القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

ضحكت على طليقتي لما شوفتها في طابور توزيع الأكل

 ضحكت على طليقتي لما شوفتها في طابور توزيع الأكل




حكايات بسمه كامله 


ضحكت على طليقتي لما شوفتها في طابور توزيع الأكل، وقلت لها: «إيه يا ماريان؟ الراجل الغني اللي سيبتيه عشانه زهق منك؟»… بعد عشر دقايق كنت ماشي وراها في الشوارع، وببص على طفلة عندها ٤ سنين… نفس عيوني بالظبط. اسمي فيكتور، وعمري ما تخيلت إن اليوم ده هيكون اليوم اللي أعرف فيه إن الأربع سنين اللي فاتوا من حياتي كلها كانت مبنية على كذبة. كنت متطوع في جمعية بتوزع أكل على الناس المحتاجة جنب محطة القطر.




الدنيا كانت برد ومطر، وأنا واقف بوزع أطباق شوربة، لحد ما رفعت عيني وشوفتها. ماريان. مراتي السابقة. لثواني افتكرت إني غلطان. ماريان اللي أعرفها كانت دايمًا مهتمة بنفسها، حتى لو كانت مرهقة. شعرها مرتب، هدومها نضيفة، ودايمًا بتحاول تبان قوية مهما كانت الدنيا ضاغطة عليها. لكن الست اللي واقفة قدامي كانت مختلفة تمامًا. جاكت خفيف مش مناسب للبرد. شعرها مبلول. ووشها شاحب. كانت ماسكة شنطة قماش قديمة، ومستنية دورها تاخد طبق أكل.


كان المفروض أديها الأكل وخلاص. لكن أربع سنين من الغضب خلوني أقول: —إيه يا ماريان؟ الراجل الغني اللي سيبتي جوزك عشانه سابك؟ إيدها شدت على الطبق. كنت مستني منها تشتم. تزعق. تدافع عن نفسها. لكنها بصتلي بس بنظرة غريبة… نظرة مافيهاش ذنب، قد ما فيها تعب. وقالت بهدوء: —شكرًا يا فيكتور. ومشيت. وقفت مكاني مش فاهم. لأربع سنين كنت مقتنع إنها خانتني وسرقت فلوسنا وهربت مع راجل تاني. أمي هي اللي قالتلي كل ده.

أمي كانت دايمًا شايفة إن ماريان مش مناسبة ليا. كانت بتدخل في كل حاجة. حساباتنا. فلوسنا. بيتنا. حتى شغل ماريان كانت شايفة إنه واخدها مني. ماريان كانت بتشتغل في شركة لوجستيات، وكانت شاطرة جدًا. وكان مرتبها أعلى من مرتبي. بدل ما أفتخر بيها، بدأت أغير منها. وبدل ما أقف جنبها، كنت بسمع كلام أمي. لحد اليوم اللي ماريان قالتلي إنها حامل. كنت مبسوط. لكن أمي بدأت تشكك. وبعدها بيوم جابتلي صورة لماريان واقفة جنب راجل غريب بيفتح لها باب عربيته.


قالتلي: —مراتك بتخونك يا فيكتور. واجهتها بالصورة. حاولت تشرح. قالت إن الراجل ده محامي قابلته في مركز بيساعد الستات. لكن أمي دخلت وقالت: —مفيش حاجة تتشرح. وأنا صدقتها. طردت ماريان من البيت وهي حامل. قبل ما تمشي، سابتلي ظرف وقالت: —اقراه بس. أنا ما قريتهوش. تاني يوم أمي قالتلي إن ماريان سرقت فلوس البيت وهربت. وكان عندنا حوالي ٢٥ ألف دولار محوشينهم عشان نشتري بيت. صدقتها برضه. ما فتحتش حتى حساب البنك.


بعدها حصل الطلاق. وماريان اختفت من حياتي. لحد اليوم ده. بعد ما مشيت وراها، دخلت شارع جانبي ووقفت قدام كنيسة قديمة. وهناك شفت ست كبيرة واقفة جنب عربية بيضا. وبجانبها طفلة صغيرة. ٤ سنين تقريبًا. لابسة جاكت بنفسجي قديم، وجزمة وردي، وشعرها أسود كيرلي. أول ما ماريان ظهرت، الطفلة جريت عليها: —مامي! ماريان نزلت على ركبتها وحضنتها. وقتها قلبي بدأ يدق بعنف. لكن اللي قتلني كان لما الطفلة رفعت وشها وبصتلي.


