صغيرة، وقدر حسام يوصل لتسجيل مكالمة دارت بين نهى وسامح بعد ما محضر الحادثة اتفتح بأيام قليلة.


قعدت جنب حسام، وحطيت السماعة في ودني.. صوت نهى كان متوتر وجاي فيه هيستيريا:


* “سامح! النيابة طلبت تعيد معاينة العربية القديمة! إنت مش قلتلي إن العربية اتخشت خردة وتباعت ومحدش هيعرف يوصلها؟!”


رد عليها سامح بصوت جاف وواطي وفيه تهديد:


* “اهدي يا بت وما تتجننيش! العربية اتفككت، بس الظابط الجديد شكله بيفهم ووصل لتقرير الخبير القديم.. المهم إنتِ حاطة لسانك جوة بقك؟ العقد مظبوط وتوقيع طارق عليه قبل ما يقطعوا السلك بأيام، يعني ما حسيستيهوش بحاجة وهو بيوقع على أوراق التأمين اللي زورتيها له!”


صوت نهى كان بيرتعش وهي بتبكي بجبن:


* “أنا خايفة يا سامح.. أم طارق بدأت تشك وكلمتني، وإنت اللي استعجلت وقلتلي اتجوزي وتلعبي على كارت إن الشقة باسمك عشان نخلص.. افرض التقرير أثبت إن سلك الفرامل مقطوع بفعل فاعل؟!”


رد سامح بضحكة خبيثة مرعبة:


* “يقطعوا اللي يقطعوه! مين يثبت إن إحنا اللي قطعناه؟ إنتِ نسيتي إنك إنتِ اللي حطيتيله المشروب اللي دوّخه قبل ما ينزل، وأنا اللي كنت مستنيه تحت العمارة ولعبت في وصلة الفرامل في خمس دقايق وهو طالع الشقة يجيب شنطته؟! محدش شافني، والشارع مافيش فيه كاميرات.. اثبتوا بقى إن لينا يد!”


أول ما سمعت جملة “أنا اللي لعبت في وصلة الفرامل وهي حطتله المشروب”.. صرخت صرخة مكتومة هزت الأوضة.


نهى.. البنت اللي دخلت بيتنا، اللي طارق كان بيشيلها من على الأرض شيل، سممته ودابحاه بدم بارد بالاتفاق مع عشيقها، عشان ياخدوا شقى عمره ودم قلبه!


حسام شد التسجيل بسرعة، وعينيه لمعت بنصر مزيج بالغل:


* “التسجيل ده لوحده مش كفاية قانوناً لأنه مأخوذ بدون إذن نيابة.. بس هينفعنا في حاجة واحدة: هنعملهم كمين يخليهم يعترفوا قدام وكيل النيابة والشرطة بالصوت والصورة!”


اتفقنا على الخطة.. تاني يوم بالليل، نزلت ورحت للعمارة بنفسي. طلعت السلم، ووقفت قدام باب شقة ابني.. الباب اللي ياما فتحته ودخلت ولقيت طارق بيستقبلني بابتسامته.


خبطت بقوة وشديدة..


فتحت نهى الباب، وأول ما شافتني اتخضت ووشها اصفر، وكان سامح قاعد جوة في الصالة بملابس البيت وكأنه صاحب الملك!


قلتلها بصوت حاد هز العمارة:


* “افتحي الباب يا نهى.. أنا جاية أقولك إن حبل المشنقة اتلف خلاص حولين رقبتك إنتِ واللي جنبك ده!”


سامح قام وقف بسرعة وملامحه اتقلبت لشر، ونهى ارتبكت وهي بتبص وراها مذعورة.. وما كانوا يعلموش إن الميكروفونات والكاميرات المخفية اللي زرعها حسام بالاتفاق مع رجال المباحث كانت بتسجل كل حركة وكل كلمة داخل الشقة في اللحظة دي!


دخلت الشقة بخطوات ثابتة، قلبي اللي كان بيتحرق من شوية اتحول لقطعة حديد. بصيت حواليا.. الصور اللي على الحوائط اتغيرت، ريحة طارق اللي كانت مالية المكان اختفت، وحل محلها ريحة سجاير سامح ودنسهم.


سامح قرب مني بوش مشدود ونبرة تهديد، وحط إيده في جيبه وقال:


* “جرى إيه يا حجة؟ إنتِ مابتفهميش عربي؟ الشقة دي ملك نهى ورقيًا وقانونيًا، وأنا جوزها وعلى سنة الله ورسوله.. اتفضلي من غير مطرود بدل ما أطلبلك البوليس يرميكي برة!”


ضحكت ضحكة مكسورة مليانة تريقة وقرف، وبصيت لنهى اللي كانت واقفة وراه جسمها كله بيتنفض ووشها رايح منه الدم.


قلتلها وأنا بصابعي بشاور على عينيها:


* “تطلبي البوليس؟ يا ريت تطلبيه يا سامح! بس تفتكر لما البوليس ييجي، هتقوله إيه عن المشروب اللي نهى حطته لطارق عشان يدوخ؟ ولا هتقوله عن الخمس دقايق اللي وقفتهم تحت العربية بتقطع وصلة الفرامل بآلتك الحادة؟”


الكلمات نزلت عليهم زي قنبلة اتفجرت في نص الصالة!


سامح عينيه أوسعت بشكل يرعب، ونهى حطت إيدها على بقها وصرخت صرخة مكتومة، ورجعت خطوتين لورا وكأنها شافت شبح طارق واقف قدامها.


سامح اتلعثم، والنبرة القوية اللي كان بيتكلم بيها اختفت:


* “إنتِ.. إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ اتجننتي يا ست إنتِ؟! مشروب إيه وفرامل إيه؟ ده كان حادث قضاء وقدر على الصحراوي!”


قربت منه خطوة، وبصيت في عينيه بثبات:


* “قضاء وقدر؟ ده الكلام اللي كنتوا بتقولوه لبعض في التليفون مبارح لما عرفتوا إن المحضر اتفتح تاني! نسيت لما قلتلها ‘ما تخافيش العربية اتفككت خردة محدش هيعرف يوصل لسلك الفرامل’؟ نسيت لما قلتلها إنك زوراي توقيع التأمين عشان يكتب الشقة باسمها قبل ما تموتوه بأربع أيام؟!”


نهى انهارت تماماً، وقعت على الركبتين على الأرض وبدأت تبكي وهيستيريا تملكها، صرخت بصوت طالع بالعافية:



* “والله ما كان قصدي أقتله يا حجة! هو اللي جرني للثنية دي! هو اللي قاللي طارق شاكك فينا وممكن يسجننا بسبب الفلوس اللي سحبناها من حسابه! هو اللي حط الخطة وقاللي المشروب مش هيقتله، بس هيخليه مش مركز وهو سايق عشان الحادثة تبان قضاء وقدر!”


سامح اتجنن، ووطى مسك نهى من شعرها بVector غل وقسوة وهزها بشدة:


* “اسكتي يا غبية! اسكتي يخرب بيتك أنتِ هتودينا في داهية! الست دي بتجر رجلك وما حيلتهاش حاجة!”


في اللحظة دي بالظبط.. الباب المفتوح بتاع الشقة اتزق بقوة.


دخل حسام ومعاه ثلاثة من رجال المباحث ووكيل النيابة بنفسه، بعد ما كانوا بيسمعوا وبيسجلوا الصوت والصورة مباشر من الكاميرات والميكروفونات المخفية اللي كانت متوصلة بأجهزة المباحث تحت العمارة!


الظابط شاور للرقباء بصوت صارم هز جدران الشقة:


* “هاتوا المتهمين دول.. وقيدوا إيديهم!”


نهى قعدت تصرخ وتترجاني وهي بتتسحب على الأرض:


* “سامحيني يا حجة! والله هو اللي ضحك عليا واستغلني! سامحيني!”


وسامح كان بيحاول يقاوم ويزق في أمناء الشرطة وهو بيصرخ ويداروا وشه من الكاميرا:


* “معندكوش دليل! اعترافها تحت الضغط والنصب مش دليل!”


وقف الظابط قدام سامح وبصله بقرف وقال:


* “الدليل موجود في ورشتك القديمة يا سامح.. التحريات جابت أداة الجري\مة، وسلك الفرامل اللي فحصناه في بؤرة الحادثة عليه آثار مادة ميكانيكية متطابقة مع أجهزة صيانة ورشتك.. وغير كده، اعترافكم الصريح دلوقتي متسجل صوت وصورة بإذن نيابة رسمي!”


بصيت لنهى وسامح وهما بيتسحبوا بالكلابشات في إيديهم، طالعين من الشقة اللي كانوا فاكرين إنهم استولوا عليها بدم ابني.


وقفت في نص الصالة.. وبصيت لسرير طارق، ولعفشه اللي كان غرقان في غدرهم. حسام قرب مني وحط إيده على كتفي وهو بيدمع:


* “حق طارق رجع بالقانون يا عمتي.. الجناة رايحين للمشنقة.”


