جوزى حبسنى فى البيت
جوزى حبسنى فى البيت
لما أرجع... هتترمي تحت رجلي وتطلبي السماح.
قالها جوزي وهو بيقفل عليّ باب البيت بالمفتاح من برّه، وسايبني من غير أكل ولا شرب، عشان يرضي أمه.
كان فاكر إنه قطع عني الدنيا كلها... لكنه مكانش يعرف إن في باب سري جوه البيت، ولا إنه بعد دقائق كنت بعت صورة واحدة بس... واستنيت في هدوء.
ولما رجعت... اللي شافته بعينها كان كفيل إنه يدمر عيلتهم كلها.
الجزء الأول
قبل اللحظة دي، كانت مريم عبد الحميد لسه مؤمنة إن جوازها من كريم الشناوي ممكن يتصلح.
اتجوزوا من تلات سنين. كريم كان مدير نظم معلومات في شركة كبيرة بالقاهرة. في بداية الجواز كان حنين، بيهزر، ودايمًا يحسسها إنها أمانه.
لكن المشكلة عمرها ما كانت شغله ولا الفلوس...
المشكلة الحقيقية كانت أمه، الحاجة سعاد.
الحاجة سعاد كانت تدخل بيتهم من غير استئذان، تعلق على هدوم مريم، تغير ترتيب العفش، وتفتح التلاجة كأنها صاحبة البيت.
وكانت كل مرة تعرف تلبس نفسها دور الأم المضحية، وتخلي أي اعتراض من مريم يبان وكأنه قلة أدب وعدم احترام للكبار.
أما بيت الريف اللي في الفيوم...
فكان أغلى مكان عند مريم.
البيت ده بناه أبوها، اللواء المتقاعد عبد الحميد، بإيده هو وجدها.
كل شجرة هناك، وكل حجر، وكل صورة معلقة على الحيطة كانت شايلة ذكرى من عمرها.
لكن حتى البيت ده...
الحاجة سعاد بدأت تعتبره ملكها.
في أحد الويك إندات، دخلت البيت، رمت مفارش السفرة المطرزة اللي كانت أم مريم عاملاها بإيديها، وشالت صور العيلة وحطتها في كراتين، وبعدها وقفت في نص الصالة وقالت بكل ثقة
كده الصالون بقى يليق بالناس المحترمة.
أما كريم...
فاكتفى بابتسامة وقال لمراته
أمي بس بتحاول تساعد.
بعد كام يوم، الحاجة سعاد كلمت مريم وطلبت تقابلها في كافيه.
قعدت قدامها تتكلم بصوت كله رقة، وقالت إنها محتاجة علاج غالي جدًا في منتجع صحي فاخر في شرم الشيخ.
والمبلغ المطلوب...
كان نفس مبلغ مئتين وتمانين ألف جنيه.
وهو بالظبط المبلغ اللي مريم وكريم كانوا محوشينه عشان
يصلحوا السطح والسقف في بيت الفيوم.
مريم رفضت.
لكن كريم...
وافق.
بعد أسبوع كامل من العياط، والاتصالات، والادعاء إن ضغط أمه بيرتفع بسببها...
راح كريم سحب كل الفلوس من الحساب المشترك، وحولهم لحساب أمه.
ولما رجعت الحاجة سعاد من السفر...
كانت بشرتها اسمرت من المصيف، وشكلها كله سعادة.
وأعلنت قرار جديد.
قالت بكل بساطة
هبيع شقتي... وهعيش معاكم نهائي في بيت الفيوم. هنبنيلي أوضة هناك، ونبقى عيلة واحدة بجد.
في اللحظة دي...
مريم حست إنهم بينتزعوا بيتها منها حتة حتة.
ورغم كل اللي حصل...
وافقت تروح مع كريم لبيت الفيوم.
كانت فاكرة إن بعيد عن أمه، هيعرفوا يتكلموا بهدوء، ويمكن أخيرًا يسمعها.
