ترويض الفهد بقلم مايا خالد كامله
ترويض الفهد بقلم مايا خالد كامله
“مايا، تذكري ما قلته لك جيدًا. حتى تبلغي سن العشرين، إياك أن تظهري جمالك أو مواهبك أبدًا.”
الكلمات دي كانت بتزن في ودن مايا زي الجرس كل ما تبص في المراية. المراية اللي مش بتشوف فيها غير بنت عادية، لبسها واسع وقديم، ونظارتها الكبيرة مغطية نص وشها، ومكياج سينمائي متقن مخلي بشرتها باهتة وفيها علامات مش حقيقة.
الكل في عيلتها كان بيعاملها على إنها “البنت القبيحة الغبية” اللي ملهاش لازمة، خصوصاً بعد ما أمها ماتت وسابتها لمرات أبوها وبناتها اللي كانوا عايشين في خير أبوها، وبيعاملوها كأنها خدامة. لكن النهاردة…
كل حاجة هتتغير. النهاردة عيد ميلادها العشرين. وبداية نهاية القناع.
في الصالون الكبير، كان قاعد أبوها، الراجل القاسي اللي مش بيهمه غير الفلوس والنفوذ، وبصوت كله برود قال لمايا: “كتب كتابك على ‘فهد الألفي’
الأسبوع الجاي. الراجل طالب عروسة من العيلة عشان يسكت على الديون اللي علينا، وبناتي طبعاً مستحيل يتجوزوا واحد مشلول وعصبي زيه. إنتي اللي هتضيعي عشاننا.. وده أخرك.”
مايا مكانتش زعلانة، بالعكس، كانت بتداري ابتسامة انتصار ورا نظارتها. فهد الألفي؟ زعيم السوق والراجل اللي الكل بيعمله ألف حساب؟ الراجل اللي عمل حادثة من سنة وخسر فيها مشيته وبقى عايش في ضلمة وقسوة؟ ممتاز… ده بالظبط المكان اللي هتبدأ منه خطتها.
دخلت مايا القصر الكبير بالفستان الأبيض الواسع اللي مبينها تخينة وقصيرة. دخلت الأوضة الضلمة، وكان فهد قاعد على كرسيه المتحرك، ساند راسه لورا، وعيونه الحادة زي الصقر بتبص لها باحتقار.
بصوت يرعش الحيطة قال لها: “أنا وافقت على الجوازة دي بس عشان أذل أبوكي. متفتكريش إنك هتبقي مراتي بجد. إنتي هنا مجرد حشرة، شكلك يسد النفس، ومتهمنيش في حاجة. اطلعي نامي على الكنبة دي ومتحلميش بوشي كتير.”
مايا بكل برود وهدوء، ومن غير ما تتهز ردت: “حاضر يا فهد بيه. اللي تشوفه.”
فهد استغرب من برودها، أي بنت مكانها كانت عيطت أو غضبت، لكن هي مشيت بهدوء ونامت.
بعد شهر من الجواز، فهد كان بيتعامل معاها بقسوة وتملك غريب. رغم إنه بيقول إنه بيكره شكلها، بس كان بيتحكم في كل خطوة بتخطوها، وميسمحش ليها تخرج أو تتكلم مع حد. تملك أسود ملوش تفسير. وفي ليلة، فهد كان عنده اجتماع مهم جداً في البيت مع مستثمرين أجانب.
المترجم بتاعه اتأخر، والصفقة اللي بمليارات كانت هتضيع، وفهد كان هيتجنن من العصبية. هنا… قررت مايا إن سن العشرين بدأ فعلياً.
دخلت المكتب وهي شايلة القهوة، وبكل ثقة، وبدون مقدمات، بدأت تتكلم مع الوفد الأجنبي بلغة فرنسية وإيطالية بطلاقة مذهلة، وبذكاء اقتصادي رهيب لخصت الشروط وحلت المشكلة في خمس دقايق.
الوفد وقف وسقف لها مبهور، وفهد؟ فهد كان قاعد متنح، عيونه هتطلع من مكانها.
بعد ما الضيوف مشيوا، فهد لف بكرسيه بسرعة وعيونه شرار، مسك إيدها بقوة وعصرها: “أنتي مين؟
أنتي مستحيل تكوني الجاهلة اللي أبوكي رماها ليا! أنتي بتلعبي بايه ولحساب مين؟”
مايا ضحكت ضحكة رقيقة وسحرت المكان، وبحركة سريعة قلعت النظارة الكبيرة، وفكت شعرها الأسود الطويل اللي نزل للأرض، وبمنديل مبلل مسحت الماكياج الباهت من على وشها… ظهرت بشرة زي الحليب، وعيون خضرا واسعة تسحر، وملامح فاتنة لدرجة تخطف النفس.
وقفت قدامه، وبصت في عيونه اللي انصدمت لدرجة إنه نسي يتنفس، وقالت له بصوت كله ثقة وتحدي: أنا …. مايا
. البنت اللي الكل داس عليها. والتألق اللي أنت شايفه ده؟ ده مش ليكي… ده انتقامي من كل حد ظلمني، وأولهم عيلتي… ودلوقتي، اللعبة بقت بشروطي أنا.”
فهد حس لأول مرة إن قلبه دق بعنف، والتملك اللي عنده اتحول لشغف أسود… هو مش هيسيب الجوهرة دي تضيع من إيده، حتى لو اضطر يحارب الدنيا كلها عشانها.
فهد فضل باصص ليها لثواني طويلة، الصمت كان سيد المكان، مفيش غير صوت أنفاسه العالية السريعة وهو بيحاول يستوعب الصدمة. عينيه كانت بتتحرك على وشها الفاتن بذهول، كأنه بيشوف لوحة فنية اتخسفت من تحت الأرض فجأة. التملك والسيطرة اللي كان عايش بيهم انهاروا في لحظة قدام كبريائها وثقتها بنفسها.
ضغط على إيدها أكتر، لكن المرة دي مش بقسوة، كان خايف تختفي أو تطلع حلم، وقال بصوت فجأة بقى واطي ومبحوح من أثر الصدمة:
— “أنتي فاكرة إن اللعبة بالسهولة دي؟ فاكرة إنك لما تظهري حقيقتك هتخوفيني؟ أنتي دخلتي عرين الفهد برجليكي، ومفيش حد بيدخل هنا ويخرج بشروطه.”
مايا ميلت راسها بدلال وثقة تخطف العين، وقربت منه خطوة لدرجة إن أنفاسها بقيت قريبة من وشه، وقالت بنبرة هادية لكن حامية زي النار:
— “أنا مابخافش يا فهد.. واللي يخليني أعيش عشر سنين ورا قناع وأستحمل ذل عيلتي عشان ليلة زي دي، يخليني أقدر أروض أي فهد يقف في طريقي. عيلتي افتكروا إنهم رموني في النار لما جوزوني ليك، ميعرفوش إن نارك هي اللي هتحرقهم.”
فهد ساب إيدها ببطء، وابتسامة غامضة ومرعبة بدأت تترسم على شفايفه. ساند ضهره لورا على الكرسي وعينيه لسه حادة ومنزلتش من عليها: بقلم مايا خالد
— “عيلتك؟ عيلتك من النهاردة حسابهم معايا أنا.. بس أنتي.. أنتي حسابك تقيل قوي على الخدعة دي. أنا مبحبش حد يستغفلني، حتى لو كان بجمالك ده.”
مايا رجعت خطوة لورا، وفكت الفستان الواسع اللي كانت لابساه وسابته يقع على الأرض، ليظهر من تحته فستان أسود ضيق وبسيط جداً، مبيّن قوامها الممشوق والرشيق اللي كانت مدرياه طول الشهر اللي فات. بصت له وقالت ببرود:
— “أنا مستعدة لأي حساب.. بس الأول، لازم تشوف أول خطوة في انتقامي.”
طلعت تليفونها وضغطت على زرار، واشتغلت شاشة العرض الكبيرة اللي في المكتب. ظهر عليها بث مباشر من بيت أبوها. كانوا قاعدين بيحتفلوا وفرحانين بالفلوس والشيكات اللي فهد بعتها ليهم تمن الجوازة.
مايا بصت لفهد وقالت:
— “الشيكات اللي أنت مضيت عليها لأبويا عشان الديون؟ الشيكات دي من حساب بنكي وهمي أنا اللي عملته باسمك من أسبوعين لما دخلت على سيستم شركتك. يعني خلال ساعات، البنك هيرفض الشيكات، وأبويا هيدخل السجن بتهمة النصب والتزوير.. والكل هيعرف إن بنتهم ‘القبيحة’ هي اللي حطت الكلبشات في إيديهم.”
فهد حس بقشعريرة هزت جسمه. البنت دي مش مجرد وش حلو، دي ذكاء شيطاني، تخطيط مرعب، وتملكها لنفسها ولأعصابها يخليه يحترمها غصب عنه. تملكه الأسود اتغذي بالذكاء ده، ومبقاش شايفها مجرد عروسة مفروضة عليه، دي بقت هوسه الجديد.
فهد حرك كرسيه ببطء لحد ما بقى قدامها بالظبط، مسك طرف فستانها الأسود وقال بنبرة مليانة تحدي وشغف مظلم:
— “أبوكي هيدخل السجن، وده عجبني.. بس أنتي بقيتي ملكي يا مايا. القناع ده اتقلع من على وشك، بس اتربطت بيه رقبتك في قصري. من هنا ورايح، مفيش خطوة هتاخديها من غير إذن الفهد.. واللعبة يلا نبدأها سوا.”
مايا بتحدي هزت راسها وقالت:
— “وريني هتعمل إيه يا فهد.. أنا جاهزة.”
الجو في المكتب بقى مشحون بطاقة غريبة، ميكس بين التحدي، والانتقام، وتملك أسود بدأ يربط بين شخصيتين أقوى من بعض. فهد كان بيبص لمايا وعينيه بتلمع بلمعة مكنتش موجودة فيها من يوم الحادثة؛ لمعة الصياد اللي لقى فريسة تستاهل المجهود.
