مرات اخويا كاملة لروماني مكرم
مرات اخويا كاملة لروماني مكرم
مرات أخويا بقالها 6 سنين متجوزة أخويا وما عندهاش أطفال وهي لسه صغيرة عندها 27 سنة والمشكلة إن محدش عارف سبب التأخير والدكاترة قالولها صعب تخلفي وأخويا كان متجوزها عن حب ودلوقتي رايح يتجوز التانية وخطب خلاص ويوم الخميس الجاي فرحه هو مش عامل فرح كبير بس عامل زي عزومة عشا البدايه
ست سنين.. ست سنين وهي متحملة مع أخويا “أحمد” على الحلوة والمُرة. لما اتجوزها عن حب، كان يدوب بيبدأ حياته، مكنش معاه حتى يجيب لقمة عادلة، وكانت تصبر وتقول: “بكرة تفرج، المهم إحنا مع بعض”. عمرها ما اشتكت لأهلها، ولا حسستنا بنقص. كانت الست الأصيلة اللي تشيل جوزها في عينيها وتداري عليه قدام الدنيا كلها عشان يفضل شكله كبير.
ولما ربنا فتحها عليه ورزقه واسع، بدل ما يطبطب عليها وياخد بإيدها للدكاترة ويجرب معاها الحقن المجهري، قال ببرود: “أنا ماليش في السكك دي وتعب الدكاترة.. أنا من حقي أشوف عيالي”. وبكل بساطة، راح خطب، ويوم الخميس الجاي عشا فرحه!
فجأة دخل أحمد المطبخ، وشه منور، وبصوت كله هزار وضك قال: “إيه يا جماعة، الغدا هيجهز إمتى؟ أنا واقع من الجوع”.
كأنه مبيعملش حاجة، كأنه مش بيذبحها بالبطيء. هناء رفعت عينيها اللي مليانة دموع، ومقدرتش تنطق بحرف، لفت وشها بسرعة وخرجت من المطبخ وهي كاتمة شهقتها.
جريت وراها الأوضة، لقيتها قاعدة على السرير بتترعش. قعدت جنبها وأخدتها في حضني: “حقك عليا يا هناء.. حقك عليا يا أختي”.
قالتلي بنبرة مستسلمة تقطع القلب: “هو مش هيطلقني يا مروة.. قالي مستحيل أسيبك، ومن حقه يشوف عياله.. أنا خلاص، هلم هدومي وأروح أقعد عند أهلي شهر لحد ما الليلة دي تخلص”.
أهلها في بلد بعيدة، وكنت عارفة إنها لو مشيت هناك، الحزن هيفترسها وهي بطولها. مسكت إيدها وقولت بقوة: “تبعدي تروحي فين؟ أهلِك بلد هجم بعيدة، إنتي مش هتتحركي من هنا غير على بيتي أنا! عيالي داخلين على امتحانات، ومبيسمعوش كلام حد قدك، هتيجي تقعدي معايا وتساعديني وتذاكري ليهم، هما بيحبوكي يا هناء ومحتاجينك”.
بصتلي وعينيها وسعت من المفاجأة، وقالت بصوت مبحوح: “يعني.. يعني إنتي مش هتحضري فرح أخوكي يوم الخميس؟”.
مسحت دموعها وقولت من كل قلبي: “أنا ماليش غير مرات أخ واحدة، وهي إنتي. مش هحضر، وهفضل جنبك”.
في اللحظة دي، هناء انهارات. عيطت بقهرة وكسرة عمري ما شوفتها في حياتي، وقالت وهي بتشهق: “انتي الوحيدة اللي حاسة بيا يا مروة.. أنا بقالي أسابيع ما بيجيليش نوم، حاسة بنار في صدري ومحدش دريان بيا”.
أحمد لما عرف إني هاخدها عندي، مكنش راضي ووشه اتغير، بس لما لقاني مصممة ومقاطعة الفرح، وافق وهو متضايق. والعروسة الجديدة من أولها شرطت عليه شقة معزولة في بيت بعيد عننا، كأنها بتعلن الحرب من قبل ما تدخل.
عدت الأيام تقيلة، ويوم الخميس جه. البيت عندنا كان مقلوب، وأحمد لابس ومبسوط، وأنا لميت حاجتي وأخدت هناء وعيالي ورحنا على بيتي. قفلنا الباب علينا، وحاولت بكل الطرق أغير جو لـ هناء. عيالي كانوا حواليها، بيضحكوها ويخلوها تراجع معاهم الدروس، وشوية شوية بدأت ملامحها تهدى، بس الحزن اللي في عينيها كان لسه ساكن مبيتحركش.
فات أسبوع والتاني، وأحمد عايش حياته الجديدة في بيته البعيد، وبيمر علينا خطف يشوف هناء ويمشي وهو حاسس بالذنب بس بيكابر.
وفي يوم الصبح، كنا قاعدين بنفطر قبل ما العيال ينزلوا الامتحان. هناء قامت فجأة ومسكت بطنها، ووشها بقى أصفر زي الليمونة.
جريت عليها: “مالك يا هناء؟ فيكِ إيه؟”.
محققتش ترد عليا، ودخلت على الحمام بـ “غمامان نفس” شديد وترجيع متواصل.
#الكاتب_رومانى_مكرم
سندتها وخرجنا، وقعدتها على السرير وأنا قلبي بيدق بسرعة مش طبيعية. اكيد ختى برد او من الزعل بطنك وجعاكى
فجاء وقعت من طولها
جريت بيها على الدكتور
والمفاجاء الكبره..
