القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

جوزي اتبلي عليا كاملة حكايات صافي هاني

 جوزي اتبلي عليا كاملة حكايات صافي هاني



جوزي اتبلي عليا كاملة حكايات صافي هاني


على الساعة 3 الفجر، جوزي هجم على أوضة النوم وزعق بعلو صوته: “قومي يا فاشلة يا اللي ما منكيش فايدة!”، وأمه واقفة على الباب بتضحك وتتشفى. كانوا فاكرين إني ميتة في جِلدي ومستحيل أقاوم. بس بعد كام ساعة، دخلت قسم الشرطة ومعايا أدلة عمرهم ما يتخيلوا إنها موجودة، واللي حصل بعد كده كلفهم كل حاجة يملكوها.


على الساعة 3 وسبع دقائق بالضبط، “طارق” شد من عليا الغطا وقومني بالعافية من السرير. وقبل ما أصلب طولي، اتكعبلت في حرف السرير وكنت هقع، وحماتي “ميرفت” واقفة عند الباب ومربعة إيدها وبتضحك.


”قومي يا فاشلة يا اللي ما منكيش فايدة!” طارق زعق في وشي.


الوجع طعن في جسمي، بس رفضت أستعطفه أو أترجاه. الاستعطاف ده كان بيكيفه زمان ويفرحه فيا. بدل ما أتكلم، ثبت عيني على النور الأزرق الصغير اللي عمال يرعش في جهاز إنذار الحريق اللي في السقف، وافتركت إن الكاميرا المستخبية جواه بتسجل وتلقط كل لقطة.


حماتي ميرفت كانت لامة دراعاتها فوق الروب الستان بتاعها وقالت بشماتة: “يمكن دلوقتي تتعلمي وتعرفي مين أصحاب البيت ده ومين أسياده”.


البيت ده أصلاً بتاع أبويا الله يرحمه.


بس هما قعدوا سنتين يحوروا ويقنعوا الطوب الأرض بعكس كده.


بعد ما أبويا مات، الحزن كسرني وعماني. طارق دخل في الدور وعاش في ثوب الزوج المخلص الحنين، وبقى هو اللي بيخلص الأوراق، ويدفع الفواتير، وماسك شركة المقاولات وبناء البيوت بتاعة العيلة، وأنا كنت غرقانة في همي ومش بنام. وحماتي ميرفت نقلت حاجتها في أوضة الضيوف وقال إيه “قعدة مؤقتة عشان تؤنسني” وما مشيتش بعدها خالص. في خلال شهور، وبقوا يعاملوني مش كفرد من العيلة، لأ، كأنني خدامة تحت أمرهم ومجبرة أسمع الكلام.


بس اللي هما ميعرفهوش، إني بطلت المهدئات والأدوية اللي كانوا بيمشوني عليها من ست أسابيع.


أنا قبل ما أتجوز كنت محاسبة قانونية شاطرة في كشف النصب والاختلاس. الأرقام دي هي اللغة الوحيدة اللي بثق فيها لما البني آدمين بيكدبوا. وفي الوقت اللي طارق كان فاكرني فيه منتهية ومكسورة ومش هلاحظ حاجة، كنت أنا بنبش وراه وكشفت كل التحويلات اللي من تحت لترابيزة، وفواتير الموردين المضروبة، وتزوير إمضتي اللي مكنه من التحكم في مجلس إدارة شركة أبويا. قريب من 200 مليون جنيه اتهربوا واتحولو لحسابات باسم ميرفت.


نسخت كل الورق والمستندات دي.


وبعدها زرعت الكاميرات.


في الليلة دي، طارق رمى عليا العباية بتاعتي وقال بنتر: “انزلي نظفي مكتب الدور الأرضي روقيه، المستثمرين جايين الساعة 8 الصبح”.


ميرفت ابتسمت بخبث وقالت: “وداري وشك ده، شكلك يسد النفس”.


قمت براحة خالص، وعملت نفسي دايخة ومش قادرة أصلب طولي. دخلت الحمام وقفلت الباب، وسندت نفسي بالعافية، ورفعت الفيديو كله على فايل مشفر مبعوث لمحاميتي “إيمان رضوان”.


