رواية طلاق كامله بقلم نور محمد
طلاق بقلم نور محمد
صفعة وطلاق – محمد نور
الجزء الأول: الصفعة
صفعني من أجل امرأة أخرى. وبعد اثنتي عشرة ساعة، كنتُ على متن الطائرة المتجهة إلى لندن برفقة ابنتنا.
رفضتُ 47 مكالمة.
أغلقتُ الهاتف، وضممتُ ابنتي النائمة إلى صدري، وتركتُ الطائرة تواصل طريقها نحو مطار هيثرو.
على ارتفاع ثلاثين ألف قدم، لم تكن هناك أي إشارة اتصالات.
لكن كان بإمكاني أن أتخيل تماماً “عامر الشاوي” وهو يدخل منزلنا الخالي.
قبل اثنتي عشرة ساعة، وأمام مطعم مكتظ بالناس، صفعني زوجي ليدافع عن “وفاء اللامي”.
كان صوت الصفعة قوياً لدرجة أن جميع الأحاديث توقفت في اللحظة نفسها.
قوياً لدرجة أنني شعرت بالطعم المعدني للدم في طرف شفتي.
قوياً لدرجة أنني، ولأول مرة منذ ثلاث سنوات من الزواج، استيقظتُ من غفلتي.
كنتُ في الثالثة والعشرين من عمري عندما تزوجتُ من عامر.
وفي السادسة والعشرين، فهمتُ أحياناً كم كلفني حبه.
من أجله رفضت مسيرة مهنية مميزة في لندن.
ومن أجله تركتُ المنصب الذي أعدته أمي لي.
ومن أجله قبلتُ أن أكون مجرد “سيدة منزل”.
كان يقول إنه يحب العودة إلى بيت ينتظره فيه أحد.
لذا… انتظرتُ.
وكان يقول إن وفاء “مجرد صديقة”.
لذا… صدقتُه.
وكان يقول إن تلك المكالمات في وقت متأخر من الليل هي لأجل العمل.
لذا… صمتُّ.
حتى تلك الليلة.
سكبت وفاء العصير عليّ، وعندما أبديتُ رد فعل، لم يكلف عامر نفسه حتى مشقة السؤال عما حدث.
كل ما فعله أنه رفع يده… وصفعني. دون تردد.
تحركت ابنتي “ميا” وهي نائمة بين ذراعي، وأمسكت بطرف معطفي بيدها الصغيرة.
ضممتها بقوة أكبر.
همستُ وأنا أنظر عبر النافذة:
— عامر… ظننتَ أنك تصفع امرأة عاجزة عن العيش بدونك… لقد أخطأت. كل ما كسرته كان السبب الأخير الذي كان يبقيني معك.
عندما هبطت الطائرة في هيثرو، كانت شاشة هاتفي تعرض:
47 مكالمة مفقودة.
12 رسالة نصية.
كانت الرسالة الأولى تقول: “كلثوم، أين أنتِ؟”
ثم يليها: “كُفي عن التصرف كالأطفال وعودي فوراً.”
أما الأخيرة، والتي أُرسلت في الثالثة صباحاً، فكانت: “كلثوم القاسم، ماذا تريدين مني بحق السماء؟”
ناولتُ الهاتف لمساعدتي:
— إيناس، غيري لي هذا الرقم.
لم تسأل عن شيء.
بعد خمس دقائق خرجتُ من المطار، ولحقتُ بسيارة فاخرة سوداء كانت بانتظارنا. كانت أمي بداخلها.
وقعت عيناها فوراً على العلامة الحمراء المنطبعة على خدي. لم تنطق بكلمة، لكنني رأيتُ أصابعها تتشنج غضباً.
— أنا بخير يا أمي.
ردت بهدوء مرعب:
— بالطبع… شقتكِ في كينسينغتون جاهزة، وأعددنا غرفة ميا أيضاً.
— والشركة؟
نظرت إليّ أمي وقالت:
— الشركة تنتظركِ منذ ثلاث سنوات.
أشحتُ بظري نحو شوارع لندن.
قبل ثلاث سنوات غادرتُ هذه المدينة وأنا أصغر مديرة دولية في “مجموعة القاسم القابضة”.