وقفت في صالة العيادة وربنا وحده يعلم باللي كان بيجرى في دماغي. الثواني كانت بتمر عليا كأنها سنين، وشريط الست سنين اللي فاتوا كلهم بيتعرض قدام عيني في لحظة. افتكرت هناء وهي بتلف على الدكاترة، افتكرت كلامهم القاسي لما قالولها “الأمل ضعيف جداً والصعوبة كبيرة”، افتكرت دموعها المكتومة ونظرات الحسرة في عينيها كل ما تشوف طفل صغير.
خرج الدكتور من أوضة الكشف ووشه مفيش عليه أي ملامح تفصح عن حاجة، بصلتي وهز رأسه ببطء وهو بيعدل نظارته، وقالي بنبرة هادية بس فيها مفاجأة هزت أركاني: “ألف مبروك يا مدام.. المدام هناء حامل في الشهر التاني، والبيبي وضعه مستقر، بس الهبوط ده بسبب سوء التغذية والضغط النفسي الشديد اللي مرت بيه الفترة اللي فاتت”.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. حامل؟ هناء؟ بعد ست سنين صبر وجلد وكسرة قلب؟ بعد ما أحمد يئس وباع وأتجوز غيرها؟ دموعي نزلت بغزارة مكنتش قادرة أوقفها، سجدت على أرض العيادة وأنا بحمد ربنا وببكي بصوت مسموع. صرخة الفرحة كانت خنقاني. دخلت الأوضة أجرى عليها، لقيتها قاعدة على السرير، بتعيط بانهيار، بس المرادي مكنتش دموع قهرة.. كانت دموع زهول وصدمة.
مسكت إيدها وبوستها وأنا بصرخ بصوت واطي من الفرحة: “حامل يا هناء! ربنا جبر بخاطرك يا حبيبتي، ربنا مابينساش حد! الست سنين تعبك وصبرك مضعوش هدر!”.
هناء كانت بتبصلي وهي مش مصدقة، حاطة إيدها على وبترتعش: “حامل؟ بجد يا مروة؟ يعني أنا مش بحلم؟ ربنا رزقني من غير ما أدخل في سكة حقن ولا عمليات؟ دكاترة الدنيا قالوا صعب، وربنا قال كن فيكون؟”.
في اللحظة دي، أول حاجة جت في بالي هي أحمد. عُقلي طار.. أحمد اللي راح اتجوز وباع عشان كلمة “عايز أشوف عيالي”، أحمد اللي ساب الجوهرة اللي كانت صايناه وركض ورا شهوته ورغبته تحت مسمى الشرع والحق. مسكت التليفون وإيدي بترتعش، كنت عايزة أكلمه وأصرخ في وشه، أقوله تعال شوف ربنا رد اعتبارها إزاي! تعال شوف الست اللي سبتها عشان مابتخلفش، ربنا جبر بخاطرك وبخاطرها وهي بعيدة عنك وفي بيتي!
بس هناء مسكت إيدي بسرعة وقوة، وبصتلي بعينين فيها نظرة غريبة جداً.. مكنتش نظرة ضعف، كانت بداية تحول جديد في شخصيتها، وقالتلي بصوت حاسم ومبحوح: “لا يا مروة.. أوعي تتصلي بيه. أوعي تقوليله حرف واحد”.
استغربت وبصلتها بذهول: “إنتِ بتقولي إيه يا هناء؟ ده جوزك! ده أبوه! ده كان حلم عمره، لازم يعرف إن ربنا رزقكم!”.
هناء ابتسمت ابتسامة وجع، مسحت دموعها وقعدت بصلابة مكنتش شوفتها فيها قبل كده: “أحمد باعني في اللحظة اللي كنت محتاجة إيده تطبطب عليا. اتجوز عليا وعمل عزومة وفرح وأنا قلبي بيبكي دم. قالي ماليش في سكة الدكاترة والتعب واستخصر فيا المحاولة. أحمد فاكر إن الأطفال بتمشي بالطلب، وميعرفش إن إرادة ربنا هي اللي بتمشي. ابن ده.. مش هيعرف عنه حاجة دلوقتي خالص. أنا مش هبقى كارت كسبان في إيده يرجع بيه يتفشخر قدام مراته الجديدة ولا يرجعلي عشان أضمنله العيل. هو اختار طريقه، وأنا ربنا جبر بخاطري بعيد عنه”.
حاولت أقنعها: “بس ده حقه يا هناء، والبطن لما تكبر الكل هيعرف، وأحمد بييجي كل كام يوم يتطمن عليكي خلسة عشان ضميره!”.
ردت بقوة: “يتطمن عشان يتخفف من ذنبه يا مروة! ييجي يرمي كلمتين ويمشي لبيته الجديد ومراته الجديدة. لما البطن تكبر يحلها ألف حلال، بس حالياً أحمد مش هيعرف.. أنا عايزة أعيش الحمل ده في هدوء، خايفة من نكادته وخايفة من مراته الجديدة ومن المشاكل اللي هتصنعها لما تعرف. سيبيني ألم عضامي وأفرح بابني بعيد عن قرفته”.
رضخت لرغبتها لأنها كانت فعلاً في حالة نفسية محتاجة الهدوء، وخرجنا من العيادة ورجعنا البيت. الأيام اللي بعد الكشف كانت عبارة عن حظر تجول في بيتي. عيالي كانوا طايرين بالموضوع، وبقوا يتعاملوا مع هناء كأنها بلورة إزاز خايفين تتكسر. يحطوا المخدات ورائها، ويحضروا الأكل معاها، والضحكة اللي كانت غايبة عن البيت من سنين رجعت تاني، بس المرادي ضحكة أمل صافي.
في نفس الوقت، أحمد كان عايش في بيته البعيد، بس الأمور عنده مكنتش وردية زي ما كان فاكر. العروسة الجديدة اللي اشترطت بيت بعيد وشقة لوحدها، بدأت تظهر على حقيقتها. الطلبات مابتخلصش، التحكمات زادت، والنكد بقى هو الوجبة الرئيسية. أحمد بدأ يحس إن الهدوء والأصل اللي كان عايش فيه مع هناء ميتعوضش بفلوس الدنيا، وبدأ يحس بالندم يأكل في قلبه، بس كبرياء الراجل كان مانعه يعترف.
بعد أسبوعين من معرفتنا بالحمل، أحمد جه يزورنا في البيت. كان وشه باين عليه التعب والهم، ودخل وهو بيحاول يبان طبيعي.
قعد في الصالة ونادى عليا: “إيه يا مروة.. عاملة إيه؟ وهناء عاملة إيه؟”.
خرجتله وأنا ماسكة نفسي بالعافية، جوايا نار وعايزة أقوله “الخير كله عندنا”، بس افتكرت وعدي لـ هناء.
قلتله ببرود: “إحنا بخير يا أحمد.. الحمد لله، كل حاجة تمام”.
في اللحظة دي، خرجت هناء من أوضتها. كانت لابسة عباية واسعة وشال، وشها كان منور بنور غريب، نور الحوامل اللي ربنا بيكسيهم بيه، بس في نفس الوقت كان في عينيها جمود رهيب ناحيته.
أحمد أول ما شافها، وقف تلقائياً. بصلها بشوق وندم باينين في عينيه، وقال بصوت واطي: “إزيك يا هناء.. عاملك إيه؟ حاسس إنك خاسيت وشك أصفر.. إنتِ تعبانة يا حبيبتي؟”.
كلمة “حبيبتي” خرجت منه كأنها سهم طالع في الوقت الغلط. هناء بصتله بثبات وقالت ببرود يقطع العرق ويسيح الدم: “الحمد لله يا أحمد.. أنا في أحسن حال، وزي الفل”.
أحمد قرب خطوة وقال بنبرة انكسار: “هناء.. أنا عارف إنك زعلانة، وعارف إني جيت عليكِ.. بس والله العظيم إنتِ في قلبي، أنا عمري ما حبيت ولا هحب غيرك. الشقة هناك خرم إبرة من غيرك، والنكد والطلبات جننتني.. أنا مستعد أرجعلك كل حقوقك وأجيلك هنا كل يوم، بس سامحيني.. أنا كان نفسي في طفل يشيل اسمي، وده حقي”.
هناء ضحكت ضحكة هادية فيها كمية وجع وسخرية تهز جبال: “حقك؟ ماشي يا أحمد.. حقك. بس الحق برضه إنك لما تحب حد، تشيل معاه الشيلة للاخر، مش تبيعه عند أول مطبق وتجري تدور على أسهل حل. إنت اخترت حلمك واستخصرت فيا حتى محاولة دكتور، اخترت تكسرني قدام الدنيا عشان متتعبش. ودلوقتي جاي تقول حبيبك؟ اللي بيحب ما بيذبحش يا ابن أصول”.
أحمد اتوتر ووشه جاب ألوان: “يا هناء افهمي.. الدكاترة قالوا مفيش أمل! هنعمل إيه؟ نفضل عايشين على الوهم؟”.
هناء قربت منه، وقفت قدامه بثبات وقالتله وهي بتبص في عينيه مباشرة: “الدكاترة بشر يا أحمد.. والدكاترة مبيحكموش في ملك ربنا. لو كان عندك يقين واحد في المية إن ربنا رحيم، مكنتش استعجلت وقدمت رجلك على الكسرة دي. بس إنت استعجلت.. وعجولتك دي هي اللي هتخليك تبص لورا طول عمرك وتقول يا ريتني صبرت”.
أحمد حس بإن في سر ورا كلامها، ملامح وشه اتغيرت وبدأ يشك في نبرتها القوية: “قصدك إيه يا هناء؟ كلامك ده معناه إيه؟ إنتِ مخبية عليا حاجة؟ إنتِ رحتي لدكاترة تانيين من ورايا؟”.
تداخلت أنا بسرعة عشان أنهي الحوار قبل ما يتطور: “خلاص يا أحمد! البنت تعبانة ومش حمل كلام ونقاشات مالهاش لازمة. إنت اخترت طريقك وجوزت وعشت حياتك، سيبها هي كمان تهدا وتعيش حياتها بعيد عن الضغط”.
أحمد بصلنا إحنا الاتنين والشك بياكل في قلبه. يقلب عينيه بيني وبين هناء، مش قادر يمسك إثبات بس حاسس إن في حاجة كبيرة بتتغير في البيت ده. وقف وقالك وهو بيحاول يسترد هيبته: “أنا ماشي دلوقتي.. بس أنا راجع تاني يا هناء. وإنتِ لسه مراتي وعلى ذمتي، ومش هسيبك تضيعي مني حتى لو إنتِ عايزة ده”.
خرج أحمد وقفل الباب وراه بحدة، وفي اللحظة اللي قفل فيها الباب، هناء اتنفست الصعداء وقعدت على الكرسي.
بصلتي وقالت: “شفوقته يا مروة؟ شايفاه ندمان إزاي من قبل ما يعرف؟ شايفاه جلي إزاي أول ما حس إن عيشته الجديدة طلعت جحيم؟ أحمد مكنش يدور على عيال وبس.. أحمد كان فاكر إن الجوازة التانية هي الجنة، ولما لقيها شقاء، افتكرني”.
مرت الأيام، والحمل بدأ يبان على هناء. دخلت في الشهر التالت، وبدأت ملامح التعب تروح ويحل محلها صحة ونضارة. والأخبار بدأت تتسرب في البيت الكبير عند أهلنا. أمي لاحظت إن هناء مبتخرجش من بيتي، وإن أنا بجيب أكل معين وبراعيها زي الحامل، وبدأت الشكوك تزيد عند الكل.
وفي يوم، العروسة الجديدة بتعت أحمد عرفت إن أحمد بيتردد على بيتي كتير وإن هناء مقيمة معايا ومبتسردش تروح لأهلها. شاطت وغضبت وقامت القيامة، وجت مع أحمد لحد باب بيتي وهي ناوية تعمل مشكلة وتفرض سيطرتها.
الباب خبط بقوة غير طبيعية. فتحت الباب ولقيت أحمد واقف ومراته الجديدة واقفة جنبه، وشها مليان غل وتحدي.
قالت بقلة أدب وهي بتحاول تزق الباب وتدخل: “وسعوا كده! إحنا جايين نشوف الست اللي قاعدة هنا ومطلعة جوزي من بيته وبتقلب دماغه علينا!”.
هناء كانت قائمة من جوه، خرجت من الأوضة بكل هدوء وثبات، ولابسة فستان هادي وبطنر بدأ يبان فيها بروز بسيط جداً بس واضح للي يدقق. وقفت في الصالة وبصت لمراته الجديدة ومن بعدها لأحمد، اللي أول ما عينه جت على هيئة هناء وعلى البروز الصغير في بطنها، رجليه مكنتش شايلاه، وعينيه وسعت برعب وذهول لا يوصف.
العروسة الجديدة لمحت المنظر، وسكتت فجأة وكأن صاعقة نزلت عليها، وبصت لأحمد وبعدين لـ هناء..
وأحمد اتقدم خطوة وصوته بيرتعش كأنه مش مصدق عينيه: “هناء… إنتِ… إنتِ …؟”.
مرات اخويا لروماني
الجزء الثالث
وقف أحمد في صالة البيت ورجليه مش شايلاه، عينيه كانت معلقة على البروز الصغير في بطننا، ونظراته بتتحول بين الصدمة والذهول والإنكار. الشك اللي كان بيأكل فيه بقاله أسابيع أتحول في لحظة لحقيقة هزت كيانه. مراته الجديدة وقفت جنبه ووشها أصفر زي الليمونة، بتبص لـ هناء ومن بعدها لـ أحمد، وحست إن الأرض بتتسحب من تحت رجليها وإن كل القصور اللي بنتها في خيالها بدأت .
أحمد أتقدم خطوتين ناحية هناء، صوته كان بيطلع بالعافية ومبحوح: “هناء.. قوليلي إن اللي شايفه ده حقيقة.. إنتِ.. إنتِ حامل؟”.
هناء متهزتش، وقفت بصلابة وكبرياء عمري ما شوفتهم فيها، رفعت رأسها وقالت ببرود قاتل: “أيوة يا أحمد.. حامل. حامل في الشهر التالت، وفي بيتك وبين أهلك اللي صانوني لما إنت بعت”.
الكلمة نزلت على أحمد زي الجمر. مسك راسه بإيديه الاتنين وبدأ يلف حوالين نفسه في الصالة كأنه اتجنن، صرخ بصوت هز جدران البيت: “حامل؟! إزاي؟! الدكاترة قالوا مفيش أمل! الدكاترة قالوا مستحيل يخلفوا! إزاي تخبي عليا حاجة زي دي؟ إزاي تحرميني أعيش اللحظة دي وأعرف إن ربنا رزقني؟!”.
ردت عليه بابتسامة سخرية يملؤها الوجع: “الدكاترة بشر يا ابن الناس، وربنا هو اللي بيده الأمر والملك. إنت اللي استعجلت.. إنت اللي قولت ماليش في سكة الدكاترة والتعب وأنا من حقي أشوف عيالي، ورحت استسهلت وكسرتني وبعتني في أول محطة. إنت اللي حرمت نفسك بنفسك يا أحمد.. لما بعت السنين اللي عشناها على الحلوة والمرة عشان حلم استعجلت عليه بكام شهر”.
في اللحظة دي، مراته الجديدة اتجننت، صرخت بوجه أحمد وهي بتشده من دراعه بغل: “إيه اللي بيحصل هنا ده؟! إنت كنت عارف؟ إنت جاي تمثل عليا؟ يعني هي مكنتش مبتخلفش أصلاً؟! إنت ضحكت عليا وجبتني هنا عشان أكون وسيلة تضغط بيها عليها ولا إيه؟!”.
أحمد زق إيدها بقوة وبص لها بشرار طالع من عينيه: “اخرسي خالص! مش عايز أسمع صوتك!”.
العروسة الجديدة اتصدمت من رد فعله القاسي، وبصت لـ هناء بكره وقالت: “ماشية يا أحمد.. وأنا مش هفضل على الذمة دي دقيقة واحدة إذا كنت هترجع للست دي وتنساني!”. خرجت وهي بتهبد الباب وراها بكل قوتها، بس أحمد حتى مابصلهاش ولا أتحرك خطوة وراها، كان كل تركيزه وعقله مع هناء.
قرب أحمد من هناء وهو بيحاول يمسك إيدها، ودموعه نزلت لأول مرة من سنين، دموع ندم ورجاء: “سامحيني يا هناء.. والله العظيم كنت غبي، الشيطان دخل بينا والأمل كان مقطوع.. أنا بحبك إنتِ، والله العظيم ما حبيت ولا هحب غيرك. الجوازة دي كانت غلطة عمر، وأنا هطلقها حالا ومستعد أعملك كل اللي تطلبيه.. تعالي نرجع بيتنا ونبدأ من جديد، ده ابني وده حلمنا اللي استنيناه ست سنين!”.
هناء سحبت إيدها ببطء وثبات، وبصت في عينيه بنظرة فضت فيها كل مشاعر الحب القديمة، مفيش فيها غير الجمود: “الطفل ده ابن ربنا رزقني بيه لما توكلت عليه وحده، مش كارت ترجع بيه لما عيشتك الجديدة تطلع نكد وشقاء. إنت مطردتش مراتك الجديدة عشان ندمت على كسرتي، إنت زقيتها عشان لقيت الحلم اللي جرت وراه جه لعندك في بيتك القديم. إنت حبيت نفسك يا أحمد، وما حبتنيش”.
أحمد اتوسل لها بصوت مكسور: “يا هناء عشان خاطر اللي في بطنك.. بلاش تقسي عليا كده، أنا أبو العيل ده!”.
تدخلت أنا في اللحظة دي ووقفت بينه وبينها، وقلتله بقوة: “أحمد.. كفاية. البنت تعبانة والضغط ده خطر على البيبي. إنت اخترت طريقك يوم الخميس اللي فات، وهي اختارت هدوءها وصحتها وصحة ابنها. سيبها دلوقتي ترتاح، والكلام ده مش وقته خالص”.
أحمد بصلنا إحنا الاتنين، وحس لأول مرة في حياته إنه غريب بين أهله، إنه خسر أخته ومراته واللي في بطنها بسبب أنانيته وعجلته. خرج من البيت يجر أذيال الخيبة، ووشه مهزوم بشكل يكسر القلب، بس كان فوات الأوان خلاص.
مرت الأيام والأسابيع، وأحمد كان بييجي كل يوم يقف تحت البيت، يبعت علاج وأكل مع أمي، يحاول يكلم هناء في التليفون بس هي كانت قافلة كل الأبواب. طلّق مراته الجديدة بعد أقل من شهرين من الجواز، لما اكتشف إن حياته معاها مستحيلة، وإن الندم على هناء بيأكل في جسمه زي السرطان. بقى يقعد في بيته البعيد لوحده، البيت اللي بناه عشان يبدأ فيه حياة جديدة، بقى هو العالي اللي بيتعذب فيه كل ليلة.
هناء كانت بتكبر بطنها يوم عن يوم، ومع كل حركة للبيبي، كان أملها في الحياة بيزيد وصابتها قوة غريبة. بدأت تهتم بنفسها، وعيالي كانوا حواليها طوال الوقت، البيئة الهادية في بيتي خلت حملها يستقر بالرغم من كل الظروف النفسية الصعبة.
وفي الشهر السابع، جه والد هناء وإخواتها من البلد بعد ما عرفوا بالحمل وباللي عمله أحمد. دخلوا بيتي وهما ناويين ياخدوا بنتهم ويرجعوا بيها بلدهم، وكان موقفهم حاسم: “بنتنا مش هترجع للرجل اللي باعها في أزمتها، والطفل ده هيتربى في وسطنا معزز مكرم”.
أحمد لما عرف إن أهلها جم عشان ياخدوها، طار على بيتي وجاب أمي ومعاه كبار العيلة، وقعدوا كلهم في الصالة. كانت قعدة مصيرية تقرر شكل المستقبل.
أحمد قعد قدام أبو هناء وهو مهزوم، وقال بنبرة ترجي: “يا عمي حقك عليا، وأنا جزمتكم فوق رأسي. أنا غلطت وغلطة عمري إني استعجلت، بس هناء مراتي وده ابني، ومستحيل أسمح إنهم يبعدوا عني. أنا طلقت التانية وعايش في حسرة، ومستعد أكتبلها البيت باسمها وأعمل كل اللي تطلبوه بس ترجعلي”.
والد هناء بصل بجمود وقال: “البيوت مابتتبنيش بالفلوس والأوراق يا أحمد.. البيوت بتتبي بالأصل والأمانة. إنت ما صنتش أمانتك لما البنت صبرت معاك على الفقر والتعب، ولما ربنا فتحها عليك استخصرت فيها الصبر والدكاترة. بنتي مش هترجعلك بكلمة ندم”.
الصمت خيم على المكان، والكل كان مستني كلمة واحدة.. كلمة هناء. خرجت هناء من أوضتها، خطواتها كانت ثقيلة بسبب الحمل بس حاسمة. وقفت قدام الكل، وبصت لـ أحمد اللي كانت عينيه مليانة دموع ورجاء كأنه مستني كلمة العفو.
بصت لأبوها وقالت: “يا بابا.. أحمد جوزي، وأنا عمري ما نسيتله الأيام الحلوة، بس برضه عمري ما هنسى اللحظة اللي سابني فيها أتعصر بدموعي وهو رايح يتجوز”.
وبعدين بصت لـ أحمد مباشرة وقالت كلمة هزت الصالة كلها: “أنا مش هسافر مع أهلي يا أحمد.. وهفضل هنا في بيت اختك مروة لحد ما أولد بسلامة الله، بس شرطي عشان أفكر مجرد تفكير إننا نرجع…”.
الجزء الرابع
أنفاس الجميع تحبست في الصالة، وأحمد رفع عينيه بلهفة وشوق كأنه محكوم عليه بالإعدام وبيدور على قشة أمل يتعلق بيها. صوته طلع يرتعش وهو بيبص لـ هناء: “شرطك إيه يا هناء؟ طلبتك مجابة، لو عايزة عمري كله تحت رجليكي أنا موافق، بس ارجعيلي وما تحرمينيش منك ومن ابننا!”.
هناء بصتله بثبات، عينيه كان فيها مزيج عجيب من القوة والكرامة، وقالت بصوت واضح سمعوا الكل: “شرطي يا أحمد مش فلوس ولا كتب بيت باسمي ولا شبكة جديدة. شرطي إنك تتغير من جوة.. شرطي إنك تتعلم يعني إيه مشاركة وتعرف إن الجواز مش مجرد راجل بياخد اللي عايزه ولما يضايق يرمي ويشتري غيره. إنت هتسيبني هنا في بيت مروة لحد ما أولد بالسلامة، وفي الفترة دي إنت مش هتلمسني ولا هتفرض نفسك عليا، هتيجي زي الغريب تتطمن على اللي في بطني من عند الباب وتمشي. ولو حسيت خلال الشهور دي إنك فعلاً عرفت قيمة الأمانة ودخلت بيت ربنا واستغفرت عن الكسرة اللي كسرتهالي، وقتها بس هفكر إذا كنت هقدر أفتحلك باب قلبي تاني ولا لأ. ولو رفضت.. يبقى ورقتي توصلني عند أهلي يوم ولادتي”.
الشرط كان زي السيف على رقبة أحمد. كان اختبار صعب لكبريائه ورجولته قدام عائلته وأهلها، بس هو كان عارف إنه لو رفض اللحظة دي، هيخسرها للأبد. أحمد بصلها ودموعه نزلت على خدوده، أومأ برأسه بكسرة وقال: “موافق يا هناء.. موافق على كل كلمة قوليها. أنا مستعد أقف على بابك عمر كامل عشان أثبتلك إني اتغيرت، وإني شاريكِ وباقي عليكِ وعلى اللي في بطنك”.
والد هناء بصلهم بقلة حيلة، بس لما شاف إصرار بنته ورغبتها في إعطاء فرصة أخيرة لبيتها عشان الطفل اللي جاي، وافق وهو بيهدد أحمد: “بنتي معاك تحت الاختبار يا أحمد.. وأي غلطة ثانية، والله ما هتشوف أثرها تاني ولا هتعرف طريق ابنك”.
ومرت الشهور المتبقية من الحمل وكأنها دهور على أحمد. أتغير حاله تماماً، بقى إنسان تاني خالص. ما بقاش يروح مقاهي ولا يسهر، بقى يخرج من شغله يجي يقف تحت بيتي، يجيب معاه أكل وعلاج وأي حاجة البيت محتاجها، يخبط على الباب بكل أدب، يسلم عليا ويسأل عن صحة هناء من عند العتبة، ويرفض يدخل احتراماً لشرطها. كان بيقف يبص لـ هناء بدموع ونظرات رجاء، وهي كانت بتشوف ندمه وحسرته الصادقة اللي كانت بتغسل شوية بشوية من النار اللي في صدرها.
أحمد حاول يعوض كل لحظة تقصير، بقى يروح لدكاترة متابعة الحمل معايا، يقعد في الانتظار برة وهو ماسك سبحته وبيدعي، ولما كان الدكتور يخرج يطمننا، كان أحمد يسجد في صالة العيادة يبكي ويشكر ربنا. بقى يحس ب قيمة الضنا وقيمة الست اللي شالت حمله وصبرت معاه لما جرب بنفسه مرارة الانتظار والخوف.
وفي الشهر التاسع، وفي ليلة شتا شديدة والبرد فيها يقطع العظم، هناء صحيت في نص الليل على صرخات ألم متواصلة. المية نزلت والولادة بدأت فجأة وبدون مقدمات.
جريت عليها وأنا بترتعش، مسكت التليفون وطلبت أحمد وأنا بصرخ فيه: “الحقنا يا أحمد! هناء بتولد يا أحمد، تعالى بسرعة!”.
ما كملتش خمس دقائق وكان أحمد طالع على السلم بيجري زي المجنون، هدومه متبهدلة ووشه أصفر من الرعب. دخل الأوضة، ولأول مرة من شهور يشيل هناء بين إيديه. كان بيعيط وهو بياخدها في حضنه وينزل بيها السلم: “استحملي يا هناء.. عشان خاطري استحملي يا حبيبتي، أنا جنبك ومش هسيبك!”.