لأول مرة من يوم عزا أبويا، الخوف اتمسح من قلبي. عقلي كان صاحي ومركز في كل صوت، وكل قرار، وكل خطوة مشيتها ناحية الباب في الليلة دي.



وبعدها اتسحبت وخرجت من شباك المنشر في المطبخ.


حافية القدمين، وبالبيجامة تحت العباية، مشيت في البرد يجي تلات شوارع لحد ما سواق أتوبيس هيئة نقل عام في الوردية الليلية وقفلي وصعبت عليه. وأول ما وصلت قسم الشرطة، نطقت جملة واحدة بس:


”جوزي متبلي عليا ومبهدلني، ومعايا الدليل”.


الدنيا لفت بيا، ومفقتش غير وأنا في سرير المستشفى، وفي أمين شرطة واقف برا، وإيمان المحامية قاعدة جمبي وماسكة إيدي.


قالتلي: “انتي في أمان خلاص”.


همستلها وقلت: “لأ.. لسه”.


إيمان قربت مني أوي عشان تسمعني.


بصيت في الساعة، وبعدين بصيت على الفلاشة اللي فيها كل الأدلة والورق اللي كنت شايلاها معايا.


قلت لها: “وقفي حسابات الشركة فوراً.. وبلاش البلاغ يتقدم دلوقتي، ومتقبضوش عليهم حالا”.


عينيها لمعت بذكاء وقالت: “ناوية على إيه؟”


بصيت للفلاشة وأخدت نفس طويل وقلت:


”هسيبهم يسرقوا حاجة تانية أخيرة.. عشان توديهم ورا الشمس”.بعد أسبوعين من اليوم ده، طارق وميرفت كانوا عايشين في لالة لاند، فاكرين إنهم انتصروا، وإن الضحية بتاعتهم طفشت وسبتلهم الجمل بما حمل. ميعرفوش إن المحامية إيمان رضوان بالتنسيق مع مباحث الأموال العامة، كانوا مجمدين حسابات الشركة “دفترياً” وسايبين الحسابات “شغالة” ظاهرياً بس عشان طارق يقع في الفخ الأكبر.


طارق كان بيجهز لصفقة عمره: أرض الدولة الكبيرة اللي في التجمع، اللي كان والدي الله يرحمه بيحلم يشتريها ويبني عليها مشروع العمر. الصفقة دي كانت محتاجة مقدم 50 مليون جنيه كاش.


في يوم المزاد، طارق دخل المكتب وهو لابس بدلة غالية، وحماتي ميرفت وراه بتتبختر بالدهب اللي شرياه من فلوس أبويا. طارق اتصل بالبنك عشان يحول المقدم، وكان حاسس إنه خلاص بقى الحوت الجديد في سوق العقارات.


أنا كنت قاعدة في عربية المحامية إيمان، على بعد خطوات من قاعة المزاد، واللاب توب مفتوح قدامي، وبتابع حركة الحسابات لحظة بلحظة.


طارق ضغط “إرسال” لتحويل الفلوس… وفي اللحظة دي، السيستم رفض التحويل، والشاشة ظهرت باللون الأحمر: “تم تجميد الحساب بأمر قضائي بتهمة الاختلاس والتزوير”.


في نفس اللحظة، تليفون طارق رن. كانت السكرتيرة بتصرخ: “الحق يا طارق بيه! بوكس الشرطة واقف قدام الشركة، ومعاهم أمر ضبط وإحضار ليك وللحاجة ميرفت بتهمة الاستيلاء على أموال قاصر وتزوير محررات رسمية!”


طارق وشه جاب ألوان، والدم هرب من عروقه. بص لأمه وقال بصوت مرعوب: “الفلوس اتجمدت يا أمي… الحكومة بره!”


ميرفت الروب الستان والغرور اتمسحوا من وشها، وبدأت تفرك في إيدها وتصوت: “يا مصيبتي! البت غفلتنا! البت ضحكت علينا!”


طارق حاول يهرب من الباب الخلفي لقاعة المزاد، وأمه بتجر جلاليبها وراه، بس أول ما فتحوا الباب… وقفوا مكانهم زي الأصنام.


كنت واقفة أنا في وشهم، بكامل أناقتي، ولابسة فستان أسود شيك، وبصالي هيبة عمري ما عشتها وأنا معاهم. وعلى يمين وشمالي رجال المباحث والمحامية إيمان.



بصيت لطارق في عينه بكل برود، وطلعت من شنطتي “عقد ملكية البيت” اللي طردوني منه، ورفعته في وشهم، وقلت بصوت هز المكان:


”المكتب والبيت والشركة… وكل قرش صرفتوه، هتدفعوا تمنه من حريتكم. شيلوا إيدكم، أسياد المكان رجعوا”.


الظابط قرب من طارق والكلابشات في إيده وبتعمل صوت حديد بيقرقض… وطارق بصلي بعيون مليانة رعب وندم وهو مش قادر ينطق كلمة واحدة.


جوزي اتبلي عليا 2حكايات صافي هاني


الظابط قرب من طارق، ولمعة الكلبشات الحديد تحت إضاءة القاعة كانت كفيلة تخلي ركبه تخبط في بعضها. حماتي ميرفت بدأت تصوت وتلطم على وشها وسط قاعة المزاد: “يا خراب بيتك يا ميرفت! يا فضيحتك وسط الناس! ألحقني يا طارق، شكلنا بقى عرة!”


طارق كان باصصلي وهو مبرق، عينه كانت بتتنقل بين الكلبشات وبين وشي اللي مابقاش فيه أي أثر للضعف أو الخوف بتاع زمان. حاول يجمع شتات نفسه ويزعق بصوته الجهوري اللي كان بيهز البيت زمان: “انتي بتعملي إيه يا بت انتي؟ انتي اتجننتي؟! أنا جوزك! الشركة دي شركتي والبيت بيتي، والورق كله رسمي وبإمضاكي!”


إيمان المحامية خطت خطوة لقدام، وبابتسامة ثقة بردت ناره قالت له: “قصدك الإمضا اللي زورتها يا طارق بيه؟ ولا قصدك الأربعة مليون دولار اللي هربتوهم على حساب الحجة ميرفت؟ أحب أقولك إن تقرير الطب الشرعي نزل، وأثبت إن كل توقيع باسم موكلتي على ورق التنازلات كان ‘مزور ونقل بالشف والتقليد’. يعني بالبلدي كده… ورقك ده تبلّه وتشرب ميته”.


طارق وشه اسودّ، وبص لأمه اللي كانت هتقع من طولها. الظابط مادا شش وقت، وفي ثانية كان لافف إيد طارق ورا ضهره، وصوت حديد الكلبش وهو بيقفل على إيده عمل صدى صوت في المكان.


”امشي قدامي يا روح أمك انت وهي.. على القسم!”.. الكلمة دي من الظابط نزلت عليهم زي الصاعقة.


في اللحظة دي، طارق استوعب إنه ضاع. نبرة صوته اتقلب من جبروت لرجاء رخيص، وبصلي وعينه بتدمع: “عشان خاطر العشرة يا هنا.. عشان خاطر أبوكي الله يرحمه كان بيحبني.. متخربيش بيتي، أنا عملت كل ده عشان نأمن مستقبلنا سوى! سامحيني وأنا هصلح كل حاجة والله العظيم!”


ضحكت.. ضحكة خفيفة بس مسموعة، ضحكة طالعة من قلب شبع ذل وقهر وآن الأوان إنه يرتاح. قربت منه لحد ما بقيت على بعد سنتيمترات من وشه، وبقيت باصة في عينه مباشرة، وقلت له بصوت واطي ومسموع:


”العشرة دي انت اللي دوست عليها بالبيادة يوم ما دخلت عليا الأوضة الفجر وشتمني وهنتني وأنا مكسورة بحزن أبويا.. ويوم ما سبت أمك تتشفى فيا وتطردني من بيت أبويا اللي شقي فيه طول عمره. وأبويا الله يرحمه؟ أبويا لو كان عايش كان هيديك بالجزام على وشك. ربنا مبايرضاش بالظلم يا طارق.. وانتوا ظلمتوني وافتريتوا عليا، وافتكرتوا إن ماليش ضهر.. بس نسيتوا إن ليا ربنا”.


ميرفت حاولت تقرب مني وتتمسح في عبايتي وهي بتبكي بنحيب: “بوس إيدك يا بنتي.. أنا ست كبيرة ومستحملش الحبس وجميلة المكاتب.. ابوس رجلك ارحمي شيبتي!”


شلت طرف عبايتي من إيدها بكل قرف وقلت لها: “يا خسارة يا حجة ميرفت.. الروب الستان مالحقتيش تتهني بيه.. يلا، ‘الزن زان’ على أصوله بقى، والجاكيت الميري يليق بيكي أكتر”.


العساكر شدوهم وهم بيجروهم على برة القاعة وسط نظرات الاحتقار والفضايح من كل رجال الأعمال والمستثمرين اللي كانوا جايين المزاد. طارق كان بيتلفت ورا وبيرمي عليا نظرات غل ممزوجة بكسرة وندم عمره ما عاشه، وميرفت صواتها كان جايب لآخر الشارع.


وقفت في نص القاعة، وبصيت من الشباك الإزاز الكبير على بوكس الشرطة وهو بيقفل بابه عليهم وبيمشي في شوارع القاهرة.. أخدت نفس طويل وعميق، وحسيت لأول مرة من سنتين إن الهوا نظيف، وإن روحي رجعتلي.


تلفوني رن في جيب العباية، بصيت في الشاشة لقيت رسالة من البنك: “تم إعادة تفعيل حساباتكم الرسمية بالكامل وإلغاء كافة التحويلات السابقة بقوة القانون”.


بصيت لإيمان وقلت لها بابتسامة صافية: “يلا بينا يا إيمان؟”


إيمان ابتسمت وقالت: “على فين يا فندم؟”


قلت لها وأنا بعدل الياقة وبمشي بثقة: “على بيت أبويا.. ننظفه من قرفهم، ونبدأ من جديد”.


 


وصلنا لبيت أبويا. العمارة اللي شهدت على طفولتي، واللي كانت دايماً مليانة بضحكة أبويا الله يرحمه وصوته وهو بيدعيلي. أول ما حطيت رجلي في المدخل، البواب “عم حسن” جري عليا والدموع في عينه: “حمد الله على السلامة يا ست البنات! والله المنطقة كلها كانت مظلمة من غيرك، والناس دي كانت عاتية في الأرض فساد”.


ابتسمتله وقلت له: “الله يسلمك يا عم حسن، خلاص.. الكابوس انتهى”.


طلعت الشقة، وحطيت المفتاح في الباب. إيدي كانت بترتعش بس المرة دي من الحماس مش من الخوف. فتحت الباب.. الشقة كانت ريحتها مخنوقة، كآبة طارق وميرفت كانت لسه مغطية المكان. دخلت أوضة الصالون، لقيت صور أبويا متشالة ومحطوط مكانها أطقم كريستال وفازات ذهب رخيصة من ذوق ميرفت.


أول حاجة عملتها، شلت الحاجات دي ورميتها في الأرض بكل غل، وطلعت صورة أبويا الكبيرة، مسحت من عليها التراب وحضنتها، ودموعي نزلت لأول مرة.. بس كانت دموع راحة.


”أنا رجعت حقك يا حبيبي.. ورجعت بيتك”.


عدى أسبوعين، والمحامية إيمان كانت مخلصة كل الإجراءات. طارق وميرفت لبسوا قض/ية تزوير جنائي، واختلاس، واستيلاء على أموال قاصر (لأن التزوير بدأ وأنا لسه مكملتش السن القانوني لإدارة الشركات بعد الوفاة). النيابة جددت حبسهم 15 يوم في 15 يوم، والموضوع بقى قض/ية رأي عام في سوق العقارات.