فهد مد إيده وضغط على زرار في الكرسي، فجأة الكرسي اتحرك ببطء ووقف، وسند بإيديه على مكتبه الخشب الكهرماني، وبكل قوة وعزيمة ضغط على رجليه ووقف على طوله قدامها. بقلم مايا خالد
مايا عينيها وسعت من الصدمة ورجعت خطوة لورا. فهد مش مشلول!
فهد مشي خطوتين تقال، فيهم عرج خفيف جداً لكن ثابت، لحد ما بقى طول بعرض قدامها، وحاصرها بينه وبين الحيطة. نزل لمستواها وهمس بصوت دافي ومرعب في نفس الوقت جنب ودنها:
— “مصدومة؟ فاكرة إنك لوحدك اللي بتلعبي من ورا قناع؟ أنا عجزت رجلي قدام السوق كله عشان أعرف مين حبيبي ومين عدوي، ومين اللي طمعان في ورثي.. وأبوكي كان أول واحد يقع في الفخ ويرميكي ليا.”
مايا كانت حاسة بقلبها بيدق بسرعة، مش خوف، لكن هيبة الراجل ده وتملكه المفاجئ خطفوا أنفاسها. رفعت راسها وبصت في عينيه بكل عناد:
— “يعني أنت واقف على رجليك.. وسامع وشايف كل حاجة من الأول؟”
فهد مرر صوابعه القوية على خصلات شعرها الأسود الطويل، وشده ورا ودنها ببطء وهو بيقول:
— “وسامع كمان دقات قلبك دي دلوقتي. أنا وافقت على اللعبة من أول ما دخلتي هنا بنظارتك الكبيرة ولبسك الواسع. كنت عارف إن ورا البرود ده مصيبة.. بس بصراحة؟ مكانش يخطر في بالي إن المصيبة بالجمال والذكاء ده.”
فهد قرب أكتر، وتملكه زاد وهو بيثبت ملكيته عليها بكلامه:
— “أبوكي هيدخل السجن الصبح، وأنا مش همنع ده، بالعكس هساعدك تدوس عليه.. بس المقابل يا مايا، إنك من اللحظة دي بقيتي تخصيني. ذكاءك ده، جمالك ده، لغاتك.. كل حاجة فيكي هتبقى تحت سيطرتي. أنا اللي هحركك في انتقامك، وأنا اللي هحدد مين يعيش ومين يموت.”
مايا ضحكت ضحكة رقيقة لكن فيها تحدي، وحطت إيديها على صدره تبعده عنها ببطء وقالت:
— “أنت ناسي حاجة مهمة يا فهد بيه.. أنا اللي دخلت هنا بمزاجي، وأنا اللي قلعت القناع بمزاجي. التملك بتاعك ده جربه مع حد تاني، أنا مابتربطش.”
لفت عشان تمشي وتسيبه، بس فهد لمح لمح البرق، مسكها من وس
طها وبإيد واحدة شدها ليه بقوة لدرجة إنها خبط
جميع الحقوق محفوظة ©
. ت في صدره العريض. بص في عينيها وقال بنبرة حاسمة ومفيهاش تراجع:
— “هنشوف يا مايا.. الأيام بيننا طويلة، وقصر الفهد مبقاش مجرد سجن ليكي، ده بقى ساحة معركتنا.. والبادئ أظلم.”
يتبع
ترويض الفهد بقلم مايا خالد ج2
مايا حست بنـار صدره العريض وهي محبوـسة بين إيديه، ورغم إن الموقف كان كفيل يرعب أي حد، إلا إن عينيها الخضرا لمعت بتحدي أكبر. رفعت وشها وبصت له ابتسامة ثقة مستفزة:
— “ماشي يا فهد.. يلا نشوف مين فينا اللي نَفسه أطول في المعركة دي. بس سيبني دلوقتي عشان ورايا مكالمة مهمة لازم أعملها.”
فهد ساب وسطها ببطء، وعينيه لسه مثبتة عليها كأنه بيقرا أفكارها:
— “مكالمة لإيه؟”
مايا طلعت تليفونها وبكل برود ضربت رقم، وفتحت السبيكر. الصوت جيه من الناحية التانية مخنوق وفي غلبة وزعيق؛ ده كان صوت “شيريهان” مرات أبوها.
— “ألحقني يا فؤاد بيه! البوليس برة القصر ومعاهم أمر بالقبض عليك بتهمة تزوير شيكات لشركة الألفي! الشيكات طلعت من غير رصيد وحسابك اتقفل!”
صوت أبوها “فؤاد” جيه من بعيد وهو بيزعق ومرعوب:
— “مش ممكن! فهد الألفي هو اللي مديني الشيكات دي بنفسه! ده فخ.. ده فخ!”
مايا قفلت الخط من غير ما تنطق بكلمة واحدة، وبصت لفهد اللي كان بيراقبها وعلامات الإعجاب الممزوجة بالخطورة باينة على وشه. حطت التليفون في جيب فستانها وقالت:
— “الخطوة الأولى تمت. أبويا دلوقتي بيتدمر، ومرات أبويا وبناتها زمانهم بيموتوا من الرعب. بكرا الصبح، هروح ليهم السجن بنفسي.. بس بالشكل الجديد.”
فهد مشي ناحية مكتبه، قعد على الكرسي بتاعه وسند راسه لورا، وحط رجل على رجل بكل هيبة وهو بيقول:
— “هتروحي.. وأنا هكون معاكي. مش هسيب مراتي تروح لوحدها، خصوصاً وهي بالجمال ده. بس متفتكريش إن اللي عملتيه ده هيعدي بالساهل يا مايا. أنتي استغلّيتي اسم شركتي وسيستم حساباتي، ودي حاجة عقابها عندي كبير.”
مايا قربت من المكتب، وسندت بإيديها عليه وميلت ناحيته:
— “والعقاب ده هيكون إيه بقى يا فهد بيه؟”
فهد عينيه اسودت وتملكه زاد لدرجة مرعبة، قام وقف تاني وقرب منها لحد ما بقى مفيش بينه وبينها غير سنتيمترات، وقال بنبرة واضحة ومفهاش هزار:
— “عقابك إنك مش هتخرجي من القصر ده ولا خطوة من غيري. تليفونك ده من بكرا هيكون متراقب، وكل خطوة في انتقامك أنا اللي هكون مشرف عليها. أنتي ملكي يا مايا، وبقيتي لعبتي المفضلة، وأنا مابفرطش في ألعابي الغالية.”
مايا ومستسلمتش، بالعكس، نظرتها كانت مليانة قسوة وانتقام:
— “موافقة يا فهد.. خلينا سوا لحد ما نشوف مين اللي هيحكم التاني في الآخر.”
في اللحظة دي، بدأت رواية جديدة خالص؛ رواية مفيهاش مجرد راجل غني وبنت غلبانة، دي معركة تملك وانتقام بين اتنين ميعرفوش الرحمة، وكل واحد فيهم لابس قناع أخطر من التاني.
ثاني يوم الصبح، الشمس طلعت وكان القصر هادي، هدوء ما قبل العاصفة.
مايا كانت واقفة قدام المراية الكبيرة في أوضتها، بتسرح شعرها الأسود الطويل اللي سابته مفرود على ضهرها بحرية لأول مرة من سنين. اختارت فستان أسود كلاسيك، شيك وجريء، بيبين رشاقتها وقوامها الفاتن، وحطت ميك اب خفيف ركز على عينيها الخضرا اللي كانت بتلمع بنظرة انتقام حادة. مفيش قناع خلاص.. الرماد اختفى، والألماس ظهر.
الباب اتفتح فجأة من غير ما حد يخبط، وفهد دخل. كان لابس بدلة سودا كاملة، هيبته تخض، ورغم العرجة الخفيفة اللي في رجله، إلا إن خطواته كانت ثابتة ومرعبة. وقف عند الباب، وبص لها من فوق لتحت.. عينيه اسودت أكتر وهو بيشوف التحول الرهيب ده. تملكه زاد وثبت نظراته عليها كأنه بيحفر صورتها في عقله.
فهد قرب منها ببطء لحد ما وقف وراها بالظبط، وبص لوشها من خلال المراية، وقال بصوت رخيم مليان تملك:
— “جمالك ده عقاب ليا أنا قبل ما يكون انتقام من عيلتك يا مايا. بس خروجك من القصر بالشكل ده.. مش هيعدي على خير.”
مايا لفت ليه وبصت في عينيه بكل ثقة:
— “أنا مبقتش استخبى يا فهد. والنهاردة ليلتي.. ليلة الحساب.”
فهد مسك إيدها، وضغط عليها برقة لكن بقوة تمنعها من الحركة، وسحبها وراه وهو بيقول:
— “يلا.. العربية مستنية برة، وفؤاد بيه زمانه مستني بنته ‘العاجزة’ بفارغ الصبر.”
في قسم الشرطة، كان فؤاد المنشاوي قاعد في مكتب المأمور، وشه باهت، ودموعه نازلة من الرعب وهو بيحاول يقنعهم إن فهد الألفي هو اللي مضى الشيكات. الباب اتفتح، ودخل فهد الألفي بهيبته وطوله، وجنبه.. مايا.
فؤاد بص للوش الفاتن اللي داخل مع فهد، مكنش مستوعب، فضل يتنح ويفرك في عينيه، وقال بصوت متقطع ويرعش:
— “مايا؟.. مستحيل! أنتي مين؟ فين بنتي؟”
مايا مشيت بخطوات وثوق وثبات، وقفت قدامه، وقلعت نظارتها الشمسية السودا، وبصت له بنظرة باردة وقاسية زي التلج:
— “أنا بنتك يا فؤاد بيه. البنت القبيحة الجاهلة اللي بعتها عشان تسدد ديونك. البنت اللي مرات أبوك وبناتها كانوا بيعاملوها كأنها خدامة تحت رجليكم.”
فؤاد وقف وهو مش مصدق، حاول يقرب منها ويمسك إيدها:
— “مايا.. أنتي؟ الجمال ده كله.. والذكاء ده؟ أنتي عملتي فيا إيه؟ ساعديني يا بنتي، فهد الألفي نصب عليا والشيكات طلعت مزورة!”