لم يعرف عامر قط من أكون بحق. لم يعرف أن اسم عائلتي لم يكن مجرد لقب عادي، وأن عائلتي تدير تكتلاً اقتصادياً بصفقات في أوروبا وآسيا وشمال أمريكا. أخفيتُ ذلك عنه لأنني كنتُ أؤمن بأن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى مال أو ألقاب أو نفوذ.
كم كنتُ ساذجة!
في صباح اليوم التالي، في تمام الساعة العاشرة، دخلتُ مجدداً إلى المقر الأوروبي لـ “مجموعة القاسم”.
كان النائبان بانتظاري أمام المصعد:
— أهلاً بكِ سيدة كلثوم.
— أرسلا لي القوائم المالية للسنوات الثلاث الأخيرة. وغداً أريد اجتماعاً مع جميع المديرين.
جلستُ أمام النافذة المطلة على نهر التايمز:
— وأمر آخر… جِدا لي أفضل محامٍ للطلاق في لندن.
في الثالثة عصراً، كان لدي موعد معه بالفعل. لم أكن أريد أموالاً من عامر، ولا منزلنا، ولا أي تعويض. كل ما أردته هو ابنتي… وأن أخرج من حياته تماماً.
لكن عامر، وبحكم عمله كمحامٍ، قرر تحويل الأمر إلى حرب.
بعد يومين، أرسل إشعاراً قانونياً يتهمني فيه بإخراج ابنتنا من البلاد دون موافقته.
للمزيد من القصص الحصرية يمكنكم الانضمام الى جروبنا الجديد : روايات محمد نور
وفي الصباح نفسه، ظهرت شائعة مالية تقول: “مسؤولة تنفيذية بارزة في مجموعة القاسم فرت إلى الخارج بمبالغ ضخمة من أموال الشركة.”
تراجعت الأسهم. تقصينا المصدر، وتبين أن الشائعة خرجت من شركة مرتبطة بـ “مجموعة الهلالي”، وهي الشركة التي يملكها والد وفاء.
عندها سألتُ:
— من هو أكبر عميل لمكتب المحاماة الخاص بعامر؟
فتح النائب ملفاً، وقرأ الاسم، ثم تجمد في مكانه. وكذلك فعلتُ أنا.
لأنني فهمتُ فجأة سبب حماية عامر المستمرة لوفاء، ولماذا نسي عيد ميلادي ليدعوها ويستقبلها في المطار، ولماذا كانت كل مشادة تنتهي برجائه لي أن “أكون متفهمة”.
بلع النائب ريقه وقال:
— كلثوم… العميل الرئيسي الذي مول مكتب عامر عندما افتتح شركته الخاصة كان…
— قلها.
أغلق الملف وقال:
— مجموعة الهلالي.
الجزء الثاني: الحقيقة المواجهة
المرأة التي ضربني زوجي بسببها لم تكن تعلم أنني على وشك سلبها صفقة حياتها.
لعدّة ثوانٍ لم يتكلم أحد. ظل اسم “مجموعة الهلالي” عالقاً في الهواء كقطعة أخيرة أُضيفت إلى لغز حاولتُ فهمه لثلاث سنوات.
— منذ متى؟ — سألتُ.
فتح “هشام”، النائب المالي لشركة القاسم في أوروبا، وثيقة أخرى:
— ترك عامر الشاوي مكتب المحاماة القديم قبل ثلاث سنوات. ولكي يفتتح مكتبه الخاص كان بحاجة إلى رأس مال وعملاء. وكانت مجموعة الهلالي من أوائل من وقّعوا معه عقداً طويل الأمد.
— من الأوائل؟
نهز هشام رأسه:
— بل العميل الأهم على الإطلاق.
شعرتُ بهدوء غريب. لا ألم، ولا صدمة… مجرد هدوء.
فجأة، اكتسبت العديد من المشاهد في زواجي معنى آخر: العشاءات التي لم يستطع عامر مرافقتي إليها، عطلات نهاية الأسبوع التي زعم أنه يُعدّ فيها قضايا، مكالمات وفاء في منتصف الليل، ورحلات العمل المفاجئة.
لسنوات تساءلتُ إن كنتُ حساسة أكثر من اللازم، لكن الحقيقة كانت أسهل بكثير: لقد عشتُ داخل كذبة صُممت بإتقان حتى لا أطرح الكثير من الأسئلة.
