القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت زميله جوزى كامله امانى سيد




زميله جوزى ١

امانى سيد


دخل “حسين” الأوضة زي الإعصار، وعينه بطق شرار. كنت نايمة في أمان الله، صحيت على صوته وهو بيزعق بهستيرية، وما لِحقتش حتى أفتح عينيا كاملة ولا أستوعب في إيه، لقيت إيده بتهجم عليا وبتشدني من تحت الغطا بعنف وهو بيصرخ في وشي:


“انتي السبب! انتي السبب إنها تزعل وتقلب وشها عليا! من ساعة ما عرفتي إني بحبها وانتي حطيتيها في دماغك، ومش مخلية لها يوم حلو في الشغل.. قسماً بالله لو مشيتيها من الشركة لتكوني انتي كمان برة حياتي كلها!


بكره الصبح هتروحى الشركه وتعتذريلها قصاد كل الموظفين انتى فاهمه .


قعدت على السرير، شعري منكوش، ونظرة الصدمة في عينيا كانت تدبح. النعاس طار من جفوني في ثانية، وحسيت إن الأوضة بتلف بيا. الوجع مكانش من شدة إيده، الوجع كان من البجاحة والظلم والكسرة اللي نزلت على قلبي زي مية النار. جوزي.. شريك عمري اللي صاينه بيته واسمه، جاي يضربني ويحاسبني عشان “حبيبته” زعلانة!


الحكاية بدأت من ست شهور..


حسين شغال مدير حسابات في شركة استيراد وتصدير كبيرة، وأنا مهندسة ديكور في نفس الشركة. جوازنا كان صالونات بس قايم على الاحترام والود. كنت من النوع الهادي، اللي بيمشي جنب الحيط ويحب يرجع بيته يلاقي راحة باله.


لحد ما دخلت الشركة موظفة جديدة في قسم العلاقات العامة اسمها “ميرنا”. بنت صغيرة، لبسها على الموضة، وضحكتها بتسمع الممر كله. حسين من أول يوم وعينه زاغت عليها، وبدأ الأستاذ الرزين يتحول لمراهق؛ يكتب لها تقاريرها، يدافع عنها في الاجتماعات، ويجيب لها قهوة الصبح بنفسه.


الشركة كلها بدأت تتكلم وتوشوش، والكلام وصلني. واجهت حسين بهدوء، بس هو ثار وزعق وقال لي: “انتي بتغيري من أي حد ناجح، ميرنا زي أختي الصغيرة وبلاش أوهام!”


سكتُّ، مش ضعف، بس عشان أحافظ على بيته، وسِبت الأيام تبين الحقيقة.


اللي حصل إن ميرنا مكانتش سهلة، كانت واخدة حسين سِلم عشان تكبر في الشركة، ولما لقت الشغل بدأ يتقل عليها وإدارة الشركة بدأت تلاحظ تقصيرها، رمت بلاها عليا. راحت لحسين وهي بتعيط دموع تماسيح وقالت له: “مراتك مستقصداني، وبتقول للناس في الشغل إني خطافة رجالة، وخلت المدير ينقلني من القسم عشان تطفشني.. أنا ذنبي إيه إنك بتهتم بيا؟ أنا شكلي هسيب الشغل كله بجد!”


الكلمتين دول خلوا الدم يطلع في راس حسين. حس إن رجولته و”برستيجه” اتهزوا قدام البنت اللي عايز يعجبها، ورجع البيت أعمى مش شايف قدامه..


نرجع للأوضة..


بصيت لحسين وهو واقف ينهج وعرقان من الغل، صوابعي كانت بتترعش وأنا بلم هدومي عليا. رفعت وشي وبصيت في عينه مباشرة، النظرة مكانش فيها عياط ولا خوف، كان فيها كمية قرف ووجع تِهد جبال.