هنا فهد قرب خطوة، وحط إيده على وسط مايا بتملك واضح وقدام أبوها، وشدها لحضنه وهو بيبص لفؤاد بنظرة مرعبة:
— “فؤاد بيه.. ارفع إيدك عن مراتي. والشيكات دي بنتك هي اللي لعبت بالسيستم بتاعي ولبستهالك.. يعني مفيش حد هينقذك من السجن.”
فؤاد بص لمايا بذهول وصدمة هزت كيانه:
— “أنتي؟ أنتي اللي عملتي فيا كده يا مايا؟ أنتي اللي دمرتي أبوكي؟”
مايا ميلت راسها، وبكل برود وقسوة قالت له:
— “ده مش تدمير يا بابا.. ده تمن العشر سنين اللي عشتهم ورا القناع بسببكم. والنهاردة.. تألقي هو أول مسمار في نعش عيلتكم.. والمرة الجاية الدور على مراتك وبناتك.”
فهد ابتسم ابتسامة مظلمة، وبص لمايا وقال بنبرة مليانة شغف وتحدي:
— “شفتي؟ قولتلك اللعبة معايا ليها طعم تاني. ودلوقتي.. يلا نمشي، عشان حسابك معايا في القصر لسه مخلصش.”فؤاد وقع على الكرسي ورا الصدمة، كأنه كبر عشرين سنة في ثانية واحدة، وبقى بيبص لبنته اللي كان فاكرها نقطة ضعفه وهي بتتحول لأكبر كابوس في حياته.
مايا لفت ضهرها بكل برود وخرجت من المكتب، وكعب جزمتها كان بيرن في الممر زي طبول الحرب. فهد مشي جنبها، وعينيه منزلتش من عليها، تملكه وسيطرته كانوا بيزيدوا مع كل خطوة. ركبوا العربية السودا الكبيرة، وأول ما الباب اتقفل والستائر الإيجار اتشدت، فهد لف ليها وبسرعة البرق مسك دراعها وشدها عليه لدرجة إن وشها بقى قصاد وشه بالظبط.
فهد بنبرة حامية وفيها أنفاس مكتومة من الغضب والشغف:
— “عجبتيني.. وقفتك وقسوتك قدام أبوكي تخلي أي راجل ينبهر بيكي. بس متفتكريش إن حركتك دي هتنيم فهد الألفي يا مايا. أنتي استخدمتي اسمي وعربياتي ورجالي عشان صفقاتك الخاصة.. واللعب معايا بالنار بيحرق.”
مايا مكانتش خايفة، قربها منه كان بيخلي ضربات قلبها تزيد لكن عنادها كان أقوى. بصت في عينيه السودا وقالت بنبرة مستفزة:
— “وأنا مبخافش من النار يا فهد.. وبعدين مش أنت اللي قولت إننا هنبدأ اللعبة سوا؟ أنا نفذت أول خطوة، ودلوقتي دوري أرجع البيت وأشوف هعمل إيه في الباقي.”
فهد ضغط على دراعها أكتر، وابتسم ابتسامة غامضة ومرعبة:
— “ترجعي البيت؟ قصدك ترجعي لقصرك.. لسجنك الجديد. من اللحظة دي، تليفونك ده معايا.”
وبإيد واحدة سحب التليفون من جيب فستانها وحطه في جيبه وهو بيكمل:
— “خروج من الأوضة مفيش غير بإذني. تحركاتك كلها هتبقى تحت عيني. أنا هجيبلك حقك من مرات أبوكي وبناتها وهخليهم يركعوا تحت رجليكي، بس ده هيحصل بشروطي أنا وطريقتي أنا.. أنتي بقيتي تخصيني، ومفيش حاجة تخص فهد الألفي بتتحرك من وراه.”
العربية وصلت القصر، وفهد نزل ومسك إيدها بقوة وسحبها وراه لجوا. طلعوا الجناح الكبير، وأول ما دخلوا، فهد قفل الباب بالمفتاح وحطه في جيبه، وبص لها بتحدي وتملك أسود ملوش أخر:
— “دلوقتي.. أنتي محبوسة معايا في العرين. وريني بقى يا مايا، من غير تليفونك ومن غير خططك، إزاي هتروضي الفهد؟”
مايا رجعت خصلة من شعرها ورا ودنها، وقربت منه بكل ثقة لحد ما اتقابلت عينيهم في مواجهة مفيهاش تراجع، وقالت بصوت واطي ومثير:
— “المحبوس في الأوضة دي مش أنا يا فهد.. المحبوس هنا هو قلبك وتملكك اللي هيموتوا ويعرفوا الخطوة الجاية بتاعتي إيه. افتح عينيك كويس.. عشان اللعبة يلا بدأت بجد.”
فهد ضحك ضحكة مكتومة، ضحكة مليانة قسوة على شغف، وبصوت زي الرعد الواطي قال لها: بقلم مايا خالد
— “قلبي؟ أنتي بتتكلمي عن حاجة ماتت في الحادثة من سنة يا مايا. اللي قدامك ده مجرد وحش، والوحش ده لما بيحط إيده على حاجة غالية… بيكسر عضم أي حد يفكر يلمسها، حتى لو كان الشخص ده هو نفسه.”
قرب منها أكتر لدرجة إنها حسّت بحرارة أنفاسه المكتومة، ومد صابعه يمررها على خط فكها الحاد بنعومة مرعبة:
— “فاكرة إن حركتك باللغات في المكتب والشيكات دي تخليني ألف حوالين نفسي؟ أنا من ساعة ما دخلتي القصر ده وأنا مراقب كل ثانية بتتنفسي فيها. تفتكري حساب البنك الوهمي اللي عملتيه باسمي، دخلتي عليه من أنهي شبكة؟ من شبكة القصر بتاعي.. يعني أنا اللي فتحتلك الباب وسبتك تلعبي عشان أشوف أخرك.”
مايا عينيها الخضرا وسعت للحظة، الصدمة هزت ثقتها لأول مرة. فهد مكنش نايم، فهد كان سايبها تتحرك بمزاجه هو. لكن بسرعة رجعت لبرودها المعتاد، ورفعت حاجبها وقولت له:
— “يعني كنت عارف.. وسبتني أحبس أبويا؟”
فهد لف وضهرها وبدأ يمشي في الأوضة بخطواته الثابتة التقيلة، ووقف قدام الشباك الكبير اللي بيبص على جنينة القصر:
— “وأمنعك ليه؟ أبوكي كان كلب فلوس، ووجوده برة كان هيوجع دماغي. أنتي وفرتي عليا مجهود. بس الذكاء ده مكانه مش السجن يا مايا.. مكانه عندي أنا. برة، أنتي مراتي الإمبراطورة اللي الكل يعملها ألف حساب، لكن عندي لأ هترجعي مايا ملكي أنا.
في اللحظة دي، تليفون فهد الخاص رن. أخرجه من جيبه وبص للشاشة، وابتسامة خبيثة ظهرت على وشه. فتح الخط وساب السبيكر شغال.
صوت “شاهيناز” بنت أبوها الكبيرة جيه وهو كله عياط وشهقات رعب:
— “فهد بيه! أرجوك الحقنا! البوليس قبض على بابا، ومرات عمي بتقول إن مايا هي السبب! مايا البنت القبيحة دي مستحيل تعمل كده.. أرجوك يا فهد بيه ساعدنا، إحنا ملناش غيرك!”
فهد بص لمايا بنظرة تملك وسيطرة، ورد على التليفون وهو عينيه ثابتة في عينيها:
— “شاهيناز.. مايا مبقتش البنت القبيحة اللي كنتوا بتذلوها. مايا بقت حرم فهد الألفي. والشركة بتاعتكم؟ أنا هشتري أسهمها كلها النهاردة برخص التراب، وإنتي وأمك وأختك قدامكم بالظبط ساعتين تلموا هدمتكم وتخرجوا من الفيلا.. لأنها بقت ملك لمراتي.”
قفل السكة في وشها من غير ما يستنى رد، وحط التليفون على المكتب وبص لمايا اللي كانت واقفة مبهورة بقسوته وسرعة تنفيذه لانتقامها.
فهد قرب منها تاني، وحاصرها بوشه وبصوت كله تحدي:
— “أنا رجعتلك حقك في ثانية واحدة وجبت عيلتك الأرض.. من غير ما ترفعي صباع واحد. تفتكري بقى المقابل اللي هأخده منك في الأوضة دي هيكون إيه؟”
يتبع بقلم مايا خالد
مايا بلعت ريقها بصعوبة، للحظة واحدة حسّت إن الراجل ده بيمشي في عروقها زي السّم، بذكائه وقسوته وتملكه اللي بيكتم النَفَس. لكن كبريائها رفض يستسلم؛ هي مش جارية في قصر السلطان، هي مايا المنشاوي اللي عاشت سنين بتخطط لليوم ده.
رجعت راسها لورا وسندت على الحيطة، وبصت في عينيه اللي زي الصقر وقالت بنبرة باردة ومستفزة:
— “المقابل؟ أنت مأخدتش رأيي يا فهد بيه وأنت بتدمرهم بطريقتك. أنا كنت عايزة أدمرهم بالبطيء، أشوفهم وهم بيشحتوا لقمة لقمة.. أنت ريحتهم ورميتهم في الشارع مرة واحدة. مين قال لك إن ده الانتقام اللي يرضيني؟”
فهد عينيه ضاقت، والشرار اللي فيها زاد. قرب أكتر لدرجة إن صدره بقا لامس فستانها الأسود، ومسك فكها بإيده وضغط عليه بخفة عشان يجبر عينها تفضل في عينه:
— “الانتقام بطريقتي أنا بيموت أسرع يا مايا. وأنا مابحبش تضييع الوقت. أما بخصوص المقابل.. فـ أنا مابطلبش، أنا بأمر وبأخد اللي أنا عايزه.”