لكن أثناء الغدا...
كريم اتكلم وكأن القرار خلص خلاص.
قال
أمي هتعيش معانا. والكلام ده انتهى.
بصتله مريم وقالت بصوت ثابت
إنت مش بتعرف تاخد أي قرار من غيرها.
وسكتت لحظة قبل ما تكمل
إنت مش بتتصرف كزوج... إنت بتتصرف كطفل لسه بيستأذن أمه في كل خطوة.
في اللحظة دي...
وش كريم اتبدل تمامًا.
خطف الموبايل من إيدها...
ورماه وسط الزرع.
بعدها نزل البدروم...
وقفل محبس المية الرئيسي.
وفصل الكهرباء عن البيت كله.
وخد مفاتيح العربية وخباها.
وبعدين...
زقها لجوه البيت.
وقال وهو واقف على الباب
أنا رايح أجيب أمي من المطار.
هنطلع نقضي يومين فسحة.
ولما أرجع...
هتكوني اتعلمتي الأدب، وهتترمي تحت رجلينا وتطلبي السماح.
جريت مريم ناحية الباب...
لكنها سمعت صوت المفتاح وهو بيلف مرتين في الكالون من برّه.
الشبابيك كلها عليها حديد.
المية مقطوعة.
الكهربا مفصولة.
الموبايل اختفى.
مفيش أكل جاهز.
ولا حتى نقطة مية تشربها.
كريم كان مخطط لكل حاجة من قبلها.
وقبل ما يركب العربية...
وقف يبصلها من ورا إزاز الباب.
وابتسم...
بابتسامة باردة خلت جسمها يقشعر.
ثم ركب عربيته ومشي.
في اللحظة دي...
استوعبت مريم الحقيقة المرعبة.
الراجل اللي كانت بتنام جنبه كل ليلة...
ماكنش بيحاول يربيها ولا يديها درس.
هو كان مستعد
يسيبها تموت جوه البيت.
لكن...
كان فيه سر واحد عمر كريم ما عرفه.
سر خباه أبو مريم بنفسه داخل البيت ده من سنين طويلة.
وسر...
هيغير كل حاجة.
أما اللي كان مستنيهم بعد رجوعهم...
فكان كفيل إنه يدمر العيلة دي للأبد.
الجزء الثاني
فضلت مريم تخبط على الباب بإيديها لحد ما كفوفها احمرت واتجرحت.
كانت بتصرخ بأعلى صوتها...
تدور على أي أداة تكسر بيها الباب.
حاولت تفتح شباك الدور التاني، لكن السطح كان مبلول، وأي خطوة غلط كانت ممكن توقعها وتموتها.
وفجأة...
افتكرت جملة كان أبوها، اللواء عبد الحميد، دايمًا بيقولها لها
الرجال ممكن يسيبوكي في أي لحظة... لكن أهلك لازم يسيبولك دايمًا طريق تنجي بيه نفسك.
من سنتين...
أبوها كان عامل مخبأ سري ورا مكتبة خشب قديمة في الصالة.
كريم عمره ما عرف بوجوده.
راحت مريم ناحية المكتبة، وضغطت على تلات نقوش محفورين في الخشب...
وفجأة...
جزء من المكتبة اتحرك وفتح باب صغير.
جواه كان فيه...
تليفون يعمل بالأقمار الصناعية.
بطارية احتياطية.
وكراسة صغيرة مكتوب فيها رقمين تليفون.
من غير ما تضيع ثانية...
طلبت أول رقم.
رد أبوها بسرعة.
أيوه يا مريم.
ما إن سمعت صوته...
انهارت في العياط.
وقالت بصوت متقطع
يا بابا... كريم حبسني جوه البيت.
الغريب...
إن أبوها ما صرخش.
ولا شتم.
ولا حتى اتوتر.
بهدوء شديد قال لها
احكيلي كل حاجة من أولها... وماتنسيش أي تفصيلة.
