القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 رجعت من شغلي كاملة  بقلم رشا خالد 




رجعت من شغلي كاملة  بقلم رشا خالد 

“رجعت من شغلي لقيت أمي حابسة مراتي الحامل في مخزن الجنينة، وبتقول لي ببساطة: «دي بركة البيت»! بس لما الباب اتفتح والشرطة دخلت، اكتشفت إن القفل ده مكنش حابس مراتي بس… ده كان مداري كابوس تاني هيودي العيلة كلها ورا الشمس.”


 


— “مراتك مشت علشان خلاص جابت أخرها وزهقت من العيلة دي. والأحسن لها ماترجعش تاني.”


دي كانت أول كلمة قالتها حكمت لما ابنها، أحمد، دخل البيت وهو ماسك شنطة السفر في إيد وبكيس فينو وحلويات في الإيد التانية.


أحمد كان عنده 33 سنة، وشغال مهندس بيشرف على التوصيلات الكهربائية في المناطق الصناعية. كان المفروض يقعد يومين كمان في شغلانه في بورسعيد، بس العميل خلص التسليم بدري، فقرر أحمد يرجع بيته في المعادي من غير ما يقول لحد.


 


كان عايز يفاجئ سارة، مراته، اللي كانت حامل في الشهر الرابع وبقالها أسابيع بتعاني من الغثيان والدوخة وكان عندها تهديد بالإجهاض. كان جايب لها في الكيس مخبوزات وبسكويت مالح، الحاجة الوحيدة اللي كانت بتعرف تاكلها من غير ما معدتها بتقلب.


 


البيت كان هادي بشكل يخوف.


حكمت كانت قاعدة بتتفرج على برنامج توك شو في الصالة، وحاطة رجلها على الترابيزة. وجنبها باهر، أخو أحمد الصغير، بيلعب على الموبايل ورمى كانز فاضية على الكنبة.


— “هي سارة فين؟” أحمد سأل.


 


حكمت حتى موطّتش صوت التلفزيون:


— “طارت من يوم الأربع. طلبت منها تعمل صينية بطاطس باللحمة لأخوك علشان راجع تعبان من الجيم، فاتأنعرت وقالت إن ريحة الأكل بتقلّب معدتها وبدأت تطول لسانها وتتقاعس معايا.”


 


باهر ضحك وقال:


— “أنت عارفها بقى.. عاملة فيها رقيقة وحساسة من ساعة ما حملت.”


 


أحمد حس بوجع ووحشة في صدره. سارة مستحيل تخرج من البيت من غير ما تقول له، وخصوصاً من غير شنطتها ولا أدويتها ولا ملف متابعة الحمل.


طلع يجري على الفوق.


 


موبايل سارة كان مقفول ومحطوط على السرير. شنطتها كانت لسه معلقة ورا الباب. وفي الدرج لقى بطاقتها، وفلوسها، وكروتها، وروشتة دكتور النساء. وفي الدولاب كانت كل جزمها موجودة ما عدا شبشب بيج.


أحمد نزل ووشه جامد زي الحجر:


— “هي مخرجتش من البيت.. عملتوا فيها إيه؟”


حكمت قامت وقفت فجأة:


— “إنت بتكلمني كده إزاي؟! أنا أمك! الست دي عملالك عمل ومكتفاك! من ساعة ما دخلت البيت ده وإنت مبقتش تدينا فلوس زي الأول وكل حاجة بتاخد رأيها هي فيها!”


باهر شال الموبايل وقال:


— “اهدى يا عم.. تلاقيها راحت عند صاحبتها ولا حاجة.”


أحمد دَوّر في المطبخ، والحمامات، والسطوح، وأوضة الغسيل. وفجأة، شاف جنب باب الجنينة شبشب بيج فرطتها مقطوعة.


 


وعلى الأسمنت المبلل كان فيه علامات سحل غامقة، كأن في حاجة تقيلة اتسحبت لحد الكركور (المخزن القديم) اللي في أخر الجنينة.


أحمد مشي تحت المطرة.


المخزن كان متعلق عليه قفل جديد. ومن تحت الباب كان باين حتة قماش خضرا.. أحمد عرف على طول إنه فستان الحمل اللي سارة كانت لابساه وهي بتودعه.



خبط على الباب الخشب:


— “سارة! أنا أحمد! ردي عليا!”


في الأول مفيش أي صوت.


بعدين سمع 3 خبطات ضعيفة جداً من جوه.


حكمت جرت وراه ووقفت قدامه:


— “إياك تفتح! ده جوه فيه حاجات تبع عمل وبركة للبيت.. الشيخة قالت محدش يدخل هنا لمدة 21 يوم!”


— “هاتي المفتاح.”


— “مش معايا!”


باهر ظهر عند باب المطبخ ووشه أصفر زي الليمونة:


— “يا أحمد بلاش فضايح في الشارع.. أمك كانت بتأدبها بس مش أكتر.”


أحمد طلع الموبايل وطلب 123 (الشرطة):


— “لحقوني، مراتي حامل ومحبوسة بقالها كام يوم في مخزن مقفول بقفل ومابتردش تقريباً!”


حكمت حاولت تخطف الموبايل من إيده، ولما معرفتش، اترمت على الأرض المبلولة في الجنينة وقعدت تصرخ وتصوّت وتقول إنه بيهد بيته وبيموّت أمه.


أحمد حط ودنه تاني على الباب الخشب.


من ورا الباب، سمع أنين ضعيف جداً.. كان صوته ضايع تقريباً وسط صوت المطرة.