مايا حطت إيدها على إيده اللي ماسكة وشها، وحاولت تبعدها وهي بتقول بعناد:
— “وأنا مباخدش أوامر من حد. تملّكك ده آخره الباب ده يا فهد. برة الأوضة دي أنا مرات الإمبراطور قدام الناس، وجواها.. إحنا اتنين أعداء في حرب، والذكاء في الحرب هو اللي بيكسب، مش العضلات وقوة الإيد.”
فهد ساب وشها فجأة، وضحك ضحكة عالية رنت في أركان الأوضة الفاضية، لف وضهرها وهو بيصلح ياكة بدلته السودا الشيك وقال:
— “أعداء؟ بحب المسمى ده قوي. خلّينا أعداء.. بس افتكري إن العدو اللي قدامك معاه مفتاح سجنك، ومعاه تليفونك، ومعاه كل خيط في حياتك القديمة والجديدة.”
مشى ناحية الباب، وطلع المفتاح من جيبه، وقبل ما يفتح بص لها بصه أخيرة سحرتها غصب عنها، وقال بنبرة هادية لكن مرعبة:
— “أنا خارج دلوقتي ورايا تصفية حسابات شركة أبوكي عشان أنقلها باسمك رسمي.. هسيبك هنا تفكري في خطوتك الجاية ورا القناع اللي قلعتيه. الجناح مقفول عليكي يا قطتي.. لحد ما أرجع وأشوف هتروضيني إزاي.”
فتح الباب وخرج، وقفل القفل من برة بتكة عالية هزت قلب مايا.
مايا وقفت في نص الأوضة، بصت للمراية الكبيرة، وشافت وشها الفاتن وعينيها الخضرا اللي بقت مليانة غضب وتحدي. مشيت ناحية الشباك وبصت على عربية فهد وهي بتتحرك وتخرج من بوابة القصر الكبيرة.
جزت على سنانها وقالت لنفسها بصوت واطي كله وعيد:
— “ماشي يا فهد.. فاكر إنك حبستني؟ أنت متعرفش إن البنت اللي عاشت عشر سنين بتخدع العالم كله، تقدر تخدعك في ثانية واحدة.. واللعب لسه مخلصش.”
مايا ملتفتش كتير لليأس. وبسرعة بدأت تتحرك في الجناح الواسع وعينيها بتدور على أي ثغرة. فهد فاكر إنه لما ياخد تليفونها ويقفل الباب يبقى شل حركتها، ميعرفش إنها دارسة كل شبر في القصر ده من قبل ما تدخله.
مشيت ناحية السرير الكبير، ورفعت المرتبة ببطء، وطلعت من تحتيها تليفون تاني خالص، صغير وقديم، كانت مخبياه من أول ليلة دخلت فيها القصر كخطة بديلة. فتحته بسرعة وكتبت رسالة مشفرة لرقم مجهول: “الهدف الأول سقط. فؤاد المنشاوي في السجن، والفيلا بقت ملكي. ابدأ الخطوة التانية فوراً.. صفقات الميناء الخاصة بفهد الألفي لازم تقف.”
ابتسمت وخبّت التليفون تاني في مكان سري، وقعدت على الكرسي بكل برود وهي بتشرب مية وبتستنى رجوعه.
بعد ثلاث ساعات، الباب اتفتح بعنف.
دخل فهد، وعينيه كانت بتطلع شرار، وشه مقلوب وعروق رقبته بارزة من العصبية. رمى مفاتيح عربيتة على المكتب بغضب، وبص لمايا اللي كانت قاعدة حاطة رجل على رجل وبتبص له بمنتهى الهدوء.
فهد قرب منها بخطوات سريعة وضغط على دراعها وهو بيجز على سنانه:
— “أنتي عملتي إيه؟”
مايا برفع حاجب وببرود قاتل:
— “عملت إيه في إيه يا فهد بيه؟ أنا محبوسة في أوضتك بقالي تلات ساعات من غير تليفون ومن غير ما أشوف بني آدم.. هكون عملت إيه يعني؟”
فهد صوته رجّ الأوضة:
— “شغل الميناء بتاعي وقف! أكبر شحنة أجهزة كهربائية ومعدات جاية باسم شركتي الحجز اتحط عليها في الجمرك بسبب بلاغ سري طالع من جهاز كمبيوتر متوصل بالشبكة الخاصة بالقصر ده! تفتكري مين اللي مصلحته يلوي دراع فهد الألفي في السوق غيرك؟”
مايا وقفت، وبكل ثبات قربت وشها منه لدرجة إن أنفاسهم اختلطت، وقالت بنبرة همس مليانة تملك وتحدي:
— “قولتلك يا فهد.. اللعب بالنار بيحرق. أنت فاكر إنك لما تحبسني هبقى جارية عندك؟ أنا قولتلك من الأول، تألقي هو انتقامي.. وانتقامي مش من أبويا بس، انتقامي من أي حد فاكر إنه يقدر يكسرني أو يتحكم فيا، حتى لو كان الشخص ده هو فهد الألفي.”
فهد حس بنار الغضب بتتحول لشغف مرعب جوا قلبه. البنت دي بتلعب مع الموت، وكل ما بتتحداه، كل ما تملكه وهوسه بيها بيزيد لدرجة الجنون.
مسك🫣 وشها بإيديه الاتنين🕊
وبص في عينيها الخضرا بقسوة وعشق مظلم:
— “أنتي بتلعبي في حتة خطيرة قوي يا مايا.. شحنة الميناء دي أنا هخلصها في ثانية، بس اللعبة دي تمنها هيكون غالي عليكي. أنتي قفلتي عليا الأبواب، وأنا من النهاردة مش هكون مجرد جوزك على الورق.. أنا هوريكي الوحش بجد هيكون إزاي.”
مايا ضحكت ضحكة رقيقة سحرت كيانه في عز غضبه:
— “وريني يا فهد.. أنا مستنية.”
فهد ضغط على فكها برقة مغلفة بقسوة، وعينيه الأسودت من الغضب والشغف ركزت على شفايفها اللي بتضحك بتحدي. قّرب أكتر لدرجة إنه مبقاش في أي مسافة بينهم، وهمس بصوت حاد ومبحوح:
— “الضحكة دي.. هتقلب بكا ندم يا مايا. أنتي فاكرة إن التليفون الصغير اللي تحت المرتبة مخفي عني؟”
مايا ضحكتها اختفت فجأة، وعينيها الخضرا وسعت من الصدمة. جسمها اتصلب بين إيديه وهو بيبتسم ابتسامة منتصرة ومظلمة.
فهد مد إيده التانية في جيب بدلته، وطلع التليفون الصغير القديم ورماه على السرير ببرود وهو بيكمل:
— “أنا اللي أمرت رجالي يسيبوا التليفون ده في مكان تجيبيه منه.. وأنا اللي خليت الخط المشفر ده يشتغل. الرسالة اللي أنتي بعتيها عشان توقفي شحنة الميناء؟ وصلت لرجالي أنا قبل ما توصل للي مشغلينك برة. الشحنة متوقفتش ولا حاجة، ده كان مجرد فخ عشان أشوف هتلعبي بـ أنهي كارت.”
مايا حسّت لأول مرة إن الأرض بتهتز تحت رجليها. الراجل ده مش بس ذكي، ده بيقرا أفكارها ومسبقها بخطوتين. تملكه مكنش مجرد حيطان وقفل باب، ده كان محاصر روحها وعقلها.
حاولت تبعد عنه وتداري ارتباكها، لكن فهد
لف إيده حول وسطها وشدها ليه أكتر، لدرجة إنها حسّت بدقات قلبه العنيفة والمجنونة. بص في عينيها وقال بنبرة تملك أسود:
— “أنا قولتلك.. أنتي دخلتي عرين الفهد برجليكي. اللعبة دي أنا اللي حاطط قوانينها من أول يوم أبوكي رماكي ليا فيه. الشحنة تمام، وأبوكي في السجن، وعيلتك بتطرد في الشارع دلوقتي.. وكل خيوطك في إيدي.”
مايا جزت على سنانها، ورغم الصدمة، عينيها لمعت بشرار عنيد وقالت بصوت واطي ومليان قسوة:
— “عايز إيه يا فهد؟ طالما كاشف كل حاجة وبتحركني زي العرايس.. مستني إيه؟ ما تخلص عليا وتنهي اللعبة!”
مّرر صوابعـ.ه على شعرها الأسود الطويل، ونزل لودنها وهمس بأنفاس حامية:
— “أخلص عليكي؟ أنا لسه مبدأتش أستم،
مـ.ـتع بيكي يا مايا. اللعبة لسه في أولها.. وأنتي بقيتي هوسي. من النهاردة، مفيش خطط من ورا ضهري، ومفيش قناع.. النهاردة هتعرفي يعني إيه تبقي ملك لفهد الألفي بالكامل.”
حملها فجأة بين إيديه وهي بتحاول تقاومه وتضربه في صدره، لكن قوته وتملكه كانوا أقوى من عنادها. رماها على الأرض ببطء، ورمى الجاكيت بدلته السودا وبيرميه على الأرض، وعينيه بتقول إن الهروب من نار تملكه بقى مستحيل.
مايا سحبت روحها لورا على السرير وهي بتبص له بعيون مشحونة بالغضب والتحدي، شعرها الأسود الطويل اتفرد حواليها زي ليل مظلم، ورغم إن الموقف كان يحبس الأنفاس، إلا إن كبريائها منحيش. رفعت راسها وبصت لملامحه الحادة وهو واقف فوقيها بكل هيبته وتملكه، وقالت بصوت قوي ومرعش ومفيهوش خوف:
— “فاكر إنك لما تقلع الجاكيت وتقفل الأوضة هتمكّن مني يا فهد؟ أنت كشفت تليفوني وخطتي، ماشي.. برافو عليك. بس لسه مكشفتش اللي جوايا. جسمي ممكن تحبسه هنا، بس عقلي وروحي مستحيل تملكهم، ومستحيل أكون لعبة في إيدك.”