بدأت تحكيله.
إزاي هددها.
إزاي قطع المية.
وفصل الكهربا.
وكسر موبايلها.
وخد مفاتيح العربية.
وقفل عليها الباب بالمفتاح.
وقال لها إنه هيسيبها لحد ما تتعلم الأدب.
ولما خلصت...
قال جملة واحدة
ماتلمسيش أي حاجة.
سيبي كل حاجة زي ما هي.
دي كلها أدلة.
أنا جاي حالًا...
وكلمت الشرطة...
وكمان محامية.
بعد حوالي تلات ساعات...
وصلت عربيتين قدام البيت.
وراهم عربية شرطة.
ومعاهم صنايعي فتح أقفال.
قدام الضباط...
فتح الباب.
خرجت مريم...
ملفوفة في بطانية.
وشفايفها ناشفة من العطش.
وجسمها كله بيرتعش.
وإيديها
عليها آثار الخبط على الباب.
المحامية بدأت تصور كل ركن في البيت.
رجال الشرطة سجلوا كل حاجة.
محبس المية المقفول.
لوحة الكهرباء المفصولة.
المطبخ الفاضي من الأكل.
والموبايل المكسور...
اللي كان مرمي وسط زرع الجهنمية بره البيت.
وأثناء التفتيش...
اكتشف اللواء عبد الحميد حاجة أخطر بكتير.
كاميرا مراقبة منزلية.
كريم كان سايبها شغالة...
ونسي يقفلها.
فتحوا تسجيل الكاميرا...
فظهر المشهد كامل بالصوت والصورة.
كريم وهو بيخطف الموبايل من إيد مريم.
وبيشدها بعنف لجوه الصالة.
وبعدين صوته وهو بيقول
مش هتخرجي من البيت ده إلا ورجلك سابقة باقي جسمك.
وفي نفس الوقت...
كان كريم وأمه، الحاجة سعاد...
قاعدين في صالة ال في مطار القاهرة.
قدامهم كاسات العصير.
وبيحتفلوا إن مريم أخيرًا هتعرف مين صاحب الكلمة في البيت.
وفجأة...
موبايل كريم رن.
فتح الرسالة...
فاتصدم.
كانت صورة...
متصورة من دقائق قليلة.
هو وأمه قاعدين في المطار...
واضحين جدًا.
وبعد الصورة مباشرة...
وصلته رسالة من رقم مريم.
قدامك ساعة واحدة ترجع لوحدك...
الشرطة شافت الفيديو.
وش كريم فقد لونه.
فضل يتصل بمريم مرة...
واتنين...
وعشرة...
وخمستاشر مرة.
لكن محدش رد.
الحاجة سعاد حاولت تهديه وقالت بثقة
دي بتمثل.
دي حركة جديدة منها.
بتحاول تخوفك وبس.
لكن بعدها بثواني...
وصلت رسالة تانية.
فيها رقم المحضر الرسمي.
واسم النيابة المختصة.
ساعتها...
الكاس وقع من إيد كريم واتكسر على الأرض.
لغى السفر فورًا.
وساب أمه قاعدة لوحدها في المطار.
وركب أول تاكسي طلع على الفيوم.
طول الطريق...
كان بيتخيل أسوأ السيناريوهات.
يمكن مريم ماتت.
يمكن أبوها مستنيه.
يمكن أول ما يوصل...
يتقبض عليه.
ولما وصل أخيرًا...
شاف نور البيت كله منور.
وعربية الشرطة واقفة قدام البوابة.
وفيه ناس كتير جوه.
نزل من التاكسي وهو بيجري.
وصرخ
مريم!
والله ما كنت أقصد أؤذيكي!
طلع اللواء عبد الحميد من البلكونة.
وبصله ببرود شديد وقال
الكلام ده هتقوله للنيابة.
حاول كريم يدافع عن نفسه.
قال إنه كان بس عايز يخوفها.
وإنه كان ناوي يرجع تاني يوم.
