كان جوزي، كريم، بيعذبني كل ليلة وأنا حامل كامله شروق خالد
حكايات شروق خالد1
كان جوزي، كريم، بيعذبني كل ليلة وأنا حامل… كان بيحط فوطة على وشي ويصب عليها مية لحد ما أحس إني بموت من الاختناق، وكل ده وهو بيحسب الوقت. وكل يوم كان العذاب يزيد عن اللي قبله، واللي حواليا كانوا بيتعاملوا مع ألمي كأنه فرجة. وقتها عرفت إن محدش هييجي ينقذني، ولو عايزة أعيش أنا وطفلي، لازم أستحمل لحد ما ألاقي فرصة أهرب.
أوضة الغسيل في شقتنا بمدينة نصر كان دايمًا ريحتها مسحوق غسيل ولمون وهدوم مبلولة. صوت النشافة كان عالي، يخفي أي صرخة ممكن تطلع مني.
كريم كان بيحب الأوضة دي لأن شباكها عالي، والباب بيتقفل بالمفتاح من جوه.
كان يحط موبايله فوق الغسالة، يفتح المؤقت، ويحط فوطة مبلولة على وشي، وبعدها يصب المية من إبريق بلاستيك وهو بيعد بصوت هادي.
في الأول كان بيوقف لما يشوفني بنهار.
بعد كده… بقى انهياري هو اللي بيسعده.
قال لي مرة وهو بيرفع الفوطة ثانية واحدة: “واحد وأربعين ثانية… شكلك بقيتي أقوى.”
حكايات_شروق_خالد
كنت حامل في شهري السابع، وحتى الحركة كانت بتوجعني. كنت بحط إيدي على بطني وأدعي إن ابني يفضل بخير. بعد كل مرة، كان يتحرك بعنف كأنه بيستنجد بيا.
كريم كان بيسجل كل جلسة.
ويسمي الفيديوهات بأرقام:
38 ثانية.
44 ثانية.
51 ثانية.
وبعدين يبعتها في جروب فيه أخته دنيا واتنين من صحابه.
مرة سمعتها بتضحك وتقول: “هي طول عمرها بتحب تعمل نفسها ضحية.”
ولا حد سأل إذا كنت عايشة ولا ميتة.
ولا حد سأل ليه واحدة حامل بيتعمل فيها كده.
كلهم كانوا بيتفرجوا… وبس.
وفي الصبح، كريم يقوم يعمل شاي، ويسألني بمنتهى البرود: “تحبي أفطر إيه؟”
كأن اللي حصل بالليل مكانش موجود.
ما اعتذرش ولا مرة.
كل يوم كان يزود قسوته.
فوطة بقت اتنين.
ونص إبريق بقى إبريق كامل.
والمؤقت… بقى تصوير فيديو.
القسوة مبتكبرش مرة واحدة… بتزيد سنة سنة لحد ما تبقى جحيم.
بطلت أترجاه.
وبدأت أراقبه.
كريم كان عامل مزامنة بين موبايله والتابلت القديم اللي في المطبخ، ونسي إنه لسه شغال.
وأول ما خرج الشغل، فتحت التابلت.
ولقيت كل الفيديوهات.
وشي تحت الفوطة.
إيده وهي بتصب المية.
والمؤقت ظاهر في الصورة.
نسخت كل حاجة على موبايل قديم كانت صاحبتي مي إدتهولي بعد ما كريم كسر موبايلي.
وخبيت الموبايل ورا علبة مسحوق الغسيل.
وكل يوم كنت أسجل أي حاجة تحصل.
وفي معاد متابعة الحمل في مستشفى حكومي، دخلت الحمام، ووصلت الموبايل بواي فاي المستشفى، ورفعت كل التسجيلات على حساب سري، وبعت رسالة مجدولة لصاحبتي.
الرسالة كانت قصيرة:
“لو الرسالة وصلتك الليلة… اسمعي التسجيلات، وبعدها اتصلي بالشرطة وتعالي فورًا.”
ظبطت الإرسال الساعة 10:15 مساءً.
لو نجوت… هلغي الرسالة.
ولو ما نجوتش…
الحقيقة هتخرج من البيت حتى لو أنا مقدرتش.
رجع كريم من الشغل الساعة تمانية. دخل الشقة بهدوء عادته، رمى مفاتيحه على الترابيزة وسأل بصوت رايق: “العشا جاهز؟”
كان كل شيء طبيعي على السطح، نفس الملامح الباردة، نفس النبرة اللي ما توحيش بأي شر. هزيت رأسي وقلت له إن الأكل على السفره. قعد يأكل ببرود وهو بيتفرج على التلفزيون، وأنا كنت قاعدة قصاده بحاول أتحكم في ضربات قلبي اللي كانت زي الطبول. كل ثانية بتعدي كانت بتقربني من الساعة 10:15… موعد الخلاص أو الهاوية.
ساعتي كانت بتشير لـ 9:30. كريم قام من على الأكل، مسح إيده، وبص لي بتلك نظرة المعتادة… النظرة اللي بتسبق كل ليلة جحيم. قال بصوت هادي: “ادخلي أوضة الغسيل.”
رجلي مكانتش شايلايني، بس مشيت. لو اعترضت، كان هيشك أو يمنعني من الحركة خالص. دخلت الأوضة، وورايا دخل كريم وقفل الباب بالمفتاح من جوه. صوت تكّة المفتاح كان زي حكم بالExecution. حط موبايله فوق الغسالة، فتح تطبيق المؤقت، ومسك الإبريق البلاستيك.
“النهارده عايزين نعدي الدقيقة يا شروق… أنتِ قوية وتقدرية,” قالها وهو بيبتسم ابتسامة مرعبة.
حط الفوطة المبلولة على وشي. الظلام والخنقة بدأوا فوراً. المية بدأت تنزل فوق الفوطة، وشعور الغرق بدأ يلتهم كل خلية في جسمي. الرئة بتصرخ عايزة هواء، والبيبي جوة بطني بيتحرك بعنف كأنه حاسس بالموت اللي بيقرب منا. كنت بحاول أتنفس من مناخيري بس المية كانت بتسد كل منفذ.
في لحظات الاختناق دي، مكانش في بالي غير حاجة واحدة: “الموبايل ورا علبة المسحوق… الرسالة فاضل عليها دقائق…زمُتّي أو عشتِ، السر هيخرج.”