نفس عيوني. نفس شكل الحاجب. حتى نفس العلامة الصغيرة بين الحاجبين. ماريان شافتني. وشها ابيض. قربت الطفلة منها وحاولت تخبيها وراها. قلت بصوت متقطع: —ماريان… البنت دي عندها كام سنة؟ ما ردتش. قربت خطوة. —ماريان، أنا بسألك… البنت دي عندها كام سنة؟ الطفلة بصتلي وقالت: —مامي، مين الراجل ده؟ ماريان بدأت تعيط. وبعد أربع سنين من الصمت، قالت الجملة اللي هدت كل حاجة جوايا: —فيكتور… دي صوفيا. سكتت لحظة. وبعدين قالت:


—بنتك. لكن الحقيقة اللي قالتها بعدها كانت أسوأ بكتير… لأن صوفيا ما كانتش السر الوحيد اللي ماريان مخبياه عني.

انقبض صدري وكأن الهواء اختفى فجأة من الشارع الضيق. الكلمة خرجت من بين شفتيها كالسهم: «بنتك». صوفيا كانت تبص لي بعيون واسعة، عيوني أنا، بنفس الدهشة والفضول البكر. كانت تمسك بطرف جاكيت ماريان المبلول وتختبئ وراءها، بينما كانت ماريان ترتجف، ليس من البرد، بل من ثقل سنوات من الصمت والوجع المخبوء.

خطوت خطوة نحوها، لكن ماريان تراجعت للخلف تلقائيًا، وحمت الطفلة بذراعيها الشاحبتين. وقالت بصوت متهدج:

— بلاش يا فيكتور.. بلاش تقرب أكتر من كده. أنت اخترت تصدق من أربع سنين، واشتريت راحة بالك بالشك.. سيبنا في حالنا.

الست الكبيرة اللي كانت واقفة جنب العربية البيضا قربت ببطء، وبصتلي بنظرة كلها غضب وعتاب، وأخذت صوفيا من إيدها بهدوء وقالت لماريان:

— أدخلها جوة الكنيسة يا ماريان عشان البرد؟

ماريان هزت رأسها بالأنفاس المقشعرّة، ودخلت الست بالطفلة. بقيت أنا وماريان واقفين تحت المطر اللي بدأ يزيد، بين حيطان الحارة القديمة.

قلت لها بصوت مخنوق والدموع بتغلي في عيني:

— يعني إيه بنتي؟ إزاي يخفى عليا حاجة زي دي أربع سنين؟ إزاي تخليني أعيش العذاب ده كله وأنا فاكر إنك خنتيني وسرقتيني؟

ابتسمت ماريان ابتسامة مكسورة، مريرة، ودموعها نازلة توجع الروح:

— أنا اللي خليتك تعيش العذاب؟ أنت اللي اخترت يا فيكتور. أنت اللي رميتني في الشارع وأنا حامل في الشهر التاني، طردتني في نص الليل ومنعتني حتى أدافع عن نفسي. مسكت في الصور والظنون، ورفضت تقرأ الظرف اللي سبتهولك.. أنت نسيت الظرف يا فيكتور؟

الكلمة نزل عليا زي الصاعقة.. “الظرف”.

افتكرت ليلتها، لما أمي أخدت الظرف من إيدي فورًا وقالتلي: «أنا هرمي القرف ده في الزبالة، دي أكيد بتتمسكن عشان تبتزك». وما دورتش وراه.. صدقت أمي وسلمت عقلي ليها بالكامل.

سألتها وأنا برتجف:

— كان فيه إيه في الظرف يا ماريان؟ والفلوس..


الـ ٢٥ ألف دولار؟ أمي قالت إنك أخدتيهم وهربتِ مع الراجل اللي في الصورة!

هزت ماريان رأسها بأسى وجلس على درجة سلم قديمة قريبة من باب الكنيسة، وكأن ركبتيها لم تعد تحملاها.