وإنه عمره ما تخيل إن الموضوع ممكن يوصل لكده.
لكن في اللحظة دي...
شغلت المحامية تسجيل الكاميرا قدام الضباط.
وامتلأ البيت بصوت كريم نفسه وهو بيقول
من غير أكل...
ومن غير مية...
هتبقي مطيعة غصب عنك.
الضابط بصله...
وقال بكل حزم
حط إيديك ورا ضهرك.
وقبل ما يحطوا الكلبشات في إيده...
نزلت مريم من على السلم بهدوء.
كانت شاحبة...
لكن عينيها مليانة قوة.
وقفت قدامه...
وقالت الجملة اللي عمره ما كان يتوقع يسمعها.
أنا حامل...
وبقالي ست أسابيع.
وقف كريم مكانه كأن الأرض انشقت تحته.
بصلها بذهول...
وكل اللي حواليه سكتوا.
لكن...
الحقيقة الأقسى...
لسه ما ظهرتش.
يتبع...
الجزء الثالث والأخير
بمجرد ما الضباط بدأوا يحطوا الكلبشات في إيد كريم...
بطل مقاومة تمامًا.
فضل باصص على بطن مريم، اللي لسه مكانش باين عليها أي حاجة، وفتح بقه أكتر من مرة، لكنه ماقدرش يكوّن جملة كاملة.
وفي الآخر همس بصوت مخنوق
طفل؟!
وبعدين سألها وهو مش قادر يصدق
ابننا إحنا؟
مريم ما ردتش عليه.
كانت من الصبح ناوية تقوله خبر الحمل أثناء الرحلة.
وكان جواها أمل ساذج إن الخبر يمكن يجبرهم يتصرفوا كزوج وزوجة حقيقيين، ويمكن يخليه يفكر فيها وفي بيتهم قبل ما يفكر في أمه.
كانت حاطة في شنطتها اختبار الحمل...
ومعاه علبة صغيرة جواها زوج أحذية أطفال بيضا.
لكن كريم كان أخد الشنطة ورماها في شنطة العربية قبل ما يقفل عليها في البيت.
قربت منها المحامية، الأستاذة ليلى منصور، وقالت لها بهدوء
إنتِ مش مضطرة تتكلمي معاه.
ومن اللحظة دي، أي تواصل بينكم هيكون عن طريقنا إحنا.
أخدت الشرطة كريم بتهم الاحتجاز غير القانوني، والتهديد، والعنف الأسري.
وتسجيل الكاميرا...
والموبايل المكسور...
والعلامات اللي كانت على إيد مريم...
وشهادة الراجل اللي فتح الباب...
كل ده منع كريم إنه يصور اللي حصل على إنه مجرد خناقة عادية بين زوجين.
قرب اللواء عبد الحميد من بنته وحضنها في صمت.
مريم دفنت وشها في صدره وقالت بصوت ضعيف
سامحني يا بابا... أنا خبيت عليك حاجات كتير.
رد عليها وهو بيطبطب على ضهرها
إنتِ مش محتاجة تعتذري عشان
وثقتي في جوزك.
الذنب مش ذنب اللي وثق...
الذنب ذنب اللي حوّل الثقة لسجن.
تاني يوم الصبح...
رجعت مريم القاهرة مع أبوها.
وقدمت دعوى طلاق رسمي.
وقفلت الحساب المشترك بينها وبين كريم.
وكلمت صاحب الشقة اللي كانت عايشة فيها معاه، وبلغته إنها مش هتجدد عقد الإيجار.
وسلمت للمحامية كل المستندات اللي تثبت موضوع المئتين وتمانين ألف جنيه.
صحيح كريم هو اللي سحب الفلوس من الحساب...
لكن نص المبلغ كان من دخل مريم وشغلها.
وطلبت الأستاذة ليلى إن المبلغ يتحسب ضمن تسوية الطلاق وتقسيم الممتلكات.
بعد تلات أيام...