قلت بصوت واطي، بس طالع من جدر قلبي وثابت زي الصخر:


“بقى جاي تضربني عشان الست ميرنا زعلانة؟ بتتهجم عليا في بيتي عشان تراضي واحدة برة؟”


حسين زعق وصوته شرخ: “ما تعمليش فيها بريئة! انتي اللي بوظتي لها شغلها وضايقتيها لحد ما قفلت تليفونها في وشي! قوليلي عملتي فيها إيه؟”


قمت وقفت على رجليا، عدلت طولي قدامه، وقلت بكل برود وكسرة نفس:


“ما عملتش حاجة.. المدير هو اللي نقلها لما لقاها مابتفهمش في الشغل وبتضيع وقتها في المكاتب. بس تعرف يا حسين؟ العيب مش عليها، العيب على الراجل اللي مالي مركزه برة، وبيجي لحد سرير مراته يستقوى عليها عشان يداري خيبته. طالما هي غالية عليك أوي كده اتجوزها


رد عليا


ـ انا عرضت عليها فعلاً الجواز مش مستنيكى تقترحى عليه


الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، بس المرة دي وعكس كل التوقعات.. ما عيطتش. الوجع لما بيعدي حده، بيتحول لكتلة تلت بتجمد القلب. حسيت إن كل ذرة احترام، أو ود، أو عشرة كانت باقية له جوايا اتمحت في ثانية، كأنها مكانتش موجودة من الأصل.


بصيت له ولقيت نفسي ببتسم.. ابتسامة باردة، مليانة قرف وتحدي، هزت ثقته في نفسه للحظة.


قلت له وأنا حاطة إيدي في وسطي، وبكل ثبات:


“تمام يا حسين.. مبروك عليك ميرنا، ومبروك على ميرنا راجل يبيع شريكة عمره وصاحبة الفضل عليه في أول محطة عشان يرضي مراهقته المتأخرة.”


ملامحه اتخطفت، مكنش متوقع الرد ده. كان فاكرني هنهار، هعيط، وأبوس إيده عشان ما يسبنيش، أو هجري ألم هدومي وأنا بترجاه. لقى قدامه واحدة تانية خالص، واحدة هو ميعرفهاش.


حاول يداري ارتباكه ويزعق تاني عشان يرجع يسيطر على الموقف:


“انتي بتتريقي؟ أنا بتكلم جد! وبكرة الصبح زي ما قلتلك، هتيجي الشركة وتعتذري لها قدام الكل وتصلحي اللي بوظتيه، وإلا قسمًا بالله…”


“وإلا إيه؟”


قاطعت كلامه وأنا باخد خطوة ناحيته، وعيني في عينه مباشرة:


“وإلا هتطلقني؟ وفر تهديدك يا حسين، ووفر قسَمك.. عشان ورقة طلاقي هي اللي هتوصلك بكرة، ومكتبك اللي في الشركة مش هعتبه تاني، مش عشان خايفة منك، لأ.. عشان ماليش عيش في مكان بيجمعني بأشكالكم.”


حسين اتمسخر في مكانه، صوته هدي فجأة والغل اللي في عينه اتحول لذهول. لفيت ضهري ليه بكل برود، ومديت إيدي أخدت المخدة والغطا بتوعي من على السرير، وبصيت له النظرة الأخيرة وقلت:


> “الأوضة دي من اللحظة دي ما تخصنيش، والبيت ده مابقاش يشرفني أقعد فيه دقيقة زيادة. بكرة الصبح المحامي بتاعي هيكلمك، وافتكر الكلمة دي كويس يا مدير الحسابات.. اللي بيبيع الأصل عشان يشتري التليد، بيكتشف في الآخر إنه خسر الاتنين، وباع نفسه ببلاش. اشبع بميرنا.”




خرجت من الأوضة ورزعت الباب ورايا بكل قوتي، سبته واقف بطوله وسط حيطانه، وبأحلامه المزيفة.. سبته وأنا حاسة لأول مرة من ست شهور إني بتنفس بجد، وإني رغم الكسرة، خرجت من المعركة دي كسبانة نفسي.