— الراجل اللي في الصورة ده كان المحامي «فريد»، محامي متخصص في قضايا العنف الأسري وحماية حقوق المرأة.. والظرف كان فيه تقرير طبي موثق، وعقد الصندوق الاستثماري بتاعنا. أنا ما سرقتش دولار واحد يا فيكتور. الـ ٢٥ ألف دولار كانوا موجودين في الحساب المشترك لحد اليوم اللي أنت طردتني فيه. أمك هي اللي جابتلي محامي يوميها الصبح قبل ما أنت ترجع البيت، وهددتني بلائحة اتهامات باطلة وبلاغات لو ما تنازلتش عن نصي في الشقة وعن الحساب البنكي. أمك هي اللي أخدت الفلوس، مش أنا.

شعرت بالأرض تدور بي. أذني كانت تصفر، والكلمات تضرب عقلي كالرعد. أمي؟ أمي التي كانت تتصنع الحزن والشفقة عليّ كل هذه السنوات؟ أمي التي كانت تردد دومًا: «ربنا عوضك عنها يا ابني، الحمد لله إنك اكتشفتها قبل ما تدبس في عيال»؟

قربت منها وقعدت على الركبة قدامها في الشارع المبلول:

— أمي؟ أمي هي اللي أخدت الفلوس؟ طب وليه ما جيتيش تقوليلي؟ ليه ما حاربتيش عشان تبيني الحقيقة؟

رفعت ماريان عينيها الغارقتين بالدموع وبصت في عيني مباشرة:

— أحارب مين؟ أحارب جوزي اللي بدل ما يستوعب خبر حملي، رفع إيده عليا وصدق صورة مقصوصة؟ أحارب راجل كان بيغير من نجاحي في الشغل وكان مستني أي غلطة عشان يكسرني؟ أنت ما كنتش بتسمعني يا فيكتور.. أنت كنت بتسمع صوت أمك بس. لما خرجت من بيتك، ما كانش حيلتي ولا مليم. أمك جابرتني أوقع على تنازل عن كل حاجة مقابل إنها ما ترفعش عليا قضية تلفيق سرقة وتسجن أختي الصغيرة اللي كانت شغالة في شركتها. هددتني بأختي.. وأنا كنت خايفة على اللي في بطني.

مسحت ماريان دموعها بكفها المرتجف وتابعت بصوت مبحوح:

— الفلوس والصورة ما كانوش إلا القشور يا فيكتور..


السر الحقيقي اللي أنا خبايته عنك، واللي هيقتلك أكتر من أي حاجة تاني، هو اللي حصل بعد ما طردتني بشهرين.

توقفت أطرافي عن الحركة، وسألتها بذهول:

— حصل إيه؟

ردت بصوت خافت جداً، يتخلله صوت المطر:

— أمك ما اكتفتش برميي في الشارع وأخذ الفلوس. أمك كانت عارفة إني حامل.. ولما عرفت إن أختي ساعدتني أستأجر أوضة صغيرة، جمتلي المكان مع اتنين ستات.. وضغطوا عليا نفسياً وجسدياً عشان أجهض الجنين!

طارت عقلي من رأسي. شعرت ببرودة تسري في جسدي بأكمله، وقلبي يخفق بسرعة جنونية:

— أنتِ بتقولي إيه؟ أمي تعمل كده؟! مستحيل!

— أيوة يا فيكتور.. أمك كانت رافضة تماماً إن يكون بيني وبينك أي رابط للأبد. كانت خايفة إن الطفل ده يرجعنا لبعض أو يخليك تحن لي. الستات دول اعتدوا عليا وضربوني عشان أسقط.. ودخلت المستشفى في حالة حرج، بين الحياة والموت. الأطباء هناك حاربوا عشان ينقذوا حياتي وحياة صوفيا.. صوفيا اتولدت بمشاكل صحية في الرئة بسبب اللي حصل لي في الحمل، وعاشت أول سنة من عمرها في الحضّانة على أجهزة التنفس.

كنت أسمع كلماتها وأنا أضع يدي على رأسي، أصرخ بصوت مكتوم. الدنيا من حولي انهارت بالكامل. الشخصة التي كنت أقدسها، أمي، التي كنت أراها الملاك الحارس والمضحية، كانت شيطاناً يرتدي ثياب الحنان. هي من دمرت حياتي، هي من حرمتني من بنتي، وهي من حاولت قتل طفلتي قبل أن تخرج للحياة!