ظهرت الحاجة سعاد.
فتحت باب الشقة بمفتاحها الخاص، ودخلت وهي بتجر شنطة سفر وبتنادي على ابنها بصوت عالي.
كانت اضطرت تشتري تذكرة رجوع على حسابها، لأن كريم سابها لوحدها في المطار، وبعدها بطل يرد على مكالماتها.
دخلت لقت مريم واقفة بتلم هدوم كريم وملفاته وتحطها في كراتين.
صرخت الحاجة سعاد
كريم فين؟
ردت مريم من غير ما تبصلها
عليه إجراءات احترازية.
ممنوع يقرب مني...
وممنوع يدخل بيت الفيوم.
حطت الحاجة سعاد إيدها على صدرها وقالت بصدمة
إنتِ بلغتي عنه؟!
بلغتي عن جوزك بنفسك؟
مريم قفلت الكرتونة اللي قدامها وقالت
أنا بلغت عن الراجل اللي حبسني من غير مية، وهدد إنه يطلعني من البيت ميتة.
هزت الحاجة سعاد راسها باستهزاء وقالت
هو كان عايز يسيبك شوية تفكري.
إنتِ اللي استفزتيه لما أهنتيني.
بصتلها مريم بثبات وقالت
هو اللي قفل الباب.
لكن إنتِ اللي علمتيه إن السيطرة على الست حاجة طبيعية.
إنتوا الاتنين اقتنعتوا إن فلوسي وبيتي وحياتي ملككم.
بدأت الحاجة سعاد تهدد.
قالت إنها هتخلي مريم تتنازل عن البلاغ.
وإن حفيدها مستحيل يتولد وأبوه متسجل كمجرم.
وقالت كمان إنها هتبيع شقتها وتجيب لكريم أحسن محامي في البلد.
لكن مريم قاطعتها وقالت
كريم اعترف بكل حاجة في النيابة.
وش الحاجة سعاد اتغير.
كملت مريم
فكرة إنكم تحبسوني ماجتش فجأة.
إنتوا كنتوا بتناقشوها مع بعض بقالكم أيام.
إنتِ اللي اقترحتي إن المية تتقفل.
والأكل يتشال.
والموبايل يتاخد مني.
وإنتِ كمان اللي قلتي له يطول مدة حبسي لحد ما أوافق وأمضي على ورقة تسمحلكم تبنوا الأوضة الجديدة في البيت.
وعشان كده...
النيابة طلبتك للتحقيق إنتِ كمان.
لأول مرة...
الحاجة سعاد فقدت غرورها.
قالت بسرعة
هو كداب!
بيرميني في المصيبة عشان ينقذ نفسه!
ردت مريم
فيه رسايل بينكم.
والنيابة قدرت تسترجعها.
مدت الحاجة سعاد إيدها عشان تخطف الكرتونة اللي قدام مريم...
لكن في اللحظة دي، خرج اللواء عبد الحميد من الأوضة اللي جنبهم.
بصلها بصرامة ومد إيده وقال
المفاتيح.
وقفت الحاجة سعاد مكانها لحظة.
وبعدين طلعت مفاتيح الشقة من شنطتها، وحطتها على الترابيزة.
وخرجت من غير ما تقول كلمة واحدة.
القضية ما انتهتش بسرعة.
كريم قضى ليلتين في الحجز.
وبعدها خرج وهو ملتزم بقيود وأوامر منع اقتراب، لحد ما التحقيقات تكتمل.
والشركة اللي كان شغال فيها وقفته عن العمل، بعد ما عرفوا إنه استخدم عربية تابعة للشركة عشان يروح بيت الفيوم...
وإنه كمان بعت بعض الرسايل من جهاز شغل رسمي.
في البداية...
كريم لام كل الناس.
لام مريم لأنها بلغت عنه.
ولام أبوها لأنه أهانه قدام الشرطة.
ولام أمه لأنها ملّت دماغه بأفكارها.