وصلنا المستشفى، وكانت الحالة حتة من الجحيم. الدكاترة دخلوا هناء بسرعة على أوضة العمليات لأن الضغط كان مرتفع جداً والولادة كانت متعثرة. أحمد وقف قدام باب العمليات كأنه مجذوب، يضرب رأسه في الحيطة ويدعي ربنا وهو بينتحب: “يارب خذ من عمري واديها.. يارب ما تحرمنيش منها، يارب أنا أذنبت وغلطت وهي ملهاش ذنب، نجيهالي يارب!”.
مرت ساعتين كاملين كانهم دهر، وفجأة خرج الدكتور من أوضة العمليات وهو بيقلع الكمامة، ووشه باين عليه التعب الشديد.
أحمد جري عليه ومسك في البالطو بتاعه بانهيار: “طمني يا دكتور! مراتي جرالها إيه؟! هناء عايشة؟!”.
الدكتور بصلنا بنبرة جادة جداً وقلق هز أركاننا: “الحالة كانت معقدة جداً والضغط كان عالي وتسبب في مضاعفات شديدة أثناء الولادة.. إحنا قدرنا ننقذ الطفل الحمد لله، بس المدام…”.
حكايات رومانى مكرم
الجزء الخامس (قبل الأخير)
وقعت الكلمة على أحمد زي الصاعقة، اتسمر في مكانه، وعينيه اتسعت برعب قاتل، مسك الدكتور من بالطوه بأيد بتترعش وصصرخ بنبرة هيسترية هزت المستشفى كلها: “بس إيه يا دكتور؟! هناء جرى لها إيه؟! قول إنها كويسة، أرجوك قولي إنها مسبتنيش!”.
الدكتور حاول يهديه وبصلي وأنا بصرخ وببكي جنب أحمد، وقال بنبرة سريعة: “اهدى يا أستاذ! المدام عايشة الحمد لله، بس جاتلها نوبة هبوط حاد وزيادة في الرقع الدموي بسبب توتر الأعصاب الشديد أثناء الجراحة، ودلوقتي هي في أوضة العناية المركزة تحت الملاحظة. الساعات الجاية دي حاسمة جداً ونبضها لازم يستقر.. ادعولها”.
في اللحظة دي، الممرضة خرجت وهي شايلة طفل صغير ملفوف بفوطة بيضاء، جميله زي الفلقة، عينيه مقفولة وبيصرخ بصوت ضعيف يقطع القلب. الممرضة قربت من أحمد وقالت بإبتسامة هادية: “ألف مبروك يا أستاذ.. جالك ولد زي القمر، يتربى في عزك”.
أحمد بص للطفل، وعينيه مليانة دموع، بس ممدش إيده ياخده. رفض يشيله! بص للممرضة وصوته مخنوق من البكاء: “خدي العيل ده جوه.. أنا مش عايز أشوفه ولا أشيله غير لما أمه تخرج معايا على رجليها. أنا مش عايز حاجة من الدنيا دي غير هناء.. يارب خذ عمري واديها هي، يارب ما تحرمنيش منها!”.
المنظر كان يهد الجبال. أحمد اللي كان هيتجنن على عيل ويشوف ذريته، رفض يلمس ابنه في أول لحظة في عمره لأن الست اللي جابته كانت بين الحياة والموت. قعد أحمد على الأرض قدام باب العناية المركزة، سانداً رأسه على الحيطة وبيبكي بكسرة وندم عمري ما شوفت زيها. بقى يكلم نفسه ويناجي ربنا: “يا هديتني بكرمك وفضلك، ما تعاقبنيش في أغلى حاجة عندي.. أنا كنت أعمى وبصيت تحت رجلي، هي اللي صانتني وشالتني في فقري، بلاش تحرمني منها بعد ما ربنا جبر بخاطرنا”.
مرت ساعات الليل ثقيلة زي الدهر. البرد كان ينخر في العظام، وأحمد رافض يتحرك من مكان، رافض يشرب بق مية أو يقعد على كرسي. مسك سبحته وبقى يقعد ويقوم ويدعي ويستغفر. وأنا كنت قاعدة جنبه، شايلة الطفل الصغير بين إيديا، بدمعه وبدعي ربنا يرد لإخويا وعقله روحه وثباته.
على الفجر، خرج دكتور العناية وهو بيعدل نظارته، ملامح وشه كانت أهدى كتير من بالليل. أحمد اتصلب في مكانه وجري عليه وهو حاطط إيده على قلبه: “طمني يا دكتور.. أرجوك قولي إنها فاقت!”.
ابتسم الدكتور أخيرًا وهز رأسه: “الحمد لله يا أستاذ.. المعجزة تحققت ونبضها استقر والضغط نزل للمعدل الطبيعي. المدام فاقت وبدأت تتكلم وتسترد وعيها، وحالتها بقت مستقرة تماماً وتقدر تتنقل لأوضة عادية بعد ساعة”.
أحمد سجد على أرض المستشفى، وش حطه في التراب وبقى يبكي بصوت عالي ويحمد ربنا بصراخ، الدموع غسلت كل وجع السنين اللي فاتت في اللحظة دي.
بعد ساعتين، كانت هناء نقلت لأوضة عادية، وشها كان أصفر ودبلان من التعب، بس عينيه فيها نور الرضا والسلام. دخلت أنا الأول ومعايا البيبي، حطيته في حضنها، دموعها نزلت ببطء وباست رأسه وهي بتهديه.