— هل هناك شيء آخر؟
تردد هشام:
— والد وفاء، السيد “كمال الهلالي”، أوصى بعامر شخصياً لدى عدة عملاء. نحو أربعين بالمئة من دخل مكتبه حالياً يرتبط بالمجموعة بشكل مباشر أو غير مباشر.
ابتسمتُ بسخرية:
— إذن إن سقطت مجموعة الهلالي…
— سيفقد مكتب زوجكِ الجزء الأكبر من تدفقاته المالية.
— زوجي السابق — صححتُ له.
— ليس بعد.
— سيكون كذلك.
أغلقتُ الملف:
— لن نمس مكتبه.
— ألن نفعل شيئاً؟
— لا شيء.
بدا هشام متفاجئاً:
— كلثوم، بالنظر إلى ما فعله…
— لهذا السبب تحديداً! إن هاجمنا مكتبه سيقول إنها انتقام شخصي، ولن أمنحه هذه الذريعة.
— وماذا سنفعل إذن؟
نظرتُ نحو نهر التايمز:
— سنفوز بصفقة “نوردتيك”.
كانت “نوردتيك” أهم استحواذ تسعى له مجموعة القاسم في أوروبا؛ شركة سويدية لتخزين الطاقة وبرمجيات شبكات الكهرباء. قيمتها التقديرية: 1.2 مليار يورو.
كانت مجموعة الهلالي تحاول شراءها منذ أشهر، وكانت وفاء تقود عملية الاستحواذ بنفسها.
لم يعد الأمر مجرد عمل، لكنني لن أسمح له بأن يتحول إلى ثأر شخصي أيضاً. هذا هو الفرق بيني وبين وفاء: هي كانت بحاجة لتدميري، أما أنا فكنتُ فقط بحاجة إلى أن أكون الأفضل.
في الجمعة التالية، سافرتُ إلى ستوكهولم.
الاجتماع النهائي مع المساهمين كان في فندق أطل على المرفأ. دخلتُ برفقة هشام وإيناس وفريقنا القانوني.
كانت وفاء هناك بالفعل. لم أرَها منذ ليلة الصفعة. كانت ترتدي بدلة بيضاء أنيقة، وتسريحة شعر مرفوعة، وتلك الابتسامة الهادئة المدروسة.
عندما رأتني، هبطت نظراتها لكسر من الثانية نحو خدي. كانت العلامة قد اختفت، لكن ابتسامتها لم تختفِ.
— كلثوم.
— وفاء.
— لم أتوقع رؤيتكِ هنا.
— هذا ما يحدث عادةً عندما يظن أحدهم أنه يعرفني أكثر مما أعرف نفسي.
تشنجت ابتسامتها:
— عامر قلق جداً عليكِ.
— يا لَكَرَمِ أخلَاقِه!
— إنه يبحث عن ميا.
— ميا مع أمها.
خطت وفاء خطوة نحوي:
— كلثوم، ربما عليكِ التوقف عن استخدام ابنتكِ لمعاقبة زوجكِ.
تبادل أعضاء فريقي النظرات، أما أنا فابتسمتُ بثبات:
— وفاء، سأعطيكِ نصيحة مجانية. عندما تحاولين شراء شركة بقيمة المليار يورو، حذارِ أن تبدئي صباحكِ بإهانة منافستكِ.
تغيرت ملامحها:
— أنتِ… تنافسينني؟
— أنا المديرة التنفيذية لمجموعة القاسم في أوروبا.
ولأول مرة، فقدت وفاء السيطرة على تعابير وجهها تماماً:
— ماذا؟!
— ألم يخبركِ عامر؟
— قال عامر إنكِ… — توقفت.
— إنني ماذا؟
لم تجب، ولم يكن هناك داعٍ لإجابتها. كنتُ أعلم تماماً ما يقوله عامر عني: أنني تركتُ عملي، وأعتمد عليه، وأن عائلتي بسيطة ولا أهمية لها… وأنني مجرد زوجة غيورة، ربة منزل ضعيفة وسهلة الانقياد.
— الاجتماع سيبدأ بعد خمس دقائق — قلتُ لها — حظاً موفقاً.