رفع الفوطة فجأة وأنا بنهج بجنون وبحاول ألم أنفاسي، دموعي مكسورة ومخلوطة بالمية. بص في الموبايل وقال بفخر: “خمسة وخمسين ثانية! قربنا أوي.”
مسك الموبايل علشان يرفع الفيديو على الجروب بتاع أخته وصحابه زي كل يوم. وفي اللحظة دي… الموبايل أداه إشعار ضعف الشبكة. كريم اتعصب: “الشبكة زفت ليه هنا؟”
خرج من أوضة الغسيل ونسي الباب مفتوح، مشي ناحية الصالة عشان يلقط شبكة ويوصل بالواي فاي ويشوف الفيديو وهو بيترفع.
الساعة كانت 10:10.
فاضل خمس دقائق والرسالة المجدولة تتبعت لمي. لو الموبايل اللي خافياه ورا المسحوق ملقطش شبكة أو لو كريم اكتشف الحساب قبل الشرطة، كل حاجة هتبوظ.
اتسحبت بشويش وأنا ماسكة بطني وبزحف تقريباً من التعب. وصلت لعلبة المسحوق، طلعت الموبايل القديم. الشاشة كانت منورة… الرسالة المجدولة مكتوب عليها: “سيتم الإرسال خلال 3 دقائق.”
وفجأة… سمعت صوت خطواته راجعة ناحية أوضة الغسيل.
كريم كان جاي، وفي إيده التابلت القديم بتاع المطبخ!
كان ماسك التابلت وبيحرك صوابعه عليه بذهول وغضب. وشّه اتغير تماماً، ألوانه اتخطفت. بص لي وهو واقف على باب الأوضة، وشاف الموبايل القديم في إيدي.
قال بصوت واطي ومرعب: “أنتِ عملتِ إيه؟ التابلت جالي عليه إشعار إن في جهاز تاني بيحمل الفيديوهات… أنتِ بعتِ إيه ولين؟”
صرخ بعنف وقرب مني زي المجنون، مسكني من شعري وزقني ناحية الغسالة. الموبايل وقع من إيدي على الأرض.
الساعة بقت 10:15.
في نفس اللحظة اللي مسكني فيها من رقبتي وبدأ يضغط بكل قوته وهو بيصرخ: “والله لأدفنك هنا الليلة!”… شاشة الموبايل القديم أضاءت على الأرض، وظهرت كلمة: **”تم إرسال الرسالة بنجاح.”**
كريم بص على الشاشة وعلى الكلمة مكتوبة. عينيه اتسعت من الصدمة. فهم إن السر خرج برا جدران البيت.
ضربني زقة قوية وقعت على الأرض، مسك الموبايل القديم ورزعه في الحيطة دمره ميت حتة، وبعدين مسكني من دراعي وبيحاول يجرني لبره الأوضة وهو بيسحب مفاتيح الشقة عشان يهربني أو يخفيني في أي حتة قبل ما حد يوصل.
كنت ببكي وبحاول أقاوم، بحط إيدي على بطني وبصرخ بأعلى صوت عندي، الصوت اللي كان مكتوم تحت الفوطة لسنين خرج مرة واحدة هز أركان الشقة: “الحقونيااااااي!”
كريم حط إيده على بوقي وبيحاول يكتمني، سحبني للصالون، وفي اللحظة اللي كان بيفتح فيها باب الشقة عشان يخرجني بالعافية…
سمعنا صوت خبط عنيف ومفاجئ على الباب الخارجي للبيت، وصوت مي صاحبتي بره بتصرخ مع أصوات رجالية قوية: “افتح يا كريم! الشرطة بره! افتح يا مجرم!”
كريم اتجمد في مكانه، وبص لي بنظرة مرعوبة، والإبريق والمؤقت والفيديوهات… كل حاجة سابها جوه، والحقيقة بقت خلاص على العتبة.
حكايات شروق خالد 2
**الجزء الثاني**
وقف كريم مكانه كأنه اتصنم، صوته اختفى تماماً والنظرة المرعبة اللي كانت في عينيه اتحولت لذهول ورعب صافي. الخبط على الباب كان بيزيد ويقوى، وصوت مي صاحبتي بره كان جاي معاه أصوات رجالة بتهتف بوضوح: “افتح يا أستاذ كريم بدال ما نكسر الباب! معانا بلاغ رسمي واستغاثة!”
كريم بص لي وبص للباب، إيده اللي كانت ماسكة دراعي بدأت ترتعش، وسابني فجأة وكأني بقيت جمرة نار في إيده. اتراجع خطوتين لورا وهو بيلتفت حواليه زي الفار المحبوس في مصيدة، مش عارف يهرب فين ولا يخفي إيه.
أنا استغليت اللحظة دي، وبكل طاقة متبقية في جسمي، زحفت ناحية الباب الخارجي وأنا ضامة بطني لإيدي بكل قوتي. ضربت بكل حيلتي على الباب من جوه وزعقت بدموع ونفس مقطوع: “مي! افتحوا الباب! أنا جوه… الحقوني يا مي!”
سمعت صوت مي بره وهي بتبكي وتصرخ: “شروق! أنتِ كويسة؟! أوعى تمسها يا مجرم! الظابط معايا والنجدة بره!”
كريم لما سمع كلمة “الظابط”، جن جنونه. جرى ناحية المطبخ وهو بيسب ويعلن، وسمعت صوت كراكيب وأطباق بتتقلب. كان بيدور على أي حاجة يداري بيها اللي عمله، أو يمكن كان بيدور على طريقة يخلص بيها مني ومن المصيبة اللي وقعت فوق دماغه.
خلال ثواني معدودة، الباب الخارجي اتكسر بصوت هبدة قوية هزت الشقة كلها. الباب اتفتح، ودخلت مي وجريت عليا وهي بتبكي وبتحضني، ووراها دخل قوة من الشرطة ومعاهم أمناء شرطة. أول ما الظابط شاف منظري وأنا على الأرض، وشي مبلول ومطفي، وبطني المنفوخة في الشهر السابع، ودموعي نازلة بانهيار، ملامحه اتغيرت وبقت صلبة ومشتعلة غضب.
“فين جوزك؟” الظابط سأل بصوت صارم هز المكان.