لكن جلسات العلاج النفسي الإلزامية بدأت، واحدة واحدة، تشيل منه شماعة الأعذار.
هو ماكانش مسحور من أمه.
وماكانش فاقد الوعي.
هو أخد قراراته بنفسه.
قفل محبس المية بإيده.
فصل الكهرباء بإيده.
خبّى المفاتيح بإيده.
ووقف يبص لمريم من ورا الإزاز ويبتسم.
والحقيقة دي...
كانت أصعب عليه من أي عقوبة.
اتفاق الطلاق نص على إن كريم يرجّع لمريم نصيبها من الفلوس اللي اتسحبت.
وكمان يتحمل تكاليف متابعة الحمل والعلاج.
وبعد ولادة الطفلة، يدفع نفقة شهرية لها.
العربية اتباعت عشان تغطي جزء من الديون.
أما بيت الفيوم...
ففضل ملك مريم،
لأنه كان باسمها من قبل الجواز.
أما القضية الجنائية...
فانتهت بإجراء قانوني مشروط.
كريم يدفع تعويضًا ماليًا.
ويلتزم بعدم الاقتراب من مريم.
ويكمل جلسات العلاج النفسي الإلزامية.
ويؤدي خدمة مجتمعية.
المحامية ليلى شرحت لمريم إنها تقدر ترفض الاتفاق وتكمل القضية للمحاكمة.
لكن مريم وافقت...
بعد ما اتأكدت إن الاتفاق نص بشكل واضح إن كريم ممنوع يدخل بيت الفيوم.
وممنوع يتواصل معاها إلا في الأمور المتعلقة بالحمل والطفلة.
هي ماعملتش كده عشان تحميه.
عملت كده عشان تسترد حياتها...
من غير ما تفضل مربوطة بيه سنين طويلة في المحاكم.
بعد شهرين...
كريم طلب إذن إنه يبعت لها جواب.
المحامية ليلى قرت الجواب الأول.
وبعدين سلمته لمريم، من غير ما تشجعها ترد عليه.
الجواب كان أربع صفحات.
لأول مرة...
كريم ما اتكلمش عن أمه.
وما قالش إنه كان متعصب.
وما حاولش يبرر.
كتب بالتفصيل كل اللي عمله.
كتب إنه فضّى المطبخ من الأكل.
وخبّى مفاتيح العربية.
وفصل لوحة الكهرباء.
وقفل الباب وجرب القفل مرتين قبل ما يسافر.
واعترف إنه خطط للحبس...
لأنه كان واثق إن الخوف هيكسر مريم، ويخليها توافق إن أمه تنتقل للبيت.
أما آخر جملة في الجواب...
فكانت
أسوأ حاجة ماكنتش إني فقدت السيطرة...
أسوأ حاجة إني استخدمت السيطرة بالظبط بالطريقة اللي أنا كنت عايزها.
طوت مريم الجواب، وحطته في ملف القضية.
ما قطعتهوش.
لكنها كمان ما اعتبرتوش وعدًا حقيقيًا بالتغيير.
هي كانت سمعت اعتذارات كتير قبل كده...
اعتذارات ما كانتش بتظهر إلا لما الشخص المؤذي يبدأ يخاف من نتيجة أفعاله.
في جلسات العلاج النفسي...
بدأت مريم تتعامل مع نوع مختلف من الإحساس بالذنب.
كانت بتلوم نفسها لأنها ما اتحركتش من بدري.
افتكرت كل مرة أهانتها فيها الحاجة سعاد.
وكل مرة قال لها كريم
بلاش تكبري الموضوع.
شرحت لها الدكتورة النفسية إن العنف نادرًا ما بيبدأ بباب مقفول.
غالبًا بيبدأ لما حد يسخر من حدودك.
أو يتحكم في فلوسك من غير اتفاق.
أو يطلب منك تسكتي عشان تحافظي على شكل سلام مزيف.