فهد نزل لمستواها ببطء، وسند بإيديه الاتنين على السرير حوالين راسها، محاصرها بالكامل بجسمه العريض وعيونه السودا اللي كانت بتلمع بشغف مرعب. قّرب من وشها لدرجة إن أنفاسه الحامية بقت بتلفح بشرتها البيضاء، وهمس بنبرة رخيمة ومثيرة:
— “أنا مش عايز أحبس جسمك يا مايا.. أنا عايز الهيبة والعناد اللي في عينيكي دول ينحنوا ليا أنا وبس. عايز لما تبصي للعالم كله تبقي باردة وقاسية زي التلج، ولما تبصي في عيوني… تفتكري إنك ملكي.”
مّرر صباعه ببطء شديد على شفايفها، وكمل بصوت واطي ومليان تملك:
— “أنتي مفكرة نفسك شيطانة في الانتقام؟ أنا بقى اللي علّمت الشيطان إزاي يبتسم وهو بيحرق اللي قدامه. وعنادك ده هو اللي مخليني مش شايف في الدنيا ست غيرك من ليلة ما دخلتي هنا.”
مايا حسّت بقشعريرة هزت كيانها من كلامه ونظراته اللي بتخترقها، تملكه الأسود ده كان زي المغناطيس، بيسحبها لـ منطقة خطيرة هي مكانتش عامله حسابها فيها. حطت إيديها على صدره، وضغطت بخفة وهي بتحاول تثبت نبرة صوتها:
— “التملك ده هيق*تلك يا فهد.. لأن البنت اللي عاشت عشر سنين بتخدع عيلتها والعالم كله ورا قناع عشان ليلة زي دي، مستحيل ترضى بـ إن راجل يتحكم في مصيرها.. حتى لو كان الراجل ده هو فهد الألفي.”
فهد مسك إيديها الاتنين اللي على صدره بيد واحدة، وثبتهم فوق راسها ببطء وقوة، وبصوت مليان ثقة تامة قال لها:
— “أنا مش هتحكم في مصيرك.. أنا هبقى مصيرك الجديد يا مايا. ومن بكرا.. العالم كله هيشوف إمبراطورية الألفي وهي بتكبر بيكي، بس طول ما إحنا هنا.. القوانين قوانيني أنا.”
في اللحظة دي، وقبل ما مايا ترد، صدى صوت خبط عنيف ومفاجئ جيه من البوابة الخارجية للقصر، وصوت كلاب الحراسة بدأ يشتغل برة في الجنينة بجنون.
فهد رفع راسه وعينيه ضاقت بشرار مرعب، ساب إيديها ووقف على طوله ببطء، والتملك اللي في عينيه اتحول لـ لغة حرب وقسوة مميتة. لفت نظره لمايا وقال بنبرة حاسمة:
— “شكل في حد قاصد ينتحر النهاردة وجاي لحد عندي.. خليكي هنا ومتحركيش.”
مايا قعدت بسرعة على السرير، وعينيها الخضرا لمعت بذكاء وفضول:
— “تفتكر مين اللي يجرؤ ييجي هنا في وقت زي ده؟”
فهد ابتسم ابتسامة مظلمة وهو بيلبس ساعته تاني وقال:
— “هنزل أشوف.. بس لو طلعت خطة تانية من خططك يا قطتي.. العقاب المرة دي مش هيعجبك.”فهد خرج من الأوضة وقفل الباب وراه بتكة عالية، ساب مايا في قمة توترها وفضولها. نزلت من على السرير بسرعة، وراحت ناحية الشباك الكبير اللي بيبص على البوابة الرئيسية، وحاولت تدقق في الضلمة برة لعلها تلمح أي حاجة.
تحت، عند البوابة، الأضواء الكاشفة بتاعة القصر كلها اشتغلت، ورجال الحراسة كانوا محوطين عربية فخمة سودا وقفت فجأة برة. فهد نزل السلم بخطوات ثابتة ومرعبة، وفتح باب القصر الكبير ووقف على العتبة، وعينيه بتقرا الموقف بكل برود وقسوة.
الباب بتاع العربية اللي برة اتفتح، ونزلت منها واحدة ست بتعيط بهستيريا وتصرخ، وجنبها حارسين ساندينها… دي كانت “شيريهان” مرات أبوها، ومعاها بنتها “شاهيناز”.
شيريهان أول ما شافت فهد، رمت نفسها تحت رجلين الحراس وهي بتصرخ بصوت مبحوح:
— “فهد بيه! أرجوك، أبوس إيدك ارحمنا! الرجالة بتوعك طردونا من الفيلا ورموا حاجتنا في الشارع! فؤاد ضاع ومستقبله انتهى، إحنا ملناش ذنب في الشيكات! وافقنا على الجوازة دي عشان نخدمك.. أرجوك متضيعناش!”
فهد كان واقف حاطط إيديه في جيوب بنطلونه، وباصص ليهم باحتقار شديد، وصوت كلاب الحراسة وهي بتهجم على السور كان بيزود الرعب في قلوبهم. وبنبرة صوت هادية لكنها زي الس*كينة حامية قال:
— “خدمتوني؟ أنتي وبناتك عشتوا سنين في خير فؤاد المنشاوي، وكنتوا بتعاملوا بنته الصغير على إنها خدامة ليكم. فاكرين إن فهد الألفي نايم على ودانه؟ أنا وافقت على اللعبة دي عشان أكسر عين فؤاد.. وعينكم أنتوا كمان.”
شاهيناز رفعت راسها وهي بتعيط، وبصت لفهد بنظرة توسل:
— “بس مايا دي واحدة جاهلة وقبيحة! إزاي تضيع عيلة بحالها عشانها؟ دي متستاهلكش يا فهد بيه!”
فهد ضحك ضحكة قوية ومرعبة، وخطى خطوتين لقدام لغاية ما بقى قريب منهم، وقال بصوت هز المكان:
— “جاهلة وقبيحة؟ مايا اللي أنتوا بتتكلموا عنها دي.. هي اللي قفلت حسابات أبوكم بكلمة منها. مايا هي الإمبراطورة الجديدة لقصر الألفي. والوش اللي كنتوا بتذلوه.. النهاردة بقا هو اللي بيتحكم في مصيركم.”
فهد لف لرجاله وبصوت حاسم أمرهم:
— “ارموا الحريم دول برة أرض القصر، ولو لمحت حد فيهم قريب من البوابة تاني.. حسابه هيكون معايا أنا شخصياً.”
الحراس سحبوا شيريهان وبنتها وهما بيصرخوا ويموتوا من الرعب، والعربية مشيت بسرعة وسابتهم في الشارع في وسط الضلمة.
فهد لف ضهره ودخل القصر ببطء، وطلع السلم وهو بيصلح لياقة قميصه. فتح باب الجناح ببطء، ودخل لقى مايا واقفة جنب الشباك، وعينيها الخضرا بتلمع بمليون سؤال وسؤال.
قفل الباب وراه، وقرب منها لحد ما بقى وشها في وشه، وابتسم ابتسامة تملك ومحبة سودا غريبة، وهمس:
— “شفتي؟ جبتهم لحد عندك يركعوا تحت رجليكي عشان تبرد ناري ونارك.. تفتكري لسه في حد تاني في الكون ده يقدر يحميكي من تملكي غيري؟”
مايا بصت في عينيه، ولأول مرة حسّت إن قلبها وعنادها بدأوا يلينوا قدام الراجل ده، وقالت بصوت دافي مليان تحدي جديد:
— “أنت عملت كل ده عشان تكسر عنادي يا فهد.. بس أنا لسه مأعلنتش استسلامي.”
فهد مالت شفايفه بابتسامة غامضة، وقرب منها خطوة كمان لحد ما بقاش في الهوا مساحة تفصل بينهم. رفع إيده وبطراف صوابعه مشى على خصلات شعرها الطويل، وقال بنبرة واطية حامية زي جمر النار:
— “وأنا مش عايزك تستسلمي يا مايا.. الاستسلام بيفقد اللعبة متعتها. أنا عايزك بكل عنادك، بذكائك الشيطاني، وبكل القسوة اللي داريتيها ورا قناعك سنين. أنا عايز أروض القسوة دي بمزاجي.”
مايا خدت نَفس طويل، ورغم إن قرب فهد وتملكه المرة دي كان بيحاصرها بجد، إلا إنها رفعت عينيها الخضرا وبصت له بثبات:
— “شفت شيريهان وبنتها برة وهم بيموتوا من الرعب.. المنظر كان ممتع، مش هُنكر. بس أنت فاكر إنك بكده بتثبت لي إنك حاميتي؟ أنت بتثبت لي إنك تقدر تعمل فيا زيهم لو عصيت أوامرك في يوم.”
فهد ضحك ضحكة رجولية دافية هزت الجناح، ولمح البرق لف دراعه حول وسطها وشدها ليه بقوة، لدرجة إنها حست بدقات قلبه السريعة اللي فضحت هوسه بيها، وقال:جميع الحقوق محفوظة © بقلم مايا خالد
— “أنتي غبية يا مايا؟ رغم كل ذكائك ده مش فاهمة؟ شيريهان وبناتها وأبوكي مجرد نمل دوست عليه عشان ضايقوا مراتي. أنتي في كفة، والعالم كله في كفة تانية. أنتي مش جارية في قصري.. أنتي شريكتي في السواد ده. بس الشراكة دي ليها قائد واحد.. وهو أنا.”
مايا حطت كفوف إيديها على صدره العريض، وحست بقوة عضلاته، وقالت بنبرة فيها مكس غريب بين التحدي والدلال لأول مرة:
— “والقائد ده مش ناوي يرجع لي تليفوني؟ ولا هنقضي شهر العسل وإحنا بنراقب البوابة برة؟”
فهد ابتسم، ومد إيده في جيب بنطلونه وطلع تليفونها الذكي الأصلي ورماه على الترابيزة القريبة منهم وهو بيقول:
— “التليفون اهو.. وريني بقى هتعملي إيه. بس افتكري.. كل شبكة، كل مكالمة، كل حرف هتكتبيه، متسجل في سيستم عقلي أنا قبل سيستم القصر. خروج من هنا من بكرا الصبح هيكون معايا.. هنروح شركة أبوكي اللي بقت باسمك، عشان تستلمي إمبراطوريتك الجديدة.”
