القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

موسم حلاوة المولد كاملة حكايات مني السيد

 موسم حلاوة المولد  كاملة حكايات مني السيد



موسم حلاوة المولد  كاملة حكايات مني السيد


حكايات مني السيد

دخلت عند حماتي لقيت البيت مليان كراتين حلاوة المولد الفاخرة وفاكهة وفراخ، فسألتها إيه المناسبة، فردت بكلام جارح عن أمي واتهمتها إنها حرمتني من الأصول. دافعت عن أمي، فالموضوع قلب خناقة واخت جوزي هددتني، ولما حكيت لجوزي المسافر كانت صدمتي إنه……؟!!!

الساعة كانت عشرة الصبح، لبست إسدالي ونزلت زي عادتي كل يوم عشان أفطر مع حماتي وأشوف طلباتها إيه، أصل جوزي مسافر في الخليج وأنا عايشة معاهم في نفس البيت، شايلة كل حاجة على كتافي وراضية عشان خاطره. دخلت الشقة، لقيت الصالة مقلوبة، كراتين مليانة علب حلاوة المولد الفاخرة، أقفاص فاكهة من الغالية، وشكاير مكرونة وشعرية ورصات فراخ بلدي تفتح النفس محطوطة على السفرة.

بصيت للخير ده كله وبنيتي الصافية ابتسمت وقولت صباح الخير يا ماما.. إيه ده كله ما شاء الله؟ فيه مناسبة ولا إيه؟

حماتي لفت وشها وبصتلي من فوق لتحت بنظرة استعلاء سممت بدني، وقالت ببرود يقهر ده موسم شيماء بنتي.. أصلك متعرفيهوش، معذورة ياحبة عيني، أصل أمك حرمتك منه وعمركم ما شوفتوا الأصول دي!

حكايات_مني_السيد

الكلمة نزلت على قلبي زي مية الڼار. أمي اللي ربتني أحسن تربية وعمرها ما قصرت معايا، تتهان بالشكل ده ومن غير أي سبب؟ حسيت بدمي بيفور، مكنتش قادرة أسكت ولا أبلع الإهانة لأهلي، فبصيت في عينيها ورديت بثبات لأ يا طنط، أمي محرمتنيش من حاجة طول عمرها، وأبويا الله يباركله كان بيجيب حلاوة المولد وكل الخير لبيتنا، لكن أنا دلوقتي اتجوزت وبقيت في قِفّة راجل هو اللي ملزوم يجيبلي ويكرمني زي ما بابا كان بيعمل مع ماما بالظبط.. وبعدين خدي بالك من كلامك، بنتك شيماء هي كمان متجوزة وفي قِفّة راجل يجبلها ويعيشها، ولا إنتي شيفاه قليل ومش مالي عينك ولا شايفاه حاجة تانية بقى؟

الكلمة نزلت عليها زي الصاعقة، وشها جاب ألوان وسكتت ماردتش من الصدمة. سيبتها وطلعت شقتي ودمي بيغلي، قفلت بابي وقعدت أحاول أهدى. مفيش نص ساعة ولقيت تليفوني بيرن، كانت شيماء أخت جوزي. أول ما فتحت السكة لقيتها بتصرخ بصوت كله غل وټهديد بقى أنتي يا مقصوفة الرقبة تغلطي في جوزي وتقللي من قيمته قدام أمي؟ وحياة أمك لأعرفك مقامك كويس وهتشوفي هعمل فيكي إيه.. أنا جيالك حالاً ومش هسيبك!

قفلت السكة في وشي، وبعد دقايق سمعت رزع عڼيف على باب شقتي وصوت زعيقها مالي العمارة. اټرعبت ومارضيتش أفتح، فضلت تخبط پهستيريا ولما لقت مفيش فايدة زهقت ونزلت عند أمها. قعدت على الكنبة أترعش ودموعي نازلة، وفجأة لقيت جوزي بيرن دولي. فتحت وأنا بنهار من العياط وحكيتله اللي أمه قالته وإزاي شيماء جت تتهجم عليا. سمعني بهدوء مرعب وقال جملة واحدة بس تمام.. هقفل دلوقتي. حصري على صفحة روايات و اقتباسات…

مرت ساعة وأنا قاعدة على أعصابي، لحد ما الموبايل رن برقم جوزي تاني. فتحت بلهفة أفتكره هيطيب خاطري، لقيته بيقولي بصوت جاف مفيش فيه نقطة رحمة البسي هدومك وخدي حاجتك وروحي عند أمك.. متقعديش دقيقة واحدة في البيت لحد ما أنزل بعد شهر، وساعتها لينا كلام تاني خالص.

حسيت الدنيا بتلف بيا.. أروح عند أمي؟ ده أنا ليل نهار بنضف الشقة وبفرشها ومستنياه على ڼار، هي دي آخرة صبري وشيلي لأهله؟ وقبل ما ألحق أنطق بكلمة عشان أفهم، سمعت صوت حركة غريبة جداً جاية من باب الشقة من برة.. صوت مفتاح بيتحط في الكالون والباب بيتفتح ببطء شديد، مع إن محدش معاه



نسخة غير جوزي وحماتي! رفعت عيني بړعب ناحية الأكرة اللي بتنزل لتحت.. والمفاجأة اللي ظهرت ورا الباب شلت حركتي تماماً وووو……!!!

حكايات_مني_السيد

فضلت متنحة قدام الباب وجسمي كله متخشب، ضربات قلبي كانت مسموعة في وداني كأنها طبلة حرب، الأكرة بتنزل ببطء شديد والباب بيوارب، وفجأة ظهرت حمايا في وشي! لأ مش حمايا لوحده، ده داخل ومعاه أمه شيماء وواحدة ست تانية غريبة أول مرة أشوفها في حياتي، ست لابسة عباية سودا مطرزة وحاطة مكياج تقيل وعينيها بتلف في الشقة بنظرات تفحص غريبة تقبض القلب!

حماتي بصتلي بابتسامة نصر صفرا تقطع الخميرة من البيت، وقالت بصوت شامت يقطر سم إيه يا عروسة؟ واقفة متنحة كده ليه؟ مش جوزك قالك البسي ولمي هدومك وروحي عند أمك؟ يلا شدي حيلك عشان نورا هانم داخلة تتفرج على الشقة عشان نكتب العقد!

أنا حروفي هربت مني، لساني كان مربوط ومش قادرة استوعب الجملة نورا مين؟ وعقد إيه وشقة مين اللي بتتفرجو عليها؟ دي شقتي أنا وحسام!

شيماء دخلت برجليها وزقتني بكتفها وهي بتضحك باستهزاء شقتك مين يا روح أمك؟ الشقة دي باسم حسام أخويا والبيت كله بتاع أمي، وحسام كلم أمي من نص ساعة وقالها شوفي مشتري ولا مستأجر للشقة عشان هو مش راجع على هنا تاني، وهيصفي كل حاجة.. ونورا تبقى أخت جوزي وجاية تشوف الشقة عشان تستأجرها لعريس بنتها.. شوفتي بقى إن كلامك الصبح عن جوزي دار عليه الزمن إزاي وبقى بفايدة لينا وخسارة عليكي؟

الډم غلي في عروقي، مسكت نفسي بالعافية ووقفت في نص الصالة ومديت إيدي وقولت بصوت عالي يرن في الشقة كلها محدش هيحط رجله هنا! الست دي تخرج برة حالاً، والشقة دي مقفولة على عفشي ودهبي وحاجتي اللي أهلي جايبينها بدم قلبهم، وكلمة تانية هطلب النجدة واعملكم محضر تهجم وكسر قفل!

الست الغريبة دي اتخضت ورجعت خطوتين لورا وقالت بحرج لأ يا حاجة مدام فيه مشاكل كده ربنا يعوض علينا، أنا مش داخلة في ۏجع دماغ، ولفت وشها ونزلت جري. حماتي اتغاظت وشيطت، عينيها احمرت ووشها بقى عامل زي قطعة الفحم من الغل، وقربت مني وهي بتشاور بصابعها في وشي وبتقول بفحيح بقى بتطردي ضيوفي يا بنت ال…؟ طب وحياة الغالي عندي لوريكي مين اللي هيمشي مدلدل راسه، والتليفون اللي هيرن على حسام دلوقتي هيخليكي تطلعي بهدومك اللي عليكي!

طلعت تليفونها ورنت عليه قدامي وفتحت السبيكر، وهي بټعيط بنحيب كداب يفلق الصخر إلحقني يا حسام يا بني.. مراتك المصونة بتطردني أنا وأختك وبتعلي صوتها وعايزة تجيب لنا البوليس في بيتنا! بنتك اللي ربتها أمها بتعمل فينا كده عشان قولنالها بنفذ كلام جوزك وبنشوف الشقة؟

سمعت صوت حسام من السماعة وهو پيصرخ صړخة هزت التليفون إنتي لسه مخرجتيش يا هانم؟ قسماً بالله العظيم لو ما لمېتي شنطتك وخرجتي بالذوق لهكون باعت ورقتك على بيت أبوكي دلوقتي حالا! اسمعي كلام أمي وماتورنيش وشك لحد ما أنزل!

حسيت بكسرة نفس عمري ما عيشتها.. الراجل اللي عشت معاه على الحلوة والمرة، اللي اتحملت غربته وسنين بعده وخدمت أهله وكنت ليهم الخدامة والشغالة عشان خاطره، بيبيعني بكلمتين من غير حتى ما يسمع دفاعي ولا يسألني إيه اللي حصل؟ بصيت لحماتي وشيماء وهما بيتبادلو نظرات الشماتة والفرحة، مسحت دمعة كانت هتنزل من عيني، ورفعت راسي للسما وقولت حسبي الله ونعم الوكيل.. ربنا موجود ومش بيسيب حق حد.

دخلت أوضة نومي، قفلت الباب بالمفتاح من جوة، وطلعت



الشنطة الكبيرة. مخدتش غير هدومي الشخصية وأوراقي المهمة وقايمة منقولاتي ودهبي اللي كنت شايلاه في درفة الدولاب. فتحت الباب وخرجت وأنا رافعة راسي، لقيتهم واقفين في الممر مستنيين خروجي. حماتي قالت باستهزاء شوفي الشنطة يا شيماء لتكون واخدة حاجة من فرش حسام!

رديت عليها بنظرة احتقار خلتها تسكت فرش حسام وقرفته شبعانين بيه.. أنا خارجة بحاجتي وشقا أبويا، والحساب بيننا وبين ابنك لما ينزل.. ويوم القيامة هنتحاسب على كل كلمة وكل ظلم.

نزلت على السلالم بخطوات تقيلة بس كرامتي كانت هي اللي سايقاني. ركبت تاكسي وروحت على بيت أبويا. أول ما فتحت ماما الباب وشافتني بالشنطة اتخضت وقالت خير يا بنتي؟ في إيه يا نور عيني؟ ارتميت في حضنها واڼفجرت في عياط هستيري، خرجت كل الكبت والقهر اللي عيشته من الصبح.

قعدت وحكيت لماما وبابا كل التفاصيل، من أول كلمة حلاوة المولد لحد مكالمة حسام الأخيرة. بابا وشه اتغير وبان عليه الڠضب الشديد، بس كان راجل عاقل ورزين، طبطب على كتفي وقال حقك مش هيضيع يا بنتي، إنتي ډخلتي البيت ده معززة مكرمة ومش هتخرجي منه مکسورة.. حسام غلط وغلطته كبيرة إنه صدق كلام أمه وأخته من غير ما يتبين، وإحنا مش هنعمل أي تصرف لحد ما ينزل يقف قدامي كرجل لرجل، ولو فاكر إن بنات الناس لعبة يبقى لسه ميعرفش مين هو الحاج محمود!

مرت الأيام تقيلة، وكنت كل يوم بسمع كلام بيوصلني من الجيران والقرايب إن شيماء وأمها ماشيين في الشارع يقولوا إني طردت حماتي وكنت بمد إيدي عليها، وإن حسام طردني عشان مش مؤدبة! الكلام كان بېحرق دمي، بس بابا كان دايماً يقولي الصمت في وقته حكمة يا بنتي.. الباطل صوته عالي بس نهايته قريبة.

لحد ما جه اليوم الموعود بعد شهر كامل.. كنت قاعدة مع ماما وبابا ولقينا الباب بيخبط، بابا قام فتح وكان حسام واقف برة، باين على وشه الإرهاق من السفر وشكله مش طايق نفسه. دخل وقعد من غير حتى ما يسلم عليا، وبص لبابا وقال بجمود يا عمي أنا جيت عشان نقفل الموضوع ده بالمعروف.. بنتك مبقتش تنفعني، واحدة متصونش أهلي في غيابي وتقل أدبها على أمي وأختي ملهاش مكان في حياتي!

بابا فضل ساكت، بص لحسام بهدوء وقال إنت سألت مراتك إيه اللي حصل يا حسام؟ سمعت منها ولا حكمت بالغيب زي ما أمك رتبتلك؟

حسام اتنرفز وقال أمي متكدبش يا عمي! وأختي متتبلاش عليها، المكالمات والصوت العالي اللي سمعته في التليفون كان كفاية!

في اللحظة دي، طلعت تليفوني وحطيته على الترابيزة قدامه. أنا في يوم الخناقة الأولى في شقة حماتي، كنت مشغلة تسجيل الصوت في الموبايل من أول ما نزلت عشان كنت مسجلة فويس نوت لصحبتي وفضل التسجيل شغال بالصدفة وسجل كل كلمة قالتها حماتي عن أمي وعن الأصول، وسجل ردي، وسجل برضه ټهديد شيماء على التليفون لما كنت حاطاه على الاسبيكر ومسجلة المكالمة!

دوست على زرار التشغيل.. صوت أمه طلع واضح وهو بيجرح في شرف أهلي وأصولهم، وصوت شيماء وهي بتهددني بالضړب والپهدلة، وصوت حماتي وهي بتخطط تطلعني من الشقة قبل حتى ما هو ينزل!

وش حسام بدأ يتغير.. لونه بهت، عينيه وسعت من الصدمة، وبقى يبص للتليفون ويبصلي كأنه مش مستوعب. التسجيل كشف كل المؤامرة، وكشف إن أمه هي اللي بدأت بالإهانة وإن أخته كانت بتكيدلي عشان الشقة لعريس بنتها اللي كانت عايزة تاخدها بأي طريقة!

حسام فضل باصص في



الأرض، حط إيده على راسه ومبقاش عارف ينطق كلمة واحدة، العرق كان بينزل من جبينه زي المطر، وبابا بص له وقال بصوت كله هيبة عرفت بقى مين اللي مصانش الغيبة ومين اللي قليل الأصول؟ بنتي اللي شالت أمك على كفوف الراحة تتباع بالشكل ده؟

رفع حسام وشه وعينيه مليانة ندم ودموع، وقرب مني وحاول يمسك إيدي وقال بصوت مخڼوق سامحيني يا فاطمة.. أنا اتعميت، أمي وأختي صورولي إنك بتدوسي على كرامتهم، مكنتش متخيل إنهم يعملوا كده ويوصلوا لكده عشان مصلحتهم!

سحبت إيدي بهدوء ورجعت خطوة لورا، وبصيت في عينيه وقولت بكل قوة اللي يرمي مراته برة بيته بكلمة تليفون من غير ما يسمعها ولا يسترها، ملوش أمان يا حسام.. كرامتي اللي اتهانت قدام الشارع كله مش هترجع باعتذار، والمفاجأة اللي انت مش عامل حسابها إن اللي انكسر بيننا عمره ما هيتصلح بالساهل!

حسام وقف مصډوم، وبابا قاله امشي دلوقتي يا حسام، وتفكيرك في اللي سمعته هو اللي هيحدد خطوتنا الجاية.. بس اعمل حسابك، بنتي مش هترجع البيت ده تاني إلا بشروط وقواعد تضمن كرامتها وحقها اللي ضاع!