مشيت في الطرقة الطويلة بخطوات سريعة، مكنتش شايفة قدامي من كتر الدموع اللي كانت محبوسة في عيني ورافضة تنزل عشان ما تضعفنيش قدامه. دخلت أوضة الأطفال، قفلت الباب ورايا وبوز مير الظلم بيطاردني. رميت المخدة والغطا على الكنبة، وقعدت وضامّة رجلي لصدرى، وجسمي كله بيترعش.


الساعة كانت داخلة على تلاتة الفجر. السكون اللي برة كان مرعب، عكس البركان اللي شغال جوة قلبي. ست سنين جواز مرو قدام عيني في ثانية؛ ست سنين وأنا شايلاه في عيني، صاينة بيته، وبستحمل طبعه الحامض والناشف عشان المركب تسير. ست سنين ببدّيه على نفسي، وفي الآخر.. اتهان وأتضرب واتشتم عشان “ميرنا”! عشان بنت لسه ما كملتش شهرين في الشركة!


سمعت صوت حركته برة، ورزع باب شقتنا بعنف.. نزل.


أول ما اتأكدت إنه مشي، الحصن اللي بنيته قدامه انهار. دفنت وشي بين إيديا وانفجرت في العياط. عيطت بحرقة، عياط مكتوم عشان الولاد ما يحسوش بحاجة. الوجع مكانش في قلبي بس، ده كان مسمّع في عضمي كله. حسيت بمهانة ما تتوصفش، راجل بيستقوى على مراته وأم عياله في نص الليل عشان يثبت لبنت تانية إنه “بطل” وبيقدر ياخد لها حقها!


على الساعة ستة الصبح، النور بدأ يشقشق. قمت من على الكنبة، غسلت وشي بمية ساقعة. بصيت في المراية.. عيني كانت منفخة وحمرا، بس كان فيها لمعة غريبة.. لمعة قسوة مكنتش فيا قبل كده. الست الهادية الطيبة اللي بتمشي جنب الحيط ماتت الليلة دي، وحسين هو اللي قتلتها بإيده.


لميت هدومي وهدوم الولاد في شنطتين كبار بسرعة ومن غير شوشرة. صحيت الولاد، وبستهم وقلت لهم بهدوء: “يلا يا حبايبي عشان هنقضي كام يوم عند تيتة”. مكانوش فاهمين حاجة، بس نزلوا معايا وهم ساكتين.


نزلت من البيت، ركبت تاكسي ورحت على بيت أبويا. أول ما أمي فتحت الباب وشافت الشنط وفي عيني نظرة الانكسار دي، فهمت كل حاجة من غير ما أنطق كلمة واحدة. أخدتني في حضنها، وهنا بس حسيت إني قادرة أتنفس.. الأمان اللي اتهد في بيتي، لاميته في حضن أمي.


سبت الولاد معاها، وطلعت موبايلي. كلمت الأستاذ فريد، محامي العيلة وصديق والدي الله يرحمه. حكيت له كل حاجة باختصار وصوت ثابت؛ من أول تلميحات الشغل، لحد هجوم حسين عليا بالليل واعترافه إنه عايز يتجوزها.


الأستاذ فريد سكت شوية، وبعدين قال لي بصوت حكيم وفيه غضب:


“ولا تزعلي نفسك يا بنتي، الراجل اللي هان مراته وبيتها عشان خاطر نزوة، حسابه معايا. اجهزي بكرة، هرفع لك قضي..ة طلاق للضرر، ونفقة، وبما إنك حاضنة فالشقة من حقك إنتي والولاد.. القانون معاكي، والأهم إن كرامتك فوق كل شيء.”


قفل الخط، وحسيت بنار جوايا بتهدي. بس الحكاية لسه مخلصتش.. حسين فاكر إني هقعد في البيت أعيط واستناه يطلقني. لاء، هو قالي: “بكرة الصبح هتروحي الشركة وتعتذري لها”، وأنا فعلاً هروح الشركة.. بس مش عشان أعتذر.


الساعة بقت تيسعة والشركة زمانها فتحت والموظفين كلهم وصلوا. لبست أشيك طقم عندي، حطيت ميك اب خفيف يداري التعب ويزيد ملامحي حدة، وركبت عربيتي وطلعت على الشركة.


دخلت من باب المبنى وراسي مرفوعة للسما. الموظفين في الممرات كانوا بيبصوا لي بنظرات فضول وشغف، الكل مستني يشوف “الخناقة” أو الانهيار بعد ما ميرنا أكيد نشرت روايتها في كل حتة.


وصلت لحد مكتب العلاقات العامة، ووقفت عند الباب. ميرنا كانت قاعدة، حاطة رجل على رجل، وبتشرب قهوتها وبتحكي لزميلتها بضحكة مستفزة. أول ما شافتني، الضحكة اختفت من على وشها، وقامت وقفت وهي بتعدل جاكتها بغرور، وفاكرة إني جاية أنفذ أمر حسين وأعتذر..


في نفس اللحظة، لمحت حسين جاي جري من آخر الممر، وشه مخطوف وعرقان، شكله عرف إني جيت وجاي يلحق الموقف..


بصيت لميرنا، وعلّيت صوتي عشان كل الموظفين اللي بدؤوا يتجمعوا يسمعوا


زميله جوزى ٢


وقفت في مكاني ثابتة زي الصخر، وميرنا بتبص لي بنظرة انتصار رخيصة، مستنية الكلمة اللي هتكسرني قدام الناس. حسين وصل وهو ينهج، وقف بيني وبينها وعينه بتلف في الممر اللي بدأ يتملي بالموظفين، قال بصوت واطي ومبحوح وهو بيحاول يداري رُعبه:


“أهو أنا جيت.. كويس إنك جيتي بعقلك يا هناء. قولي الكلمتين اللي اتفقنا عليهم عشان نخلص من المولد ده وكل واحد يرجع على مكتبه.


بصيت له بنظرة قرف خلته ينزل عينه الأرض، وبعدين لفيت وشي لميرنا، وعلّيت صوتي على الآخر عشان الممر كله يسمع، وقلت بكل برود ونبرة تِهد:


“أنا جيت يا ميرنا.. جيت عشان أقولك الفيلم اللي عملتيه إنتي وحسين المحترم المخرج الفاشل ده مياكلش معايا. وجيت أقولك قدام الشركة كلها.. مبروك عليكي.”


الممر كله سكت، وميرنا حواجبها اترفت بذهول، وحسين وشه جاب مية لون ولون وبدأ يتلعثم: “انتي بتقولي إيه؟ بوظتي إيه؟”


كملت كلامي وأنا ببتسم ابتسامة ثقة:


“مبروك عليكي راجل دخل عليا الأوضة في نص الليل يمد إيده عليا ويهددني عشان خاطر دموعك.. راجل ساب بيته وعياله وعِشرة سنين عشان يجري ورا واحدة واخداه سِلم عشان تداري على خيبتها وفشلها في الشغل! أنا جيت أقولك إني سايباهالك باللي فيها.. اشبعي بيه، واشبعي بمدير الحسابات اللي طالع بكرة في قض..ية طلاق للضرر، والشقة اللي كان واخدك فيها هي والمؤخر والنفقة هيدفع تمنهم غالي أوي من برستيجه وفلوسه.”


ميرنا وشها اتقلب وبقى زي الطماطم من الكسوف، ولقت نفسها فجأة فرجة قدام الموظفين اللي بدؤوا يبتسموا ويشمتوا فيها، بعد ما كانت مفهمة الناس إنها الضحية، ظهرت قدام الكل إنها خطافة رجالة وفاشلة في شغلها.


أما حسين، فالدم هرب من عروقه. حس إن مركزه وهيبته اللي بقاله سنين بيبنيهم في الشركة اتهدوا في دقيقة. زعق بصوت مرعوب وهو بيحاول يمسك إيدي: “انتي اتجننتي؟! انتي بتخربي بيتك بإيدك؟!”


نفضت إيده عني بكل قسوة وقلت له:


“البيت ده إنت اللي هديته من الليلة اللي فاتت يا حسين. ودلوقتي.. أنا هطلع لمدير الشركة أقدم استقالتي، مش عشان هربانة، لأ.. عشان مكاني ووضعي كمهندسة ديكور في الشركة دي أكبر بكتير من إني أقعد في مكان بيجمعني بأشكالكم.”


لفيت ضهري ومشيت في الممر وراسي مرفوعة لفوق، وخطوات جزمتي كانت بتدب في الأرض بكل ثقة. كنت سامعة صوت وشوشة الموظفين ونظرات الاحترام اللي في عينيهم، وسامعة ورايا صوت حسين وهو بيحاول يلم الليلة مع ميرنا اللي بدأت تصرخ فيه وتعيط من الفضيحة.



طلعت مكتب المدير، قدمت استقالتي بكل هدوء، ونزلت ركبت عربيتي. أول ما قفلت باب العربية على نفسي، أخدت نفس طويل وعميق.. نفس بقالي ست شهور مش عارفة آخده. الطريق قدامي كان طويل، والمحاكم هتاخد وقت، بس اللحظة دي.. لحظة ما أخدت حقي وحق كرامتي تمنها يسوى عمري كله.


دورت عربيتي وطلعت من ريتم الشركة المحموم وأنا حاسة إن جبل كان شغال على نفسي وانزاح. طوال الطريق لبيت أبويا، كان موبايلي مابيبطلش رن.. حسين. عشر مكالمات ورا بعض، وبعدها بدأت تيجي رسائل وتساب:


“انتي فضحتيني في الشركة!”


“انتي خربتي بيتك وعيالك هيتشتتوا!”


“ردي عليا بدل ما أعمل تصرف مش هيعجبك!”


بصيت للموبايل بكل برود وعملت له “بلوك” من كل حتة. الراجل اللي يهدد بقطع العيش ويهين كرامة مراته عشان يرضي نزواته، ملوش عندي غير لغة واحدة.. لغة القانون.


وصلت بيت أبويا، دخلت لقيت أمي قاعدة مع الولاد بتفطرهم وتحاول تلهيهم عشان ما يحسوش بحاجة. أول ما شافتني، قامت واخداني على جنب وقالت لي وقلق الدنيا في عينها: “عملتي إيه يا بنتي؟ وشك منور بس قلبي وكلني.”


ابتسمت لها وبست إيدها وقلت: “رديت اعتباري يا أمي. رحت الشركة وجبت حقي قدام الكل، وقدّمت استقالتي.. أنا مش هقعد في مكان فيه الخيانة والظلم عين عينك كده.”


أمي دمعت، بس المرة دي كانت دموع فخر، طبطبت على كتفي وقالت: “جدعة يا بنتي، أبوكي الله يرحمه ما سابش وراه حريم تتكسر. والرزق بتاع ربنا، الشغل يغور، والمهم راسك تفضل مرفوعة.”


عدى اليومين اللي بعدهم في هدوء حذر. كنت قاعدة مع الأستاذ فريد المحامي في مكتبه، بنمضي على أوراق قض..ية الطلاق للضرر، وقضايا النفقة والتمكين من شقة الزوجية. الأستاذ فريد بص لي من فوق نظارته وقال بيطمنّي:


“إحنا موقفنا زي الحديد يا هناء. شهادة زمايلك في الشركة عن اللي حصل، واعترافه هو بنفسه باللي عمله، مع المحضر اللي هنثبت فيه طردك من البيت، كل ده يخلي القاضي يحكم لك وبسرعة. الشقة هترجعيها معززة مكرمة بالولاد، وهو اللي هيلف حوالين نفسه.”


وفعلاً، بعد أسبوع واحد من الفضيحة، بركان حسين انفجر بس المرة دي برا الشركة..


كنت قاعدة مع الولاد بنذاكر، ولقت جرس الباب بيرن بهستيرية. أمي راحت تفتح، ولقينا حسين واقف على الباب، بس مكنش حسين بتاع زمان.. مكنش المدير الرزين ولا المراهق اللي داخل يكسر الأوضة. كان وشه شاحب، لبسه مش متظبط، وعينه فيها كمية غل وخوف متداري.


حاول يزق الباب ويدخل وهو بيزعق: “فين هناء؟ خلّيها تطلع لي! الست هانم رافعة عليا قضايا وميدانيش تمكين من الشقة؟ وعايزة تخرب بيتي؟”


قمت وقفت بكل ثبات وطلعت له عند الباب، وقفت بينه وبين أمي والولاد، وقلت له بنبرة صوت حادة زي الموس:


“البيت ده إنت اللي خربته لما مديت إيدك، ولما فكرت إنك تقدر تدوس عليا عشان ترضي الست ميرنا. إنت جاي هنا ليه يا حسين؟”


حسين بص لي، وحسيت بنبرة صوته اتهزت وهو بيقول: “انتي فاكرة نفسك هتكسبني؟ أنا هفصلك من الشغل.. أقصد.. إحنا خسرنا مكاننا في الشركة بسببك! ميرنا قدمت استقالتها بعد الفضيحة اللي عملتيها، والمدير العام لفت نظري وأجبرني أخد إجازة مفتوحة بسبب الشوشرة! ارتاحي كده؟ بوظتي شغلي وشغل البنت، وعايزة تاخدي شقتي كمان؟”


ضحكت بصوت عالي، ضحكة هزت كيانه، وقلت له:


“يعني ميرنا سابتك لما لقت السِلم اتهد؟ ولما لقتك مبقتش مدير الحسابات اللي بيمضي لها على ورقها ويداري على خيبتها؟ وبتقول لي بوظت شغلك؟ الشغل ده أنا اللي سيبته بكرامتي، إنما إنت مطرود ومغضوب عليك بسبب مراهقتك. والشقة دي مش شقتك لوحدك، دي شقة ولادي اللي كنت عايز تشحنّي برة البيت عشان خاطرها.”


حسين رفع إيده وهو بيترعش من الغضب: “أنا هوريكي يا هناء.. مش هطول مليم واحد مني، وهخليكي تلفي ورايا في المحاكم!”


وقبل ما يكمل كلمته، لقيت الأستاذ فريد المحامي طالع على السلم ومعه اتنين رجالة، وبص لحسين وقال بصوت جهوري:


“المحاكم اللي بتهدد بيها دي يا أستاذ حسين، إحنا اللي بدأناها. والورقة اللي في إيدي دي إعلان رسمي بالقضايا. اتفضل امشى بالذوق، بدل ما أطلب لك النجدة ونعمل محضر عدم تعرض هنا وتبقى فضيحتك بجلاجل في المنطقة كمان بعد الشركة!”


حسين بص حواليه، لقى الجيران بدؤوا يفتحوا الأبواب ويبصوا عليه، ولقى نفسه وحيد، خسران كل حاجة؛ خسر مراته اللي صايناله بيته، خسر ميرنا اللي جريت أول ما المركب غلقت، وخسر برستيجه في الشركة وفي وسط الناس.


لف ضهره ونزل السلم وهو بيبرطم ويجر أذيال الخيبة. قفلت الباب ورايا، وبصيت لأمي وللأستاذ فريد، ونفست عن صدري براحة. المشوار لسه فيه محاكم وجولات، بس أنا مكنتش خايفة.. أنا كنت حاسة إن كل خطوة باخدها بتبني هناء الجديدة، الست اللي مش هتقبل بنص عيش ولا بنص احترام، واللي هتعيش راسها مرفوعة ومبتنحنيش لأي عاصفة.


مرت الأيام والشهور، وجولات المحاكم بدأت تاخد شكلها الرسمي. حسين حاول بكل الطرق يماطل؛ يبعت ناس واسطة من قرايبه عشان أتنازل عن القضايا ونرجع، ولما يلاقيني قافلة الباب تماماً، يرجع يهدد من تاني إنه هيسحب عياله مني ويحرمني من المصاريف. بس الأستاذ فريد كان واقف له بالمرصاد، وكل خطوة كان بيحسبها بالملّي.



الحقيقة، الخبطة اللي حسين أخدها في الشركة مكانتش سهلة. ميرنا زي ما توقعت بالظبط، أول ما حست إن المركب بتغرق وإن “حسين” مبقاش الحصان الرابح اللي هيشيل عنها الشغل ويترقى على كتافه، نفضت إيدها منه تماماً وقدمت استقالتها، وسمعت من زمايلي القدام إنها راحت شركة تانية تدور على “صيد جديد”. أما حسين، فالإجازة المفتوحة اللي أخدها اتحولت لقرار نقل لفرع أصغر وبمرتب أقل، بعد ما الإدارة لقت إن برستيجه كمدير حسابات اتهز، ومبقاش ليه عين يملى مركزه قدام الموظفين.


في يوم، كنت قاعدة في الصالة عند أمي، والباب رن. فتحت لقيت محضر ومعاه قرار التمكين من الشقة.


أمي زغرطت من قلبها، والولاد كانوا بيتنططوا من الفرحة وهم مش فاهمين أوي أبعاد الموضوع، بس كفاية إنهم راجعين لأوضتهم ولعبهم.


يوم تنفيذ القرار، رحت ومعايا الأستاذ فريد وقوة من الشرطة عشان أستلم الشقة. حسين كان واقف هناك، ملامحه كانت دبلانة، والبيت من غيري كان يضرب يقلب؛ السجاير في كل حتة، والمواعين متكومة، كأنه كان عايش في خرابة. بص لي وهو بيلم آخر حاجتين ليه في شنطة، وقال بصوت مكسور ومن غير زعيق:


“ارتحتي يا هناء؟ أهو البيت فضي عليا، وخسرت كل حاجة.. الشغل، والبرستيج، وانتي والولاد. مكنتش تسوى كل ده.”


بصيت حوليا في الشقة اللي تعبت في كل ركن فيها كمهندسة ديكور وكست بيت، وقلت له ومن غير غل، بس بمنتهى الجفاء:


“إنت اللي اخترت يا حسين. اخترت تبيع العِشرة والأصل عشان سراب، وفكرت إن الطيبة ضعف. اللي بيعمل بأصله مبيخسرش، وإنت خسرت نفسك قبل ما تخسرنا.”


ساب الشقة ومشي، وقفلت الباب ورايا. أول حاجة عملتها إني فتحت الشبابيك كلها عشان أدخل الشمس والهوا النضيف، وكأني بطرد آخر طيف ليه من حياتي.


الشهور اللي بعد كده كانت مرحلة “بناء هناء الجديدة”. بمساعدة زمايل قدام ومعارفي في مجال الديكور، بدأت أشتغل “فري لانس” (عمل حر). صممت كذا شقة ومكتب، والناس بدأت تتكلم عن شغلي ولمستي الخاصة. المرتب مكنش ثابت زي الشركة، بس الإحساس بالحرية والنجاح كان بيعوض أي حاجة. بقيت بنزل شغلي وراسي مرفوعة، برجع لبيتي وولادي وأنا كلي طاقة وأمان.


بعد سنة كاملة من القض..ية الأولى، المحكمة حكمت لي بالطلاق النهائي للضرر، وبكامل حقوقي المؤجلة والنفقة.


يوم ما استلمت ورقة الطلاق في إيدي، وقفت في بلكونة شقتي، وبصيت للسما. مكنتش حاسة بالندم، ولا حتى بالحزن على الست سنين اللي ضاعوا. أنا كنت حاسة بالفخر.. الفخر إني مسمحتش لكرامتي تتأكل، وإني علمت ولادي إن الست مش حيطة مايلة، وإن الحق لما بيموت في قلوب الظالمين، بيرجع بصوت القانون وبقوة السعي.



حسين عاش في دوامته بيدور على نفسه، وأنا كملت طريقي، مش بس كمهندسة ناجحة وأم قوية، لأ.. كإنسانة عرفت قيمتها بجد، ومستحيل ترضى بأقل مما تستحق.



تعليقات

close