مايا لفت ببطء، مشيت ناحية الترابيزة وخدت تليفونها، وبصت له من فوق كتفها بنظرة سحرت كيانه:
— “موافقة يا فهد بيه. بكرا الصبح هيبدأ الشغل بجد.. وهنشوف الإمبراطورة الجديدة هتعمل إيه في سوق الألفي.”
فهد قعد على الكرسي الكبير، وحط رجل على رجل بكل هيبة وتملك، وعينيه منزلتش من عليها وهي بتتحرك في الأوضة زي القطة الفاتنة، وقال بصوت مليان وعيد وشغف مظلم:
— “أنا مستني الصبح بفارغ الصبر يا مايا.. ليلتنا لسه طويلة، والمعركة يادوب بدأت.”
يتبع
ترويض الفهد بقلم مايا خالد ج3
الليل عدا وطول الساعات دي مفيش حد فيهم رمش له جفن، الصراع الصامت كان شغال بنظراتهم، تملّك فهد كان زي الضلمة اللي محوطة الأوضة، وعناد مايا كان الشعلة اللي مش راضية تطفي.
الصبح طلع، ونور الشمس دخل الجناح ببطء. مايا كانت جاهزة؛ لابت فستان فورمال ضيق بلون نبيتي غامق، مبيّن رشاقتها وقوتها، ولمّت شعرها الأسود الطويل لفوق بطريقة شيك خلت ملامح وشها الفاتنة تظهر أكتر. مفيش أثر للبنت الضعيفة، النهاردة الإمبراطورة هي اللي نازلة السوق.
فهد كان واقف مستنيها عند باب الجناح، لابس بدلته الرمادي الفخمة، وعينيه أول ما وقعت عليها اسودّت من الهوس؛ جمالها المؤذي لقلبه كان بيكبّر تملّكه ليها ثانية ورا ثانية. قرب منها وحط إيده على وسطها بقوة وعصرها برقة:
— “النبيتي بياكل منك حتة.. بس بلاش نظرة التحدي دي قدام الموظفين، عشان برة القصر لازم يعرفوا إن كلمتي أنا اللي بتمشي.”
مايا ابتسمت بدلال مستفز وشالت إيده ببطء:
— “هنركب العربية يا فهد بيه، والسوق هو اللي هيحكم.”
وصلوا قدام برج شركة “المنشاوي” اللي اليافطة بتاعته كانت بتتغير في اللحظة دي لـ “مجموعة الألفي والمنشاوي”. الموظفين والمديرين كانوا واقفين صفين برعب مستنيين الإمبراطور، لكن الصدمة لما الباب اتفتح ونزل فهد.. وجنبه واحدة ست تخطف العين بجمالها وثقتها، ومفيش في ملامحها أي أثر للـ “البنت القبيحة” اللي كانوا بيسمعوا عنها.
فهد دخل وهو ماسك إيد مايا ومتبت فيها كأنه بيعلن ملكيته ليها قدام الكل. دخلوا قاعة الاجتماعات الكبيرة، وكان قاعد فيها كبار المستثمرين والشركا اللي كانوا طمعانين في الشركة بعد سجن فؤاد.
واحد من المستثمرين قام وبلع ريقه وقال بخوف:
— “فهد بيه.. إحنا عارفين إنك اشتريت الأسهم، بس مين اللي هيدير؟ الشغل واقف والصفقات مع الشركات الأجنبية ملغية بسبب حبس فؤاد بيه.”
فهد قعد على رأس التربيزة بكل هيبة، وحط رجل على رجل، وبص لمايا اللي كانت واقفة بكل ثبات وجبروت، وقال بصوت رجّ القاعة:
— “اللي هيدير من النهاردة هي صاحبة الشأن.. حرم فهد الألفي، ومايا فؤاد المنشاوي. وكلمتها هي اللي هتمشي على رقابكم كلكم.”
الكل اتصدم وبدأوا يهمسوا، لكن مايا مسبتلهمش فرصة. فتحت الفايل اللي في إيدها، وبدأت تتكلم بنبرة حاسمة وصوت قوي، وبدأت تعرض الشروط الجديدة بلغة اقتصادية مرعبة وصارمة، وبلغت خطتها لتطوير الصفقات الأجنبية في خمس دقايق بس، لدرجة إن الشركا الكبار بقوا يبصوا لبعض بذهول وانبهار.
فهد كان قاعد بيراقبها، تملّكه كان بيزيد لدرجة الهوس وهو شايفها بتسيطر على القاعة بذكائها وجبروتها. البنت دي بتاعته هو وبس، ومفيش راجل في الكون ده هيلمح لمعة عينيها دي غيره.
بعد ما الاجتماع خلص والكل وافق على شروطها وهم باصمين بالعشرة، الشركا خرجوا ومبقاش في القاعة غير فهد ومايا.
مايا لفت لفهد، وسندت بإيديها على التربيزة وميلت عليه بابتسامة انتصار:
— “إيه رأيك يا فهد بيه؟ أظن الإمبراطورة الجديدة أثبتت نفسها في أول ساعة.”
فهد قام وقف على رجليه بكل طوله وهيبته، وحاصرها بينه وبين التربيزة، ومسك فكها بإيده وضغط عليه بقوة وشغف مظلم:
— “أثبتي إنك خطر يا مايا.. خطر لدرجة تخليني عايز أقفل عليكي قصر الألفي ومخلكيش تشوفي الشمس تاني. ذكاءك ده سحرهم برة.. بس جوايا أنا، بيصحّي الوحش اللي مش هيسيبك تبعدي عنه خطوة واحدة.”
قرب من شفايفها وهمس بأنفاس حامية:
— “انتقامك من عيلتك وخلص.. دلوقتي بقيتي في وشي أنا.. وريني هتروضي تملكي الأسود ده إزاي.”
مايا حسّت بحرارة أنفاسه وقرب جسمه العريض اللي كان بيحاصرها تماماً، ورغم إن قلبها كان بيدق بعنف، إلا إن نظرة عينيها الخضرا فضلت ثابتة وحامية زي النار. رفعت إيدها وبكل جُرأة حطتها على كتف بدلته الرمادي، وقربت أكتر لحد ما بقيت شفايفها على بُعد ملمترات من شفايفه، وقالت بنبرة صوت واطية ومثيرة كلها تحدي:
— “مين قال لك إن انتقامي خلص يا فهد؟ أنا يادوب أخدت حقي من عيلتي.. لكن اللعبة الكبيرة لسه بتبدأ، والوحش اللي أنت مخوفني بيه ده؟ أنا مش هروضه.. أنا هخليه يشتغل لحسابي.”
فهد عينيه اسودّت من الهوس؛ النبرة دي، والدلال اللي متغطي بالقسوة ده، كانوا بيلعبوا بأعصابه وبيدمروا بروده. ضغط على وسطها أكتر لدرجة إنها شهقت بخفّة، وقال وهو بيجز على سنانه بشغف مظلم:
— “تشتغلي لحسابك؟ أنتي بتلعبي مع الموت يا مايا. أنا سيبتك تاخدي اللقطة قدام الشركا، وسيبتك تحسي بـ قوتك.. بس متنسيش إن الحبر اللي اتمضى بيه عقد نقل الملكية ده، لسه منشفش على ورقي أنا. كلمتي برة وجوا هي اللي بتمشي.”
مايا ضحكت ضحكة رقيقة سحرت كيانه، وسحبت نفسها من بين إيديه بذكاء وحركة رشيقة، راحت قعدت على كرسي المكتب الكبير اللي كان بتاع أبوها، وحطت رجل على رجل بكل ثقة، وبصت له وهي بتمسك القلم الدهبي وقالت:
— “طب إيه رأيك بقى.. إن وأنا بعرض الصفقة الأجنبية من شوية، دخلت بند صغير في العقود ومحدش فيهم خد باله منه من كتر الانبهار؟ البند ده بيدي شركتي ‘الجديدة’ الحق في الإشراف الكامل على شحنات الميناء بتاعتك لمدة سنة.. يعني يا فهد بيه، من النهاردة مفيش حاجة هتدخل مخازنك غير بإمضتي أنا.”
فهد وقف مكان الصدمة لثواني، وبعدها ضحكته الرجولية القوية رجّت الحيطة. مشى ناحيتها بخطواته الثقيلة المهيبة، ووقف ورا الكرسي اللي هي قاعدة عليه، وميل براسه جنب ودنها لحد ما شعرها الأسود الطويل لمس وشه، وهمس بصوت دافي ومرعب:
— “قولتلك قبل كده وبكررهالك.. أنتي بتموتي في الفخاخ. تفتكري العقود دي مين اللي مراجعها وموافق عليها قبل ما تدخلي القاعة؟ رجالي أنا. أنا اللي سيبتك تحطي البند ده يا مايا.. عشان أبقى مالي عيني منك في الميناء وفي القصر وفي كل مكان. أنتي فاكرة إنك بتلوي دراعي؟ أنتي بتربطي نفسك فيا أكتر وأكتر وأنتي مش حاسة.”
مايا اتصلبت في مكانها، ولفت براسها تبص له بذهول. الراجل ده مش طبيعي، تملكه واصل لمرحلة إنه بيتنبا بكل خطوة بتعملها ويسيبها تعملها وهو مستمتع.
فهد مد إيده، وأخد القلم الدهبي من بين صوابعها ببطء، وحطه على المكتب، وبعدين مسك إيدها ووقفها قدامه، وقال وعينيه مثبتة في عينيها بنظرة تملك أبدي ملوش نهاية:
— “دلوقتي.. الشغل خلص، والإمبراطورة أخدت مكانها. يلا بينا نرجع القصر.. عشان ليلتنا الجاية، العقاب فيها هيكون بطريقتي أنا.. ومش هسمحلك تلبسي أي قناع تاني قدامي.”
طوال طريق العودة في السيارة، الصمت كان أشد من صوت المحرك. مايا كانت بتبص من الشباك وعقلها شغال زي الآلة الحاسبة، بتحاول تلاقي الثغرة اللي فاتت منها؛ إزاي فهد كان قاري خطوة الميناء والعقود؟ هل في حد مخترقها؟ ولا الراجل ده بجد شيطان بيقرا الأفكار؟
فهد كان قاعد جنبها، حاطط إيد على ركبته وعينيه مركزة على ملامحها الجانبية ببرود وثقة تامة. تملّكه ليها مبقاش مجرد رغبة في السيطرة، ده بقى إدمان لشخصيتها وعنادها.
أول ما العربية وقفت قدام القصر، فهد منزلش على طول. أشار للسواق يخرج برة، وولع سيجارة، ونفخ الدخان ببطء وهو بيقول بصوت رخيم وهادي:
— “طول الطريق وبتفكري مين اللي خانك يا مايا.. صح؟ بتفكري إزاي عرفت بند العقود؟”
مايا لفت وشها وبصت له بعيونها الخضرا الحادة:
— “مش هينفع أنكر.. أنت مسبقني بخطوة دايماً، وده مخليني عايزة أعرف اللعبة دي آخرها إيه معاك.”
فهد قرب منها، وبإيده اللي فيها السيجارة مّرر طرف صابعه على خدها بنعومة قاتلة:
— “آخرها إني مش هسيبك.. لا بخطة، ولا بذكاء، ولا بـ أي قناع. أنا سيبتك تعملي كل ده عشان أشوف عينيكي وهي بتلمع بالانتصار، لأني بحب أشوفك قوية.. بس قوية بيا أنا، مش من ورا ضهري.”
فتح باب العربية ونزل، ومد إيده ليها بكل هيبة:
— “يلا.. الجناح مستنينا، وعندي ليكي مفاجأة هتقلب موازين اللعبة دي خالص.”
مايا حطت إيدها في إيده ونزلت، ودخلوا القصر سوا. طلعوا الجناح، وأول ما الباب اتقفل، فهد مشى ناحية الخزنة السرية اللي في حيطة المكتب، فتحها وطلع منها ملف أسود سميك جداً ورماه على الترابيزة قدامها.
مايا بحذر:
— “إيه ده؟”
فهد ساند ضهره على المكتب وحط إيديه في جيوبه وقال بابتسامة مظلمة:
— “ده الملف السري لـ ‘مايا خالد’.. الاسم المستعار اللي كنتي بتكتبي وتخططي بيه برة، والناس اللي كنتي بتتعاملي معاهم في السوق السودا عشان تديري حسابات وهمية من ورا أبوكي. الملف ده فيه ورق يوديكي ورا الشمس بتهمة غسيل أموال.. يعني أنا مش بس كاشف تليفونك، أنا معايا حياتك القديمة كلها في ورقة.”
مايا حسّت بنَفَسها بيتقطع للحظة، الراجل ده جاب أسرارها اللي دفتنها من سنين! لكنها جمعت شجاعتها وقربت من الملف، وبصت في عينيه بقسوة وعناد جبار:
— “وطالما معاك ورق يوديني السجن.. مستني إيه يا فهد؟ ما توديني وتخلص من وجع الدماغ ده كله!”
فهد لمح لمح البرق، شدها من وسطها عليه لدرجة إن صدرها خبط في صدره العريض، ونزل براسه لوشها وهمس بصوت كله شغف أسود وتملك أعمى:
— “أوديكي السجن؟ أنتي مجنونة؟ أنا لو رميت الورق ده في النار، هحرق معاه هوسي الجديد. الورق ده هيفضل هنا.. حبل مشنقة حوالين عنادك، عشان كل ما تفكري تبعدي عني أو تلعبي من ورايا، تفتكري إن فهد الألفي هو الوحيد اللي يقدر يحميكي من نفسك.. ومن العالم.”
مايا كانت حاسة بأنفاسه الحامية، وتملكه المرعب ده كان بيبعث قشعريرة في كل حتة في جسمها، وبنبرة مليانة جُرأة وتحدي أخير، رفعت راسها وقالت:
— “والحبل ده لو اتشد على رقبتي يا فهد.. هيموتني، وأنت مابتفرطش في ألعابك الغالية.. يعني الورق ده سلاح في إيدي أنا مش في إيدك.”
فهد ضيق عينيه وابتسم ابتسامة خطيرة:
— “خلينا نشوف مين اللي هيخنق التاني في الآخر يا قطتي.”النبرة اللي قالت بيها مايا الجملة دي، خلت فهد يثبت نظراته عليها لثواني. الصمت رجع تاني يسيطر على الجناح، بس المرة دي كان صمت مليان طاقة مشحونة، كأنهم اتنين واقفين على حافة بركان وكل واحد مستني التاني يتهز الأول.
فهد ساب وسطها ببطء، لكن عينيه فضلت حادّة ومثبتة على عينيها الخضرا. مشى خطوتين لورا وسند على المكتب، ربع إيديه وقال بنبرة هادية بس فيها حذر مرعب:
— “ذكائك بيعجبني يا مايا.. لدرجة تخوف. بتعرفي تلعبي بالكلمات وتدوري السلاح لصالحك في ثانية. بس الورق ده مش محطوط عشان يخنقك.. الورق ده محطوط عشان يفكرك إننا بقينا في مركب واحدة. مركب سودة اه، بس مفيش حد فينا هيسمح لها تغرق.”
مايا أخدت نَفس طويل، وقفلت الملف الأسود بكل برود، وحطت إيدها عليه وهي بتبص له بثقة:
— “طالما إحنا في مركب واحدة.. يبقى ملوش لزمة التهديد بالورق يا فهد بيه. أنا وأنت عارفين إن اللعبة برة القصر بقت محتاجة إننا نكون إيد واحدة، خصوصاً بعد ما السوق كله عرف إن شركة المنشاوي بقت تحت إيد الألفي. تفتكري أعدائك هيسكتوا؟”
فهد عينيه لمعت بلمعة غامضة، وابتسم ابتسامة خبيثة:
— “أعدائي؟ هما بقوا أعدائنا خلاص. ومن الواضح إنهم بدأوا يتحركوا أسرع مما نتخيل.”
في اللحظة دي، تليفون فهد الخاص برن بنغمة مخصصة لرجالة الحراسة برة. فهد فتح الخط وحطه على السبيكر من غير ما يتكلم.
صوت “سليم”، دراعه اليمين برة القصر، جيه سريع ومخضوض:
— “فهد بيه! في حركة غريبة في السوق. رجال ‘عيلة زهران’ بدأوا يسحبوا السيولة بتاعتهم من البورصة، وفي كلام طالع إنهم بيحضروا لضربة قوية لصفقة الميناء الجديدة اللي حرمك المصون حطت إمضتها عليها النهاردة!”
مايا عينيها وسعت وبصت لفهد بذكاء وفهم. عيلة زهران دي كانت المنافس الأول لأبوها، ودلوقتي بيحاولوا يستغلوا الهزة اللي حصلت في العيلة عشان يضربوا فهد في مق*تل.
فهد قفل الخط بكل برود، وبص لمايا اللي كانت واقفة وعلامات التخطيط والتركيز بدأت تظهر على ملامحها الفاتنة. قرب منها تاني، وحط إيديه على كتافها وبص في عينيها بتملك وشغف مظلم:
— “شفتي؟ الحرب بدأت تنده علينا برة.. وعيلة زهران فاكرين إنهم هيصطادوا في المية العكرة.”
مايا رفعت راسها وبصت له بنظرة قاسية ومليانة جبروت، وحطت إيدها فوق إيده اللي على كتفها وقالت بصوت حاسم:
— “عيلة زهران فاكرين إن فؤاد المنشاوي لسه هو اللي بيدير.. ميعرفوش إن اللي واقفة قدامهم النهاردة هي مايا. الصفقة دي مش هتقع يا فهد.. والضربة اللي بيفكروا يوجهوها لينا، هترد في صدرهم هما.”
فهد حس بنار الهوس بتزيد جواه وهو شايفها بتتحول لمعجزة في القوة والذكاء قدامه. شدها ليه فجأة وهمس جنب ودنها بأنفاس حامية:
— “أنا معاكي في المعركة دي يا إمبراطورتي.. هنسحقهم سوا. بس بعد ما نخلص برة.. هنرجع هنا، والوقت ده هيكون ليكي وليا أنا وبس.. مفيش أعداء، ومفيش ورق.. في تملكي وبس.”
مايا ابتسمت ابتسامة ساحرة وقالت:
— “خلينا نخلص عليهم الأول يا فهد.. وبعدين نشوف مين فينا اللي هيملك التاني.”فهد ضغط على كتافها بلمسة أخيرة حاسمة، وعينيه لمعت ببريق مرعب ومتحمس، كأنه وحش استدعتْه الحرب. سابها ومشى ناحية مكتبه، فتح اللاب توب الخاص بيه وبدأ يتابع حركة الأسهم والبورصة والتقارير اللي بتوصله من رجالته في الميناء ثانية بثانية.
مايا مقعدتش تتفرج، سحبت كرسي وقعدت جنبه، عينيها الخضرا كانت بتتحرك على الشاشة بذكاء وسرعة مذهلة. لفت وجهها لفهد وقالت بنبرة واثقة:
— “عيلة زهران بيلعبوا لعبة قديمة قوي يا فهد. هما بيسحبوا السيولة عشان يوقعوا أسهم شركتي القديمة، ويسقطوا الصفقة الأجنبية في الميناء لعدم وجود غطاء مالي. فاكرين إني هقف أتفرج.”
فهد ساند ضهره وبص لها وهو بينفخ دخان سيجارته ببرود:
— “والإمبراطورة بتاعتي ناوية تعمل إيه؟ أنتي عارفة إن سيولة مجموعة الألفي تغطي السوق كله، بس أنا مش هتدخل ماليًا غير لما أشوف هتحليها إزاي.”