تابعت ماريان وهي تنظر نحو باب الكنيسة:

— أنا استقلت من شغلي، وبعت كل حاجة أملكها، حتى مجوهرات أمي الله يرحمها، عشان أدفع مصاريف مستشفى صوفيا وعلاجها. الشغلانة اللوجستية والكتير اللي كنت بكتبه على ورقي ضاع كله. بقيت أشتغل باليومية في تنظيف البيوت، وفي غسيل الصحون، عشان بس أقدر أشتري أدوية الرئة لصوفيا.. والنهارده، المطر والبرد خلوا أدوية صوفيا تخلص، وما كانش معايا ولا جنيه أشتري بيه أكل أو دوا، فما لقيتش قدامي غير طابور الجمعية الخيرية اللي أنت واقف تبتسم فيه وتتهمني بالخيانة!


/> سقطت على ركبتي بالكامل على الأرض المبتلة، وأمسكت بطرف معطفها، وأنا أبكي بحرقة لم أعرفها في حياتي:

— ماريان.. أرجوكي.. سامحيني.. أنا ما كنتش اعرف.. والله العظيم ما كنت اعرف حاجة عن كل ده! أنا كنت أعمى.. كنت غبي!

سحبت ماريان معطفها من إيدي بهدوء وقفت:

— الأسف ما بيرجعش السنين يا فيكتور. الأسف ما بيعالجش رئة صوفيا اللي بتتعذب في البرد. والأسف ما بيمحيش إهانة أربع سنين كنت فيها فاكرة إني خاينة وسارقة، وأنت عايش حياتك في تبكيت وتأنيب وهمي.

في تلك اللحظة، فتح باب الكنيسة، وخرجت صوفيا وهي تمسك بعروسة قماش قديمة، وقالت بصوتها الطفولي النقي:

— مامي.. طنط بتقول يلا عشان الأكل هيبرد.. والدوا بتاع صدري فين؟

تطلعت إليّ صوفيا بعينيها الصغيرتين اللتين تحملان نفس ملامحي، نفس السحر ونفس البراءة. شعرت برغبة عارمة في أن أركض إليها، أن أضمها إلى صدري، أن أعتذر لها عن كل ليلة قضتها في البرد بسبب غبائي وضلالي. لكنني كنت أستحي حتى من النظر في عينيها.

رفعت ماريان رأسها وقالت لي بنبرة حاسمة خالية من المشاعر:

— صوفيا هي كل حياتي يا فيكتور. وأنت بالنسبة لها مجرد غريب.. لو عاوز تعمل حاجة صح واحدة في حياتك، غيب من قدامنا، وما ترجعش تاني.

سارت ماريان نحو باب الكنيسة، وأخذت يد صوفيا ودخلتا إلى الداخل، وإغلق الباب الثقيل خلفهما، ليتركني وحدي في الحارة المظلمة، تسقط عليّ قطرات المطر كالإبر، وعقلي يشتعل بغضب لا يطاق.

وقفت بصعوبة. لم أعد أرى الشارع أمامي، بل كنت أرى صورة أمي.. تلك المرأة التي كنت أعد لها الشاي كل صباح، والتي كانت تربد على كتفي وتقول: «معلش يا ابني، بكرة تلاقي اللي تصونك».

مشيت بخطوات متسارعة، ثقيلة كأنها من حديد، متجهًا نحو بيتنا.. المنزل الذي بنيته من عرق جبيني، والذي شهد على خديعتي الكبرى. كنت أعلم أن المرة القادمة التي سأفتح فيها هذا الباب، لن تكون كما كانت أبدًا. لقد انتهى زمن الصمت، وحان وقت الحساب.



حكايات بسمه 2


وصلت للبيت والدم يغلي في عروقي. كان المطر بيغسل الشارع، لكن النار اللي جوايا كانت بتزيد مع كل خطوة. فتحت الباب بقوة خلت الخشب يربد في الحيطة.

أمي كانت قاعدة في الصالة، شرب الشاي في إيدها، ولابسة شالها الصوف الدافئ. أول ما شافتني بالحالة دي—هدومي مبلولة، وشي شاحب، وعيوني فيها غضب مشتعل—وقفت بخضة وقالت بتمثيلها المعتاد:

— فيكتور! مالك يا حبيبي؟ إيه اللي بلّك كده؟ تعالَ اقعد عقبال ما أعملك كوباية شاي تدفيك..