شاورت بإيدي المرتعشة ناحية المطبخ وأنا بصرخ: “جوه… الفيديوهات على التابلت… وموبايله على الغسالة… كان بيغرقني!”
كريم خرج من المطبخ في اللحظة دي، كان يحاول يظهر متماسك، وبدأ يتكلم بنبرة الضحية اللي متعود عليها: “يا فندم في إيه؟! دي مراتي وتعبانة نفسياً بسبب الحمل، بتتخيل حاجات وتصرخ، وأنا…”
قبل ما يكمل جملته، أمين الشرطة قرب منه ومسكه من دراعه بعنف، والظابط شاور للرجالة: “اتحفظوا عليه فوراً!”
الظابط تحرك بسرعة ودخل أوضة الغسيل. الأوضة كانت لسه شاهدة على كل حاجة: الإبريق البلاستيك المليان مية على الأرض، الفوطتين المبلولتين المرميين في الحوض، والموبايل بتاعه اللي كان لسه مفتوح على تطبيق المؤقت والشبكة لسه مجمعة. وعلى الترابيزة اللي بره، كان التابلت القديم شغال، وشاشته بتعرض الفيديوهات اللي تم رفعها والتسجيلات المرقّمة: (38 ثانية… 44 ثانية… 51 ثانية).
الظابط حط إيده على التابلت، وبص لكريم ونظراته كانت كفيلة تتكلم. قال للرجالة: “حرزوا الموبايل ده والتابلت فوراً، وحاتوا الإبريق والفوط دي كمان.”
كريم وشّه اسودّ، وبدأ يصرخ وهو بيتسحب لبره الشقة: “دي أختي وصحابي مالهمش دعوة! الموبايل ده بتاعي أنا! أنتِ عملتي إيه يا شروق؟! والله ما هسيبك!”
مي كانت ماسكة إيدي وبتبكي، وطلبت الإسعاف اللي كانت مستنية تحت البلاغ. الظابط قرب مني وقعد على ركبته وقال بصوت هادي عكس القسوة اللي اتكلم بيها مع كريم: “ألف سلامة عليكِ يا مدام… النجدة والإسعاف تحت، الحقيقة كلها معانا دلوقتي، ومفيش مخلوق يقدر يلمسك تاني.”
نزلت مع الإسعاف وأنا حاطة إيدي على بطني. ابن حركة عنيفة جوة، بس المرة دي حسيت إن حركته مش استغاثة… المرة دي كانت كأنه بيتفس الصعداء معايا.
وصلنا المستشفى، والدكاترة بدأوا يفحصوني ويفحصوا نبض الجنين، والشرطة كانت بره الغرفة بتستكمل المحاضر. بس وأنا قاعدة على السرير والمحاليل في إيدي، مي قربت مني ومسكت موبايلها، وقالت بصوت واطي وهي بترتعش: “شروق… الفيديوهات اللي اتبعتتلي… كريم مكانش بيصور لروحه بس.”
بصلتها بذهول، كملت مي وهي بتوريني شاشة موبايلها: “الجروب اللي كان بيبعت عليه… أخته دنيا ردت بعد ما البلاغ اتعمل بدقائق، وبعتت فويس نوت لصحاب كريم بتقولهم: (امسحوا كل حاجة فوراً، شروق بلغت الشرطة وكريم اتكتب عليه البلاغ… امسحوا الجروب قبل ما يوصلوا للتليفونات!).”
عيني اتسعت وأنا بقرأ الرسائل. كريم مكانش لوحده في القفص… الشبكة اللي كانت بتتفرج بتضحك وتتسلى بعذابي، بدأت تترعب وتنهار قطعة قطعة.
**الجزء الرابع**
دخلنا القاعة، والدوشة كانت مالية المكان. المحامين واقفين في كتل، والصحفيين والمتابعين متجمعين ورا الخشبة. القضية بقت قضية رأي عام، والناس بره القاعة مستنية تعرف مصير “سفاح أوضة الغسيل” وشبكته.
قعدت على الكرسي المخصص للمجني عليهم، ومي جنبي ماسكة إيدي بقوة. بطني كانت كبرت أكتر وأنا بقرب من نهايات الشهر التامن، وكل حركة للبيبي كانت بتفكرني إننا بنحارب عشان حقه وحقي.
فجأة، القاعة سكتت تماماً مع دخول الحاجب وهو بيصرخ: “محكمة!”
وقفت الجلسة، والقاضي قعد على المنصة وملامحه صارمة، وعينيه بتتفحص الوجوه برزانة وهيبة.
وبعد ثواني، اتفتحت البوابة الحديدية الجانبية، ودخل القفص: كريم، وأخته دنيا، واثنين من صحابه (حسام وطارق).
كريم كان شكله مبهدل، وشّه أصفر ودقنه طويلة، وهيبته المزيفة اللي كان بيخوفني بيها راحت تماماً. دنيا كانت بتبكي ودارية وشها في طرحتها، والصاحبين كانوا باصين للأرض بقلة حيلة. أول ما كريم عينه جت في عيني، حاول يبص لي بتهديد، بس عينيا المرة دي مكانتش مكسورة. كنت باصة له بثبات، باصة لجلاده اللي بقيت أنا وسيلته للمشنقة.
النيابة العامة بدأت تتكلم، والمحيط كله اتسحب في ذهول مع كل كلمة بيقولها وكيل النيابة. اتكلم بنبرة تهز الجدران:
“سيدي الرئيس… نحن لا ننظر اليوم في مجرد حالة ضرب أو اعتداء أسري، بل أمام سادية مكتملة الأركان، وشبكة إجرامية استمتعت بعذاب امرأة حامل، وجعلت من أنفاسها المكتومة وتحت وطأة الغرق ألعوبة وتسلية يومية! المتهم الأول لم يكتفِ بخنق زوجته، بل وثق الج*ريمة بالفيديو والمؤقت، والمتهمون من الثانية للأربعة كانوا مسرحاً مشجعاً ومشاركاً بالتحريض والتستر!”
المحامي بتاعي وقف وقدم للجنة القضاة وحدة “فلاش ميموري” عليها كل التسجيلات، ومعاها تفريغ رسائل جروب الواتساب، والتقرير الطبي المفصل اللي أثبت إن الجنين تعرض لنقص أكسجين متكرر كاد يقت*له جوه بطني.