وفي يوم، كنت قاعدة في مكتب أبويا في الشركة، براجع الميزانية وبحاول أصلح العك اللي طارق عمله، لقيت إيمان داخلة عليا وبتقولي: “هنا.. محامي طارق طالب يقابلك، وبيقول إن طارق هيموت في السجن وعايز يعرض عليكي تسوية”.


بصيت لإيمان وقلت لها ببرود: “خليه يدخل”.


دخل المحامي، وكان باين عليه الإحراج. قعد وقال: “يا هنا هانم، طارق بيه بيموت بالبطيء في التخشيبة، والحجة ميرفت ضغطها مبينزلش وجالها جلطة خفيفة من القهر. طارق مستعد يمضي على تنازل عن كل حاجة، حتى مؤخر الصداق وفيلا الساحل اللي كان شاريها بفلوسه الخاصة.. بس تتنازلي عن الشق الجنائي ومستعد يطلقك في هدوء”.


سندت ضهري على الكرسي، وربعت إيدي، وبصيت للمحامي وقلت له بنبرة هزت الأوضة:


”قول لموكلك.. فيلا الساحل والفلوس دي كلها هتدخل في حسابات الشركة كتعويض عن الخساير اللي عملها. أما بخصوص الطلاق.. فإحنا مش هنتطلق في هدوء. أنا رفعت قض/ية خلع، وهخلعه في المحاكم قدام مصر كلها عشان الكل يعرف إنه لا كان راجل ولا صان الأمانة”.



المحامي بلع ريقه وقال: “والقض/ية الجنائية يا فندم؟ هيفضلوا محبوسين؟”


قمت وقفت، ومشيت لحد الشباك وبصيت على اسم أبويا اللي منور على واجهة المبنى، وقلت من غير ما ألتفت له:


”يوم ما دخل عليا الأوضة الساعة 3 الفجر وطردني في البرد حافية، ملقاش في قلبه رحمة ليا. ويوم ما أمه وقفت تضحك وتتشفى فيا، مستخسرتش فيا القهر. القانون هياخد مجراه لحد آخر نفس، والفلوس اللي سرقوها هيردوها مليم مليم من ورا القضبان.. والصلح ده تدوبوه في مية وتشربوا ميته. اتفضل برا”.


المحامي خرج وهو كشـش، وبصيت لإيمان اللي كانت بتصقفلي وعينها مليانة فخر.


بعد شهرين.. وقفت قدام قاضي محكمة الأسرة. كنت لابس أبيض، وبكامل قوتي. القاضي بص في الورق، وبعدين بصلي وقال: “حكمت المحكمة بخلع المدعوة هناء من المدعو طارق..”.


في نفس اليوم بالليل، تليفوني رن، كان جايلى تليفون من حد تبعنا في السجن بيقولي إن طارق وميرفت صدر ضدهم حكم نهائي بالسجن المشدد 7 سنين مع الشغل والنفاذ، وميرفت دخلت في حالة انهيار عصبي وبتصوت في العنبر وبتقول “سامحيني يا هنا”.


قفلت السكة، وخرجت وقفت في بلكونة بيت أبويا. الهوا كان ساقع، بس كان بيغسل قلبي. بصيت للسما وقلت: “الحمد لله.. يمهل ولا يهمل”.مرت سنة كاملة على الحكم. سنة كاملة وأنا بتبخر في الشغل، بصلح اسم الشركة اللي طارق وطى بيه الأرض، وبرجع هيبة المحلات والمصانع اللي أبويا الله يرحمه سابها لي. اسم “هناء عبد الرحمن” بقى بيرن في سوق العقارات والمقاولات كواحدة من أشطر وأقوى سيدات الأعمال.


وفي يوم، كنت قاعدة في المكتب براجع ميزانية الربع السنوي، لقيت السكرتيرة بتخبط وداخلة ووشها خطف ألوان: “يا هناء هانم.. في واحدة برا مصممة تقابلك، وبتقول إنها من طرف طارق بيه.. وال أمن مش راضيين يدخلوها”.