فهمت مريم إنها ما كانتش ساذجة عشان حبت.
هي بس كانت صبورة في مكان استغل صبرها ضدها.
قررت كمان
تحكي الحقيقة لاثنتين من أقرب صاحباتها.
كانت متوقعة أسئلة محرجة...
لكنها لقت مساعدة حقيقية.
واحدة فيهم قسمت مواعيدها عشان تروح معاها زيارات الدكتور.
والتانية ساعدتها ترجع لمشروعات تصميم الحدائق اللي كانت سابتها بسبب الخوف والإرهاق.
وبالتدريج...
مريم رجعت تشتغل.
وكل ما كانت تصمم حديقة جديدة، كانت تفتكر إن حتى النبتة المتضررة ممكن ترجع تنمو...
لما الضغط يتشال من على جذورها.
أما الحاجة سعاد...
فرفضت تعترف بأي مسؤولية.
باعت جزء من دهبها عشان تدفع أتعاب المحامين.
وبطلت تروح تجمعاتها مع صاحباتها.
وقعدت مقفولة على نفسها في شقتها.
كانت بتكلم مريم من أرقام غريبة، وتسيب لها رسايل صوتية فيها شتيمة وعياط وتوسل في نفس الوقت.
مريم ما ردتش عليها ولا مرة.
وفي الشتا...
انتقلت مريم تعيش بشكل نهائي في بيت الفيوم.
أمها، الحاجة نادية، فضلت معاها في الشهور الأخيرة من الحمل.
وأبوها صلح السقف بمساعدة اتنين من زمايله القدام.
أما التراس القديم...
فاتحول لمكان بسيط وجميل مليان زرع.
من غير الأوضة الضخمة اللي كانت الحاجة سعاد مخططة تبنيها لنفسها.
رجعت مريم صور العيلة.
والمفارش المطرزة.
وتماثيل الملائكة الصغيرة المصنوعة من السيراميك.
وحطت كل حاجة في مكانها من جديد.
وفي
يوم...
وهي بترتب سرير البيبي...
موبايلها رن.
كان كريم.
قال بصوت مبحوح
أمي في المستشفى.
جالها جلطة.
وبتسأل عليكي.
مريم كانت هتقفل المكالمة.
ماكانش عندها أي رغبة تشوف الست اللي حاولت تطردها من حياتها وبيتها.
لكن في الليلة دي...
فهمت إن زيارة الحاجة سعاد مش معناها إنها تديها السيطرة تاني.
هي تقدر تدخل المستشفى بإرادتها...
وتخرج بإرادتها.
تاني يوم...
راحت المستشفى ومعاها أبوها، اللي استناها بره الأوضة.
كانت الحاجة سعاد على السرير...
وشها شاحب.
شكلها كبر سنين.
ونص وشها ماكانش بيتحرك.
أول ما شافت مريم...
بدأت تعيط.
حاولت تتكلم كذا مرة.
وفي الآخر قدرت تنطق كلمتين بصعوبة
أنا آسفة.
قعدت مريم جنبها وقالت
أنا مش عارفة إنتِ ندمانة على اللي عملتيه...
ولا ندمانة عشان خسرتي ابنك بالشكل اللي كنتِ تعرفيه بيه.
لكن أنا مش هشيل كرهك جوايا أكتر من كده.
الحاجة سعاد مسكت صوابعها بضعف.
كملت مريم
أنا مسامحاكي.
لكن ده مش معناه إن اللي حصل اتمسح.
ومش معناه إنك هترجعي تدخلي حياتي.
ده معناه بس إنك مش هتفضلي عايشة جوا دماغي.
فضلت مريم معاها ساعة كاملة.
ولما خرجت من المستشفى...
حست براحة عمرها ما توقعتها.
بعد أسبوع...
الحاجة سعاد ماتت.
في العزا...
كان كريم شكله أصغر
وأضعف، وفي نفس الوقت كأنه كبر عشر سنين مرة واحدة.