غمضت عيني، وحسيت بنسمة هوا باردة مرت على وشي.. وكأن روح طارق كانت طايرة في الأوضة وبتطبطب عليا. بس المشوار لسه مخلصش.. المحاكمة جاية، ولسه في مفاجأة ثانية مستنيانا في جلسة المظالم أمام القاضي!


مرت الأيام والشهور ثقيلة كأنها دهور، وكل خطوة في أروقة المحاكم كانت بتمزع في قلبي، بس النار اللي جوايا كانت هي البنزين اللي بيحركني عشان أقف على رجلي وما أضعفش.


جاء يوم الجلسة الكبرى.. قاعة المحكمة كانت مليانة على آخرها، الصحافة والأقارب والناس اللي سمعوا عن قصة “دكتور طارق” والزوجة الخائنة مع عشيقها.


كنت قاعدة في الصف الأول، لابسة أسود في أسود، وماسكة في إيدي الميدالية الفضة بتاعة طارق اللي الشرطة حرزتها ورجعتها لي.


دخل القفص الحديدي سامح ونهى..


نهى كانت شكلها يكسر النفس، خاسة ووشها أصفر كأنها ميتة حية، وشعرها مطفي، باصة للأرض ومش قادرة ترفع عينها في عيني. أما سامح، فكان لسه بيحاول يبان متماسك، لكن نظرات الرعب في عينيه كانت باينة كل ما يبص لحبل المشنقة اللي بيقرب من رقبته.



بدأت الجلسة، وقام النيابة العامة يلقي خطبة الاتهام.. صوت وكيل النيابة كان بيرج القاعة وهو بيوصف البشاعة والغدر:


* “سيدي الرئيس.. نحن لا ننظر اليوم في مجرد قريمة قتل، بل ننظر في خيانة متكاملة الأركان! خيانة للزوج، وخيانة للأمانة، وخيانة لكل معاني الإنسانية! متهمان تجردا من أي رحمة، خططا واستدرجا طبيباً شاباً يسعى لخدمة الناس، سلباه ماله، وزورا عقود ملكيته، ثم طعناه في ظهره بقطع فرامل سيارته ليخرج للدنيا في صورة ‘حادث قضاء وقدر’!”


القاضي كان بيسمع بوقار ووجه صارم، وبيقلب في ملف الق\ضية الضخم.


جه دور دفاع المتهمين.. محامي سامح حاول يلعب على ثغرة أمنية وادعى إن التسجيلات الصوتية كانت تحت ضغط نفسي وإرهاب من أهل المجني عليه، وإن الاعترافات باطلة.


لكن حسام، ابن عم طارق، وقف بثبات أمام المنصة وقدم المفاجأة اللي كانت هتقلب موازين المحاكمة وتنهي كل أدعاءاتهم!


حسام فتح حقيبته وأخرج منها تقرير طبي صادر من مركز السموم والمخدرات، بالإضافة لشهادة هامة جداً.


قال حسام بصوت جهوري هز القاعة:


* “سيدي الرئيس.. المتهمون لم يكتفوا بقطع فرامل السيارة.. التقرير النهائيات للطب الشرعي بعد إعادة تشريح جثمان الشهيد الدكتور طارق، أثبت وجود نسبة من مادة مخدرة ثقيلة ومُهدئة للقلب والأعصاب في بقايا أنسجته! المادة دي لا تُصرف إلا بروشتة طبية خاصة، وبمراجعة سجلات الصيدليات القريبة من منزل المجني عليه، اكتشفنا إن المتهمة نهى قامت بشراء هذه المادة قبل الحادث بيومين فقط باستخدام روشتة مزورة!”


القاعة كلها ضجت بالمفاجأة! نهى بكت بصوت عالي وصرخت وهي بتمسك في قضبان القفص:


* “هو اللي أجبرني! هو اللي قاللي حطيها له في العصير عشان يقف بالحرارة وما يعرفش يتصرف وهو سايق! والله هو السبب!”


سامح هاجمها جوة القفص وضربها، وحراس السجن تدخلوا بالعافية عشان يفصلوا بينهم، في منظر مقزز يبين حقيقة نفوسهم الدنيئة لما الخناق يضيق عليهم.


القاضي ضرب بالمطرقة بقوة:


* “سكون في القاعة!”


سكت الجميع، وتنفس القاضي ببطء، وبص للمتهمين بنظرة حاسمة خالية من أي رحمة، ثم ضبط نظارته وقال جملته الشهيرة اللي استنيتها بسنين من عمري:


* “بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع أdefinition النيابة والدفاع، والتأكد من توافر ركن الإصرار الترصد.. قررت المحكمة إحالة أوراق المتهمين ‘سامح’ و’نهى’ إلى فضيلة مفتي الديار المصرية لإبداء الرأي الشرعي في إعدامهما!”


الضحكات والصرخات اتخلطت في القاعة! أقاربنا صرخوا للعدالة، وأنا وقعت على ركبي في نص القاعة، رفعت إيدي للسماء والدموع نازلة من عيني مغرقة وشي..


قلت بصوت طالع من قاع قلبي:


* “يا رب! حقك رجع يا طارق.. حقك رجع يا حبيبي!”


بس وأنا خارجة من المحكمة، والناس بتباركلي على حكم الإعدام القادم.. جه محامي تاني ووقفني عند الباب، ومسك إيدي وقالي جملة خلّت عقلي يقف تاني:



* “يا حجة.. الحكم بالإعدام قصاص عادل، بس في حاجة في تركة طارق وشفرة حساباته البنكية لسه ما اتفتحتش.. طارق كان سايب صندوق أمانات في البنك باسمك أنتِ فقط.. ومحدش يعرف إيه اللي جوة الصندوق ده لحد النهاردة!”


شقه ابني ج 3

بقلم روماني مكرم


سرت في جسمي قشعريرة هزت أركاني.. صندوق أمانات في البنك باسمي أنا بس؟! طارق كان حاسس؟ كان عارف إن أيامه معدودة أو إن في خطر بيحوم حواليه؟


ما استنيتش ثانية واحدة. ثاني يوم الصبح، أخدت حسام ورحت البنك وأنا إيدي بتتنفض. قدمت شهادة الوفاة وإعلام الوراثة والأوراق الرسمية، وأخدونا لمكان خزائن الأمانات تحت الأرض.. مكان هادي وبارد، صوت خطواتنا فيه كان ليه رنين يخوف.


الموظف فتح القفل الأول بمفتاحه، وأنا حطيت مفتاح طارق اللي كان شايله في ميداليته الفضة، وفتحت الخزنة.


جوة الخزنة، ما كانش في فلوس ولا مجوهرات.. كان في صندوق خشب صغير، ومظروف أبيض متقفل بشمع أحمر، مكتوب عليه بخط طارق الجميل اللي بعرفه من وسط مليون خط:


*(إلى أمي الحبيبة.. سند العمر وروح الفؤاد)*


دموعي نزلت بغزارة قبل ما أفتح المظروف. مسكت الورقة وأنا بشم ريحة خطه، وقعدت على كرسي قبال الخزنة وحسام واقف جنبي بيمسح دموعه.


بدأت أقرأ الرسالة المكتوبة بتاريخ قبل الحادثة بخمس أيام بس:


> “أمي الغالية..


> لو تقرأي الرسالة دي، يبقى أنا بقيت عند ربنا الرحيم.. وأنا عارف إن موتي مش هيكون طبيعي.


> أمي.. أنا اكتشفت خيانة نهى وسامح من فترة، اكتشفت إنهم بيسحبوا مبالغ من حساباتي وبيخططوا لاستغلالي، ولما واجهت نهى، شفت في عينيها الغدر والشر. حاولوا يخلوني أوقع على عقود بيع للشقة والتصرف في أملاكي، بس أنا رفضت وواجهتهم.


> أنا سيبت لك في الصندوق ده فلاشة عليها تسجيلات واضحة وصريحة لتهديداتهم لي، ووثائق تثبت كل الحسابات والمبالغ اللي سرقوها، عشان لو حصلي حاجة، الحقيقة ما تضيعش وحقك وحق أبوي يرجع لك.


> بس يا أمي.. في سر تاني أكبر لازم تعرفيه.. سر نهى كانت مخبياه عن الدنيا كلها، وهو السبب الحقيقي اللي خلاها تبيع نفسها للشيطان وسامح..”


>


إيدي اتجمدت على الورقة! وقفت عند الجملة دي ونفسي اتعلم.


حسام قرب بذهول وقال: “سر إيه يا عمتي؟! الفلاشة فين؟”


طلعت الفلاشة الصغيرة من الصندوق الخشب، وأخدناها وجرينا على بيتي. حسام حط الفلاشة في اللابتوب، وفتح الفولدرات اللي طارق كان مجهّزها بمنتهى الدقة والنظام.


كان في فولدر باسم *(السر الحقيقي)*.. فتحناه، واشتغل فيديو سجّله طارق بنفسه قبل وفاته بأيام، كان قاعد فيه وشكله تعبان ووشه شاحب، وبص للكاميرا وقال كلام خلانا أنا وحسام نتسمر في مكاننا من الهول!


طارق قال في الفيديو:


* “أمي.. نهى مش مجرد واحدة طمعت في شقتي وفلوسي.. نهى ليها اسم تاني وهوية تانية في دولة عربية! نهى كانت متجوزة قبل كده وهربانة من قضايا اختلاس وتزوير كبيرة، وسامح ده مش عشيقها الجديد.. سامح هو جوزها الأولاني والأصلي اللي كانت هربانة معاه وبيستغلوا الشباب والأطباء بالطريقة دي في كل بلد ينزلوا فيه!”


صرخت بصدمة: “يعني جوازها من ابني كان باطل؟! كانت متجوزاه وهي على ذمة راجل تاني?!”


كمل طارق في الفيديو بصوت مكسور:


* “أيوه يا أمي.. جوازي منها كان باطل قانوناً وشبراً لأنها كانت على ذمة سامح بعقد رسمي ممتد ومزوّرة أوراق شخصية باسم جديد هنا في مصر عشان تدخل عليا وعليكم بدور البنت الهادية المسكينة.. ولما قريت أوراقها بالصدفة وعرفت الحقيقة، قرروا يتخلصوا مني قبل ما أبلغ السلطات!”


القصة اتقلبت 180 درجة! الجري\مة ما بقتش مجرد قتل وطمع في شقة وعفش.. دي شبكة ونصب وخداع وتزوير أعراض!


وفي اللحظة اللي كنا بنستوعب فيها الكارثة دي.. تليفون حسام رن بصوت عالي مرعب.


رد حسام، وسمعت صوت المحامي اللي متابع في السجن بيتكلم بلهفة ورعب:


* “يا أستاذ حسام! الحق! نهى حست إن المشنقة اتلفت حوالين رقبتها.. وحاولت تنتحر جوة الزنزانة، وقبل ما ينقلوها مستشفى السجن، طلبت تقابل أم الدكتور طارق فوراً وقالت إن عندها اعتراف أخيرة هيغير مجرى الق\ضية كلها!”



نزلت الكلمات عليا زي الصاعقة.. نهى حاولت تنتحر في السجن وعايزة تشوفني؟ عايزة تقول اعتراف أخير؟


قلبي كان بيغلي، ورجليا مش شايلاني، بس النار اللي جوايا اديتني قوة مش طبيعية. بصيت لحسام وقولتله بنبرة حديد:


* “يلا بينا يا حسام.. لو الموت واقف على باب السجن، هروح وأسمعها، مش هسيبها تموت قبل ما تقولي كل حاجة بلسانها!”


وصلنا مستشفى السجن، الجو كان كئيب، ريحة المطهرات مغطية على كل حاجة، وصوت الكلبشات والخطوات الثقيلة بيرج الممرات الباردة. حراس السجن كانوا واقفين على باب أوضة العناية المشددة. الظابط بصلي باحترام وأسف، وشاورلي أدخل لوحدي.


دخلت الأوضة.. نهى كانت مرمية على السرير، رقبتها ملفوفة بشاش أبيض، وشها شاحب زي الموتى، وشفايفها بيضا ومشققة. أجهزة القياس جنبها بتعمل أصوات منتظمة ومرعبة. لما الباب اتقفل وسمعت صوت خطواتي، فتحت عينيها بالعافية.. أول ما شافتني، دموعها نزلت ببطء على خدودها الصفرا، وشفايفها بدأت تترعش.


قربت منها، وقفت جنات السرير، وبصيت في عينيها بمنتهى القسوة والشماتة. ما حسيتش بجمال ولا شفقة، دي الست اللي حرمتني من ضنايا وشباب ابني!


قالت بصوت مخنوق ومشرشر طالع بالعافية من حنجرتها المصابة:


* “سامحيني.. يا حجة.. سامحيني.. أنا رايحة لربنا خلاص.. والمشنقة كده كده كانت مستنياني.. بس مش عايزة أقابل ربنا وفي ذمتي السر ده..”


رديت عليها بصوت واطي وزي السم:


* “المغفرة دي عند ربنا يا نهى، أنا مش هسامحك ليوم الدين.. قولي السر اللي عندك واخلصي، ابني طارق سابلنا كل حاجة، وعرفنا إنك متجوزة سامح أصلًا وإن جوازك من طارق كان باطل وتزوير!”


شهقت نهى وغمضت عينيها بوجع، وجسمها كله اترعش:


* “طـ.. طارق عرف؟! عشان كده كان لازم يموت.. طارق كان نقاء وطيبة، وأنا وسامح كنا الوساخة اللي دخلت حياته.. بس أنتِ فاكرة إن السر هو جوازي المزور من سامح بس؟ لا يا حجة.. المصيبة أكبر من كده بكتير!”


حطت إيدها المترعشة على جرح رقبتها وقالت بنفس مقطوع:


* “سامح.. سامح مش مجرد جوزي وأنا هربانة معاه.. سامح يبقى أخو طارق من الأب!”


الكلمات نزلت على دماغي زي جبل اتهد عليا! الدنيا دارت بيا، والأوضة بدأت تلف.. السرير، الأجهزة، الحوائط.. كل حاجة بقت بتهتز!


مسكت في سور السرير بكل قوتي عشان ما أقعش، وصرخت فيها بصوت مكتوم مرعب:


* “أنتِ بتقولي إيه يا مجنونة؟! أنتِ بتخرفي؟! جوز المرحوم كان راجل شريف، ومستحيل يعمل كده!”


نهى هزت رأسها بضعف ودموعها بتنزل بغزارة:


* “والله العظيم ما بيكذب ولا بتخيل يا حجة! أبو طارق الله يرحمه.. زمان قبل ما يتجوزك أنتِ، كان متجوز سرًا في الصعيد وخلّف سامح، وبعدين ساب أمه وطلقها وسافر وكتب كل حيله وشقاه باسم طارق وباسمك أنتِ.. سامح عاش طول عمره شايل الغل والحقد في قلبه، كبر وهو شايف إن طارق أخد كل حاجة: العز، الأدب، شهادة الدكتوراه، وحب الناس.. سامح كان يعيش في القاع، وطارق عايش في القمة!”


أنا كنت واقفة متسمرة، لساني اتعقد، والذكريات بدأت تهاجمني زي السكاطين.. افتكرت جوزي الله يرحمه لما كان بيسافر الصعيد زمان ويقول شغل، افتكرت توتره في أيام معينة.. السر القديم المدفون من ثلاثين سنة رجع يصرخ في وشي!


كملت نهى بصوت بيضعف أكتر وأكتر، وشاشات الأجهزة بدأت تدي إنذارات متقطعة:


* “سامح زرعني في طريق طارق.. درس كل حاجة عن طارق، خلاني أغير أوراقي وأمثل دور البنت الغلبانة الهادية عشان أخليه يحبني ويتجوزني.. الخطة ما كانتش بس شقة وعفش وفلوس.. الخطة كانت تدمير شامل لطارق! سامح كان عايز يسترد اللي شايفه حقه من ورث أبوه، كان عايز ياخد شقة طارق، ينام على سريره، وياخد مراته، ويمحي اسم طارق من الدنيا كأنه ما جاش!”



صرخت بأعلى صوتي والدموع بتتفجر من عيني:


* “يعني الأخ قتل أخوه؟! عشان غيرة وغل وورث؟! الشيطان يعمل كده؟! سامح يقتل أخوه من أبوه برحمة ودماء باردة؟!”


ابتسمت نهى ابتسامة مكسورة ومخيفة وقالت:


* “سامح ما كانش بيشوف طارق أخوه.. كان بيشوفه العدو اللي سرق منه حياته.. ولما طارق اكتشف التزوير، سامح قاللي: ‘لو طارق ما ماتش، إحنا اللي هنروح في داهية وهيرجعني السجن ثاني’.. أنا اشتركت في الجري\مة عشان كنت خايفة منه وبحبه حب أعمى وزبالة.. بس هو استغلني ورماني أول ما الخناق ضاق علينا.. أنا في الأوراق والسجلات البنكية لقيت طارق كاتبلكم أوراق ثانية.. سامح حاطط مادة سامة في حسابات طارق قبل وفاته.. وفي طفل.. طفل..”


جهاز ضربات القلب بدأ يدي صوت صفارة متصلة زاعقة!


(بييييييييييييييب)


الأطباء والممرضين دخلوا يجروا على الأوضة، زقوني لبرة وأنا بصرخ زي المجنونة:


* “طفل إيه؟! انطقي يا نهى! طفل مين؟! كملي كلامك!”


لكن الدكاترة قفلوا الباب في وشي وهما بيحاولوا يعملوا لها إنعاش قلب.. خرجت للممر وأنا بمسح وشي وإيدي بتتنفض، حسام جري عليا ومسكني:


* “في إيه يا عمتي؟! قالتلك إيه؟!”


بصيت لحسام وعيني مليانة ذهول ورعب، وقولتله بصوت طالع بالعافية:


* “سامح.. طلع أخو طارق من الأب يا حسام! الجري\مة طلعت قابيل وهابيل من جديد! وطارق اتقتل بدم بارد من أخوه عشان الغل والورث!”


حسام وقف مصدوم ومش قادر ينطق كلمة واحدة.. وفي اللحظة دي، الدكتور خرج من الأوضة، قلع الجوانتي وبص للأرض وقال بأسف:


* “البقاء لله.. المريضة توفت، سر أخير أخدته معاها للقبر.”


وقفت في نص الممر.. نهى ماتت، أخدت سر المشنقة وسابتي عايشة في وسط نار وسر جديد اتفتح.. سر طفل كان بتتكلم عنه قبل ما تلفظ أنفاسها الأخيرة!


وسامح لسه قاعد في سجنه، ما يعرفش إننا عرفنا صلة الدم السرية بينه وبين طارق.. وإن الجلسة الأخيرة والنهائية في المحكمة بكره، هتشهد مواجهة الموت بيني وبين القاتل اللي بيجري في عروقه نفس دم جوزي!


خرجت من مستشفى السجن وأنا ج\ثة هامدة بتمشي على الأرض. نهى راحت للي خلقها، أخدت معها أنفاسها الأخيرة وسابتي وسط عالم اتزلزل تحتي. “قابيل وهابيل”.. الأخ يقتل أخوه، الدم يغدر بالدم، عشان كم متر في شقة، وشوية قروش، وغل دفين عاش وسكن في قلب مريض من أكثر من ثلاثين سنة!


طول الليل ما زققتش عيني النوم. كنت قاعدة في أوضة طارق، حاطة صورته قدامي وبصاله.. أقوله: “يا دكتور طارق.. يا قلب أمك.. أنت كنت بتبتسم في وش قاتلك وأنت ما تعرفش إنه بيحمل نفس دمك؟ كنت بتعطف عليه وتعتبره شريك ومحتاج، وهو بيتكتك عشان يقطع سلك عربيتك ويحرمك من شبابك؟”


الموقف كان بيموتني ألف مرة في الساعة، بس كنت مستنية الصبح بفارغ الصبر.. مستنية اللحظة اللي هقف فيها قدام سامح في القاعة، وأرمي الحقيقة المرة في وشه قدام الدنيا كلها.


طلع الصبح، وارتديت ثوبي الأسود للانتشار الأخير.. رحنا المحكمة أنا وحسام، القاعة كانت مشحونة بكهرباء عجيبة، خبر انتحار نهى وموتها في السجن كان مالك كل العناوين والأخبار، والناس كلها مستنية النطق بالحكم النهائي على المتهم الباقي: سامح.


وقف سامح في القفص.. كان باين عليه التشتت والارتباك بعد ما عرف إن نهى ماتت وسابته يتلقى المصير لوحده، بس كان لسه بيلبس ماسك القسوة ورافع راسه باستكبار، فاكر إن موت نهى هيخليه يهرب من حبل المشنقة وبدليل إنه يرمي التهمة كلها عليها!


بدأت الجلسة.. القاضي وقف بنظارة جادة ووقار يهز الأبدان، وبدأ يقرأ التقرير النهائي للنيابة والطب الشرعي.


وفجأة.. استأذن حسام المحامي ووقف قدام المنصة، وقال بصوت جهوري هز أركان القاعة:


* “سيدي الرئيس.. قبل أن تنطق العدالة بحكمها الصارم على هذا المجرم، تقدمنا بطلب رسمي لإرفاق المستند الأخير الصادر من مصلحة الأحوال المدنية، ونتائج تحليل الطب الشرعي المترتبة على أدلة الشهيد طارق.. إننا لا نقف اليوم أمام جري\مة قت\ل طمعاً في مال فقط.. بل نقف أمام جري\مة قتل الأخ لأخيه!”



القاعة كلها اتخرست، والهمس اتقطع في ثانية واحدة!


سامح جوة القفص اتسمر، عينيه أوسعت بشكل مرعب، ورجليه اتلخبطت وهو بيمسك في قضبان القفص الحديدية.


كمل حسام بصرامة ودموع في عينيه:


* “المتهم ‘سامح’ هو الابن غير المعلن للمرحوم والد الطبيب طارق من زواج قديم بالصعيد.. عاش المتهم بحقد أسود، يتتبع خطى أخيه الناجح، وبدلاً من أن يتقرب منه بالحب والمودة، أرسل زوجته المزوّرة لتنسج شباكها حول الدكتور طارق، ولما اكتشف طارق المأساة، قام المتهم بالاتفاق معها على قطع وصلة فرامل السيارة وإعطائه مادة مهدئة ليضمن قتله والموت بدم بارد!”


صرخ سامح من جوة القفص بصوت جنوني يملأه الغل والخوف:


* “كذب! كذب! ده مش أخويا! ده اللي سرق مني اسم أبوي وفلوسه وعزه! هو وأمه عاشوا في النعيم وأنا عشت في الفقر والشارع! هو كان الدكتور المحترم وأنا الصايع السرسجي! كان لازم ياخد جزاة كل سنة عشتها في الظلم!”


اعترَف! بلسانه وقسوة قلبه اعترف قدام الكل وهو بيبكي بدموع الغل والندم المتأخر!


القاعة اتفجرت بالصراخ والصدمة من بشاعة المنظر، والناس كانت بتبص له بقرف واشمئزاز. أنا قمت وقفت من مكاني، مشيت بخطوات ثابتة لحد ما وقفت قدام القفص مباشرة، بصيت في عينيه الحمرا اللي طالع منها الشر، وقولتله بصوت حاد وواثق هز كيانه:


* “أبوك ما ظلمكش يا سامح.. أبوك مات وهو ما يعرفش إن أمتك أصلًا خبت حملها منك ورفضت ترجعله لما طلقها! أبوك ساب رزقه للولد اللي رباه على الخُلق والتقوى.. طارق ما أخدش حقك، طارق كان هيشيلك في عينيه لو جيت له بالحب وقلتله أنت أخويا.. بس أنت اخترت تكون ‘قابيل’.. والنهاردة هتحصد اللي زرعته إيديك الوسخة!”


ضرب القاضي بالمطرقة بقوة متكررة، وسكت الجميع تماماً..


وقف رئيس المحكمة، ونظر إلى سامح بنظرة كراهية وازدراء، ثم قرأ قرار العدالة الأخير:


> **”حكمت المحكمة إجماعاً، وبعد ورود رأي فضيلة مفتي الديار المصرية، بإعدام المتهم ‘سامح’ شنقاً حتى الموت، قصاصاً عادلاً لجريمته النكراء في حق النفس التي حرم الله إلا بالحق، وتجريده من كافة حقوقه المدنية.. رفعت الجلسة!”**


>


اتفجرت القاعة بالتهليل والدعاء.. “يحيا العدل! يحيا العدل!”


أمناء الشرطة كلبشوا سامح اللي انهار تماماً على أرضية القفص، بيصرخ ويبكي زي الأطفال وهما بيسحبوه لغرفة الإعدام عشان ينفذوا فيه حكم السماء والحي القيوم.


خرجت من المحكمة وأنا حاسة إن الجبل اللي كان جاسم على صدري انزاح، بس حزني على طارق هيفضل عايش جوايا لحد ما أروحله.


أما السر اللي نهى كانت عايزة تقوله عن “الطفل”.. حسام كشفه بعدها بأسبوعين لما نزلنا الصعيد وفتشنا في أوراق العائلة.. اتضح إن طارق الله يرحمه، كان كافل طفل يتيم في إحدى الجمعيات الخيرية وبيصرف عليه من حسابه في السر بدون ما حد يعرف، وكان كاتب جزء من أرباح عيادته باسم الطفل ده عشان يؤمن مستقبله.. دي كانت أخلاق طارق اللي سامح ونهى ما قدروش يفهموها ولا يوصلولها.


### 💡 **الحكمة من القصة:**


* **الغل والحقد يأكلان صاحبهما:** لم يستفد سامح شيئاً من قتله لأخيه؛ لم يحصل على الشقة، ولا المال، ولا الراحة.. بل خسر دنياه وآخرته، وعاش مطارداً ومات مشنوقاً يخزيه التاريخ.


* **الحق لا يضيع وإن طال الزمن:** الظلم قد يرفع رأسه لبعض الوقت ويخيل للظالم أنه نجح وفاز، لكن عدالة الله نافذة لا محالة، ومهما سُدّت المنافذ وتزوّرت العقود، يشاء الله أن ينطق الباطل بنفسه ليفتضح.


* **الدم لا يصير ماءً.. إلا إذا سكنه الشيطان:** صلة الرحم أمانة، والرضا بالقضاء والقدر ينجي الإنسان، أما الطمع والغيرة القاتلة فهما اللذان يحولان الأخ إلى سكين تطعن في الظهر.


* **الأثر الطيب هو ما يبقى:** رحل “دكتور طارق” وبقيت سيرته العطرة، وأعماله الخيرة، ودعوات الناس له.. ومات قاتلوه بشر أعمالهم مكللين بالخزي والعار في الدنيا والآخرة.


 


تعليقات

close