حطيت القلم من إيدي وسندت ضهري: “من طرف طارق؟ دخليها يا سمر، خلينا نشوف آخرة المسلسل ده إيه”.


الباب اتفتح، ودخلت بنت في أواخر العشرينات، باين عليها التباهل والبهدلة، عينيها مكسورة ودموعها على خدها. أول ما دخلت وقفت بعيد وقالت بصوت بيترعش: “أنا رانيا.. أخت طارق الصغيرة”.


افتكرتها علطول.. رانيا اللي كانت عايشة في الخليج مع جوزها، واللي كانت دايماً بتبصلي من فوق لتحت لما تيجي إجازة، وتتمنظر عليا بطقم الدهب اللي طارق شراهولها من فلوس أبويا.


قعدت وبصيت لها ببرود: “أهلاً يا رانيا.. خير؟ إيه اللي جابك شركة ‘الفاشلة اللي ما منقاش فايدة’؟”


رانيا اتصدمت من الكلمة، ونزلت على ركبها قدام المكتب وانهارت في العياط: “بوس إيدك يا هناء.. ارحمينا، إحنا اتمسح بينا الأرض! جوزي طلقني لما عرف الفضيحة وطردني وعيالي في الشارع، وأمي.. أمي بتموت في سجن القناطر، جالها شلل نصفي من القهر والرطوبة، وطارق اتقطع خلفه في التخشيبة من كتر الضرب والمشاكل.. إحنا بنموت يا هناء!”



بصيت لها وأنا مفيش شعرة واحدة فيا بتحن.. الوجع اللي عيشوهوني جفف جويا أي منبع للشفقة عليهم.


كملت رانيا وهي بتشهق: “المحامي قالنا إن لو انتي قدمتي طلب تنازل عن الشق المدني ودفعنا جزء من التعويض، ممكن ياخدوا عفو صحي أو الحكم يتخفف للنص.. إحنا بعنا كل حاجة، حتى شقة أمي القديمة والدهب، ومعيش غير الشيك ده بـ 5 مليون جنيه.. خذيه، خذي كل اللي حيلتنا بس طلعيهم من القبر ده!”


قمت من على الكرسي، ومشيت براحة لحد ما وقفت فوق راسها وهي راكعة في الأرض. أخدت الشيك من إيدها وبصيت فيه.. وبمنتهى الهدوء، قطعت الشيك حتت صغيرة وراميته فوق راسها زي ورق الزينة.


”الـ 5 مليون دول، متجيش حق ليلة واحدة نمتها حافية في البرد وأنا مرعوبة من أخوكي. متجيش تمن الكسرة اللي عيشتها وأنا يتيمة وبستسمحهم يرحموني وهم بيضحكوا عليا”.


رانيا بصت للورق المتقطع برعب: “يعني مفيش فايدة؟ هتموتيهم في السجن؟”


وطيت مستوايا لوشها وقلت لها بنبرة حاسمة: “أخوكي وأمك مش مسجونين بسببي.. هم مسجونين بسبب طمعهم وغرورهم. ربنا عادل يا رانيا، ويوم ما افتكروا إن ماليش ضهر، نسوا إن ليا رب بياخد حق الغلبان ولو بعد حين. أمك هتقضي عقوبتها كاملة، وأخوكي هيعفن ورا القضبان لحد آخر يوم في حكمه”.


قمت وقفت وشاورت للأمن: “خدوها برة.. ومش عايزة أشوف الوش ده هنا تاني”.


خرجت رانيا وهي بتصرخ وتدعي، وأنا رجعت قعدت على كرسي مكتب أبويا. بصيت لصورة أبويا اللي منورة في المكتب، وأخدت نفس عميق وحسيت بوزن جبل اتشال من على صدري.


الحق مبيرجعش بالعياط، الحق بيرجع بالدماغ الصاحية، والقانون، والنفس الطويل. طويت الصفحة دي من حياتي نهائياً، وقفلت الدفتر القديم.. وبدأت أكتب سطر جديد في حياة “هناء عبد الرحمن”، المرأة اللي افتكروها ضعيفة.. فهدت مملكتهم فوق دماغهم.


تعليقات

close