قرب من مريم من غير ما يدخل في مساحتها.
وقال
شكرًا إنك رحتي لها.
ردت مريم
أنا عملت كده عشاني أنا.
هز كريم راسه وسألها
البيبي ولد ولا بنت؟
بنت.
سكت لحظة وبعدين قال
هتسمحيلي أعرفها؟
مريم أخدت كام ثانية قبل ما ترد.
وبعدين قالت
تقدر تبقى أبوها...
لو اتعلمت إن الحب مش معناه التملك.
أول مرة تحاول تستخدم بنتك عشان تقرب مني أو تتحكم فيا...
كل حاجة هتنتهي.
رد كريم بهدوء
فاهم.
وفي شهر أبريل...
ولدت مريم بنتها، وسمتها ليلى.
كريم شافها لأول مرة في وجود المحامية ووالد ووالدة مريم.
وأول ما شال بنته...
بدأ يعيط.
ماطلبش من مريم ترجعله.
وما اتكلمش عن بداية جديدة.
فضل بس باصص لبنته...
ووعدها إنه عمره ما هيخلط بين الطاعة والحب.
خلال الشهور اللي بعد كده...
التزم كريم بدفع النفقة.
وكمل علاجه النفسي.
واحترم كل الحدود اللي مريم حطتها.
الزيارات بدأت تحت إشراف.
ومع الوقت...
بقت طبيعية أكتر.
مريم ما نسيتش اللي حصل.
وما رجعتش تثق فيه زي زمان.
لكنها قدرت تعترف إنه لأول مرة بدأ يتحمل مسؤولية أفعاله بجد.
لما ليلى كملت ست شهور...
جه كريم ومعاه باقة زهور وملف أوراق.
قال لها
بعت شقة أمي.
وبعد ما دفعت ديونها، فضل مبلغ من
الفلوس.
أنا عايز أعمل حساب استثماري باسم ليلى.
وكمان أكمل لكِ باقي الفلوس اللي أخدتها من مدخراتك.
ردت مريم بجدية
إنت ما تقدرش تشتري الغفران.
قال
عارف.
أنا مش بحاول أشتريه.
أنا بس بسدد دين عليا.
مريم ما وافقتش فورًا.
خدت الأوراق للمحامية ليلى عشان تراجعها.
وبعد ما اتأكدت إن كل حاجة قانونية...
وافقت.
وكل المبلغ اتحط باسم الطفلة.
وفي الصيف...
البيت رجع يتملي بالحياة.
كانت ليلى نايمة في عربيتها الصغيرة تحت ظل شجرة.
والحاجة نادية بتحضر القهوة.
واللواء عبد الحميد بيصلح لمبة في التراس.
وكريم كان هييجي بعد شوية يقضي كام ساعة مع بنته.
ماكانوش العيلة اللي مريم تخيلتها يوم فرحها.
كانوا حاجة أصعب...
لكن أصدق.
ناس بتجمعهم طفلة.
وتفصل بينهم حدود واضحة.
وكل واحد فيهم مضطر يعيش مع نتيجة قراراته.
وقفت مريم تبص على التراس.
وعلى الزرع.
وعلى الباب الجديد...
اللي بقى يتفتح من جوه، من غير ما تحتاج تطلب الإذن من أي حد.
كانت اتعلمت إن التسامح مش معناه الرجوع.
وإن وضع الحدود مش بيدمر العيلة.
وإن مفيش عادة...
ولا جواز...
ولا صلة دم...
تبرر إن الحب يتحول لطاعة وخضوع.
الليلة اللي كريم قفل عليها فيها...
كان فاكر إنه سابها من غير طريق للخروج.
لكن في الحقيقة...
هو قفل للأبد باب الحياة اللي كانت مريم بتقبل فيها تختفي وتسكت عشان تحافظ على السلام.
ولما مريم لقت التليفون السري...
هي ما طلبتش النجدة وبس.
هي استردت صوتها.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق