سكريبت جدو، متديش فلوس لبابا تاني كامله
جدو متديش فلوس
جدو، متديش فلوس لبابا تاني، قالها حفيدي الصغير وهو عنده 6 سنين، قبل ما يسيب الآيس كريم زي ما هو....
من يوم ما بنتي ماتت، وأنا بعت لجوزها أكتر من مليون ونص جنيه...عمري ما سألت ولا مرة شكيت...لكن في اليوم ده، طلعت موبايلي، وسجلت رقم عربية، وبدأت أجمع الأدلة بنفسي.... وبعد كام يوم بس، تسجيل واحد كشفلي حقيقة خلتني أكتشف إني ......!!!!!
الجزء الأول
جدو، متديش فلوس لبابا تاني بس امشي وراه يوم واحد، وهتفهم كل حاجة.
جلال عبد الرحمن حس إن الآيس كريم بيسيح بين صوابعه.
كان قاعد قدام حفيده يوسف، عنده ست سنين، على دكة في حديقة الأزهر بالقاهرة... من شوية بس، كان يوسف بيضحك وبيوريه استيكر على شكل ديناصور حطه على إيده.
لكن دلوقتي، ملامحه اتغيرت تمامًا...كان بيبص حواليه بخوف، وكأنه خايف حد يكون بيسمعه.
جلال قرب منه وقال بهدوء
مين قالك تقولّي الكلام ده يا يوسف؟
الولد هز راسه بسرعة.
محدش أنا سمعت بابا وهو بيتكلم مع واحدة.
واحدة مين؟
يوسف بص في الأرض.
معرفش اسمها بس كانوا بيضحكوا، عشان إنت قلت إنك هتبعتله فلوس تاني.
جلال سكت...لأول مرة، حس إن الكلام اللي قدامه مش كلام طفل عادي.
حكايات_مني_السيد
من ست سنين، وهو بيحوّل كل شهر حوالي 25 ألف جنيه لجوز بنته، حسام عبد القادر.
كان بيعمل كده من يوم ما بنته الوحيدة، مريم، ماتت في حادثة عربية على طريق القاهرة السويس.
العربية خرجت عن الطريق، وخبطت في حاجز خرساني، وبعدها اشتعلت فيها النار.
الجثة كانت متفحمة لدرجة إن التعرف عليها كان صعب جدًا.
جلال لسه فاكر الليلة دي كويس...الساعة كانت حوالي اتنين بعد نص الليل لما الشرطة خبطت على بابه.
وفي اللحظة دي، مراته سناء انهارت وهي بتكرر
أكيد فيه غلط مريم مستحيل تكون ماتت!
لكن التقرير الرسمي قال إن مفيش أي غلط...مريم ماتت.
وبعدها بست شهور، سناء ماتت هي كمان بأزمة قلبية.
جلال كان دايمًا حاسس إن الحزن كسر قلبها.
بعد وفاة مريم، حسام بقى لوحده مع ابنه الصغير، اللي كان عمره وقتها ست شهور....في الأول رفض أي مساعدة من جلال...لكن جلال هو اللي أصر.
قال لنفسه
هو جوز بنتي وابنه هو الحاجة الوحيدة اللي فاضلالي من مريم.
كان عنده محل بقالة صغير، وشقة ورثها عن أبوه وكان مأجرها، وشوية فلوس حاططهم على جنب.
وكان شايف إن الفلوس ملهاش قيمة جنب حفيده.
وهكذا بدأت التحويلات...مرة عشان قسط الشقة.
ومرة عشان الحضانة...ومرة عشان الدكتور.
ومرة عشان علاج يوسف...وبعدها لبس المدرسة.
وبعدين تصليحات...وبعدين ديون.
كل سنة كان بيظهر سبب جديد.
وكل سنة كان حسام بيشكر جلال أقل.
لكن جلال عمره ما سأل كتير.
كان بياخد يوسف يومين في الشهر.
يخرجوا سوا، يشتروا آيس كريم، ويمشوا شوية.
أما حسام، فعمره تقريبًا ما كان بيدخله بيته.
حكايات_مني_السيد
ولا مرة دعاه يقعد عنده كضيف...في اليوم ده، لما رجع جلال يوسف، لقى حسام واقف قدام باب البيت.
ابتسم وقال
يا حاج جلال، الشهر الجاي محتاج منك مبلغ أكبر شوية.
جلال بصله.
أكبر قد إيه؟
حسام ابتسم بثقة.
يعني بدل ال، خليهم 50 ألف.
جلال فضل ساكت ثواني.
وبعدين قال لأول مرة
هفكر.
ابتسامة حسام اختفت فورًا.
هتفكر؟
أيوه.
حسام قرب منه وقال
بس الموضوع ضروري يا حاج.
جلال بص في عينيه.
قلتلك هفكر.
ومشي...طول الليل، جلال ما عرفش ينام...كان كل شوية يفتكر كلام يوسف.
متديش فلوس لبابا تاني.
والأغرب من الكلام نفسه، كان خوف الولد.
الطريقة اللي سكت بيها لما جلال حاول يسأله.
وكأنه خايف من حاجة أكبر منه...بعد يومين، كان جلال واقف في المحل بيحسب الحسابات، لما دخلت ست في منتصف الثلاثينات. حصري على صفحة روايات و اقتباسات...
لبسها كان بسيط وأنيق...اشترت قهوة وقرفة، ودفعت الحساب من غير ما ترفع عينيها في وشه.
وبعدين خرجت بسرعة...جلال تابعها بعينه من ورا الواجهة الزجاج...وفجأة شاف حاجة خلت قلبه يدق بعنف.
على الناحية التانية من الشارع، كان حسام مستنيها.
أول ما قربت منه، مسكها من وسطها.
وباسها...جلال اتجمد مكانه...أول إحساس جاله كان الغضب.
لكن بعد ثواني، حس بحاجة تانية....وش الست دي
كان مألوف بشكل غريب...كأنه شافه قبل كده.
قفل المحل بدري، وراح بيته.
وبعد تردد طويل، مسك تليفونه واتصل بصديق قديم اسمه عماد منصور، كان ضابط مباحث سابق وخرج على المعاش من كام سنة. حصري على صفحة روايات و اقتباسات...
أول ما عماد رد، قال جلال بصوت منخفض
عماد محتاج مساعدتك.
خير يا جلال؟
جلال سكت لحظة.
عايزك تساعدني أراقب جوز بنتي.
عماد استغرب.
عشان عنده واحدة؟
لأ.
أمال عشان إيه؟
جلال بص ناحية صورة مريم المعلقة على الحيطة.
وقال
عشان حفيدي.
سكت عماد شوية، وبعدين قال
بكرة هقابلك.
بعد ما قفل المكالمة، جلال بدأ يدور في أوراق قديمة تخص مريم....شهادات...تقارير...صور...أوراق المستشفى.
وأخيرًا، عينه وقعت على صندوق صغير فوق الدولاب.
نزله ببطء...فتحه...جواه كانت الجرّة اللي قالوا له إن فيها رماد مريم...إيده بدأت ترتعش...من ست سنين، وهو بيعتبر الجرّة دي آخر حاجة فاضلاله من بنته.
حطها قدامه...وفجأة لاحظ إن الغطا بيتفتح بسهولة غريبة.
جلال عبس...فتح الجرّة...وقلب محتوياتها على ورقة جرنال قديمة...ظل بصص للمحتويات من غير ما يفهم.
تراب...رمل....قطع صغيرة من الأسمنت والجبس.
لكنمفيش رماد بشري...جلال حس إن الدنيا بتلف بيه.
مسك تليفونه بإيد
بتترعش، واتصل بعماد.
أول ما عماد رد، قال جلال بصوت مكسور
عماد
أيوه؟
مفيش رماد في الجرّة.
يعني إيه؟
جلال بلع ريقه وقال
دي مش رماد بنتي.
سكت ثواني...وبعدين قال بصوت مخنوق
مريم مش موجودة هنا.
لكن جلال ما كانش يعرف وقتها
إن الجرّة المزيفة دي كانت مجرد أول كذبة في سر أكبر بكتير...والحقيقة اللي هتظهر بعد كده هتغير كل حاجة ووو.....!!!!! حكايات_مني_السيد
الجزء الثاني
جلال فضل واقف قدام الجرّة، مش قادر يستوعب اللي شايفه.
يعني إيه مفيش رماد يا عماد؟! يعني الست اللي دفناها مين كانت؟!
عماد سكت لحظات، وبعدين قال بنبرة حاسمة
متلمسش الجرّة تاني، وحط كل الأوراق اللي عندك في مكان آمن. وأنا هاجي لك دلوقتي.
بعد أقل من ساعة، كان عماد في بيت جلال.
فحص الجرّة والمحتويات، وبعدين فتح تقرير الحادث القديم.
قرأه مرة واتنين وثلاثة.
وفجأة رفع عينيه لجلال.
جلال، في حاجة غريبة جدًا.
إيه؟
عماد أشار للتقرير.
التقرير بيقول إن التعرف على الجثة تم عن طريق تحليل DNA.
جلال هز راسه.
أيوه ده اللي قالوهولي.
بس هنا مفيش نتيجة تحليل DNA مرفقة.
جلال اتجمد.
يعني إيه؟
يعني التقرير النهائي بيذكر إن التحليل اتعمل لكن النتيجة نفسها مش موجودة في الملف.
جلال قام بسرعة، وفتح درج قديم كان حاطط فيه كل أوراق مريم.
بدأوا يقلبوا الورق ورقة وراء ورقة.
وفجأة
عماد سحب ورقة صغيرة كانت مستخبية بين تقريرين.
دي إيه؟
جلال قرب.
كانت إيصالًا قديمًا صادرًا من مستشفى خاص، وتاريخه كان قبل حادث مريم بيومين.
جلال قرأ الاسم الموجود عليه.
ثم شهق.
مستحيل
عماد بص له.
إنت تعرف الاسم ده؟
جلال رفع عينيه ببطء.
ده اسم الدكتور اللي قالوا لي إنه استلم جثة مريم بعد الحادث.
سكت عماد.
وبعدين قال
يبقى لازم نعرف كان موجود في المستشفى ليه قبل الحادث بيومين.
في نفس اللحظة، موبايل جلال رن.
كان حسام.
جلال بص لعماد، وفتح السماعة من غير ما يتكلم.
جاء صوت حسام
يا حاج جلال فكرت في موضوع ال ألف؟
جلال رد بهدوء غريب
آه.
وهتقدر تبعتهم؟
ممكن.
سكت حسام لحظة، ثم قال
طب كويس عشان الموضوع اللي بينا لازم يفضل زي ما هو.
جلال عقد حاجبيه.
موضوع إيه؟
الصمت نزل على الطرف التاني.
حسام ارتبك وقال بسرعة
أقصد موضوع مصاريف يوسف.
وقفل المكالمة.
جلال بص لعماد.
هو كان فاكر إني مش هسمع كويس.
عماد ابتسم ابتسامة قصيرة.
لا هو كان فاكر إنك لسه الراجل اللي بيدفع من غير ما يسأل.
في اليوم التالي، بدأ عماد يتحرك بهدوء.
رجع لأرشيف الحادث القديم، وحاول يوصل لأي شخص كان موجود وقتها.
وبعد ساعات، حصل على اسم مسعف كان أول واحد وصل لمكان الحادث.
اتصل به.
الرجل في البداية رفض الكلام.
لكن
لما سمع اسم مريم، سكت طويلًا.
ثم قال
أنا عمري ما نسيت اللي حصل في الليلة دي.
عماد سأله
إيه اللي حصل؟
الرجل أخذ نفسًا عميقًا.
الجثة اللي خرجت من العربية ما كانش ممكن حد يتعرف عليها بالطريقة اللي اتقالت في التقرير.
ليه؟
لأن العربية كانت مولعة بالكامل واللي كان جوّاها كان متفحم لدرجة إن حتى تحديد الجنس كان صعب.
عماد قبض على الهاتف بقوة.
طب إزاي قالوا إنها مريم؟
الرجل رد بصوت منخفض
لأن في حد جه بعد الحادث وقال لنا اسمها.
مين؟
سكت الرجل.
قول يا عم.
وأخيرًا قال
جوزها حسام.
جلال، اللي كان واقف جنب عماد، حس برجليه بتضعف.
لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش دي.
لأن المسعف أكمل
وفي حاجة تانية عمري ما قلتها لحد.
عماد قال
إيه؟
قبل ما الشرطة توصل بدقايق، كان فيه راجل واقف بعيد عن العربية وكان بيتكلم في التليفون.
شكله كان إزاي؟
الرجل وصفه.
جلال كان بيسمع وهو بيحبس أنفاسه.
ثم فجأة قال
استنى
وبص لعماد.
الوصف ده أنا شوفته قبل كده.
عماد سأله
فين؟
جلال أخرج صورة قديمة من ملف مريم.
كانت صورة من حفل عائلي قبل موتها بشهور.
وأشار إلى رجل واقف في الخلفية.
ده هو.
عماد قرب الصورة من عينه.
متأكد؟
جلال قال
أيوه.
ثم أضاف بصوت مرتجف
الراجل ده كان شريك حسام القديم وكان المفروض إنه سافر بره مصر من خمس سنين.
عماد لم يرد.
لأنه في نفس اللحظة، وصلته رسالة على هاتفه.
فتحها.
كانت صورة لسيارة متوقفة أمام منزل حسام.
وتحت الصورة جملة واحدة
العربية دي بتظهر كل يوم عنده لكن صاحبها مش حسام.
جلال شعر بقلبه يضرب بقوة.
مين اللي بعتها؟
عماد لم يجب.
كان يحدق في الشاشة.
ثم قال
الرسالة دي من رقم مجهول.
وقبل أن يكمل كلامه، وصلت رسالة ثانية.
لو عايزين تعرفوا مريم فين راقبوا يوسف.
جلال اتسمر مكانه.
يوسف؟!
عماد رفع عينيه إليه.
أيوه واضح إن حفيدك مش مجرد طفل سمع كلام بالصدفة.
وفي نفس الليلة
جلال راح ياخد يوسف من المدرسة.
لكن يوسف أول ما شاف جده، جري عليه
وبعدين همس في ودنه
جدو متقولش لبابا إني قلتلك.
جلال سأله
قلتلي إيه يا حبيبي؟
يوسف بص حواليه، وبعدين قال
أنا عارف المكان اللي بابا بيروحه كل يوم.
جلال حس إن قلبه توقف لحظة.
فين؟
يوسف مسك إيده وقال
بس المكان ده فيه صورة لماما مريم.
ولأول مرة منذ ست سنوات
جلال بدأ يشك إن حفيده يمكن يكون آخر شخص في الدنيا قادر يقوده إلى ابنته الجزء الثالث
جلال انحنى لمستوى يوسف، وحاول يخفي ارتباكه.
صورة ماما فين يا حبيبي؟
يوسف بص حواليه مرة تانية، وبعدين شد إيد جده.
مش هنا لما نروح مكان هقولك.
جلال حس إن السؤال أكبر من سن الطفل، لكنه ما ضغطش عليه.
ركبوا العربية، وفضل يوسف ساكت
طول الطريق.
وبعد حوالي عشرين دقيقة، أشار من الشباك.
هنا.
جلال وقف العربية على جنب.
قدامه كان فيه مبنى قديم، شكله مهجور من بره، لكن في مدخل جانبي كان فيه حارس واقف.
يوسف قال بصوت منخفض
بابا بيدخل من هنا.
جلال بص للمبنى، وبعدين اتصل بعماد.
لقيته.
إنت
فين؟
جلال وصف له المكان.
عماد قال بسرعة
متدخلش لوحدك. استناني.
لكن قبل ما يقفل، يوسف شد إيد جده وقال
جدو بص هناك.
كان فيه باب حديد صغير مفتوح نصف فتحة.
ومن الداخل ظهر حسام.
جلال اتجمد.
بابا هنا؟
يوسف هز راسه.
حسام خرج، وقف جنب العربية، وبص حواليه كأنه بيتأكد إن محدش بيراقبه.
وبعد لحظات، خرجت نفس الست اللي جلال شافها قبل كده.
لكن المرة دي كانت شايلة ملف كبير.
حسام أخده منها بسرعة.
واتكلم معاها، لكن المسافة كانت بعيدة.
جلال فتح تسجيل الصوت في موبايله وحطه في جيبه، وحاول يقرب من غير ما يلفت نظرهم.
فجأة سمع صوت الست
أنا مش هقدر أكمل أكتر من كده.
حسام رد
لازم تكملي.
لأ يا حسام الموضوع بقى خطر.
وإنتِ عارفة إن لو وقفنا دلوقتي، كل اللي عملناه هيضيع.
جلال حس إن الدم انسحب من وشه.
كل اللي عملناه؟
يعني كان فيه أكتر من شخص.
الست فتحت الملف، وطلعت منه ورقة.
دي آخر ورقة عندي.
حسام أخذها.
والباقي؟
عند الشخص اللي اتفقنا معاه.
مين؟
الست بصت حواليها، وما ردتش.
حسام قرب منها وقال
انتي وعدتيني إن محدش هيعرف.
الست ردت
أنا وعدتك بس مش معنى كده إني مستعدة أخسر حياتي.
وفجأة
صوت يوسف خرج من العربية
بابا!
جلال اتجمد.
حسام التفت ناحية العربية.
لحظة واحدة فقط
لكنها كانت كافية.
جلال شغل العربية وانطلق بسرعة.
حسام جرى ناحيتهم، لكنه ما لحقش.
يوسف كان بيبص من المراية الخلفية، ووشه مليان خوف.
جدو هو شافنا.
جلال حاول يطمنه
متخافش يا يوسف.
لكن بعد أقل من دقيقة، موبايل جلال رن.
رقم غير مسجل.
رد بحذر.
مافيش كلام.
بس صوت تسجيل قديم اشتغل.
صوت امرأة.
جلال عرفه فورًا.
رغم إن السنوات عدت
رغم إن الصوت كان بعيد ومش واضح
كان صوت مريم.
قالت
لو التسجيل ده وصل لأبويا يبقى أنا ماقدرتش أرجع البيت.
جلال وقف نفسَه.
مريم؟!
الصوت كمل
بابا متصدقش أي حد يقولك إني مت.
وبعدين التسجيل انقطع.
جلال ركن العربية على جنب، وإيده كانت بترتعش.
عماد اتصل به في نفس اللحظة.
جلال، إنت سمعت التسجيل؟
أيوه.
يبقى لازم تسمعني كويس.
قول.
أنا وصلت لمعلومة أخطر.
إيه؟
عماد سكت لحظة.
حادث مريم حصل لكن مريم نفسها ما كانتش موجودة في العربية وقت الحادث.
جلال حس إن الدنيا بتدور بيه.
يعني إيه؟
يعني الجثة اللي اتدفنت مكانها كانت لشخص تاني.
جلال بص ليوسف.
ثم قال
ومريم؟
عماد رد بصوت منخفض
لسه عايشة.
يوسف رفع رأسه فجأة وقال
أنا عارف.
جلال التفت له بسرعة.
إنت عارف إيه؟
الطفل بدأ يبكي.
ماما عايشة يا جدو وأنا شوفتها.
جلال حس إن قلبه هينفجر.
شوفتها فين؟
يوسف مسح دموعه وقال
عند بابا.
وفي اللحظة دي، جلال أدرك إن السر
مش متعلق بفلوسه فقط
السر متعلق بسبب اختفاء مريم، وبالسبب اللي خلى حسام يفضل يطلب منه المال ست سنين كاملة الجزء الثالث
جلال انحنى لمستوى يوسف، وحاول يخفي ارتباكه.
صورة ماما فين يا حبيبي؟
يوسف بص حواليه مرة تانية، وبعدين شد إيد جده.
مش هنا لما نروح مكان هقولك.
جلال حس إن السؤال أكبر من سن الطفل، لكنه ما ضغطش عليه.
ركبوا العربية، وفضل يوسف ساكت طول الطريق.
وبعد حوالي عشرين دقيقة، أشار من الشباك.
هنا.
جلال وقف العربية على جنب.
قدامه كان فيه مبنى قديم، شكله مهجور من بره، لكن في مدخل جانبي كان فيه حارس واقف.
يوسف قال بصوت منخفض
بابا بيدخل من هنا.
جلال بص للمبنى، وبعدين اتصل بعماد.
لقيته.
إنت فين؟
جلال وصف له المكان.
عماد قال بسرعة
متدخلش لوحدك. استناني.
لكن قبل ما يقفل، يوسف شد إيد جده وقال
جدو بص هناك.
كان فيه باب حديد صغير مفتوح نصف فتحة.
ومن الداخل ظهر حسام.
جلال اتجمد.
بابا هنا؟
يوسف هز راسه.
حسام خرج، وقف جنب العربية، وبص حواليه كأنه بيتأكد إن محدش بيراقبه.
وبعد لحظات، خرجت نفس الست اللي جلال شافها قبل كده.
لكن المرة دي كانت شايلة ملف كبير.
حسام أخده منها بسرعة.
واتكلم معاها، لكن المسافة كانت بعيدة.
جلال فتح تسجيل الصوت في موبايله وحطه في جيبه، وحاول يقرب من غير ما يلفت نظرهم.
فجأة سمع صوت الست
أنا مش هقدر أكمل أكتر من كده.
حسام رد
لازم تكملي.
لأ يا حسام الموضوع بقى خطر.
وإنتِ عارفة إن لو وقفنا دلوقتي، كل اللي عملناه هيضيع.
جلال حس إن الدم انسحب من وشه.
كل اللي عملناه؟
يعني كان فيه أكتر من شخص.
الست فتحت الملف، وطلعت منه ورقة.
دي آخر ورقة عندي.
حسام أخذها.
والباقي؟
عند الشخص اللي اتفقنا معاه.
مين؟
الست بصت حواليها، وما ردتش.
حسام قرب منها وقال
انتي وعدتيني إن محدش هيعرف.
الست ردت
أنا وعدتك بس مش معنى كده إني مستعدة أخسر حياتي.
وفجأة
صوت يوسف خرج من العربية
بابا!
جلال اتجمد.
حسام التفت ناحية العربية.
لحظة واحدة فقط
لكنها كانت كافية.
جلال شغل العربية وانطلق بسرعة.
حسام جرى ناحيتهم، لكنه ما لحقش.
يوسف كان بيبص من المراية الخلفية، ووشه مليان خوف.
جدو هو شافنا.
جلال حاول يطمنه
متخافش يا يوسف.
لكن بعد أقل من دقيقة، موبايل جلال رن.
رقم غير مسجل.
رد بحذر.
مافيش كلام.
بس صوت تسجيل قديم اشتغل.
صوت امرأة.
جلال عرفه فورًا.
رغم إن السنوات عدت
رغم إن الصوت كان بعيد ومش واضح
كان صوت مريم.
قالت
لو التسجيل ده وصل لأبويا يبقى أنا ماقدرتش أرجع البيت.
جلال وقف نفسَه.
مريم؟!
الصوت كمل
بابا متصدقش أي حد يقولك إني مت.
وبعدين التسجيل انقطع.
جلال ركن
العربية على جنب، وإيده كانت بترتعش.
عماد اتصل به في نفس اللحظة.
جلال، إنت سمعت التسجيل؟
أيوه.
يبقى لازم تسمعني كويس.
قول.
أنا وصلت لمعلومة أخطر.
إيه؟
عماد سكت لحظة.
حادث مريم حصل لكن مريم نفسها ما كانتش موجودة في العربية وقت الحادث.
جلال حس إن الدنيا بتدور بيه.
يعني إيه؟
يعني الجثة اللي اتدفنت مكانها كانت لشخص تاني.
جلال بص ليوسف.
ثم قال
ومريم؟
عماد رد بصوت منخفض
لسه عايشة.
يوسف رفع رأسه فجأة وقال
أنا عارف.
جلال التفت له بسرعة.
إنت عارف إيه؟
الطفل بدأ يبكي.
ماما عايشة يا جدو وأنا شوفتها.
جلال حس إن قلبه هينفجر.
شوفتها فين؟
يوسف مسح دموعه وقال
عند بابا.
وفي اللحظة دي، جلال أدرك إن السر مش متعلق بفلوسه فقط
السر متعلق بسبب اختفاء مريم، وبالسبب اللي خلى حسام يفضل يطلب منه المال ست سنين كاملة الجزء الرابع
جلال فضل ساكت، مش عارف يسأل يوسف منين.
وبعدين قال بهدوء
يا حبيبي إمتى شوفت ماما؟
يوسف بص في الأرض.
من كام يوم.
فين؟
في البيت اللي بابا بيوديني له.
جلال اتوتر.
وإنت بتروح هناك ليه؟
يوسف سكت شوية، وبعدين قال
بابا بيقول لي إن دي مفاجأة.
مفاجأة إيه؟
الولد قرب من جده وهمس
بيقول لي ممنوع أقول لحد عشان ماما تعبانة ومحتاجة ترتاح.
جلال حس إن نفسه اتقطع.
وماما قالت لك إيه؟
يوسف رفع عينيه.
قالت لي يوسف، لو شفت جدك قوله إني آسفة.
جلال حط إيده على صدره.
الكلمة دي بالذات كانت مريم بتقولها له زمان كل ما تعمل حاجة تخاف تزعلُه.
لكن السؤال الأهم كان
ليه مريم عايشة ومستخبية ست سنين؟
في نفس الليلة، وصل عماد إلى بيت جلال ومعاه ملف قديم.
حطه على الترابيزة وقال
راجعت كل حاجة من الأول.
جلال سأله
وصلت لإيه؟
عماد فتح الملف.
العربية اللي حصل فيها الحادث كانت مسجلة باسم شركة.
شركة مين؟
عماد بص له.
شركة حسام.
جلال عقد حاجبيه.
حسام كان عنده شركة وقتها؟
لأ ودي المشكلة.
جلال قرب منه.
يعني إيه؟
الشركة اتأسست بعد الحادث ب شهور.
سكت جلال.
عماد كمل
والأغرب إن أول تمويل دخل للشركة كان مبلغ كبير جدًا.
قد إيه؟
عماد كتب الرقم على ورقة.
جلال قرأه، واتسعت عينه.
ده تقريبًا نفس المبلغ اللي أنا دفعته له خلال أول سنة!
عماد هز رأسه.
بالضبط.
جلال رجع للخلف على الكرسي.
يعني فلوسي
كانت بتأسس شركته.
جلال قبض إيده بغضب.
وأنا كنت فاكر إني بنقذ جوز بنتي وحفيدي!
عماد قال
ولسه ما عرفناش أهم حاجة.
إيه؟
عماد أخرج ورقة أخرى.
كل شهر تقريبًا، بعد ما كنت بتحول الفلوس لحسام، جزء منها كان بيتسحب نقدي من حساب الشركة.
وبيتسحب فين؟
عماد وضع إصبعه على اسم المكان.
نفس المبنى القديم اللي شوفته النهارده.
جلال وقف فورًا.
يبقى مريم هناك.
عماد أمسك ذراعه.
استنى.
هروح لها.
لو حسام مخبيها، الدخول من غير خطة ممكن يضيع كل الأدلة.
جلال سكت.
ثم قال
أنا مش مستعد أخسر بنتي مرتين.
في اليوم التالي، بدأ عماد يراقب المبنى.
مر يوم كامل.
لا حسام ظهر.
ولا الست.
ولا أي حركة غريبة.
لكن في اليوم الثاني، الساعة التاسعة مساءً، وصلت سيارة سوداء.
نزل منها رجل كبير في السن.
دخل المبنى وحده.
عماد صور السيارة، ثم أرسل الصورة لجلال.
جلال أول ما شاف الرجل، تجمد.
مستحيل.
عماد اتصل به.
تعرفه؟
جلال رد بصوت مرتعش
ده المحامي اللي كتب عقد زواج مريم وحسام.
متأكد؟
أيوه وأنا فاكر إنه مات من أربع سنين.
عماد سكت.
يبقى هو مش مات.
جلال قال
أو إن حد كان عايزنا نصدق إنه مات.
بعد حوالي ساعة، خرج الرجل من المبنى.
كان شايل ظرفًا أبيض.
عماد تبعه من بعيد.
لكن قبل ما يركب عربيته، وقف فجأة.
وبص مباشرة ناحية سيارة عماد.
كأنه عرف إنه مراقَب.
عماد ما تحركش.
الرجل ابتسم ابتسامة غريبة، وركب عربيته وانطلق.
بعد دقائق، وصل إشعار على هاتف عماد.
رسالة من رقم مجهول
لو عايز تعرف الحقيقة عن مريم متراقبش حسام.
عماد قرأ الرسالة مرتين.
ثم وصلت رسالة ثانية
راقب جلال نفسه.
في نفس الوقت، كان جلال في بيته يقلب في صندوق ذكريات مريم.
صور طفولتها.
شهادات المدرسة.
خطابات قديمة.
وفجأة، وجد صورة لم ينتبه لها من قبل.
مريم كانت واقفة أمام منزل قديم.
وبجانبها نفس الرجل الذي ظهر في المبنى.
لكن المفاجأة لم تكن وجود الرجل.
المفاجأة كانت التاريخ المكتوب خلف الصورة.
قبل حادث مريم بأسبوع واحد.
جلال حدق في الصورة، ثم قلبها.
وجد جملة مكتوبة بخط مريم
لو حصل لي أي حاجة الشخص ده يعرف الحقيقة.
جلال شعر ببرودة تسري في جسده.
وفي اللحظة نفسها، سمع طرقًا على باب البيت.
فتح الباب.
لم يكن هناك أحد.
فقط ظرف أبيض على الأرض.
فتحه بيد مرتعشة.
كانت بداخله صورة حديثة جدًا.
صورة مريم.
جلال شهق.
كانت مريم واقفة أمام مكان ما تبدو أكبر بست سنوات، لكنها هي بلا شك.
وعلى ظهر الصورة جملة واحدة
لو عايز بنتك ترجع لازم تعرف ليه اختفت بإرادتها.
جلال لم يفهم.
بإرادتها؟
هل مريم كانت تعرف ما سيحدث؟
وهل تركت عائلتها بإرادتها فعلًا؟
وقبل ما يستوعب، رن هاتفه.
رقم مجهول.
رفع السماعة.
جاءه صوت امرأة مرتجف
جلال عبد الرحمن؟
أيوه مين؟
أنا الست اللي شفتها مع حسام.
جلال شد قبضته على الهاتف.
إنتِ تعرفي مريم؟
سكتت لحظة.
ثم قالت
أنا مش بس أعرفها
أنا كنت معاها يوم الحادث الجزء الخامس
جلال حس إن صوته اختفى.
كنتِ معاها يوم الحادث؟!
الست ردت بسرعة
أيوه بس اسمعني للآخر قبل ما تحكم عليّ.
قولي مريم فين!
مش هقدر أقولك دلوقتي.
ليه؟!
لأن لو حسام عرف إني كلمتك، مش هيسيبني.
جلال سكت لحظة.
وإنتِ مين أصلًا؟
المرأة أخذت نفسًا عميقًا.
اسمي نادية.
وعلاقتك بمريم إيه؟
كنت بشتغل معاها قبل الحادث.
جلال عقد حاجبيه.
مريم كانت بتشتغل؟
أيوه وكانت بتحاول تكشف حاجة خطيرة جدًا.
إيه؟
نادية سكتت.
ثم قالت
فلوس.
جلال قال بعصبية
فلوس إيه؟
أنا بعت لحسام أكتر من مليون ونص جنيه!
عشان كده هو كان محتاجك تفضل فاكر إن بنتك ماتت.
جلال حس بقشعريرة.
إنتِ بتقولي إيه؟
حسام ما كانش فقير بعد وفاة مريم بالعكس. كان عنده مصدر فلوس تاني.
إيه هو؟
مريم اكتشفته.
قبل ما جلال يسأل، قالت نادية
لازم تقابلني.
فين؟
بكرة الساعة عشرة بالليل في المكان اللي حصل فيه الحادث.
جلال اتردد.
طريق القاهرة السويس؟
أيوه.
وليه هناك؟
نادية ردت
لأن هناك بدأت الكذبة وهناك هتفهم ليه مريم اختفت.
وقبل ما يقفل، قالت
وخد معاك الجرّة.
جلال اتجمد.
إنتِ عرفتي منين الجرّة؟
لكن الخط اتقفل.
في اليوم التالي، جلال حكى كل حاجة لعماد.
عماد رفض في البداية.
ده ممكن يكون فخ.
جلال قال
ولو مريم فعلًا عايشة؟
عماد سكت.
ثم قال
هنروح بس مش هنظهر.
في العاشرة إلا ربع، كانوا قريبين من مكان الحادث.
الطريق كان هادي.
الليل مظلم، والهواء شديد.
جلال ماسك الجرّة في شنطة صغيرة.
بعد دقائق، ظهرت نادية.
كانت واقفة بعيد عن الطريق، وبتبص حواليها باستمرار.
نزلت من عربية عماد وهي مترددة.
الجرّة معاك؟
جلال أخرجها.
نادية أول ما شافتها، وشها اتغير.
هو لسه محتفظ بيها؟
جلال قال
قوليلي الحقيقة.
نادية قربت.
دي مش الجرّة الوحيدة.
يعني إيه؟
في جرّة تانية.
جلال اتجمد.
فين؟
مع حسام.
عماد تدخل
وليه حسام محتفظ بجرّة رماد مزيفة؟
نادية بصت له.
لأنها كانت جزء من الخطة.
جلال قال
خطة إيه؟!
نادية بدأت تتكلم
يوم الحادث، مريم كانت عارفة إن فيه ناس بتراقبها. كانت اكتشفت إن حسام بيستخدم اسمها في معاملات مالية من غير علمها.
جلال قاطعها
بس ليه تهرب؟ ليه ما قالتليش؟
نادية نزلت عينيها.
لأنها كانت خايفة عليك.
مني؟
أيوه.
ليه؟
نادية ردت
لأنها عرفت إن حسام كان بيراقب حساباتك، وكان عايز يوصل لفلوسك.
جلال حس إن قلبه انقبض.
يعني هو قتلها؟
لأ.
سكتت لحظة.
حسام ما قتلش مريم.
جلال تنفس براحة للحظة.
لكن نادية أكملت
هو ساعدها تختفي.
جلال اتصدم.
يساعدها؟!
أيوه لكن مش عشان يحميها.
أمال ليه؟
نادية بصت له مباشرة.
لأن مريم كانت ماسكة دليل يدينه وكان لازم تختفي هي كمان.
عماد سأل
وإيه الدليل؟
نادية فتحت حقيبتها وأخرجت فلاشة صغيرة.
كل حاجة موجودة هنا.
جلال مد إيده.
لكن قبل ما ياخدها
ظهرت أضواء سيارة من بعيد.
نادية ارتبكت.
لأ مستحيل.
عماد قال
مين؟
نادية همست
حسام.
السيارة وقفت على بعد أمتار.
نزل حسام.
لكن لم يكن وحده.
كان معه الرجل الذي ظن جلال أنه مات منذ أربع سنوات.
حسام ابتسم وقال
كنت عارف إنك هتوصل هنا في الآخر يا حاج جلال.
جلال وقف أمامه.
فين بنتي؟
حسام لم يرد.
الرجل العجوز تقدم خطوة.
ثم قال بهدوء
قبل
ما تسأل عن مريم
وأخرج هاتفه.
شغل مقطع فيديو.
ظهر فيه مكان مغلق.
وفي آخر الفيديو
ظهرت امرأة تجلس على كرسي.
رفعت رأسها ببطء نحو الكاميرا.
جلال شهق.
كانت مريم.
لكنها لم تكن وحدها.
كان هناك طفل آخر يقف بجانبها.
والأغرب
أن الطفل كان يناديها
ماما.
جلال نظر إلى يوسف الذي كان مختبئًا خلف عماد.
يوسف بدأ يبكي.
وقال
جدو ده أخويا الجزء السادس
جلال حس إن الدنيا وقفت.
بص للفيديو ثم بص ليوسف.
أخوك؟!
يوسف هز راسه وهو بيعيط.
أيوه يا جدو ماما قالتلي إنه أخويا.
حسام ضحك ضحكة قصيرة.
أخوه فعلًا.
جلال اندفع ناحيته
فين مريم؟!
الرجل العجوز رفع إيده.
اهدأ يا حاج جلال لو عايز تشوف بنتك، لازم تسمعنا للآخر.
جلال بص له بغضب.
إنت كنت عارف إنها عايشة؟
من أول يوم.
الكلمة نزلت على جلال كالصاعقة.
وإنت سبتني أدفن جثة مش بنتي؟!
الرجل قال بهدوء
لأن مريم نفسها طلبت تختفي.
ليه؟!
هنا تدخلت نادية.
لأنها كانت بتحاول تحمي يوسف.
جلال التفت إليها.
تحميه من مين؟
نادية بصت ناحية حسام.
لكن حسام قال بسرعة
مش مني.
جلال صرخ
أمال من مين؟!
سكت الجميع.
ثم قال الرجل العجوز
من ناس أكبر من حسام.
عماد تقدم خطوة.
أسماء.
الرجل ابتسم.
أنت لسه فاكر إن الموضوع مجرد فلوس؟
ثم أخرج ملفًا أسود من سيارته.
الست سنين اللي فاتوا، حسام كان بياخد منك فلوس فعلًا لكن مش كلها كانت بتدخل جيبه.
جلال قال
راحت فين؟
فتح الرجل الملف، وأخرج كشوف تحويلات.
جزء منها كان بيتحول لحسابات مرتبطة بالمكان اللي مريم عايشة فيه.
جلال اتصدم.
يعني فلوسي كانت بتوصل لها؟
نادية هزت رأسها.
جزء منها.
جلال بص لحسام.
وإنت كنت بتطلب مني فلوس عشان تصرف عليها؟
حسام نزل عينه.
كان لازم.
جلال صرخ
كان لازم تقولّي الحقيقة!
حسام رد
لو قلتلك، كنت هتروح لها بنفسك.
وطبعًا كنت هروح!
وده كان هيعرضها للخطر.
جلال سكت.
لكن عماد تدخل
الكلام ده كله ما يفسرش حاجة واحدة.
إيه؟
الجثة.
الرجل العجوز سكت.
عماد قرب منه.
مين الست اللي اتدفنت مكان مريم؟
لأول مرة، ملامح الرجل تغيرت.
نادية قالت بصوت منخفض
دي النقطة اللي محدش كان عايز يفتحها.
جلال بص لها.
اتكلمي.
الست دي كانت شاهدة على حاجة حصلت قبل الحادث.
إيه؟
نادية فتحت الفلاشة.
مريم كانت بتجمع أدلة ضد مجموعة بتستغل شركات صغيرة في معاملات مالية مشبوهة.
عماد سأل
ومريم عرفتهم؟
أيوه.
وعشان كده حصل الحادث؟
نادية هزت رأسها.
الحادث حصل فعلًا لكن مريم ما كانتش فيه.
جلال قال
أمال مين كان في العربية؟
نادية نظرت إليه.
الست اللي اتدفنت.
جلال شعر بقشعريرة.
وكانت شبه مريم؟
بدرجة كافية تخلي الناس تصدق إنها هي بعد الحريق.
عماد قال
لكن
مين دبّر كل ده؟
نادية فتحت ملفًا آخر.
هنا المشكلة.
وأشارت إلى توقيع في آخر ورقة.
جلال قرأ الاسم.
ثم تجمد.
مستحيل
عماد أخذ الورقة.
وبمجرد ما قرأ الاسم، نظر إلى جلال بدهشة.
إنت تعرف الشخص ده؟
جلال لم يرد.
كان وجهه قد شحب تمامًا.
ده أخو مراتي سناء.
عماد قال
بس إنت قلت إنه مات قبل مريم بسنتين.
جلال همس
أيوه أنا حضرت دفنته.
في اللحظة دي، سمعوا صوت سيارة تقترب بسرعة.
حسام التفت ناحية الطريق.
لازم نمشي حالًا.
عماد قال
مين جاي؟
حسام لم يرد.
نادية خطفت الفلاشة من يد جلال وقالت
لو عايز بنتك تعيش، ما تخليش الفلاشة تقع في إيدهم.
جلال أمسك ذراعها.
مريم فين؟
نادية أشارت إلى سيارة سوداء بعيدة.
في المكان اللي هتروح له دلوقتي.
فين؟!
وقبل ما تجيب
جاء صوت من خلفهم
بابا؟
جلال التفت.
توقف قلبه للحظة.
صوت يعرفه جيدًا.
صوت ابنته.
ومن الظلام، خرجت امرأة ببطء.
كانت ملامحها مختلفة قليلًا، شعرها أقصر، ووجهها يحمل آثار ست سنوات من التعب
لكن عينيها
كانتا عيني مريم.
جلال لم يتحرك.
مريم وقفت أمامه، ودموعها تنزل.
بابا
جلال اقترب منها خطوة.
ثم خطوة أخرى.
إنتِ عايشة
مريم بكت
سامحني يا بابا.
ست سنين يا مريم
كنت مضطرة.
جلال ابتعد عنها ونظر في عينيها.
مين أجبرك؟
مريم سكتت.
ثم نظرت إلى يوسف.
وبعدين إلى الطفل الآخر.
وقالت
مش الشخص اللي إنت فاكره.
وقبل ما جلال يسأل
رن هاتف حسام.
نظر إلى الشاشة، فتغير وجهه تمامًا.
قالت مريم
حصل إيه؟
حسام رفع عينيه إليها.
عرفوا إنك رجعتي.
مريم شهقت.
مين؟
حسام قال كلمة واحدة
الشخص اللي كان بيراقبك من أول يوم.
وفي نفس اللحظة، انطفأت أنوار السيارات كلها
وسمعوا صوت باب سيارة بيتفتح من بعيد.
ثم صوت رجل يقول
مريم انتهت اللعبة الجزء السابع
الظلام نزل على المكان فجأة، وكل واحد فيهم وقف مكانه.
جلال شد مريم ناحيته.
مين اللي بيتكلم؟!
عماد أخرج هاتفه وشغّل الكشاف، لكن قبل ما يتحرك، سمعوا صوت محرك سيارة بيقترب.
مريم كانت بتترعش.
بابا لازم نمشي من هنا فورًا.
مش هسيبك تاني.
لو فضلت هنا، ممكن نخسر كل حاجة.
عماد بص لها بجدية
مريم، إنتِ عارفة مين دول؟
مريم هزت رأسها.
عارفاهم وعارفة هم عايزين إيه.
جلال قال
قولي.
مريم بصت لحسام.
هو لازم يقولك.
جلال اتجه ناحية حسام.
إنت عارف مين ورا كل ده؟
حسام ظل ساكتًا.
اتكلم!
حسام قال بصوت منخفض
الشخص اللي ورا كل ده كان أقرب لينا مما تتخيل.
جلال قطب حاجبيه.
مين؟
حسام لم يجب.
وفجأة، اشتغلت أنوار سيارة سوداء أمامهم.
نزل منها رجلان.
لكن بدل ما يتقدموا نحو مريم، وقفوا بعيدًا.
أحدهم قال
مريم، عندك عشر دقايق.
عشر دقايق لإيه؟
عشان تسلمي
اللي معاكي.
مريم ردت
مش هسلم أي حاجة.
الرجل قال
يبقى هنبدأ بالخطة التانية.
جلال تقدم خطوة.
إنتوا عايزين إيه؟
الرجل نظر إليه.
فلوسك.
جلال اتصدم.
فلوسي؟
أيوه. الست سنين اللي فاتوا كانوا مجرد بداية.
مريم قاطعته
هو مش هيديك جنيه واحد.
الرجل ضحك.
إنتِ لسه فاكرة إن القرار بإيدك؟
عماد تدخل
انتهى الكلام. عندنا تسجيلات وأوراق.
الرجل بص له.
التسجيلات مش هتنفعك لو صاحبها اختفى.
عماد فهم التهديد فورًا.
لكن قبل ما يرد، سمعوا صوت سيارة شرطة من بعيد.
الرجلان رجعا بسرعة ناحية سيارتهم.
وقبل ما يركبوا، قال أحدهم
المرة الجاية مش هنتكلم.
وانطلقوا.
جلال بص لعماد.
إنت اللي بلغت الشرطة؟
عماد هز رأسه.
لأ.
مريم قالت
أنا.
جلال اتفاجئ.
إنتِ؟
كنت مجهزة خطة من قبل ما أرجع.
بعد دقائق، وصلت سيارة شرطة.
لكن المفاجأة إن أول شخص نزل منها كان ضابطًا شابًا.
اتجه مباشرة إلى مريم.
مدام مريم؟
مريم هزت رأسها.
أيوه.
الضابط قال
عندنا أمر بالقبض على شخص اسمه حسام عبد القادر.
جلال بص إلى حسام.
حسام لم يتحرك.
ثم قال بهدوء
أنا كنت مستني اليوم ده.
الضابط وضع الأساور في يديه.
جلال اقترب منه.
قبل ما تمشي عايز أعرف حاجة واحدة.
حسام نظر إليه.
ليه طلبت مني الفلوس كل السنين دي؟
حسام سكت طويلًا.
ثم قال
لأن مريم كانت محتاجة مكان آمن.
جلال قال
بس نص الفلوس ما وصلش لها.
حسام نزل عينه.
صح.
راحت فين؟
حسام لم يرد.
الضابط أخذه ناحية السيارة.
لكن قبل ما يركب، التفت إلى جلال.
مش كل اللي عملته كان عشاني بعضه كان عشان أحمي يوسف.
جلال لم يفهم.
من مين؟
حسام نظر إلى مريم.
مريم أغمضت عينيها.
ثم قال
من الحقيقة اللي لسه ما عرفتهاش.
بعدها بساعات، كانوا في بيت جلال.
يوسف كان نايم على الكنبة، والطفل الآخر بجانبه.
جلال وقف أمام مريم.
دلوقتي مفيش حد هنا غيرنا.
مريم هزت رأسها.
عارف.
عايز الحقيقة كاملة.
مريم جلست.
قبل الحادث بأسبوع، اكتشفت إن فيه حد بيستخدم بياناتي في تحويلات مالية.
مين؟
ما كنتش عارفة.
وحسام؟
اكتشف بعدي.
جلال قال
طب ليه ما جيتيليش؟
مريم بدأت تبكي.
لأن أول ما حاولت أتكلم معاك لقيت إن حد دخل بيتك.
جلال اتجمد.
إيه؟
كانت أوراقك متحركة من أماكنها.
مين دخل؟
معرفتش.
وإنتِ عملتِ إيه؟
بدأت أراقب.
ثم قالت
وفي ليلة الحادث، كنت راجعة من مقابلة مع شخص وعدني إنه هيساعدني.
جلال سأل
مين؟
مريم رفعت عينيها إليه.
خالي.
جلال تجمد.
أخو سناء؟
أيوه.
بس إنتِ كنتِ بتقولي إنه مات.
دي كانت أول كذبة.
جلال لم يستطع الكلام.
مريم كملت
هو كان عايز يخليني أختفي مش يقتلني.
ليه؟
لأنه كان خايف إني أكتشف دوره في كل اللي حصل.
جلال قال
ودورُه كان إيه؟
مريم سكتت.
ثم نظرت ناحية الباب.
قبل ما أقولك لازم تعرف إن الشخص اللي كنا فاكرينه مات من أربع سنين
توقفت.
لسه عايش.
جلال رفع رأسه بسرعة.
مين؟
مريم ردت
خالي.
وفي اللحظة نفسها، رن جرس الباب.
مرة.
ثم مرة ثانية.
جلال اتجه ناحية الباب.
مريم صرخت
بابا ما تفتحش!
لكن جلال كان قد وضع يده على المقبض بالفعل
ومن خلف الباب جاء صوت رجل عجوز
جلال افتح. أنا جاي أقولك الحقيقة عن بنتك أكيد، دي النهاية بشكل مشوّق ومقفولة
النهاية
جلال فضل إيده
على مقبض الباب، لكن مريم صرخت
بابا ما تفتحش!
توقف.
عماد أشار له أن يبتعد عن الباب، ثم اقترب بحذر.
جاء صوت الرجل من الخارج
أنا مش جاي أؤذي حد أنا جاي أصلّح غلطة حصلت من ست سنين.
مريم كانت تبكي.
الغلطة دي بدأت لما صدقنا إنك ميت.
جلال التفت إليها.
مين هو؟
مريم قالت
خالي أخو ماما.
عماد فتح الباب فجأة، لكن الرجل لم يقاوم.
كان عجوزًا، متعبًا، ويحمل حقيبة مليئة بالأوراق.
قال
أنا عارف إنكم مش هتصدقوني بس أنا اللي ساعدت مريم تختفي.
جلال صرخ
ليه؟!
لأنها كانت اكتشفت إن فيه ناس بيستخدموا اسمها وبياناتها في تحويلات مالية، وكانوا عايزين يسكتوها.
وحسام؟
حسام عرف بالموضوع، لكنه خاف. بدل ما يواجههم، وافق يساعد مريم تختفي.
جلال نظر إلى مريم.
وإنتِ وافقتِ؟
مريم بكت.
كنت خايفة عليك وعلى
يوسف.
ثم أخرج خالها ملفًا قديمًا.
لكن في حاجة أهم.
فتح الملف، ووضع أمام جلال تقرير الحادث الأصلي، ومعه نتيجة تحليل DNA مخبأة.
جلال قرأها بيد مرتعشة.
ثم رفع عينيه.
يعني فعلًا الجثة مش مريم.
أيوه.
ومين كانت؟
الرجل قال
واحدة كانت شاهدة على كل شيء، وكانت مطلوبة منهم. ماتت في الحادث، واستغلوا التشابه والحريق عشان يعلنوا وفاة مريم.
جلال جلس على الكرسي، وكأنه فقد كل قوته.
ست سنوات
ست سنوات كاملة كان يزور قبرًا لا يخص ابنته.
ثم نظر إلى مريم.
طب الفلوس اللي كنت ببعتها لحسام؟
مريم ردت
جزء منها كان بيتصرف على حمايتي ومكان إقامتي، والباقي حسام استخدمه في شركته.
جلال سأل
وليه ما رجعتيش من بدري؟
مريم ابتسمت بحزن.
لأننا كنا مستنيين اللحظة اللي نقدر فيها نكشف كل حاجة من غير ما نخلي
يوسف في خطر.
ثم أشارت إلى الطفل الآخر.
وده ابني.
جلال اقترب منه، وانحنى أمامه.
اسمك إيه يا حبيبي؟
الطفل قال بخجل
آدم.
جلال ضمه إليه.
وبعد أيام، ظهرت الحقيقة كاملة.
التحقيقات كشفت التحويلات والملفات المزورة، وتم القبض على الأشخاص المتورطين، وحُفظت كل الأدلة التي كانت مريم تجمعها طوال السنوات الماضية.
أما حسام، فاعترف بدوره في إخفاء الحقيقة واستغلال أموال جلال.
لكن جلال لم يشعر بالانتصار.
كل ما كان يفكر فيه هو الست سنوات التي ضاعت.
بعد فترة، وقف أمام قبر سناء، زوجته الراحلة.
قال بصوت مكسور
كنتِ فاكرة إن بنتنا راحت وأنا فضلت عايش على نفس الوجع.
ثم ابتسم وسط دموعه.
بس مريم رجعت.
وبعدها بأيام، اجتمعت العائلة لأول مرة في بيت جلال.
يوسف كان بيضحك، وآدم بيلعب جنبه، ومريم قاعدة
أمام والدها.
جلال بص لها وقال
عايز أسألك سؤال أخير.
اسأل يا بابا.
لو رجع بيكي الزمن كنتِ هتعملي نفس اللي عملتيه؟
مريم سكتت طويلًا.
ثم قالت
لأ.
ليه؟
لأن الخوف خلاني أصدق إن اختفائي هيحميكم لكني اكتشفت إن أصعب حاجة على الإنسان مش إنه يخسر حد.
ثم أمسكت يد أبيها.
أصعب حاجة إنه يفضل فاكر إنه خسره وهو لسه عايش.
جلال ابتسم ودموعه نزلت.
وفي تلك اللحظة، جاء يوسف يجري نحوه.
جدو!
نعم يا حبيبي؟
ينفع أطلب منك حاجة؟
اطلب.
متديش بابا فلوس تاني.
ضحك الجميع لأول مرة من قلبهم.
جلال احتضنه وقال
خلاص يا يوسف من النهارده الفلوس هتروح لأصحابها الحقيقيين.
ثم نظر إلى مريم وأولادها.
وعرف أخيرًا أن المليون ونصف جنيه التي ظن أنه خسرها
لم تكن أكبر خسارة في حياته.
لأن أكبر خسارة كانت ست سنوات عاشها وهو يعتقد أن ابنته ماتت.
أما أكبر مكسب
فكان أن سمع صوتها مرة أخرى وهي تقول
بابا.


تعليقات
إرسال تعليق