ربعت إيدي وزعقت بصوت هز أركان البيت، صوت ما سمعتوش مني في حياتها:

— ماريان فين يا أمي؟! صوفيا فين؟!

الشاي اتهز في إيدها، ووشها اتغير في ثانية. الصدمة ظهرت على ملامحها، لكنها حاولت تتدارك الموقف بسرعة وقالت بنبرة تصنع الذهول:

— ماريان؟ أنت بتجيب سيرة الست دي تاني ليه؟ وبعدين مين صوفيا دي؟ أنت تجننت يا فيكتور؟

قربت منها بخطوات متسارعة، ومسكت الظرف القديم اللي لقيته بالصدفة في أدراج مكتبها القديمة وأنا بدور على ورق الشقة الشهر اللي فات، الظرف اللي كانت أخدته من ماريان وأنا حاسب إنها رمت في الزبالة! رميته على الترابيزة قدامها.

— الظرف ده..


التقرير الطبي.. والتنازل اللي أجبرتيها عليه بإرهابك وأذيتك لأختها! والـ ٢٥ ألف دولار بتوعنا اللي أخدتيهم وحطيتيهم في حسابك الشخصي وقدمتلي الصورة المقصوصة عشان تقنعيني إنها خاينة وسارقة!

أمي سكتت. الملامح الحنونة الطيبة اختفت تماماً، وحل محلها وش صلب، بارد، خالي من أي رحمة. حطت كوباية الشاي على الترابيزة بهدوء، وقالت بنبرة حادة ومش قلقانة حتى:

— أيوة.. أنا اللي عملت كده. وعملته عشان مصلحتك! الست دي ما كانتش تنفعك، كانت شايفاك أقل منها، بمرتبها وشغلها ونجاحها. كانت هتركبك يا فيكتور! أنا ربيتك وكبرتك عشان تجيبي ست تبص لك من فوق؟

صرخت فيها والدموع نازلة من عيني:

— عشان مصلحتي؟! طردتِ مراتي الحامل في نص الليل؟ بعتِ لها ستات يضربوها عشان تسقط الجنين؟ طفلتي اتولدت بمشاكل في الرئة وعاشت سنتين في الحضانات وأنا فاكر إنها مش موجودة أساساً! صوفيا بنتي.. بنتي يا أمي اللي حرمتيني منها أربع سنين وجايبة أكلها من طابور جمعية خيرية في البرد!

أمي قربت مني ولفت دراعها كأنها لسة بتحاول تسيطر عليا، وقالت ببرود مرعب:

— البنت دي ما تلزمناش. ولو كنت سبتها، ماريان كانت هتفضل ماسكاك من إيدك اللي بتوجعك.


أنا نظفت حياتك منها ومن قرفها. الفلوس دي فلوسك أنت، ورثك من تعبك، مش حق واحدة غريبة. أنا حميتك منها!

زقيت إيدها بعنف وصرخت:

— أنتِ ما حميتنيش! أنتِ دمرتيني! دمرتي ابتك وخليتيه ممسخة وراجل مجرد من النخوة والضمير! أربع سنين عايش في وهم وكره، وبنتي بتتعذب في الشوارع!

طلعت تليفوني بأيد بترتجف، وطلبت النمرة.

أمي بصتلي بشك:

— بتتصل بمين؟

رديت عليها وأنا ببص في عيونها مباشرة وبصوت جاف كالحديد:

— بطلب البوليس يا أمي.. وبطلب الأستاذ فريد المحامي. هعترف بكل حاجة.. عن السرقة والتزوير، والاعتداء اللي اتسبب في إجهاض وجريمة في حق ماريان وبنتي.

وش أمي ابيض، ولأول مرة أشوف الرعب الحقيقي في عيونها. مسكت في هدومي وقالت بصوت متهدج:

— أنت هتسجن أمك عشان واحدة غريبة؟! هترميني في السجن بعد العمر ده كله؟

— أنتِ اللي رميتِ نفسك ورميتيني معاكِ يوم ما قتلتِ الضمير جواكي.