وفي اللحظة دي، فهم إن القفل ده مكنش بيحمي سر روحاني ولا بركة.. ده كان بيغطي على مصيبة كفيلة إنها تدمرهم كلهم وندخلهم السجن.


 


 


وصلت سيارة الشرطة بعد أقل من عشر دقائق، وتوقفت صفاراتها بجانب سور Villa المعادي، لتملأ الأضواء الحمراء والزرقاء جنبات الحديقة المظلمة. نزل ضابط يرتدي معطفاً أسود برفقة اثنين من أمناء الشرطة، ليجدوا المشهد كاملاً: حكمت تصرخ على الأرض وهي تندب حظها، وباهر يقف عند باب المطبخ ويداه ترتجفان، وأحمد يقف أمام باب المخزن ممسكاً بقطعة حديدية يحاول بها كسر القفل.


ترجل الضابط بسرعة وهو يقول بصوت حازم:


— “فيه إيه هنا؟ إيه اللي بيحصل؟”


تقدم أحمد نحو الضابط دون تردد، ووجهه يقطر ماءً من المطر، وعيناه تشعان غضباً ورعباً:


— “يا فندم مراتي حامل في الشهر الرابع، أهلي حابسينها جوه المخزن ده بقالها أربع أيام من غير أكل ولا مياه، وصوتها جوه ضعيف جداً وممكن تموت في أي لحظة!”


الضابط التفت نحو حكمت التي قفزت من الأرض بمهارة غير متوقعة وهي تصيح:


— “كداب يا بييه! ده ولد عاق وبيسمع كلام مراته! الست دي عليها جني وبتتشنج، والشيخة قالت لازم تقعد في مكان مقفول لحد ما القران يطرد اللي عليها! أنا بحمي ابني وبحمي بيتي!”


لم ينتظر الضابط كثيراً، ورأى الفستان الأخضر المنحشر تحت الباب والدموع التي تملأ عيني أحمد، فأومأ لأحد الأمناء:


— “اكسر القفل ده فوراً!”


باهر تقدم خطوة وهو يبتلع ريقه بصعوبة وسأله الضابط عن المفتاح، فرد بتلعثم:


— “المفتاح.. المفتاح ضاع يا فندم والله ما نعرف طريقه..”


خلال لحظات، ضرب أمين الشرطة القفل بآلة حادة عدة مرات حتى تحطم وصدر صوت انكسار معدني مدوٍ. دفع أحمد الباب الخشبي الثقيل بقوة، ليفوح من الداخل خليط كريه من رطوبة الأسمنت والرائحة العفنة.


كان المخزن مائلاً للظلمة، لا يضيئه سوى كشافات أمناء الشرطة وأضواء سيارة النجدة في الخارج.


في أقصى الزاوية، كانت سارة ممددة على الأرض، وجهها أصفر كالورق، وشفتان جافتان ومتشققتان من العطش. فستانها الأخضر الملتف حول جسدها النحيل كان ملوثاً بالتراب وشبه متمزق. ركض أحمد ونزل على ركبتيه وهو يرفع رأسها على يديه:



— “سارة! سارة رد عليا يا حبيبتي.. أنا أحمد! أنا جيت خلاص!”


فتحت سارة عينيها بصعوبة بالغة، وكانت أنفاسها متقطعة للغاية، وحركت شفتيها ببطء شديد دون أن يصدر منها صوت في البداية. مسك أحمد يدها المرتعشة والباردة كالثلج، وفي تلك اللحظة بالذات، لاحظ الضابط شيئاً غريباً في أرضية المخزن.


المخزن لم يكن مجرد كركور ممتلئ بالكراتين القديمة وأدوات الجنينة؛ بل كان هناك جزء في أقصى اليسار، أسفل شيكارات الإسمنت الفارغة، تم حفر الأرضية فيه بشكل حديث. البلاط المخلوع كان مكدساً على جانب، وهناك طبقة جديدة من الإسمنت المبلل التي لم تجف تماماً، يخرج منها سلك كهربائي سميك متصل بمولد قديم.


سارة، بصوت أشبه بالهمس الشديد المتقطع، رفعت يدها النحيلة وأشارت بأصابعها المرتعشة نحو الأرضية المكسورة، ثم إلى باهر وحكمت اللذين كانا يقفان عند الباب.


قالت سارة وهي تصارع للبقاء واعية:


— “أحمد… هما… هما مكنوش حابسيني علشان الصينية… هما… هما كانوا بيدفنوا…”


قاطعها باهر بصوت مرتفع ومرتبك جداً:


— “سكتوها! دي بتخرف من التعب! دي واخدة أدوية وتعبانة في عقلك يا أحمد متصدقهاش!”


الضابط توجه فوراً نحو المنطقة الحفرية المريبة، وبدأ يسلط كشافه الذاتي على الأرضية. لاحظ أن الإسمنت الحديث يغطي حفرة مستطيلة عميقة، وفوقها قطعة قماش حمراء تبرز من بين الإسمنت الشبه جاف، وبجوارها حقيبة جلدية سوداء كبيرة كُتب عليها أحرف باللغة الإنجليزية.


أحمد أدرك الحقيبة فوراً؛ إنها الحقيبة الخاصة بحسابات وشيكات مكتب المحاماة الشهير الذي يعمل فيه باهر، والتي كان باهر يبحث عنها باستماتة منذ شهر ويسميها “شنطة الأوراق المهمة”.