محامي كريم حاول يدافع، حاول يقول إن الفيديوهات اقتطعت من سياقها، وإن اللي حصل كان “ألعاب زوجية بتبادل الرضا”، وإن كريم يعاني من اضطرابات نفسية.
لكن وكيل النيابة رد عليه بقسوة وجاب تقرير الطب النفسي الخاص بكريم، اللي أثبت إنه بكامل قواه العقلية، ومدرك تماماً لكل فعل بيعمله، بل ومخطط له بمنتهى الدقة.
في اللحظة دي، دنيا أخت كريم انهارت داخل القفص، وصرخت بصوت عالي وهي بتبص لأخوها: “أنت اللي ورطتنا يا كريم! أنت اللي كنت بتبعث وتتحايل علينا نتفرج! ذنب شروق في رقبتك أنت اللي دمرتنا!”
كريم انفجر فيها وزعق: “اسكتي يا غبية! أنتِ كنتِ بتضحكي وبتقوليلي زود المية!”
القاضي ضرب بالشاكوش على الترابيزة بصوت هز القاعة: “هدوء في القاعة! وإلا سيتم إخلاء القفص ومحاكمة المتهمين بتهمة إهانة المحكمة!”
الهرج والمرج عم القفص، وكل واحد فيهم بدأ يرمي التهمة على التاني، الأقنعة سقطت تماماً، وكل واحد كان بيحاول ينجو بجلده على حساب التاني. كريم اللي كان عامل فيها السيطرة والسيادة، بقى صرصار بيتخبط بين قضبان القفص.
القاضي رفع الجلسة للاستراحة وللمداولة قبل صدور القرار النهائي…
وأنا قاعدة بره المستشفى مستنية، مسكت بطني وحسيت بوجع مغص شديد ونازل ومفاجئ… وجع الملاذ الأخير. مي بصت لي بذعر: “شروق… مالك؟! وشك اصفر ليه؟!”
حطيت إيدي على الكرسي وأنا بنهج وصوتي بيتقطع: “مي… أعتقد إن الولادة بدأت… البيبي عايز يخرج للدنيا دلوقتي!”
**الجزء الخامس**
الرؤية بدأت تشوش قدامي، والوجع كان بيضرب في أسفل بطني زي سكاكين بتتقاطع. صرخت صرخة مكتومة ومسكت في دراع مي بكل قوتي لحد ما ضوافري غرزت في لحمها. الكرسي الخشب اللي كنت ساندة عليه في ممر المحكمة حسيت إنه بيسحبني لتحت.
“دكتور! حد يطلب الإسعاف بسرعة!” مي كانت بتصرخ بصوت عالي لدرجة إن المحامين والعساكر اللي كانوا متجمعين بره القاعة جريوا علينا.
المية كانت نزلت، والألم كان بيزيد مع كل ثانية بتعدي. وسط الدوشة دي كلها، باب القاعة اتفتح والمحامي بتاعي خرج يجري لما سمع الهيصة. بص لي برعب وقال: “إحنا لازم ننقلها فوراً، القاضي هينطق بالحكم بعد ربع ساعة، أنا هفضل هنا وأبلغكم باللي يحصل… خديها يا مي بسرعة!”
**في سيارة الإسعاف**
صوت السارينة كان بيشق طريق العربيات في الشارع، الصوت ده رجعني لليلة اللي النجدة وصلت فيها وأنقذتني من أوضة الغسيل. بس المرة دي، المعركة كانت مختلفة. كنت بحارب عشان روح تانية تخرج للدنيا.
المسعف كان بيقيس الضغط ونبض الجنين، وملامحه كانت متوترة. بص لمي وقالها: “النبض بتاع الجنين ضعيف جداً وفيه عدم انتظام، ولازم المستشفى تجهز حضّانة فوراً أول ما نوصل. الأم بتنهج ومش قادرة تتنفس كويس.”
مي كانت ماسكة إيدي وبتمسح عرقي وهي بتعيط: “استحملي يا شروق، عشان خاطري وخاطره استحملي. هانت يا حبيبتي، هانت.”
كنت بحاول أتنفس، بس كل ما أخد نفس عميق، أفتكر ريحة المسحوق والمية اللي بتكتم على وشي. الخنقة النفسية كانت مسيطرة عليا أكتر من التعب الجسدي. جسدي كان فاكر العذاب، وكل انقباضة في الرحم كانت بتفكرني بخبطات كريم وركلاته فيا.
**غرفة العمليات**
أول ما وصلنا طوارئ مستشفى الولادة، الدكاترة استلموني فوراً. “ولادة مبكرة في أواخر التامن، نقص أكسجين متكرر للجنين، حالة الأم مجهدة جداً.” الكلمات دي كانت بتتردد حواليا وأنا على الترولي بنتقل لأوضة العمليات.
الضوء القوي بتاع كشاف العمليات ضرب في عيني. نفس الضوء اللي كان كريم بيولعه في أوضة الغسيل عشان يصورني.
دكتور التخدير قرب مني ومسك ماسك الأكسجين البلاستيك عشان يحطه على وشي: “هحطلك أكسجين يا مدام شروق عشان تساعدي البيبي يتنفس… يلا خدي نفس.”
أول ما الماسك لمس وشي، عقلي الباطن انفجر. حسيت إن الفوطة المبلولة رجعت تاني. الإبريق… المؤقت… الثواني اللي بتعد.
بدأت أصرخ بهيستيريا وأنا بضرب بإيدي في الهوا وبحاول أبعد الماسك: “لا! لا! هشيله! مش قادرة أتنفس! شيل الفوطة! هموت!”
الممرضات اتخضوا وحاولوا يمسكوني، بس مي اللي كانت واقفة ورا إزاز الأوضة دخلت بسرعة بعد ما اترجت الدكتور. مسكت وشي بين إيديها وقربت مني وقالت بصوت حازم وباكي في نفس الوقت: “شروق! بصيلي! أنا مي… مفيش فوطة… مفيش كريم… أنتِ هنا في أمان! ده أكسجين عشان ابنك يعيش! ابنك بيموت يا شروق، لازم تتنفسي عشانه!”