سبتها واقفة في الصالة تصرخ وتستعطفني، وخرجت وقفلت الباب ورايا. المطر كان لسة ينزل، لكن العاصفة الحقيقية كانت جوه قلبي.

جريت في الشوارع المظلمة لحد ما وصلت للكنيسة.

الباب كان مقفول، قعدت على درجة السلم اللي ماريان كانت قاعدة عليها من ساعة. حطيت رأسي بين إيديا وبكيت.. بكيت على الأربع سنين اللي ضاعوا، وعلى البنت اللي ما شفتش ابتسامتها وهي بتكبر، وعلى الست اللي ظلمتها وصنتها بالخيانة.

بعد ساعتين، الباب الخشبي الكبير اتفتح ببطء.

خرج الخادم المسؤول عن الكنيسة، وبصلي بأسى لما شافني غرقان في المطر ومردوم في دموعي.

قمت بسرعة وسألته بلهفة:

— ماريان.. ماريان وصوفيا جوة؟ أرجوك قولي إنهم لسة جوة!

الخادم هز رأسه بأسف وقال:

— ماريان أخدت صوفيا ومشيت من ساعة يا ابني.. لما عرفت إنك شفتها، خافت وحزمت شنطتها الصغيرة.

سألته وأنا بمسك فيه بانهيار:

— راحت فين؟ أرجوك قولي راحت فين!

أخرج الخادم ورقة مطوية صغيرة من جيبه واداهالي وقال:

— هي سابتلك الورقة دي وقالتلي أديها لك لو رجعت.. لكنها قالت كمان إنك مش هتلاقيها تاني خلاص.

مسكت الورقة بإيد بتترعش، وفتحتها تحت نور لمبة الشارع الضئيل. كانت مكتوبة بخط ماريان، الخط اللي بعرفه كويس جداً، لكن الكلام المكتوب جوة كان كفيل إنه يخلع قلبي من مكانه بالكامل…


فتحت الورقة برعشة في إيدي، ونور الكشاف الأصفر البعيد ينعكس على خط ماريان المائل:

(«فيكتور.. لما تقرأ الكلمات دي، هنكون أنا وصوفيا بعيد عن البلد دي كلها. صوفيا مريضة يا فيكتور، وحالتها مش هتحتمل أي صدمات أو خناقات جديدة بينك وبين أمك. الدكتور قالي إن محتاجة جراحة عاجلة في الشعب الهوائية، جراحة تكلفتها ألفين دولار.. مبلغ بسيط بالنسبة لك، لكنه بالنسبة لي كان كابوس بجرى وراه بقالي سنة. لو فعلاً حاسس بالذنب، بلاش تدور علينا.. الحقيقة ظهرت، بس الموت والوجع ما بيتمحوش بكلمة آسف»).

سقطت الورقة من إيدي على السلم المبلول. ألفين دولار؟ بنتي محتاجة عملية جراحية تنقذ حياتها عشان تتنفس زي بقية الأطفال، وأنا قاعد في بيتي بصرف مئات الدولارات على تفاهات، وأمي كانت مخبية ألفات المؤلفة في حسابها!

ما استنيتش ثانية واحدة. جينت زي المجنون في الحارة، وسألت الخادم بتاع الكنيسة وأنا بمسك في جلافيطه:

— راحت فين؟ المحطة؟ مستشفى؟ انطق أرجوك! صوفيا هتضيع!

الراجل خاف من شكلي المرعوب وقال:

— هي قالت إنها رايحة مستشفى الماري فايند الكاثوليكية في المحافظة المجاورة..


فيه دكتور هناك بيعمل العمليات دي بتكلفة مخفضة للحالات الخيرية، لكن دورها في الانتظار متأخر جداً!

جريت في الشارع كأن ملك الموت بيطاردني. لمحت تاكسي واقف على المحطة، نطيت فيه وصرخت في السواق:

— اطلع على مستشفى الماري فايند فوراً.. هسوق معاك في الوقت، وهديك اللي تطلبه!

أثناء الطريق، تليفوني ما بطلش يرن. كانت أمي. المرة دي ما طنشتش.. فتحت الخط وصوتي كان خالي تماماً من أي رحمة أو روح:

— الفلوس اللي سرقتيها من ماريان ومني.. تحوليها فوراً على الحساب ده، وإلا قسم البوليس هيستقبلك قبل ما النهار يطلع.