مايا ابتسمت ابتسامة خبيثة وسحرت كِيانه، وقربت من اللاب توب وبدأت تضرب على الكيبورد بسرعة وهي بتقول:
— “مش محتاجة فلوسك يا فهد بيه.. على الأقل مش دلوقتي. عيلة زهران نسيوا إن صفقاتهم كلها معتمدة على مصانع الحديد والصلب اللي برا. أنا من حسابي الوهمي القديم باسم ‘مايا خالد’، كنت شارية حصة حاكمة في خطوط الشحن اللي بتنقلهم المواد الخام دي. يعني بضغطة زرار واحدة مني دلوقتي… أنا هقفل عليهم المحبس. المواد الخام مش هتوصل مصانعهم، وإنتاجهم هيقف، وساعتها السيولة اللي سحبوها مش هتنفعهم لما أسهمهم هما اللي تنهار في الأرض!”
فهد فضل باصص لها بذهول مخلوط بـ قمة العشق والتملك. البنت دي مش مجرد وش حلو، دي إعصار دمار شامل لأي حد يقف في طريقها. تملكه الأسود اتحول لفخر أعمى بيها وبذكائها.
وقف على طوله، ومشى لحد ما بقى وراها بالظبط، وحاوط كتافها بإيديه العريضة ونزل لودنها وهمس بصوت رخيم مليان هوس:
— “أنتي شيطانة يا مايا.. وأنا محظوظ إن الشيطانة دي بقت مراتي وتحت طوعي. أنتي كده مش بتضربي عيلة زهران بس، أنتي بتمسحي وجودهم من السوق.”
مايا لفت براسها وبصت في عينيه القريبة جداً منها، وقالت بأنفاس متسارعة من فرط الحماس والتحدي:
— “أنا قولتلك يا فهد.. اللي يخليني أستحمل قناع القبح عشر سنين، يخليني أهد جبال عشان أحافظ على مكاني ودلوقتي… الضربة هتوصلهم في ثواني.”
ضغطت على زرار “إنتر” في الكيبورد، وفي نفس اللحظة، تليفون فهد رن تاني، وجاء صوت سليم وهو بيصرخ بذهول:
— “فهد بيه! مش ممكن! مصانع زهران حركتها وقفت فجأة! خطوط الشحن الدولية بلغتهم بوقف التعامل فوري! أسهمهم بتبدأ تنزل في البورصة زي المطر! مين اللي عمل كده؟!”
فهد قفل الخط من غير ما يرد، وعينيه اسودت تماماً من الشغف والتملك. بإيد واحدة لف كرسي مايا عشان تبقى قباله بالظبط، ونزل لمستواها، ومسك وشها بإيديه الاتنين وضغط عليه بقوة وعشق مظلم:
— “الحرب برة خلصت في دقايق بفضل ذكائك يا إمبراطورتي.. وعيلة زهران انتهوا. دلوقتي بقى… القصر اتقفل علينا، ومبقاش في أي شغل أو أعداء يشغلوا وقتك عني. جه وقت حسابي وتملكي أنا.. والهروب من حضن الفهد الليلة دي مستحيل.”
مايا حطت إيديها على صدره، وعينيها الخضرا بتلمع بتحدي أخير رغم إن حصونها بدأت تنهار قدام هيبته وتملكه:
— “وريني تملكك يا فهد.. أنا في وسط عرينك، ومستنية أشوف أخرتها معاك إيه.”فهد مقدرش يستحمل عنادها أكتر من كده، الضحكة المستفزة اللي على شفايفها مع نظرة عينيها الخضرا اللي بتلمع بذكاء وجبروت كانت بتدمر كل ذرة برود فاضلة فيه. لمح البرق، شالها فجأة بين إيديه بقوة تملك وحش كاسر. مايا شهقت من المفاجأة وحطت إيديها بسرعة حوالين رقبته عشان متقعش، وبصت في عينيه اللي بقوا زي الجمر المشتعل.
مشى بيها خطوات ثابتة وتقيلة لحد السرير، ورماها عليه براحة لكن بتملك واضح، ووقف فوقيها وهو بيقفل اللاب توب بإيده التانية ويرميه على المكتب بعيد، كأنه بيعلن إن العالم كله انتهى برة الأوضة دي.
نزل لمستواها وسند بإيديه الاتنين حوالين راسها، وشعرها الأسود الطويل اتبعثر على السرير زي ليل ملوش أخر. همس بصوت دافي، حاد، ومبحوح من فرط الشغف:
— “أخرتها معايا إنك مش هتشوفي برة الأوضة دي غير بإمضتي، ومش هتتنفسي غير بنَفَسي يا مايا. أنتي النهاردة دمرتي عيلة زهران بضغطة زرار، ورجعتي حقك من أبوكي ومرات أبوكي.. يعني مطلعش فيكي ذرة رحمة. وأنا مبحبش الرحمة.. أنا بحب القسوة اللي في عينيكي دي، عشان أنا الوحيد اللي هكسرها.”
مايا كانت حاسة بأنفاسه الحامية بتلفح وشها، ودقات قلبها بقت سريعة وعنيفة لدرجة مرعبة، مكنتش قادرة تداري هيبتها منه ولا قادرة تنكر إن تملكه الأسود ده بدأ يسيطر على مشاعرها غصب عنها. رفعت صباعها وحطته على صدره العريض وقالت بنبرة دافية وفيها دلال وتحدي: بقلم مايا خالد
— “تكسرها؟ أنت فاكر نفسك هتعرف تكسر مايا يا فهد؟ أنا ورايا رجالة وخطوط شحن وحسابات وهمية تهد دول.. أنت مجرد راجل تملكك عاميك.”
فهد مسك صباعها اللي على صدره، وبطريقة بطيئة ومثيرة باسه، وهو عينيه منزلتش من على عينيها، وقال بنبرة مليانة وعيد:
— “الراجل ده هو اللي بيتحكم في الأكسجين اللي في الأوضة دي دلوقتي يا قطتي. رجالتك وخطوط شحنك؟ من الصبح هيبقوا تحت حمايتي وحساباتي أنا، يعني حتى قوتك هتبقى مستمدة مني. أنتي بقيتي هوسي، وأنا لما بتهوس بحاجة.. بقفل عليها بقفل وبشيل المفتاح في قلبي.”
قرب أكتر لحد ما ملامحهم تداخلت، ومّرر شفايفه على خط فكها البيضا بنعومة مرعبة وهو بيكمل:
— “اللعبة من النهاردة بقت بشروطي كاملة.. مفيش ورق تهديد، ومفيش أعداء برة. في أنا وأنتي.. والظلام اللي جوانا.”
مايا غمضت عينيها للحظة وهي بتحس بـ حصونها الأخيرة بتهد قدام جبروت فهد وتملكه المظلم، ولأول مرة، استسلمت لـ دفء حضنه وهي عارفة إن القناع سقط للأبد، وإن انتقامها الحقيقي مكنش من عيلتها… انتقامها كان إنها تخلّي الإمبراطور فهد الألفي يركع تحت سحر جمالها وذكائها، وهو فاكر إنه هو اللي ممتلكها.
همست بصوت واطي جداً وهي بتشد قميصه الرمادي الشيك عليها:
— “وريني شروطك يا فهد.. أنا جاهزة.”فهد ابتسم ابتسامة مظلمة وساحرة، ابتسامة راجل عرف إنه ملك العالم كله في اللحظة اللي ملك فيها البنت دي. نزل لمستواها أكتر، ودفن وشه في رقبتها وهو بيستنشق عبير عطرها الفواح، وأنفاسه الحامية كانت بتطبع علامات تملكه على بشرتها النعامة.
إيديه العريضة كانت بتتحرك على طول وسطها وضهرها بقوة مفرطة، كأنه بيعيد رسم حدود إمبراطوريته الجديدة. مايا مكانتش مجرد مستسلمة؛ إيديها اللي تبتت في قميصه كانت بتشده ليها أكتر، وعينيها الخضرا رغم إنها كانت شبه مغمضة من تأثير قربه، إلا إن جمر التحدي اللي فيها منطفاش.. هي كانت بتسحبه لـ قاع هوسها بنفس الذكاء اللي دمرت بيه أعدائها.
فهد رفع راسه وبص لها وعينيه مليانة بريق أسود غامض، وهمس بصوت دافي ومبحوح:
— “من اللحظة دي.. أنتي مبقتيش مايا المنشاوي، ولا مايا خالد.. أنتي بقيتي روح الفهد. اللعبة اللي بدأناها سوا، نهايتها مش هتقررها عقود ولا بورصة.. نهايتها هنا، في كل نَفَس بنتنفسه سوا.”
شال خصلات شعرها الأسود الطويل اللي غطت وشها، وباس جبينها برقة غريبة ومتناقضة تماماً مع قسوته، وكمل وهو بيثبت جسمه فوقيها:
— “بُكرة الصبح، العالم برة هيصحى على خبر إن عيلة زهران اختفت من السوق، وإن مجموعة الألفي بقت القوة الوحيدة اللي ملهاش منافس.. بس العالم مش هيعرف إن القوة دي كلها بتتحرك بـ إشارة من صباعك الصغير ده.”
مايا فتحت عينيها وبصت له، وابتسامة انتصار رقيقة ظهرت على شفايفها، وقالت بصوت همس دافي:
— “وده بالظبط اللي أنا عايزاه يا فهد.. العالم يشوفك وأنت بتسحق الكل، وأنا أشوفك وأنت واقف قدامي، قالب الدنيا عشان نظرة من عيني.”
فهد ضحك ضحكته الرجولية الواطية، ولمس شفايفها بطرف صابعه وقال:
— “أنتي فعلاً أخطر ست دخلت حياتي.. وأنا مستعد أحرق العالم كله عشان أفضل محبوس في خطرك ده.”
الجناح الكبير غرق في صمت طويل ودافي، صمت ملوش علاقة بصراعات برة وقسوة السوق. القناع سقط تماماً، والوحش والإمبراطورة مابقاش في بينهم أي حواجز.. وفي ليل قصر الألفي المظلم، اتكتبت بداية جديدة لقصة تملك وعشق، مفيش فيها مكان للضعف، ومفيش فيها غير فهد ومايا.. للأبد.
النهاية


تعليقات
إرسال تعليق