دخلتُ القاعة. كانت العروض المالية لشركتنا ولشركتهم متقاربة، لكن الفارق كان في الاستراتيجية.
مجموعة الهلالي أرادت تفكيك الشركة ونقل أصولها التكنولوجية، بينما عرضنا نحن الإبقاء على المقر في السويد، والحفاظ على الفريق المؤسس، وتوسيع نطاق العمل.
عندما جاء دوري للتحدث، أغلقت العرض التقديمي الجاهز:
— لن أعرض عليكم رسوماً بيانية. أنتم تعرفون أرقامنا وأرقام الهلالي. الكلمة ليست لمن يدفع أكثر… بل لمن يفهم ماذا تبيعون.
ثم خاطبتُ المؤسس “لارس”:
— أنت لا تبيع بطاريات يا سيد لارس، أنت تبيع 15 سنة من حياتك، تبيع شركة بدأتها بستة أشخاص. نحن لا نريد محو اسم “نوردتيك”، بل نريد إيصاله للأسواق العالمية. سنبقي على الإدارة، ولن نسرّح أي موظف، وسنخصص 200 مليون يورو إضافية للبحث والتطوير.
سأل لارس:
— عرضكم الأصلي لم يكن يتضمن هذه الاستثمارات الإضافية؟
— إنه يتضمنها الآن، بضمان موافقة مجلس إدارتنا.
وضع هشام الرسالة الموقعة على الطاولة. ابتسم لارس، وعرفت وفاء في تلك اللحظة أن اللعبة قد حُسمت.
بعد ساعتين، أعلنت “نوردتيك” دخولها في مفاوضات حصرية مع مجموعة القاسم.
عند خروجي، لحقت بي وفاء وهي شاحبة الوجه:
— كلثوم! هل فعلتِ هذا لتنتقمي مني؟
توقفتُ ونظرتُ إليها:
— وفاء، هذا هو الفرق بيننا… أنتِ نظّمتِ حياتكِ لسنوات حول زوجي، أما أنا فدائماً ما لدي أشياء أهم لأقوم بها.
— أنتِ لا تعرفين شيئاً عني وعن عامر!
— أعرف ما يكفي.
ضحكت بمرارة:
— لا، لا تعرفين! هل تعرفين لماذا افتتح عامر مكتبه؟ لأن والدي اقترح عليه ذلك ورأى فيه الإمكانات. عامر كان دائماً ممتناً لنا. أنتِ ظهرتِ في أسوأ وقت!
— أنا؟
— عامر وأنا نعرف بعضنا منذ الجامعة، لكنه لم يكن يملك شيئاً. ثم التقاكِ أنتِ… واختاركِ لأنكِ كنتِ “بسيطة”، معَكِ لم يكن يضطر لإثبات أي شيء، فأنتِ لا تنتمين إلى عوالمنا!
سألتها بهدوء:
— كم تبلغ قيمة مجموعة الهلالي برايكِ؟
— نحو أربعة مليارات…
— مجموعة القاسم تدير أصولاً تتجاوز ثمانية عشر ملياراً.
شحب وجهها تماماً، فاقتربتُ منها وقسوتُ بنبرتي:
— لذا قبل أن تحدثيني عن “عالمنا”، تأكدي أولاً في أي عالم تقفين!
وصل عامر إلى لندن بعد ثلاثة أيام، وطلب عبر محاميه رؤية ميا.
لم أمنعه. نسقتُ زيارة مُشرفة في مركز عائلي يوم السبت.
عندما دخل القاعة، كان يبدو كمن لم ينم منذ أيام؛ بذلة داكنة، ورابطة عنق ملتوية، وسواد تحت عينيه.
— كلثوم… أين ميا؟
— ستصل بعد قليل.
خطا نحوي:
— أريد الحديث معكِ! لا أريد محامين، أريد زوجتي!
— لم أعد زوجتك بأي شكل.
تشنج فكّه:
— هل تمحى ثلاث سنوات بسبب صفعة واحدة؟
نظرتُ إليه:
— لا… ثلاث سنوات كانت تُمحى تدريجياً، والصفعة كانت فقط النقطة الأخيرة.
— كنتُ غاضباً! ووفاء كانت مغطاة بالعصير!