أمي كانت بتبكي على الناحية التانية وصوتها مخنوق:

— فيكتور.. يا ابني ارحمني، أنا أمك! أنت بتبيعني عشان..

قطعت كلامها بصوت زلزل العربية:

— أنتِ مش أمي! أنتِ شيطان حرم طفلة من أبوها ومن حقها في العلاج! الفلوس تحول خلال عشر دقائق، وساعتها بس هفكر ما أرميكِش في السجن بقية عمرك!

قفلت السكة في وشها. وصل التاكسي للمستشفى القديم. كانت المباني شاحبة، وريحة المطهرات مالية المكان، والناس طوابير تحت المطر ومستنيين أمل.

جريت في الممرات، بين طوابير الأطفال المرضى والأمهات المرهقات، لحد ما لمحتها


ماريان كانت قاعدة على كرسي حديد صدئ في أخر الممر، حاضنة صوفيا اللي كانت بتشهق بصعوبة وصدرها بيطلع منه صوت صفير مرعب. ماريان كانت بتعيط بهستيريا وتترجى الممرضة:

— أرجوكي يا أختي.. صوفيا مش قادرة تتنفس، أدخلوها الدكتورة بس تسجل اسمها!

الممرضة كانت بترد بجفاء:

— يا مدام، الطابور طويل وفيه حالات أصعب، ولما تدفعي جدية الحجز هنسجلها!

قربت بخطوات متسارعة، ودزت الممرضة بعيد بهدوء وأنا بطلع المحفظة والكروت البنكية:

— صوفيا هتدخل عمليات فوراً.. أنا أبوها، وأنا هتكفل بأي رقم، بأي دكتور، بأكبر مستشفى في البلد كلها!

ماريان رفعت رأسها بصدمة. عيونها كانت حمراء من البكاء، ولما شافتني وقفت بسرعة وحطت صوفيا ورا ظهرها وهي بترتجف:

— أنت جيت هنا ليه؟ امشي يا فيكتور! مش عاوزين منك حاجة!

صوفيا في اللحظة دي اتخنق صوتها، وشهقت شهقة أخير قبل ما تقع بين إيدين ماريان، ووجهها يبدأ يتحول للون الأزرق!

صرخت ماريان صرخة هزت أرجاء المستشفى:

— صوفياااا!

شلت البنت من إيدها في ثانية، وحسيت بجسمها الصغير والمحمول بين إيديا زي الريشة.


كان جسمها ساقع، وعيونها المقفولة بتمثل أكبر كابوس شفته في حياتي.

صرخت في الدكاترة والممرضين وأنا بجري بيها لغرفة الطوارئ:

— أوضة العمليات فوراً! تراموا أي حاجة في إيديكم وأنقذوا بنتي!

الدكاترة اتجمعوا بسرعة وسحبوا صوفيا مني على السرير المتحرك، وزقوني برة الأوضة ولحقوني بالباب وهو بيتقفل في وشي.

بقيت واقف قدام الباب الزجاجي. ماريان انهارت على الأرض ورايا، تضرب بيدها على السيراميك البارد وتبكي بانهيار كامل.

قعدت جنبها على الأرض. ما تجرأت ألمسها، لكن حطيت جسمي بينها وبين البرد اللي داخل من الشباك.

قلت لها بصوت متكسر، والدموع نازلة على وشي:

— صوفيا هتعيش يا ماريان.. أنا مش هسمح لأي حاجة تاخدها مننا. حتى لو اضطريت أبيع عمري كله عشان أنقذها.

ماريان بصتلي وهي بتنهد، وصوتها كان جاي من أعمق نقطة في الوجع:

— صوفيا لو عاشت يا فيكتور.. مش هتعيش معاك. أنت متأخر أربع سنين.. أربع سنين كاملين!

وفي اللحظة دي، النور الأحمر فوق باب غرفة العمليات اطفى، وخرج الدكتور ووجهه مشحوب وملامحه ما بتطمنش أبداً…


خرج الطبيب مسرعًا وهو ينزع كمامته الطبية، ووجهه يفيض بالإرهاق. رفعت ماريان رأسها بفزع، وقفت على قدمي بآلية وكأن أجهزة جسدي كلها تعمل بالطاقة القصوى لمواجهة الصدمة.