رفع الضابط رأسه ونظر إلى أمين الشرطة وقال بصوت جاد ومباشر:


— “اتصل بالإسعاف فوراً لنقل المدام.. وطلب قوة دعم من قسم المعادي مع فريق النيابة والمعمل الجنائي. محدش يتحرك من مكانه هنا!”


حكمت بدأت تتراجع للخلف خطوة بخطوة نحو بوابة الحديقة الخارجية وهي تحاول التسلل في الظلام، لكن أمين الشرطة الآخر لمحها واستوقفها فوراً بوضع الكلبشات في يديها. صرخت حكمت بصوت هز الشارع:


— “يا ناس يا ظلمة! رايحين تصدقوا واحدة غريبة وتخلوا ابني يقبض على أمه؟ باهر ملوش دعوة! باهر مظلوم!”


باهر سقط على ركبتيه فوق الطين، وجسده كله يرتجف، بينما بدأت معالم الفاجعة تتضح لأحمد. سارة لم تكن مجرد ضحية لعنف عائلي أو استبداد حماة؛ بل كانت الشاهدة الوحيدة التي دخلت المخزن بالصدفة يوم الأربعاء، لتفاجأ بـ باهر وأمه وهما يحاولان إخفاء شيء ما داخل هذه الحفرة، شيء يتعلق بذاك الج*ثة أو السر الذي جلبوا الإسمنت خصيصاً للتغطية عليه.


ولأن سارة شهدت ما كان ينبغي ألا تراه، اتخذت حكمت وباهر القرار بحبسها وإغلاق القفل عليها، مستغلين حملها وتعبها، والتخطيط للإبقاء عليها معزولة حتى يتم طمس كل الآثار، أو ربما للتخلص منها تماماً وادعاء أن الحمل والتعب هما السبب في اختفائها.




وصلت سيارة الإسعاف، ونزل الممرضون بالنقالة الإسعافية ليدخلوا المخزن، بينما كان الضابط يوجه كشافه بدقة نحو الحفرة الإسمنتية التي بدأت تفوح منها رائحة لا يمكن لأحد أن يخطئها.. رائحة الموت.


أمسكت سارة بقميص أحمد بقوة وقالت وهي تُنقل على النقالة:


— “أحمد… باهر ق*تل الشريك بتاعه… ورما ه في الحفرة… وأمك ساعدته…”


وقع الخبر على أحمد كالصدمة الكهربائية، والتفت نحو أخيه وأمه بذهول تام، بينما كانت سيارات شرطة إضافية تدق صفاراتها وتدخل الشارع للتحفظ على موقع الج*ريمة بالكامل.

رجعت من شغلي٢

بقلم رشا خالد 


أنزلت طواقم الإسعاف النقالة ببطء شديد ونقلت سارة عبر الحديقة المبتلة، بينما رافقها أحمد لثوانٍ معدودة يطمئن عليها، قابضاً على يدها بدموع لم يستطع حبسها. قسَم لها أنه لن يترك حقها وحق طفلهما، ثم عاد بخطوات مشدودة كأنها الكابوس إلى حافة المخزن، حيث تصاعدت حركة رجال الشرطة.


وصلت سيارات النيابة العامة وفريق المعمل الجنائي، وتطوقت فيلا المعادي بالكامل بالأشرطة الصفراء. تم إدخال حكمت وباهر إلى سيارة البوليس وسط صراخ الأم التي تحولت نبرتها من الادعاء بالمرض والبركة إلى التهديد والوعيد:


— “هتدمر أخوك عشان حتة بت غريبة يا أحمد؟! ده أخوك سندك! والله ما هسامحك ليوم الدين!”


لكن أحمد لم ينطق بكلمة واحدة. كان يقف شاخص البصر ينظر إلى الضباط وهم يحفرون الإسمنت الحديث الذي لم يكن قد جف بعد بالكامل.


خلال ساعتين من العمل المتواصل تحت أضواء كشافات المعمل الجنائي الكاشفة، تم تكسير طبقة الإسمنت ورفع شيكارات التراب. بدأت الملامح الحقيقية للتربة بالظهور؛ لم تكن الج*ثة المخبأة مجرد هيكل أو غطاء، بل كانت ج*ثة رجل في أواخر الأربعينات، يرتدي بدلة رسمية سوداء ملوثة بالطين، ومكبل اليدين بسلك كهربائي سميك—من نفس النوع الذي يستخدمه أحمد في عمله بالمناطق الصناعية والذي جلب منه عينات إلى المنزل سابقاً.


عندما سحب رجال المعمل الجنائي الج*ثة جزئياً لإجراء المعاينة الأولية، سقطت محفظة جلدية من جيب المتوفي الداخلي. فتحها وكيل النيابة بحرص ليقرأ الاسم المدون على الهوية الوطنية:


«محسن عبد الحميد—محامي بالنقض وشريك في مكتب المحاماة».


أحمد أحس بالدفء يهرب من أطرافه. محسن لم يكن مجرد شريك لباهر في المكتب، بل كان الرجل الذي أنقذ باهر من الإفلاس قبل عامين وشكّل معه شركة استشارات قانونية.


أخذ وكيل النيابة يواجه باهر بالدليل الأول داخل الحديقة قبل نقلهما للقسم:


— “السلك المربوط بيه المجني عليه مظبوط إنه من مخزن البيت هنا، والأهم إن تقرير الفحص المبدئي لبصمات الأصابع على شنطة الأوراق والمولد الكهربائي بيحمل بصماتك يا باهر وبصمات والدتك.”


باهر انهار تماماً، وبدأ يبكي بنشيج هيستيري وهو يرتعد من البرد والخوف، وصرخ متلعثماً:


— “والله ما كان قصدي أقت*له! هو اللي اكتشف إن اختلست 3 مليون جنيه من حسابات العملاء وكان رايح يبلغ النيابة صباح الأربع! جالي البيت هنا عشان يواجهني بالورق، وأمي قالت لي نكتفه ونخليه يوقع على تنازل.. بس لما قاوم وناداني يا حرامي.. ضربته بفازة النحاس على دماغه!”


تطرق باهر في اعترافه المنهمر وسط صدمة أحمد الذهولية:


— “أمي هي اللي اقترحت ندفنه في المخزن ونغطي عليه بالإسمنت والركام لحد ما نسافر بره مصر.. وسارة دخلت بالصدفة نجيب كرتونة خضار من المخزن يوم الأربعاء بالليل وشافت الج*ثة على الأرض قبل ما نلحق ندفنها! أمي قفلت عليها الباب بالمفتاح وقالت لي لو خرجت هتدمرنا وتودينا الإعدام!”



أحمد انقبض قلبه؛ أخوه وأمه لم يحبسا زوجته الحامل مجرد تحكّم أو قسوة عائليّة، بل كانا يتركانها تموت جوعاً وعطشاً وارتعاباً لتكون ضحية أخرى تندفن مع السر في نفس الحفرة.


تلقى أحمد اتصالاً هاتفياً في تلك اللحظة من مستشفى القصر العيني:


— “أستاذ أحمد؟ مدام سارة دخلت العناية المركزة، وعندها نزيف حاد وهبوط حاد في الدورة الدموية.. الدكتورة محتاجة موافقتك فوراً على إجراء عملية قيصرية طارئة لمحاولة إنقاذ الجنين والسيطرة على النزيف.”


ترك أحمد الفيلا المليئة برجال الشرطة وسياره النيابة، وركض نحو الشارع يطارد أول سيارة أجرة ليلحق بزوجته وطفله بين الحياة والموت، بينما كانت حكمت وباهر يُقادان إلى مدرعة الشرطة ليواجها اتهامات بالق*تل العمد مع سبق الإصرار والترصد وحبس مواطن بغير حق.


وصل أحمد إلى مستشفى القصر العيني والماء يقطر من ملابسه وجسده يرتجف بالكامل، ليس فقط من برودة ليلة المعادي الماطرة، بل من ثقل الفاجعة التي هبطت على رأسه دفعة واحدة. كانت أروقة المستشفى هادئة ومظلمة إلا من أضواء الفلورسنت الشاهبة، وصوت خطواته المتسارعة يتردد بين الجدران المصمتة.


عند باب غرفة العمليات، كانت الطبيبة المتابعة لحالة سارة تخرج وهي تسحب قفازاتها الطبية الملوثة بالدماء. ركض أحمد نحوها والنفس يتقطع في صدره:


— “دكتورة! سارة… سارة عاملة إيه؟ والجنين؟ طمنيني أرجوكِ!”


نظرت إليه الطبيبة بتعابير إرهاق شديد وقالت بنبرة حازمة ومباشرة:


— “زوجتك كانت في حالة جفاف حاد وانخفاض خطير في ضغط الدم، والأصعب من كده إنها تعرضت لإجهاد عصبي ونفسي شديد أدى لانفصال جزئي في المشيمة. إحنا اضطررنا ندخلها عمليات فوراً ونوقف النزيف.. قدرنا ننقذ حياتها بفضل ربنا، لكن الوضع بالنسبة للجنين حرج جداً؛ النبض ضعيف وحجمه متأثر جداً بالقلة المائية والجوع اللي مرت بيه خلال الأيام اللي فاتت. نقلناها حالياً للعناية المركزة وتحت الملاحظة المشددة لمدة 48 ساعة.”


سقط أحمد على الكرسي البلاستيكي المظلم بجوار الباب، ووضع رأسه بين يديه. كان ينتابه شعور بالذنب يأكل أضلعه؛ كيف تركها وغادر إلى بورسعيد؟ كيف لم يشعر بغدر أمه ولؤم أخيه؟ تلك الأم التي طالما أرضعتهما الفضيلة وكانت تنادي بالدين والبركة، تحولت في لحظة طمع وخوف إلى مجرمة تحبس روحاً بريئة في ظلام المخزن لتقت*لها بالبطء والعطش، فقط لتغطي على جريمة ابنها المدلل.


مع حلول الفجر، لم يغمض لأحمد جفن. كان يجلس بجوار سرير سارة في العناية المركزة، ممسكاً بيدها الشاحبة المتصلة بأنابيب المحاليل وأجهزة قياس النبض. فتحت سارة عينيها ببطء شديد، ونظرت إليه بعينين غائرتين تملأهما الدموع:


— “أحمد… ابننا لسه عايش؟”


قبل أحمد يدها والدموع تسيل على خديه:


— “عايش يا سارة.. عايش ببركتك وقوتك.. سامحيني يا سارة، سامحيني إن سبتك في وسط الوحوش دول.. حقك هيجي، والله العظيم حقك وحق ابننا هيجي بالقانون.”



همست سارة بجهد وهي تحاول التنفس:


— “أمك… أمك كانت بتدخل عليا كل يوم بالليل من الشباك الصغير بتاع المخزن… كانت بترمولي كباية مياه ملوثة وتقولي بصوت واطي: «موتي هنا عشان ترتاحي ونرتاح منك ومن سرك»… باهر كان عايز يفتح الباب ويطلعني لما شافني بأموت، بس هي كانت بتمنعه وتقوله: «لو خرجت هتعرف أحمد وهيودينا في داهية.. سيبها لما تخلص».”