— وأنا كذلك. لكنك لم ترَ ما حدث، ومع ذلك اخترتَ فوراً من هو الجاني ومن هو الضحية! هذا ما أنهى زواجنا. لو كان غريباً لفعل ذلك لربما غفرتُ، لكنك زوجي… وفي تلك الليلة، كان رد فعلك الأول هو حمايتها وعقابي أنا!
خفض عينيه:
— أنا آسف.
لسنوات تخيلتُ هذه الكلمة وتخيلتُ نفسي أبكي وأسامحه، أما الآن فلم أشعر بشيء.
— أقبل اعتذارك، لكنني لن أغير قراري.
— إذن اعتذاري لا يعني لكِ شيئاً؟
— يعني أنني لا أريد قضاء باقي حياتي في كرهك.
فتُح الباب ودخلت ميا. ركضت نحو والدها: “بابا!”. جثا عامر على ركبتيه وضمها، ورأيتُ كتفيه ترتجفان بكاءً.
أشحتُ بظري. كان هذا هو والد ابنتي، والعلاقة بين الأب وابنته لا ينبغي أن تموت بموت الزواج.
في تلك الليلة اتصل عامر، وأجبتُه.
— شكراً لأنكِ سمحتِ لي برؤيتها… لم أكن أعلم أمر “مجموعة القاسم”. لماذا لم تخبريني قط؟
— هل تسأل هذا الآن حقاً؟
— قضيتُ ثلاث سنوات أظن أنكِ ضحيتِ بكل شيء لأجلي!
— لقد ضحيتُ بالكثير… وعندما التقيتك لم أردك أن تحب لقبي أو نفوذي، بل أردتُ معرفة ما إذا كنتَ تحب “كلثوم” الإنسانية.
— وقد أحببتكِ!
— في مرحلة ما… نعم. لكن الحب ليس مجرد رغبة في إبقاء الطرف الآخر بجانبك، الحب هو الاحترام عند الغضب، والتصديق والحماية. أنتَ أردتني فقط أن أكون متاحة لك دائماً، وهذا ليس حباً.
بينما كانت إجراءات الطلاق تتقدم، ظهرت عراقيل في صفقة “نوردتيك”؛ إبلاغ مجهول يتهمنا بالتلاعب، ومقالات تشكك في شفافيتنا.
حققنا في الأمر، واكتشفنا أن مستشاراً سابقاً سرق وثائق مسربة ومحرّفة عمداً لتبدو وكأننا أخفينا بيانات المخاطر. والمستشار كان يعمل لحساب مجموعة الهلالي!
ثم جاءني اتصل مفاجئ من عامر يريد لقائي لأمر يخص “الهلالي”.
التقينا بحضور محاميتي، ووضع عامر وحدة ذاكرة (USB) على الطاولة:
— هذه رسائل إلكترونية داخلية تثبت أن وفاء هي من أعطت الأوامر بحملة التشويه ضد القاسم وضدكِ شخصياً.
— كيف حصلت عليها؟
— مكتبي يمثل الهلالي، وقد رُفعت الملفات بالخطأ في مجلد إداري غير مشفر.
— ولماذا تحضرها لي؟
تنهد عامر:
— لأن هناك فارقاً بين المنافسة وبين تدمير الأشخاص.
استخدمنا الطرق القانونية للحصول على الوثائق رسمياً. وانفجرت القنبلة!
انكشفت وفاء، وقام والدها بعزلها فوراً من جميع مناصبها التنفيذية لإنقاذ سمعة الشركة، وأعادت السلطات السويدية فتح الملف لتوقع معنا “نوردتيك” عقد الشراء النهائي.
لم تتوقف الخسائر عند وفاء، بل إن مجموعة الهلالي قامت بفسخ عقدها مع مكتب عامر لتخفيض التكاليف بعد الفضيحة.
جاءني عامر إلى المكتب شاحباً، وقد فقد الكثير من وزنه:
— الهلالي أنهوا عقد معي… هل كان هذا بضغط منكِ؟
ضحكتُ بأسى:
— أنتَ تبحث عن شماعة أكون فيها أنا سبب الكارثة لترتاح! قراراتك هي التي جعلتك تعتمد اقتصادياً على الهلالي، وقراراتهم هي التي أنهت العقد. أنا لم أتدخل.
جلس عامر وانكسرت نبرته:
— أتدرين ما هو الأยوأ؟ عندما عادت وفاء لحياني… شعرتُ بأنني مهم. كانت تتذكر الشاب الفقير الذي كنتُه في الجامعة، وعندما طلبت مساعدتي القانونية شعرتُ أنني أثبتُّ نفسي أخيراً.
— وجعلتَ مني مجرد جزء من أثاث البيت؟
أغلق عينيه:
— نعم… كنتِ تنظرين إليّ وكأنني كافٍ بالفعل، وأعتقد أنني في لحظة ما بدأتُ أزدري ذلك التقبل البسيط.
كانت صراحته تؤلم، لا لأجله، بل لأجل المرأة التي كنتُها؛ المرأة التي تنتظره وتسخن العشاء ثلاث مرات!
— هذا يفسر الأشياء لكنه لا يبررها.
— أعلم… هل هناك أي فرصة لنعود؟
— لا.
استغرق الطلاق خمسة أشهر، وحصلنا على حضانة مشتركة راعت تواجدنا في بلدين مختلفين؛ تعيش ميا معي في لندن، وله زيارات وعطلات منتظمة. لم أطلب مالاً، ولم يطلب هو أياً من أصولي.
يوم التوقيع النهائي، وقعتُ باسمي الأصلي: كلثوم القاسم.
عند الخروج قال لي: “أنا آسف… ليس لأجل الصفعة، بل لأجل السنوات الثلاث كلها.”
كانت تلك أول آسف حقيقية منه.
— غفرتُ لك يا عامر… لكن الغفران لا يعني العودة.
بعد عامين، افتتحنا أول مصنع لـ “نوردتيك” في أمريكا.
كنتُ على متن الطائرة مع ميا التي أصبحت مهووسة بالطائرات. تذكرتُ رحلتي الأولى معها، والمكالمات الـ 47 المفقودة، والعلامة الحمراء على خدي… وكيف أن نهاية تلك الحياة كانت مجرد بداية لحياة جديدة وأعظم.
وصلتني لاحقاً رسالة إلكترونية من وفاء، تقول فيها إنها انتقلت للعمل في نيويورك، وأكدت أنها لا تطلب الغفران، لكنها فهمت أخيراً أن كلينا أضاع وقتاً طويلاً في تجنيد طاقتنا لنسأل رجلاً كم نساوي، وكأن قيمتنا مرتهنة به!
لم أجب على رسالتها، لكنني لم أحذفها؛ فقد كانت محقة في أمر واحد: لقد جعلنا من عامر جائرة يتنافس عليها الجميع، دون أن نسأل أنفسنا إن كان يستحق العنان لأجله!
وفي سن الثلاثين، توليتُ رسمياً منصب المديرة التنفيذية العامة لـ “مجموعة القاسم القابضة”.
وفي حفل التعيين بلندن، وقفتُ أمام الجمع وقلتُ:
— عندما كنتُ في الثالثة والعشرين، تركتُ عملي لأنني ظننتُ أن عليّ الاختيار بين حياتي المهنية والشخصية. كنتُ مخطئة. لا لأنه يمكنك امتلاك كل شيء دفعة واحدة، بل لأنه لا ينبغي لأحد أن يصغّر من نفسه لكي يشعر شخص آخر بأنه كبير!
في تلك الليلة، عدتُ إلى شقتي في كينسينغتون، وقفتُ في الشرفة أطل على لندن المضيئة.
تذكرتُ كيف قال لي عامر يوماً: “يعجبني أن أعود للبيت وأجد أحداً بانتظاري”.
لقد ظننتُ لسنوات أن دوري هو الانتظار… أما الآن فقد فهمتُ شيئاً أبسط بكثير:
أنا أيضاً أستحق أن أعود إلى بيتي، وأجد شخصاً ينتظرني… وهذا الشخص هو أنا.
رفعتُ كأسي ونظرتُ للأنوار:
تحيةً للمرأة التي كنتُها، وللمرأة التي تحملت الكثير، وللمرأة التي رفعت ابنتها، ورفضت 47 مكالمة، واستقلت الطائرة…
وتحيةً للمرأة التي لن تنتظر بعد اليوم إذناً من أحد لتعيش حياتها!


تعليقات
إرسال تعليق