كلمة “ابنك بيموت” كانت زي القلم اللي فوقني. سكتّ فجأة، ودموعي نزلت بصمت. بصيت للدكتور وهزيت راسي بخضوع. حط الماسك، وبدأت أسحب الهوا ببطء. هواء نقي، بارد، مفيش فيه ريحة الموت.
“يلا يا شروق… زقي معايا!” الدكتور قالها بقوة.
مع آخر صرخة طلعت من أعماق روحي، صرخة شالت كل العذاب، كل الخوف، وكل ثانية قضيتها تحت الفوطة… سمعت صوت صرخة تانية.
صرخة ضعيفة، متقطعة، بس كانت أجمل صوت سمعته في حياتي.
الدكتور رفع البيبي بسرعة، ملامحه كانت مزرقة شوية وحجمه صغير جداً. مالحقتش حتى ألمسه. الممرضات لفوه بسرعة وجريوا بيه على العناية المركزة لحديثي الولادة (الحضّانة).
“ابني… ابني ماله؟” همست بتعب قبل ما أغمض عيني من الإرهاق.
**بعد ساعتين – غرفة الإفاقة**
فتحت عيني ببطء، لقيت مي قاعدة جنبي على الكرسي، عينيها حمرا من العياط بس على وشها ابتسامة واسعة جداً.
“حمدلله على السلامة يا أم ياسين,” قالتها وهي بتبوس راسي. “ياسين في الحضانة، وزنه قليل ومحتاج دعم تنفسي كام يوم عشان نقص الأكسجين اللي اتعرضله وهو في بطنك، بس الدكتور طمني إنه بطل… وقوي زيك بالظبط، وهيكمل.”
ابتسمت بدموع وحطيت إيدي على بطني اللي بقت فاضية. كأني شلت حمل الجبال من عليا.
وفجأة، موبايل مي رن. كان المحامي.
مي فتحت السبيكر فوراً عشان أسمع. صوت المحامي كان مليان حماس ونشوة انتصار:
“يا مدام شروق… يا مدام مي… المحكمة نطقت بالحكم!”
قلبي دق بسرعة، ورفعت نفسي شوية على السرير.
كمل المحامي: “القاضي لم تأخذه أي شفقة. حكم على كريم بالسجن المشدد **15 سنة** بتهمة الشروع في الق*تل والتعذيب الممنهج. وحكم على أخته دنيا وصحابه حسام وطارق بالسجن **5 سنوات** بتهمة التستر والمشاركة والتحريض وإخفاء الأدلة!”
صرخت مي بفرحة وسجدت على الأرض في الأوضة تشكر ربنا. أنا غمضت عيني ودموعي نزلت كأنها بتغسل روحي. 15 سنة… 15 سنة كريم مش هيشوف فيهم الشمس. الجحيم اللي عيشهولي، هيدوق أضعافه بين أربع حيطان. العدل نزل من السما في قاعة المحكمة.
**الليل في المستشفى**
مي نزلت الكافتيريا تجيب لينا عصير وتخلص شوية ورق تحت في الاستقبال. الأوضة كانت هادية جداً، مفيش غير صوت جهاز قياس النبض المتوصل بإيدي.
كنت ببص للسقف وبفكر في ياسين، وبدعي ربنا يخرجلي من الحضانة بالسلامة عشان أبدأ معاه حياة نضيفة، بعيد عن أي رعب.
فجأة… مقبض الباب لَف ببطء.
افتكرت إنها الممرضة أو مي رجعت. بس الباب اتفتح، ودخلت ست كبيرة، لابسة عباية سودا غالية جداً، وعينيها بتطق شرار.
كانت “الحاجة صفاء”… أم كريم.
قفلت الباب وراها بهدوء مرعب، وقربت من السرير بتاعي بخطوات بطيئة، ووقفت قصادي.
حاولت أتحرك أو أضغط على زرار الاستدعاء بتاع الممرضات، بس هي مدت إيدها بسرعة ومسكت السلك بتاع الزرار وشدته، فصلته من الحيطة.
بصتلي من فوق لتحت، وقالت بصوت فحيح زي التعبان:
“فاكرة إنك انتصرتي يا بنت الجعانين؟ فاكرة إن حتة حكم محكمة درجة أولى هيسجن ابني 15 سنة؟ المحامين بتوعنا هيقدموا نقض، وكريم هيخرج زي الشعرة من العجين بتقرير طبي أو بثغرة قانونية… فلوسنا تشتري بلد.”
بلعت ريقي بصعوبة، بس تماسكت ورديت بصوت حاولت أخليه قوي: “ابنك مجرم، والقانون خد مجراه، والبلد دي فيها عدل مش بيتباع بفلوسك.”
ضحكت الحاجة صفاء ضحكة مكتومة، وقربت وشها من وشي لحد ما شميت ريحة عطرها التقيل وقالت:
“القانون؟ طيب يا شروق… حتى لو كريم قعد في السجن شوية… أنتِ ناسية حاجة مهمة أوي. حفيد عيلة الشاذلي اللي مرمي في الحضانة تحت ده. بمجرد ما يخرج، أنا هرفع عليكِ قضية عدم أهلية. هجيب تقارير تثبت إنك مريضة نفسياً وغير مؤهلة لتربية الطفل ده بعد اللي مريتي بيه… وهاخده في حضانتي بالقانون. ابن ابني هيتربى في بيتي، وأنتِ هتترمي في الشارع من غير ضل راجل ولا عيل يونسك.”
سابتني، ولفت عشان تخرج، بس قبل ما تفتح الباب، بصتلي نظرة أخيرة وقالت: “استمتعي بياسين وهو ورا إزاز الحضانة… لأن دي آخر مرة هتشوفيه فيها.”
حكايات شروق خالد 3
**الجزء السادس**
خرجت الحاجة صفاء وسابت الباب موارب، ووراها هدوء تقيل يقطع النفس. كلامها كان زي السم بيجري في عروقي، كل كلمة قالتها عن ياسين كانت بتطعن قلبي. “هاخده منكِ بالقانون… هجيب تقارير تثبت إنكِ مريضة نفسياً.” الجملة دي كانت بتتردد في عقلي زي الصدى، وخلت جسمي كله يرتعش من الغضب والعجز.
مسكت سور السرير وأنا بأوح وحاولت أقعد. الوجع بتاع الجرح كان بيقطع في بطني، بس وجع الخوف على ابني كان أكبر بكثير.
في اللحظة دي، دخلت مي ومعاها علبة عصير. أول ما شافتني قاعدة وأنا بنهج ودموعي مالية وشي، جمدت مكانها ورمت العلبة على الأرض وجريت عليا: “شروق! مالك؟! الجرح اتفتح ولا إيه؟! بتتحركي ليه؟!”
“أم كريم… كانت هنا يا مي,” قلتها بصوت مبحوح ومكتوم.
مي عينيها اتسعت من الصدمة: “إيه؟! أم كريم دخلت هنا ازاي؟! الأمن فين؟!”
مسكت إيد مي بكل قوتي وقلت لها والدموع بتنزل مني بغزارة: “بتقولي هتخرج كريم بالنقض… وبتقول هتاخد ياسين مني. هترفع قض*ية عدم أهلية وتدعي إن مجنونة ومريضة نفسياً عشان تاخد ابني تعيشه مع نفس الناس اللي كانوا عايزين يقت*لوني!”
مي ملامحها اتغيرت من الخوف للغضب، وقفت وطبطبت على كتفي بقوة: “على ج*ثتي! الست دي جننت زي ابنها! مش هسيبها تلمس شعرة منك أو من البيبي. استني هنا.”
خرجت مي تجري من الأوضة، وسمعت صوتها بره وهي بتبهدل أمن المستشفى والتمريض: “انتوا ازاي سايبين أي حد يدخل للمريضة؟! دي حالة استغاثة ومعاها محضر محاولة ق*تل! لو الست دي قربت هنا تاني أنا هبلغ النيابة عن المستشفى كلها!”
بعد دقائق، دخل مدير المستشفى ومعه فردين أمن وزودوا الحراسة بره الأوضة، واعتذروا لي وأكدوا إن مفيش مخلوق يدخل غير بإذن مني شخصياً. بس الهدوء ده مكانش كافي يطمن قلبي.
**في اليوم التالي – العناية المركزة لحديثي الولادة**
بالرغم من ألم الجرح، رفضت أفرش في السرير. طلبت كرسي متحرك، ومي زقتني لحد قسم الحضّانات.
وقفنا قدام الإزاز الكبير. جوه، كان فيه عشرات الحضانة الشفافة، وفي النص… كان ياسين.
جسمه الصغير كان متوصل بأجهزة ومسارات أكسجين، رجليه وأيديه الصغيرة متغطية بضمادات. كان شكله ضعيف أوي، بس صدره الصغير كان بيطلع وينزل بصعوبة وهو بيحارب عشان يعيش.
حطيت إيدي على الإزاز الشفاف، ودموعي نزلت. “أنا هنا يا ياسين… مش هسيبهم ياخدوك مني… والله ما هسيبهم.”
الدكتور المسؤول عن الحضانة خرج من الباب الجانبي وقرب مني: “مدام شروق، صحتك أهم دلوقتي. ياسين حالته بتستقر ببطء، ونقص الأكسجين لم يسبب أذى دائم للجمجمة الحمد لله، بس محتاج يفضل هنا تحت الملاحظة أسبوع كمان على الأقل لحد ما وزنه يزيد ويقدر يتنفس من غير جهاز.”
بصيت للدكتور وسألته: “يا دكتور… هل فيه أي حاجة في التقرير الطبي بتقول إن الطفل تعرض لإيذاء بسبب حالتي النفسية؟ أو إن فيه أي خطر مني عليه؟”
الدكتور استغرب السؤال، وقال بثبات: “بالعکس يا مدام. التقرير الطبي للطفل والنيابة يثبت إنك حميتيه بجسمك وأن نقص الأكسجين كان بسبب اعتداء جنائي مباشر عليكِ من الزوج (خنق واختناق بالمياه). أنتِ السبب بعد ربنا إن الولد ده عايش دلوقتي.”
الجملة دي كانت أول طوق نجاة أتمسك بيه.
**بعد 3 أيام – مكتب المحامي**
أول ما خرجت من المستشفى، وقبل ما أروح البيت، طلبت من مي تاخدني فوراً لمكتب الأستاذ أشرف المحامي بتاعي.
قعدت قدامه على الكرسي وأنا لسه تعبانة، وحكيت له كل حرف قالته أم كريم.
الأستاذ أشرف ابتسم ابتسامة هادية، وحط القلم على الترابيزة وقال: “الحاجة صفاء بتلعب بأوراق حرقها ابنها بنفسه. قضي/ة عدم الأهلية دي بتترفع لما تكون الأم غير قادرة عقلياً، أو بتشكل خطر على الطفل. لكن إحنا معانا تقارير الطب الشرعي، وتفريغ الفيديوهات، وحكم الجنايات اللي أثبت إنك الضحية.”
ثم كمل ونبرة صوته بقت جادة جداً: “بس إحنا مش هنستنى لما هي ترفع قض/ية. إحنا اللي هنبدأ بالهجوم.”
بصلته بذهول: “هجوم إيه؟”
قال الأستاذ أشرف: “أولاً، هنرفع دعوى طلاق للضرر وحرمانه من أي حقوق ولاية. ثانياً، هنرفع قض/ية إسقاط حق الرؤية عن عيلته كلياً نظراً للمخاطر النفسية والجسدية. وثالثاً… وده الأهم… الفيديوهات اللي حرزتها النيابة فيها مشهد مهم جداً.”
شاور المحامي على شاشة الكمبيوتر وفتح ملف التقرير: “في الفيديو رقم 4، صوت أم كريم ظاهر في خلفية مكالمة فيديو كانت دنيا فاتحاها معاها أثناء ما كريم كان بيغرقك… وأم كريم كانت بتقول له في المكالمة: (علمها الأدب يا كريم بس أوعى تلمس بطنها عشان الواد!).”
اتصدمت… عيني اتسعت وأنا بفتكر. أم كريم مكانتش بس جاية تهددني في المستشفى… الست دي كانت متأمرة ومشاركة في العذاب من البداية!
قال المحامي بصرامة: “أنا هقدم طلب للنيابة العامة بإعادة فتح التحقيق وإدراج الحاجة صفاء كمتهمة خامسة في القضايا بتهمة التحريض والمشاركة الضمنية في التعذيب!”