كانت هذه الكلمات كافية لتفجير آخر ذرة رحمة أو تردد في قلب أحمد.


في صباح اليوم التالي، وتحديداً في الساعة العاشرة صباحاً، سار أحمد بخطوات ثقيلة نحو سراي نيابة المعادي. كانت قاعة الانتظار تعج بالصحفيين والمخبرين بعدما تسرب خبر العثور على ج-ثة المحامي الشهير «محسن عبد الحميد» مدفونة تحت الإسمنت في حديقة إحدى فيلات المعادي الراقية.


دخل أحمد إلى مكتب وكيل النيابة للإدلاء بأقواله كشاهد أول وكمبلغ. كان باهر يشارك في الجلسة وهو مكبل اليدين بالحديد، وجهه شاحب وشعره متسخ، وبجواره أمه حكمت التي كانت ترتدي عباءة سوداء وتجلس على كرسي خشب، تنظر لأحمد بعينين ممتلئتين بالتوسل والتودد الناعم بعد أن فشلت لغة التهديد.


قالت حكمت بصوت باكٍ ومتمسكن وهي تحاول الاقتراب من أحمد:


— “أحمد يا بني.. يا حبيبي يا ضنايا.. هتسيب أمك اللي ربتك تدخل السجن في أخر أيا مها؟ أنا عملت كل ده عشان أحمي أخوك الصغير.. باهر طيش وغلط، وأنا أمه كان لازم أستر عليه! سارة كويسة وقامت بالسلامة اهي، تنازل يا بني عشان خاطر لبني اللي شربتهولك.. ارحم أمك!”


نظر أحمد إليها بنظرة فارغة خالية تماماً من أي عاطفة، ثم التفت بثبات ناهض نحو وكيل النيابة وقال بصوت واضح هز أركان الغرفة:


— “سيادة النيابة.. أنا هنا مش بس عشان أثبت اتهامي لأخي باهر بق*تل المحامي محسن عبد الحميد العمدي وتدنيس ج*ثته.. أنا هنا عشان أقوم بدور الشاهد والمدعي بالحق المدني ضد المتهمة الأولى، حكمت، بتهمة الشروع في ق*تل زوجتي الحامل سارة، وتكبيل حريتها، والتعذيب البطيء، والمشاركة الكاملة في إخفاء معالم ج*ريمة الق/تل.”


صرخت حكمت بصوت شق صمت القاعة:


— “يا خاين يا ابن الحرام! بتبيع أمك عشان حتة ست؟!”


لكن أحمد لم يلتفت إليها، بل أخرج من جيبه مظروفاً أصفر كبيراً وضعه على مكتب وكيل النيابة.


سأله وكيل النيابة باهتمام:


— “إيه المظروف ده يا أستاذ أحمد؟”


رد أحمد بصوت حاسم وهو ينظر لـ باهر الذي اتسعت حدقتا عينيه رعباً:


— “دي تسجيلات وكاميرات المراقبة الخاصة بالشارع وبوابة الفيلا المجاورة لينا.. أنا أخدت الهارد ديسك الصبح من الجار. التسجيلات بتثبت بالوقت والتاريخ إن أمي وباهر هما الاثنين اللي شالوا ج*ثة المجني عليه ودخلوها المخزن يوم الأربعاء الساعة 11 بالليل.. وبتثبت كمان إن سارة دخلت المطبخ وراء المخزن قبلهم بخمس دقائق وما خرجتش منه من ساعتها.. يعني أمي كانت عارفة ومخططة لكل حاجة من اللحظة الأولى، ومفيش أي مجال لدعوى الشفقة أو الاستعطاف.”



انهارت حكمت وسقطت أرضاً تضرب على وجهها وهي تصرخ وتدعو على ابنها، بينما أخذ باهر يصرخ بحسرة ويهزي بأنه ضحية لأفكار أمه السامة التي قادته إلى حبل الشنق.


أمر وكيل النيابة بتجديد حبس المتهمين حكمت وباهر 15 يوماً على ذمة التحقيق مع مراعاة أقصى العقوبات، ونقلهما فوراً إلى السجن العمومي في انتظار تحويل الق/ضية لمكافحة الجنايات.


خرج أحمد من مبنى النيابة والهواء البارد يلفح وجهه. شعر ولأول مرة منذ أيام بأن الكابوس بدأ ينقشع قليلاً، لكن الطريق لم ينتهِ بعد؛ فسارة ما زالت بين جدران المستشفى تخوض معركتها الأهم، والطفل القادم في رحمها ينتظر قرار الأطباء الأخير.


 رجعت من شغلي٣

بقلم رشا خالد 


خرج أحمد من مبنى النيابة، ولم ينتظر ثانية واحدة؛ ركب أول سيارة واتجه رأساً إلى المستشفى. كانت الشمس قد بدأت تتوسط السماء، تكسر برودة الجو بدفء خفيف، لكن قلبه كان ما يزال ينبض برعب مكتوم.


عندما وصل إلى الدور الثالث أمام قسم العناية المركزة، وجد الطبيبة المشرفة تقف مع ممرضتين وتراجع بعض الفحوصات والتحاليل الطبية. أسرع أحمد إليها والأنفاس تتسارع في صدره:


— “دكتورة! طمنيني.. سارة عاملة إيه دلوقت؟ والولد؟”


تنفست الطبيبة الصعداء وابتسمت ابتسامة هادئة خففت القليل من ثقل الجبل الجاثم على صدره:


— “الحمد لله يا أستاذ أحمد.. النزيف وقف تماماً، والضغط بدأ يرجع لمعدلاته الطبيعية بعد المحاليل ونقل الدم. والأهم إننا عملنا موجات صوتية (سونار) جديدة ودقات قلب الجنين رجعت تنتظم بشكل أفضل بكثير عن امبارح. إحنا نقلنا سارة من العناية المركزة لغرفة العزل والملاحظة العادية، وتقدر تدخل تشوفها، بس أهم حاجة الهدوء التام والبعد عن أي توتر.”


أحس أحمد بركبتيه تكادان تعجزان عن حمله من شدة الارتياح، ودعا ربه في سِرّه بحمد لا ينقطع.


فتح باب الغرفة ببطء شديد. كانت سارة مستلقية على السرير الأبيض، وجهها لا يزال يعلوه الشحوب لكن الشفتين استردتا بعض الحمرة، وأنابيب المحاليل ما زالت معلقة بحديث في يدها. عندما رأته يدخل، ابتسمت ابتسامة ضعيفة ومسحت دمعة كانت حائرة في طرف عينها.


اقترب أحمد وجلس على الكرسي المجاور للسرير، وأمسك بيدها بكل رفق وقبلها طويلاً:


— “الحمد لله على سلامتك يا سارة.. الحمد لله إن ربنا ردك ليا ولابننا بالسلامة.”


قالت سارة بصوت خافت وخسِر النبرة المرتجفة التي كانت تعلوه في المخزن:


— “أنا كنت حاسة إنك هتوصل يا أحمد.. كنت بسبح وبدعي ربنا في الضلمة والبرد وباقول كيدهم مش هيغلب حقنا.. عملت إيه في النيابة؟”


نظرت عينا أحمد للبعيد لثوانٍ قبل أن يعود ويُثبت نظره في عينيها بثبات:


— “سلمت الهارد ديسك بتاع كاميرات الجار للنيابة.. وأمي وباهر خدوا تجديد حبس 15 يوم على ذمة القضية. النيابة وجهت للباهر تهمة الق/تل العمد مع سبق الإصرار لشركوه، وتهمة الشروع في ق/تلك والمشاركة في الجريمة لأمي.. مفيش خروج ولا تنازل يا سارة، الجريمة كاملة ومثبتة بالدلايل والأوراق.”


صمتت سارة لبرهة، وشردت بذهنها في تفاصيل الأيام الأربعة المرعبة التي قضتها في الكركور بين التراب ورائحة الموت الصامتة، ثم قالت بنبرة حذرة:


— “أحمد.. أمك قبل ما يجيلك المظروف ويتقفل الباب عليا.. كانت بتتكلم في التليفون مع حد تاني غير باهر.. حد كان بيدلهم على طريق السفر لبرة مصر ويوفرلهم خط هروب سيناء ومنها لليبيا أول ما يخلصوا من ردْم الحفرة وتمر الـ21 يوم.”


اعتدل أحمد في جلسة اندهاش واضحة:


— “شخص تاني؟! شفتيه؟ أو سمعتي اسمه؟”


ردت سارة وهي تحاول التذكر بتركيز:


— “ما شفتهوش.. بس سمعتها بتقول له: «يا خال.. الورق والتأشيرات المضروبة تجهز قبل يوم الجمعة.. وباهر هيحملك نصيبك أول ما نوصل هناك».. أمك كانت بتكلم أخوها الكبير، خالك عبد الحميد!”


نزلت الكلمة على أحمد كالصاعقة. الخال عبد الحميد كان يدّعي دائماً التقوى والزهد، وهو المقيم في إحدى قريات الساحل القريبة من الحدود، وكان يملك مكتباً للتخليص الجمركي وتسهيل السفر. أحمد كان يظن أن أمه تصرفت بدوافع الأمومة العشواء مع باهر، لكن اتضح الآن أن هناك شبكة عائلية كاملة كانت تخطط وتساند للتغطية على القت/ل وتسهيل الهروب، بل وربما كان الخال عبد الحميد هو من أشار عليهم بإبقاء سارة محبوسة حتى تكتمل إجراءات الأوراق المزورة دون إثارة الشبهات!


قام أحمد وقبل رأس سارة:


— “أنازم أبلغ رئيس المباحث فوراً بالمعلومة دي.. المحضر ولا التحقيق مش هيقفلوا إلا لما كل واحد شارك في الكابوس ده يلبس الكلبشات.”



خرج أحمد إلى طرقات المستشفى، وأخرج هاتفه ليطلب رقم ضابط المباحث المتابع للقضية، وأخبره بالتفاصيل الجديدة ونبرة صوته تملؤها الحسم. أكد له الضابط أن قوة من مباحث تنفيذ الأحكام والجوازات في طريقها الآن لمداهمة عنوان الخال بالساحل قبل أن يشعر بالخطر ويهرب.


وفيما كان أحمد ينتظر أمام نافذة المستشفى يتأمل الشارع والسيارات، اهتز هاتفه برقم مجهول. فتح الخط ليأتيه صوت رجالي غريب ومبحوح، يتحدث بنبرة تهديد صريحة ومباشرة:


— “بص يا باشمهندس أحمد.. قصتك مع أمك وأخوك كبرت وزادت عن حدها.. لو التحريات وصلت لعبد الحميد أو اسم أي حد تاني اتذكر في النيابة، أو لو ما سحبتش بلاغ سارة وشادتك ضد أمك.. أوعدك إن الخروج من المستشفى مش هيبان سهلا زي الدخول.. وسلامة مراتك وابنك في إيدك!”


ساد الصمت لثانية، وانقبضت يد أحمد على الهاتف حتى كادت عظام أصابعه تتكسر، وشعر أن المعركة لم تكن مجرد قضية فيلا في المعادي، بل مواجهة مع أفعى ذات رؤوس متعددة لن تتوقف حتى تلتهم الجميع.


اشتعل الغضب في عروق أحمد، ولكن بدلاً من أن يربكه التهديد، زاده صلابة كالفولاذ. نظر عبر زجاج نافذة المستشفى إلى الشارع المظلم أسفله، وقال بصوت جامد كالرصاص:


— “أنت فاكر إنك بتهددني؟ المكان اللي أنت واقف فيه أو بتبث منه مكالمتك مش هيحميك.. والولد اللي في بطن مراتي والمرمية في العناية بسبكم، هاخد حقه وحقها منكم واحد واحد.. والقضية دي مش هتتقفل غير وأنتوا كلكم في السجن.”


أغلق أحمد الخط فوراً قبل أن يسمع رد الطرف الآخر، وتوجه بسرعة نحو مكتب أمن المستشفى. طالب فوراً بتكثيف الحراسة على غرفة سارة، وطلب من المباحث فرقة تأمين طارئة لحماية زوجته بعد ورود التهديد المباشر. خلال أقل من ساعة، كان هناك اثنان من أمناء الشرطة المسلحين يقفون أمام باب الغرفة، يحرسون سارة التي بدأت تسترد عافيتها تدريجياً وتدرك أن الخطر لم ينتهِ بعد.


في الوقت نفسه، كانت التحركات الأمنية تجري على قدم وساق في الساحل الشمالي. القوة التي حركتها المباحث بناءً على معلومات سارة تحركت في داهمة فجرية خاطفة لمقر مكتب التخليص الجمركي المملوك لـ «عبد الحميد» — خال أحمد.


لم يكد عبد الحميد يشعر بحركة السيارات الشرطية حول المبنى حتى حاول الهرب من الباب الخلفي يحمل حقيبة دبلوماسية مليئة بالأوراق، لكن رجال المباحث كانوا قد أطبقوا الحصار على المقر بالكامل. تم إلقاء القبض عليه متلبساً، وبداخل الحقيبة وجد الضباط المفاجأة الكبرى:


جوازات سفر مزورة بأسماء جديدة لـ باهر وحكمت، وتأشيرات خروج طارئة، بالإضافة إلى عقد تنازل مزور ومبصوم عن فيلا المعادي باسم باهر، كان يُجهز لبيعه فور هروبهم لتغطية مصاريف الإقامة خارج البلاد!


في اليوم التالي، تم نقل الخال عبد الحميد مكبلاً بالحديد إلى سراي نيابة المعادي. وبمواجهته بالتسجيلات الصوتية للمكالمات وتكثيف التحقيق، انهار تماماً وأفشى بكل التفاصيل:


— “أنا مق/تلتش حد يا باشا! حكمت أختي هي اللي كلمتني الأربع بالليل وهي بتصرخ، وقالت لي إن باهر اتورط وق/تل شريكه في لحظة غضب عشان الفلوس.. هي اللي التفت حوليه وترجتني أساعدهم يهربوا، وقالت لي إن فيه «عائق» في البيت ولازم يفضل مكتوم لحد ما السفر يجهز.. أنا مكنتش اعرف إن العائق ده هو سارة مرات ابنها الحامل!”


اعترف عبد الحميد أيضاً بأنه هو من أرسل الشخص لتهديد أحمد عبر الهاتف للضغط عليه لسحب البلاغ بعد أن شعر بأن الخناق يضيق حول العائلة كلها.


في ظهر اليوم نفسه، جرى مواجهة كبرى داخل قاعة التحقيق بالنيابة، جمعت بين باهر، وحكمت، وعبد الحميد.


ساد الصمت الغرفة، ودخل أحمد يقف بثبات بجوار وكيل النيابة. نظرت حكمت إلى أخيها المقيد وإلى ابنها باهر المنار، ثم رفعت عينيها إلى أحمد بنظرة خالية من الكبرياء، وقالت بنبرة كسيرة وصوت مبحوح:


— “خلاص يا أحمد.. دمرت العيلة كلها؟ ارتحت دلوقت؟”


رد أحمد بصوت هادئ ومستقر، ينبض بالقوة:


— “أنا مدمرتش حد يا أمي.. أنتِ اللي اخترتي تدمري العيلة من اليوم اللي قبلتي فيه الغش والق/تل، اليوم اللي قفلتي فيه الباب بقفل حديد على ست حامل في الضلمة والبرد وسبتيها تموت عطش عشان تداري على جريمة. أنتِ وباهر وعبد الحميد عملتوا الكابوس ده بإيديكم، والقانون مش هيسيب حق حد.”


وجه وكيل النيابة رسمياً لائحة الاتهامات النهائية للمتهمين الثلاثة:


1. **باهر:** الق/تل العمد مع سبق الإصرار والترصد للمجني عليه محسن عبد الحميد، والشروع في ق/تل زوجة أخيه، وإخفاء ج/ثة.


2. **حكمت:** الشروع في الق/تل العمد، والاحتجاز بغير حق والتعذيب لامرأة حامل، والمشاركة في إخفاء معالم ج/ريمة ق/تل.


3. **عبد الحميد:** التستر على جناية قت/ل، والتزوير في أوراق رسمية، والتهديد والابتزاز.


وتم إحالة أوراق القضية بالكامل محبوسين إلى محكمة الجنايات العاجلة مع المطالبة بأقصى العقوبات التي تصل للإعدام شنقاً للفاعل الأصلي والمشاركين.


خرج أحمد من سراي النيابة وشمس العصر تشرق على وجهه. كانت خطوته هادئة ومستقرة، والشر الذي طالما اختبأ خلف أبواب الفيلا المغلقة قد انكشف للعلن وصار في يد العدالة.


اتجه أحمد فوراً إلى المستشفى، حيث استقبله الطبيب ببشرة خير طال انتظارها:


— “أستاذ أحمد، المدام سارة حالتها استقرت تماماً وضغطها طبيعي، وتقدر تخرج من المستشفى النهاردة عشان تكمل علاجها ورعايتها في بيتها وبوسط ناسها.. والجنين بفضل الله بخير ونبضه ممتاز.”


دخل أحمد الغرفة، ووجد سارة تجلس على طرف السرير ترتدي ثيابها وتنتظره وهي تبتسم. أمسك بيدها وساعدها على الوقوف، وقالت له وهي تنظر في عينيه بامتنان عميق:


— “الكابوس انتهى يا أحمد؟”


أنزل أحمد يده وربط على يدها بحنان:


— “انتهى يا سارة.. والباب اللي اتفتح بالشرطة مش بس أنقذك.. ده قفل صفحة الظلم والقسوة للأبد، وبكرة هنبدأ حياتنا من جديد بعيد عنهم جميعاً.”


سارا معاً في أروقة المستشفى ونحو الخارج، يستقبلان نقاء الهواء وشمس النهار الجديد، منتظرين كلمة القضاء الأخيرة ليُسدل الستار تماماً على الجريمة التي هزت العائلة.


مرّت الأشهر التالية كأنها فترة نقاهة وطهارة من أثر ذلك الكابوس الثقيل. فيلا المعادي تم إغلاقها بالشمع الأحمر وبقيت خالية تشهد جدرانها الصامتة على الجريمة، بينما انتقل أحمد وسارة للإقامة في شقة جديدة هادئة أثاثها بسيط، تسطع فيها الشمس من كل جانب، ممتلئة بالهدوء والأمان الذي حُرما منه لسنوات.


وفوق منصة القضاء في محكمة جنايات القاهرة، وقف المستشار رئيس المحكمة محاطاً بأعضاء هيئة المحكمة، وتلا الحكم التاريخي في القضية التي شغلت الرأي العام:


> **«بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع شهادة الشاهد الأول وشريط الكاميرات واعترافات المتهمين؛ حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء:**


> * **أولاً:** بمعاقبة المتهم الأول **باهر** **بالإعدام شنقاً** عما أُسند إليه من ق/تله المجني عليه «محسن عبد الحميد» عمداً مع سبق الإصرار والترصد.


> * **ثانياً:** بمعاقبة المتهمة الثانية **حكمت** **بالسجن المؤبد** لما أُسند إليها من الشروع في ق/تل المجني عليها «سارة» واحتجازها بدون حق والاشتراك في إخفاء الج/ثة.


> * **ثانياً:** بمعاقبة المتهم الثالث **عبد الحميد** **بالسجن المشدد لمدة 15 عاماً** للتدليس والتزوير والتستر على جناية والتهديد.»


>


صدر الحكم وسط صمت ذهولي ساد القاعة. نظرت حكمت لأخيها وابنها المكبليْن بدموع المتأخرين، بينما خرج أحمد وسارة من القاعة بخطوات واثقة، لا يحملان في قلبيهما كيداً ولا انتقاماً، بل ارتياحاً لأن العدالة أخذت مجراها كاملاً.



وبعد أسبوعين فقط من صدر الحكم، داخل أحد مستشفيات الولادة الحديثة، وضعت سارة طفلها الأول.. صبي صغير أطلق عليه أحمد اسم **«ياسين»**. عندما حمل أحمد طفله بين يديه لأول مرة، نظر إلى ملامحه البريئة الممتلئة بالحياة، ودمعت عيناه فرحاً. كان ياسين هو الأمل الذي نبت من قلب الظلمة، والبركة الحقيقية التي لم تكن تُصنع بالدجل ولا تُخبأ وراء الأقفال.


### **الحكمة من القصة:**


* **البركة لا تُسجن ولا تُصنع بالظلم:** البركة ليست تميمة أو «عملاً» يُحفظ في مخزن مقفول كما ادّعت الأم، بل هي ثمرة التقوى، والنوايا الطيبة، والمعاملة الحسنة. والبيت الذي يُبنى على الظلم والقسوة ينهار ولو كان قصراً.


* **الباطل لا يستمر مهما كَبُر القفل:** مهما حاول الجاني تغطية جريمته أو إخفاء آثاره تحت شيكارات الإسمنت والأكاذيب، فإن الحق يجد طريقه للنور دائماً، وغالباً ما تتسبب حيلة الظالم في كشف ستره بالكامل.


* **الأمومة ليست رخصة للفساد:** حماية الأبناء لا تكون بالتغطية على جرائمهم أو مشاركتهم الإثم، بل بتربيتهم على مخافة الله والعدل. والأم التي تستر على الجريمة تُهلِك نفسها وابنها معاً.


* **الوقوف مع الحق ولو كان ضد أقرب الناس:** أثبت أحمد أن النخوة والشهامة تقتضيان نصرة المظلوم ومخافة الله حتى لو كان الخصم من أقرب الأقربين، لأن الحق لا يجامل أحداً، والظلم لا يُبرره سِتر العائلة.


 

 


تعليقات

close