وبعدها، استأذن أحمد ودخل الأوضة. كان يجر رجليه بالعافية، كأنه خايف يخطو خطوة تقلق الهدوء اللي في الأوضة. وقفت قدام السرير، ودموعه نازلة من غير صوت، وبص لـ هناء ونزل على ركبتيه جنب السرير، مسك إيدها الضعيفة وباسها بكسرة ونخوة راجل عرف إنه كان هيخسر روحه: “حقك عليا يا هناء.. حقك عليا يا نور عيني. أنا شفت الموت بعيني الليلة دي لما خفت تروحي مني. العيل ده مالوش أي قيمة عندي لو إنتِ مش جنبه ومش معايا.. أنا مستعد أقضي باقي عمري تحت جزمتك خدام ليكي بس تسامحيني”.
هناء بصت لـ أحمد، ولأول مرة من شهر الفرح، النظرة اللي في عينيها مكنتش جمود ولا قسوة.. كانت نظرة شفقة وحنان أصلها الطيب. مسحت دموعه بإيدها الضعيفة وقالت بصوت مبحوح: “أنا شفتك وإنت واقف برة بتدعي يا أحمد.. وسمعت صوتك. أنا سامحتك عشان ربنا يبارك في الولد ده.. بس محتاج وقت عشان يلم”.
أحمد رفع رأسه بلهفة وباس إيدها تاني وتالت: “أنا معاكي للآخر، ومش هضغط عليكي، وإن شالله ياخد عمر كامل عشان يلم.. المهم إنك معايا وفي أحضاني”.
وفي اللحظة دي، الممرضة دخلت الأوضة وبصت للبيبي وبعدين لـ أحمد وقالت: “يا أستاذ، عايزين نكتب شهادة الميلاد ونطلع أوراق السبوع.. اسم البيبي إيه إن شاء الله؟”.
أحمد بص لـ هناء ودموعه في عينيه وقال بثبات: “الاسم صاحبة الشأن هي اللي هتختاره.. هي اللي تعبت وشالت وصبرت”.
هناء ابتسمت ابتسامة هادية وهي بتبص لـ أحمد ولابنها الصغير، وقالت بصوت ناعم…
الجزء السادس والأخير
ابتسمت هناء ابتسامة هادية وهي بتبص لـ أحمد ولابنها الصغير الملفوف في أحضانها، وقالت بصوت ناعم مليان دفء: “هنسميه (صابر).. عشان يكون شاهد على صبرنا، وعشان يفتكر دايماً إن الفرج بييجي بعد أشد أوقات الضيق، وإن حكمة ربنا أكبر من كلام كل دكاترة الدنيا”.
أحمد أومأ برأسه والدموع مغرغرة في عينيه، وقرب من السرير وهو بيطأطئ رأسه خشوعاً وحمداً لربنا، وقال بنبرة صادقة هزت الأوضة: “صابر أحمد.. أصلح وأجمل اسم يا هناء. ربنا يجعله من الصالحين والبارين بيكي، ويقدرني أعوضك عن كل لحظة وجع شفتيها بسببي”.
خرجت من الأوضة مع الممرضة عشان نخلص إجراءات الأوراق الرسمية، وسبتهم لأول مرة من شهور مع بعض لوحدهم. وقفت في الممر وبصيت عليهم من زجاج الأوضة.. كان أحمد قاعد على ركبتيه جنب السرير، ماسك إيد هناء بيبوسها وحاطط رأسه جنب رأس ابنه، وهنايك بتمسح على شعره بإيدها التانية. في اللحظة دي عرفت إن الست الوفية الأصيلة قدرت تدرس لأخويا درس العمر في معنى الأصل والوفاء، وأن أحمد اتولد من جديد في الليلة دي قبل ما يتولد ابنه.
بعد أيام قليلة، رجعت هناء لبيتها مع أحمد.. بس المرة دي مكنتش راجعة نفس الست المكسورة المتهددة، كانت راجعة ملكة تتوج في بيتها، وأحمد شايلها وشايل ابنها فوق راسه. أتجوزت العوض والأمل من جديد، والبيت اللي كان مليان نكد وغم ورائحة البعد، اتملى بضحكات الصغير ونور الفرحة.
أحمد بقى أب مختلف تماماً، بقى يرجع من شغله يجري على بيته عشان يشيل صابر ويريح هناء، وبقى يربط كل خطوة في حياته برضاها وإذنها. عرف إن الست اللي تشيل جوزها في فقره وتصون سر بيته لما الدنيا تقفل أبوابها، دي جوهرة مابتتعوضش بمال ولا بجوازة تانية.
وأنا.. كنت واقفة بتفرج عليهم وقلبي طاير من الفرحة. حسيت إن الوقفة اللي وقفتها مع هناء، والحرص اللي حرصت عليه عشان أكون جنب الحق وما أظلمش بنت الناس، كان أفضل قرار أخدته في حياتي. أخويا كسب بيته وأبنه، وهناء استردت كرامتها وحقها، وصابر بقى هو النور اللي أضاء حياتنا كلنا.
وعرفت وقتها إن الحق مبتضيعش صاحبه، وإن اللي بيتقي ربنا وبيصبر على البلاء، ربنا بيكافئه بأجمل طريقة، وفي الوقت المناسب اللي هو يختاره.. مش اللي إحنا بنختاره.


تعليقات
إرسال تعليق