**في اليوم السابع – أمام الحضانة**
كنت واقفة مستنية اليوم اللي هاخد فيه ياسين في حضني وأخرج بيه من المستشفى. الدكتور كان بيخلص إجراءات الخروج، وأنا ماسكة البطانية الصغيرة اللي اشتريتهاله.
وفجأة… الممرضة جرت ناحيتي وهي وشها أصفر ومذعورة: “مدام شروق! الحقي!”
قلبي وقع في رجلي: “في إيه؟! ياسين جراله حاجة؟!”
قالت الممرضة ونفسها مقطوع: “فيه اتنين ستات ومعاهم محضرين دخلوا قسم الاستقبال ومعاهم أمر قضائي ووعد بالاستلام الفوري للطفل… وقاعدين بره بيصورا ومعاهم عربية إسعاف خاصة جايين ياخدوا ياسين!”
**الجزء السابع**
الدنيا لفت بيا، الوجع في جرح القيصرية رد بصرخة اكتومة في كل خلية في جسمي. طلعت أجري بجنون، زقيت الممرضة وجريت في الممر ومي ورايا بتصرخ باسمي. نسيت الألم، نسيت التعب، نسيت كل حاجة… ما كانش في عقلي غير إن فيه شيطان طالع ياخد حتة من أحشائي.
وصلت الاستقبال، ولقيت المهزلة.
الحاجة صفاء واقفة بكبرياء قاتل، ولابسة نظارة سودا، وجنبها محامي العيلة ومعاهم اتنين محضرين من المحكمة ومعاهم ورقة رسمية. كان معاهم نيرس خاصة وعربية إسعاف مستنية بره.
محامي كريم كان بيزعق في مدير المستشفى وبيقوله بثقة: “إحنا معانا أمر بتمكين الجدة لأب من تسلم الصغير فوراً لوجود خطورة على حياته من الأم غير المؤهلة نفسياً، ومعانا قرار بسحب الولاية العاجل لحين الفصل في دعوى عدم الأهلية!”
“أمر إيه يا مجرم أنت وهو؟!”
صوتي خرج كأنه زئير هز أركان الصالة كلها. الموظفين والدكاترة والناس واقفين يتفرجوا بذهول. وقفت قصاد الحاجة صفاء، وعينيا بتطق شرار. كانت أول مرة في حياتي أقف قدامها وش لوش من غير ما أهز رأسي أو أوطي عيني.
الحاجة صفاء بصلتي بابتسامة تشفي وقالت بنبرة باردة: “قلتلك يا شروق… حفيد عيلة الشاذلي مش هيتربى مع واحدة مريضة بالصرع والخوف، ولا هيرضع من طريقتك ورعبك. الولد ده هيمشي معايا دلوقتي.”
المحضر قرب مني وبيحاول يكلمني بهدوء: “يا مدام، إحنا بننفذ أوراق رسمية…”
“أوراق رسمية منين؟!” مي دخلت في الوش وشالت موبايلها بتصرف بسرعة: “أنا بصور كل حاجة لايف دلوقتي! تصوير مباشر على الفيس بوك والإنستجرام! شوفوا عيلة الجاني وهي بتمارس بلطجة وبتحاول تخطف طفل رضيع خرج من الحضّانة من نص ساعة بسبب أبوه اللي في السجن بتهمة التعذيب!”
المحامي بتاعهم اتخض لما شاف الكاميرا المباشرة والناس بدأت تتجمع والتعليقات تنهال. بدأ يداري وشه ويزق إيد مي، بس مي صرخت: “قربلي كده وشوف الصحافة والملايين اللي بيتفرجوا هيعملوا فيكم إيه!”
في اللحظة دي، اتفتحت أبواب المستشفى الخاروجية بكل قوة، ودخل الأستاذ أشرف المحامي بتاعي، ووراه اتنين من ضباط المباحث وأمناء شرطة!
أول ما الحاجة صفاء شافت الضباط، ابتسامتها اختفت. محاميها اتموج وخطى لورا.
الأستاذ أشرف قرب وابتسامة انتصار على وشه، طلع ورقة رسمية مختومة بختم النسر ورفعها في وش محامي عيلة كريم: “القرار اللي معاك ده صدر بناءً على تدليس وتزوير في الأوراق، وقدمنا طعن عاجل عليه واتوقف تنفيذه من مكتب النائب العام من ساعة بالظبط!”
ثم التفت الأستاذ أشرف لضابط المباحث وشاور على الحاجة صفاء: “اتفضل يا فندم… دي المتهمة الخامسة، الحاجة صفاء عبد الحميد. أمر ضبط وإحضار صادر من النيابة العامة بتهمة التحريض والمشاركة الضمنية في تعذيب المجني عليها والمساعدة في الشروع في ق*تل الجنين!”
الضابط قرب خطوتين بثبات وقال بصرامة: “اتفضلي معانا يا حاجّة.”
الحاجة صفاء وشها اصفر، ألوانها اتخطفت، والنظارة السودا وقعت من إيدها على الأرض فاتكسرت. صرخت بصوت مرعوب وهي بتبص لمحاميها: “إيه ده؟! يعني إيه؟! أنت مش قلتلي الورق مظبوط؟! يا سيادة الظابط أنت مش عارف أنا مين?!”
الظابط مسك إيدها بكل حزم وقالها: “عارفين كويس… اتفضلي من غير وش، القانون مبيعرفش حد.”
المحضرين سحبوا نفسهم وجريوا، والمحامي بتاعها اتسحب زي الفار المبلول بره المستشفى وهو بيحاول يهرب من كاميرا مي ومن عيون الناس اللي بدأت تتف في وشهم وتصرخ فيهم: “يا ظلمة! يا مجرمين!”
الحاجة صفاء وهي بيتسحبوها لبره، بصلتي بنظرة انكسار ورعب لأول مرة في حياتها. الشياطين اللي كانوا بيعذبوني، بقوا يتقادوا للكلبشات واحد ورا التاني.
أنا مشيت بخطوات ثابتة، وسبت المهزلة بره، ودخلت أوضة التمريض.
الممرضة جابتلي ياسين… لفاه في البطانية البيضا بتاعته.
أول ما شلته على إيدي، وحطيت وشه الصغير عند صدري، حسيت بدقات قلبه المنتظمة. ياسين فتح عينيه الصغيرين أوي، وبصلي. المرة دي مفيش جهاز أكسجين، مفيش إبريق، مفيش فوطة مبلولة، مفيش كريم… ومفيش خوف.