اقترب الطبيب ووجه كلامه لماريان:

— قدرنا ننقذها في آخر لحظة.. انسداد الشعب الهوائية كان كامل تقريبًا، ودخلنا أنبوب أكسجين عاجل. الطفلة حالتها استقرت، بس لازم تنقل فورًا لرعاية مركزة للأطفال مجهزة بالكامل، ولازم العملية تتعمل خلال 24 ساعة، وإلا الأزمة هترجع أشد.

لم أنتظر ثانية واحدة. أخرجت هاتفي وقمت بنقل صوفيا في سيارة إسعاف مجهزة بالكامل إلى أكبر مستشفى خاص في العاصمة. هناك، كانت الغرفة دافئة، والمعدات متطورة، وكل طبيب يتحرك بأمري. دفعت كل ما أملك، واسترددت المال الذي سرقته أمي بالحيلة والتهديد القانوني، وأجبرتها على التنازل عن كل شيء لماريان وصوفيا.

 أمي أدركت أنها خسرت كل شيء؛ ليس فقط القضايا والمال، بل خسرت ابنها للأبد. قطعت علاقتي بها تمامًا، وأغلقت في وجهها كل أبواب العودة.

بعد جراحة استمرت أربع ساعات كاملة، خرج الجراح ليخبرنا بنجاح العملية. صوفيا أصبحت تتنفس بشكل طبيعي ولأول مرة في حياتها.

بعد يومين، كنت أقف عند باب الغرفة، أراقب صوفيا وهي تجلس على السرير، وتلعب بعروسة جديدة اشتريتها لها، بينما ماريان تجلس بجوارها تطعمها.

استأذنت ودخلت بهدوء. صوفيا نظرت إليّ بعيونها الواسعة—عيوني—ثم ابتسمت ببراءة وقالت:

— مامي.. عمو ده هو اللي جابلي العروسة وجابلي الدوا الحلو؟

ماريان نظرت إليّ. لم تكن في عينيها نبرة الكره العنيفة التي رأيتها في الحارة، بل كان هناك هدوء صلب، يسكنه التسامح الإنساني ولكن ليس الشغف القديم.<br


/> قالت ماريان وهي تنظر لطفلتها:

— ده مش عمو يا صوفيا.. ده بابا.

اتسعت عينا صوفيا، واقتربت مني بخطوات صغيرة ثم ارتمت في أحضاني. في تلك اللحظة، شعرت بقلبي يعود للحياة بعد أربع سنوات من الموت. بكيت وأنا أضمها لصدري، وأعتذر لها في سري عن كل ليلة قضتها في البرد.

بعد خروج صوفيا من المستشفى، اشتريت لهما منزلًا صغيرًا ودافئًا باسم ماريان وصوفيا، وسجلت كل أصولي المالية باسم ابنتي لتأمين مستقبلها بالكامل.

في آخر لقاء بيني وبين ماريان أمام بيتهما الجديد، وقفت وقلت لها بصوت متزن:

— أنا عارف إن الأربع سنين اللي ضاعوا ما يرجعوش، وعارف إن الجرح اللي في قلبك مش هيداويه بيت ولا فلوس.


أنا مش بطلب منك ترجعيلي كزوجة.. أنا بس بطلب منك تسيبيني أكون أب لصوفيا.

أومأت ماريان برأسها، وقالت بهدوء:

— أنت أثبت إنك اتغيرت يا فيكتور، وإنك فتحت عينك أخيرًا.. صوفيا محتاجة أبهات كتير يحبوها، ومحتاجة تفتخر بيك. الباب مفتوح لك تفي بمسؤوليتك كأب، لكن حياتي أنا وأنت السابقة اتفلتت خلاص.

لم أجادل. كنت أعلم أن هذا أغلى ما يمكنني الحصول عليه: فرصة للتكفير عن خطيئتي، وفرصة لأن أكون الأب الذي تستحقه صوفيا.

اليوم، وأنا أجلس في الحديقة وأشاهد صوفيا تركض وتضحك في الهواء الطلق دون أن تسعل، أعلم أن الماضي رحل بآلامه، وأنني أخيرًا بدأت أعيش الحقيقة، حتى لو كان ثمنها سنوات من العمر ضاعت في الوهم.



 

 

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

close