مسكت إيده الصغيره وبستها ونزلت دموعي، بس المرة دي كانت دموع راحة.
جمعت كل هدومي وحاجتي، ومي كانت ماسكة الشنطة ومبتسمة. خرجنا من باب المستشفى للشارع. الشمس كانت طالعة ودافية، والهوا كان نقي جداً… نسيم حرية وشمس جديدة بتشرق على حياتي.
أنا وياسين راجعين… بس مش لبيت كريم، ولا لأوضة الغسيل. راجعين عشان نبدأ الحكاية من جديد، من المكان اللي هكتب فيه النهاية بنفسي.
**الجزء الأخير**
عدّت سنة كاملة على اليوم اللي خرجت فيه من باب المستشفى وأنا شايلة ياسين بين إيديا. سنة كاملة كان كل يوم فيها بيعدي زي خطوة جديدة بتعديني نهر الخوف اللي كنت غرقانة فيه.
الشقة الصغّيرة اللي أجرتها أنا ومي في مكان هادي، بقت كل دنيتي. الشمس بتدخلها من كل ناحية، وريحة المسحوق واللمون اللي كانت بتخنقني زمان في أوضة الغسيل بمدينة نصر، أتعوضت بريحة اللافندر وبودرة الأطفال وضحكات ياسين اللي بتملى المكان.
ياسين كبر… بقى يزحف ويحاول يقف على رجليه الصغيرين، وكل ما يبصلي بعينيه الواسعتين ويضحك، بحس إن كل قطرة مية انصبت على وشي، وكل ثانية خنقة عشتها، ربنا عوضني عنها بالنفس النقي اللي بتنفسه معاه دلوقتي.
**في قاعة الجنايات – محكمة النقض**
كنت واقفة في نفس الممر اللي شهد ولادة ألمي وأملي. المرة دي مكانتش بطني منفوخة، ومكانتش رجليا بترتعش، ولا كنت مستنية حد ينقذني. كنت لابسة أسود وأبيض، واقفة بثبات، والأستاذ أشرف محاميا جنبي ومي ماسكة إيدي بكبرياء.
الباب الحديدي اتفتح، ودخل القفص: كريم، وأخته دنيا، والصاحبين، ومعاهم المرة دي… الحاجة صفاء.
المنظر كان كفيل يوريني إن العدل مابينساش. كريم كان خس نص وزنه، عينيه طافية وغائرة جوه وشه، وملامح السيطرة والقسوة اتصحت تماماً وحل محلها الشحاذة والانكسار. أخته دنيا كانت قاعدة في ركن القفص تبكي بصوت مكتوم، وأمها الحاجة صفاء اللي كانت فاكرة إن فلوسها تشتري البلد، كانت لابسة البيجاما البيضا بتاعة الحبس الاحتياطي، وشعرها شايب ووجهها مكسور بالكامل، بعد ما اترفضت كل طعونهم وشبكتها المالية اتجمدت بسبب التحقيقات.
أول ما كريم لمحني واقفة بره القفص، وبص في عيني، نزل راسه في الأرض فوراً. ما قدرش يحط عينه في عيني. السجان اللي كان بيمارس ساديته بالمؤقت، بقى هو اللي محسوب عليه كل ثانية في عمره جوه أربع حيطان.
القاضي اعتلى المنصة، وضغط على الشاكوش: “محكمة!”
عم السكون القاعة كلها. القاضي فتح الملف، وبص للمتهمين بنظرة حازمة تتجلى فيها هيبة العدالة، وبدأ يقرأ النطق بالحكم النهائي بعد رفض جميع الطعون المقدمة:
> **”حكمت المحكمة وبإجماع الآراء:**
> **أولاً:** تأييد السجن المشدد لمدة **15 سنة** على المتهم الأول كريم الشاذلي بتهمة الشروع في الق*تل والتعذيب الممنهج.
> **ثانياً:** تأييد السجن لمدة **5 سنوات** على المتهمين الثانية والثالث والرابع بتهمة التستر والمشاركة.
> **ثالثاً:** معاقبة المتهمة الخامسة (صفاء عبد الحميد) بالسجن لمدة **3 سنوات** بتهمة التحريض والمشاركة الضمنية وإعاقة مجرى العدالة.
> **رابعاً:** إسقاط جميع حقوق الولاية والحضانة والرؤية عن المتهم الأول وعائلته نهائياً، وإلزامهم بالتعويض المدني المؤقت للمجني عليها.”
صوت الطرق بالشاكوش على الخشب كان زي نغمة الخلاص الأخيرة. صرخة فرحة مكتومة خرجت من حنجرتي، ومي حضنتني بقوة وهي بتبكي.
كريم انهار جوه القفص وقعد على الأرض وشه بين إيديه، وأمه بدأت تصرخ وتولول وهي بتتسحب مع العساكر. بصيت ليهم للمرة الأخيرة وأنا برجع لورا… الأقنعة اتكشفت، والشياطين أخدت جزاءها، والسر اللي حاولوا يدفنوه جوه أوضة الغسيل خرج للنور وهدم عرشهم كلياً.
**غروب اليوم نفسه – على كورنيش النيل**
كنت شايلة ياسين على صدري، والهوا البارد بيلعب بشعري وشعره الصغير. ياسين كان ماسك في لياقة بلوزتي وبيضحك وهو بيشوف أنوار المراكب في المية.
طلعت موبايلي، وفتحت الحساب السري القديم اللي رفعت عليه الفيديوهات ليلة الخلاص. دخلت على الإعدادات، وعملت **”حذف الحساب نهائياً”**.
الماضي بكل آلامه، بكل ثواني المؤقت، بكل نبرة صوت مرعبة، اتمسح للأبد.
بصيت لياسين وبسته في خده، وقلت له بصوت واطي ودافئ:
“خلاص يا حبيبي… الخوف مات، وأنا وأنت عشنا. المية اللي كانوا عايزين يغرقونا بيها… بقيت أنا وأنت بنعدي فوقيها ونعيش.”
أتنفست نفس عميق جداً… أطول وأجمل نفس أخدته في حياتي، وسحبت إيد مي، ومشينا في طريقنا الجديد تحت أنوار المدينة، حرين… ومنتصرين.


تعليقات
إرسال تعليق