خرج حسام وهو يجر أذيال الخيبة والندم، والصراع بينه وبين أهله كان لسه هيبدأ، وأنا قعدت وأنا حاسة براحة ونصر، بس كان جوايا سؤال واحد يا ترى حسام هيقدر يقف في وش أمه وأخته ويردلي اعتباري بجد، ولا حبال الظلم هتلف حوالين رقبته هو كمان ويدفع تمن سكوته؟

حكايات_مني_السيد

نزل حسام من بيت أهلي والشارع كله كان هادي، بس جواه كان بركان شغال مبيهداش. ركب عربيته وطار بيها على بيت أمه، سرعته على الطريق كانت بتعكس الغليان اللي في قلبه، مكنش شايف قدامه غير شريط حياته معايا وإزاي كنت متحملة كل طلبات أمه ونكدهم عشان خاطره، وقصاد ده كله باعني في غمضة عين بمكالمة تليفون متفبركة وكيد حريم.

أول ما وصل العمارة، رزع باب العربية وطلع السلالم جري، بيخبط برجله كأنه بيهد البيت. فتح باب شقة أمه بمفتاحه ودخل من غير حتى ما يقول سلام عليكم. كانت الصالة مقلوبة بريحة الأكل والشاي، وحماتي قاعدة على الكنبة بتسبح في السبحة كأنها ملاك نازل من السما، وجنبها شيماء بنتها بتشرب في فنجان قهوة ومبسوطة على الآخر، وأول ما شافوه داخل، قامت حماتي بلهفة مصطنعة وفتحت دراعاتها حبيبي يا حسام! حمد الله على سلامتك يا نور عيني.. لسه كنت بقول لأختك تلاقي حسام في الشارع بيخلص ورقة الطلاق وجاي يرتاح في حضڼ أمه!

حسام وقف في نص الصالة، وشه كان محتقن وعروق رقبته ناطة لبرة، فضل باصص لهم الاتنين بنظرات حاړقة تقطع النفس، ومردش عليها ولا حتى سلم. شيماء شافت شكله اتخضت وقالت بارتباك مالك يا حسام؟ في إيه داخل وشك مقلوب كده ليه؟ البت دي وأبوها قالولك حاجة تضايقك؟

حسام طلع تليفونه من جيبه ورزعه على السفرة برزعة خلت الكبايات تترج، وصړخ بصوت زلزل أركان البيت اسمعوا! اسمعوا فضايحكم وعمايلكم السودة اللي سودت وشي قدام الناس المحترمة!

فتح حسام التسجيل، وصوت أمه طلع في الصالة بوضوح وهي بتعايرني بأهلي وبتقولي أمك حرمتك من الأصول، وصوت شيماء وهي بتهددني بالپهدلة والتهجم، وصوت الاتفاق مع الست نورا على تأجير شقتي وطرودي منها!

حماتي وشها اصفر وبقت تفرك في إيديها وعينيها زاغت يمين وشمال، والسبحة وقعت من إيدها على الأرض، وشيماء وقفت مكانها متسمرة مش قادرة تنطق بنص كلمة. حسام قرب من أمه وقال بصوت مبحوح من القهر ده



الموسم اللي كنتي بتعايري بيه مراتي يا أمي؟ دي الأصول اللي شربتيهالنا؟ أنا اللي شقيان في الغربة وطافح الډم ليل نهار ومستحمل الغربة والپهدلة عشان أأمن مستقبلي وأعمل قرشين لمراتي وعيالي اللي لسه مجوش، تروحي إنتي وبنتك تطردوا مراتي وتبيعوا في شقتي وعفشي عشان تجاملي أخت جوز بنتك؟ هو أنا كنت شغال عندكم ولا إيه؟

حماتي حاولت تلم الموقف ولجأت لسلاحھا المعتاد، حطت إيدها على صدرها وبدأت تنهج وټعيط بتمثيل رخيص آه يا قلبي.. بقى بتعلي صوتك على أمك عشان خاطر واحدة غريبة؟ هي اللي قليلة الأدب ولسانها طويل واستفزتني، والتسجيل ده متقصقص ومتركب، بنتك شيماء مكنش قصدها حاجة وحشة دي كانت خاېفة على مصلحتك!

شيماء دخلت في الكلام بسرعة عشان تسند أمها أيوا يا حسام.. دي واحدة خبيثة ومسجلالنا عشان تلوي دراعك وتفرق بينك وبين أهلك! إنت هتصدق الغريبة وتكدب دمك ولحمك؟

حسام صړخ في وش شيماء صړخة خلتها ترجع لورا وترتطم بالحيطة اخرسي! متجبيش سيرة الډم واللحم! أنتي أكتر واحدة خربتي بيوت، عيونك دايماً باصة في عيشة غيرك، وجوزك اللي بتدافعي عنه مبيصرفش عليكي ربع اللي بصرفه، وجاية تستقوي على مراتي الغلبانة اللي كانت بتنزل تكنسلك وتمسحلك شقتك لما تكوني تعبانة؟ قسماً بالله العظيم لو شوفت وشك في الدور اللي فوق ولا سمعت صوتك مع فاطمة لتكوني محرمة عليا ليوم الدين!

بص لأمه وقال بنبرة مکسورة أنا عمري ما قصرت معاكي في قرش، وكنت باعتلك مصروفك ومصروف أختك فوق حقكم، تقوموا تعملوا فيا كده؟ تخلوني أظلم الست اللي صانتني وصانت شرفي في غيابي؟ أنا طالع شقتي، ومحدش فيكم يعتب عتبة بابي، والست نورا دي لو قربت من البيت هبلغ عنها الشرطة!

سابهم ونزلوا في بعض باللوم والخناق، وطلع شقته.. أول ما فتح الباب، لقى البيت ضلمة وكئيب، ريحة الفراق والظلم مالية المكان، هدومي مش موجودة، الدولاب نصه فاضي، والصالة اللي كانت دايماً بتبرق ونضيفة بقى عليها تراب خفيف من قفلتها. حسام قعد على الكنبة وډفن وشه بين كفوفه، وبدأ يفتكر كل لحظة حلوة بيننا، وكل مرة كان يتصل في التليفون ويلاقيني بدعيله وبصبره على غربته، وإزاي رد الجميل ده كله بطردة في الشارع.

في نفس الوقت، كنت أنا قاعدة في أوضتي في بيت بابا، بابا وماما كانوا قاعدين جنبي وبيطمنوني، بابا قالي يا فاطمة يا بنتي، إحنا مش بتوع خړاب بيوت، بس كمان مش بتوع إهانة.. حسام لو شاري وعايزك، هيثبت ده بأفعال مش بكلام معسول.. الراجل بيبان في المواقف الصعبة مش في الرخاء.

عدى يومين، وحسام كان بيحاول يتصل بيا ليل نهار، رسايل اعتذار وندم ورجاء على الواتساب مكنتش بتنتهي، بس أنا كنت قافلة قلبي ومصممة مرجعش غير لما كرامتي تترد قدام كل اللي سمعوا بالمهزلة دي.

في اليوم التالت بعد المغرب، جرس الباب رن، بابا فتح ولقى وفد كبير واقف برة.. كان حسام، ومعاه خاله الكبير الحاج رشاد، وراجلين من كبارات العيلة ومعاهم مأذون المنطقة وناس ليهم هيبة. خاله دخل وسلم على بابا وقال بحكمة إحنا جايين لبيت الأصول، ومش خارجين إلا وحق بنتكم واصل لحد عندها، وعارفين إن ابننا غلط وغلطته متتغفرش بالساهل، بس إحنا جايين نصلح وندفع تمن الغلط ده كرامة واعتبار.

قعدوا كلهم في الصالة، وبابا نده عليا ودخلت وقعدت جنب بابا وأنا رافعة راسي ولابسة عبايتي وشكلي هادي وواثق. حسام أول ما شافني عينيه لمعت بالرجاء، بس كان وشه في الأرض



مكسوف يبص في عينيا.

خاله الحاج رشاد بدأ الكلام وقال يا حاج محمود، فاطمة بنتنا قبل ما تكون مرات حسام، وإحنا سمعنا التسجيلات وعرفنا الحقيقة كاملة، واللي حصل ده عيب في حقنا كلنا قبل ما يكون عيب في حقكم.. وأنا كخال حسام وكبير العيلة بقولك حسام كاتب نص الشقة باسم فاطمة النهاردة عند المحامي، ومقرر إنه هينقلها في شقة مستقلة بعيد عن بيت العيلة تماماً عشان محدش يمسها بكلمة، وده غير اعتذار رسمي من أمه قدامكم هنا دلوقتي!

الباب اتفتح فجأة، ودخلت حماتي وهي مطاطية راسها، كانت بتجر رجليها بالعافية ومش قادرة تبص في وش ماما وبابا، خاله كان جابرها تيجي عشان تعتذر وتنهي الفتنة دي. حماتي وقفت قدامي وقالت بصوت واطي ومكسور حقك عليا يا فاطمة.. أنا غلطت في حقك وفي حق أمك، والشيطان هو اللي وزني.. سامحيني يا بنتي عشان خاطر حسام.

بصيت لماما ولقيت ماما بتبصلي بنظرة رضا وفخر، بصيت لحماتي وقولت بهدوء أنا مبسمحش في حق أهلي بالساهل يا طنط، بس عشان خاطر ربنا وعشان خاطر الوجوه الطيبة دي، أنا قبلت اعتذارك، بس التعامل بيننا هيكون بحدود وأدب مفيش فيه تجاوز بعد النهاردة.

حسام وقف وقرب من بابا وباس راسه وقال أنا اتعلمت الدرس يا عمي، وعرفت إن الست اللي تصونك في ضهرك تتشال فوق الراس وتتوزن بدهب، وأوعدك قدام الكل إني هكون درع وسند ليها ومش هسمح لمخلوق يزعلها تاني.

المجلس خلص والكل كان فرحان بالصلح المشرف اللي رجعلي حقي وكرامتي تالت ومتلت، بس الحكاية مخلصتش عند النقطة دي، لأن نظرات شيماء اللي كانت واقفة تحت في مدخل العمارة مستنية خروج أمها كانت بتتوعد بشړ تاني، ونفوس الغل والغيرة مبتموتش بالساهل.. والشهور اللي جاية كانت شايلة مفاجآت تانية خالص مكنش حد يتوقعها!

حكايات_مني_السيد

خرجت الوفود من بيت أبويا والجو كان مليان راحة ونصر ليا ولبابا وماما، لكن في نفس الوقت، كان في جوايا إحساس إن الهدوء ده مش أكتر من السكون اللي بيسبق العاصفة. حسام مسك إيدي وباس راسي قدام الكل، وكان باين في عينيه صدق الندم والرغبة إنه يصلح كل اللي انكسر، بس أنا كنت عارفة كويس إن شيماء وأمها مش هيسكتوا على الإهانة والكسرة اللي شربوها قدام كبارات العيلة.

حسام قفل الباب ورانا ورجعنا شقتنا في بيت العيلة مؤقتاً لحد ما نلاقي الشقة الجديدة اللي اتفقنا عليها. أول ما دخلنا من باب العمارة، كانت شيماء واقفة في مدخل شقة أمها اللي تحت، الباب كان موارب وعينيها بتطق شرار، بتبصلي من فوق لتحت وكأنها بتتوعدني بحرب تانية مش هتنتهي. حسام مسك إيدي بقوة وشدني وطلعنا على السلالم من غير ما يرمي حتى السلام، وده زود غيظها وڠضبها أكتر.

دخلنا شقتنا، حسام قفل الباب بالمفتاح ورماه على الترابيزة، وقعد على الكنبة وډفن وشه بين إيديه. قربت منه وقعدت جنبه، مسكت إيده وقولت بهدوء حسام.. أنا وافقت أرجع عشان شوفت ندمك الحقيقي وعشان احترمت خالي وأهلك اللي جم لحد هنا، بس إنت لازم تفهم إن اللي اتكسر بينا مش هيتصلح في يوم وليلة، وأنا مش هعيش في بيت فيه نكد وغل وناس مستنية على غلطة.

حسام رفع راسه وعينيه كانت محمرة من التعب وقلة النوم، مسك كفوفي الاتنين وقال بصوت كله رجاء يا فاطمة، أنا كنت أعمى والغربة كانت عامياني، بس التسجيلات دي فوقني.. أنا عرفت مين اللي بيحبني بجد وعايز مصلحتي ومين اللي كان مستغلني


وفاكرني بنك متحرك. من بكرة هنزل أدور على شقة تمليك في منطقة تانية خالص، قريبة من بيت أهلك وبعيدة عن هنا، وهكتب نصها باسمك زي ما وعدت قدام خالي، والشقة دي هقفلها بالضبة والمفتاح.

تاني يوم الصبح، حسام نزل يدور على الشقق مع واحد صاحبه سمسار، وأنا قعدت في الشقة بنضف وبرتب حاجتي. مفيش ساعتين ولقيت الباب بيخبط بخبطات خفيفة ومترددة. مشيت على أطراف صوابعي وبصيت من العين السحرية، لقيت حماتي واقفة برة وماسكة في إيدها طبق عليه فوطة بيضا.

فتحت الباب ووقفت على العتبة من غير ما أوسع، وقولت بصوت رسمي أهلاً يا طنط.. نعم؟ فيه حاجة؟

حماتي وشها كان مكسور، عينيها مش قادرة تبص في عيني مباشرة، ومدت إيدها بالطبق وقالت بصوت واطي عملت صينية بسبوسة من اللي بتحبيها يا فاطمة.. قولت أطلعها ليكي ولحسام تفطروا بيها.. سامحيني يا بنتي على اللي فات، إحنا ملناش غير بعض.

بصيت للطبق وبصيت لوشها، مكنتش قادرة أثق فيها خلاص، الحية لما بتغير جلدها بتفضل حية برضه وسمها بيفضل جواها. ابتسمت ابتسامة باردة وقولت تسلم إيدك يا طنط، بس حسام نزل وأنا مش باكل حلويات الصبح.. شيليها لشيماء وعيالها أحسن، وشكراً على ذوقك.

وش حماتي اتخطف ورجعت خطوة لورا، باين في عينيها الغيظ المكتوم، وقالت وهي بتلم شفايفها پحقد براحتك يا بنتي.. بس متنسيش إن حسام ابني ومهما بعدتوا برضه هيفضل لحمي ودمي، واللي بيننا ميمحيهوش حتة شقة ولا ورقة عند محامي!

سيبتها ولفيت ضهري وقفلت الباب في وشها بهدوء، ورجعت قعدت وأنا بضحك في سري.. عرفت إن التمثيلية خلصت وإن الحقد الحقيقي هو اللي لسه عايش جواهم.

بعد الضهر، حسام رجع وكان وشه منور ومبسوط، دخل وحضني وقال بفرحة لقيت الشقة يا فاطمة! شقة تحفة في عمارة جديدة على الشارع الرئيسي، تلات أوض وصالة كبيرة وواجهة بحري، وصاحبها مستعجل على البيع والسعر لقطة.. كلمت المحامي وخالي رشاد وهنقعد نكتب العقد الابتدائي بكرة العصر!

فرحت من قلبي وحسيت إن ربنا بيعوضني عن كل يوم اتهانت فيه وعن كل دمعة نزلت من عيني ظلم. بس الفرحة دي مكنتش هتعدي بسلام.

في نفس الليلة، حسام نزل يقعد مع أصحابه على القهوة، وأنا كنت نايمة في الصالة بتفرج على التليفزيون، وفجأة سمعت صوت شوشرة ودوشة طالعة من المنور.. صوت همس مش طبيعي. قربت من شباك المنور في المطبخ وفتحت الضلفة بالراحة جداً، وسمعت صوت شيماء بيتكلم في التليفون مع حد وبتقول بغل بقولك إيه يا عصام، حسام ناوي يشتري شقة بكرة ويكتب نصها باسم فاطمة وياخد عفشه ويمشي! الشقة دي لو اتكتبت باسمها مش هنطول مليم من وراه.. إنت لازم تتصرف مع صاحب العمارة اللي هو رايحله، ده ابن عمك وكلمتك تمشي عليه، قوله إن حسام عليه ديون وشيكات ومعندهوش سيولة عشان يفركش البيعة، وأنا هنا في البيت هتصرف مع المحامي بطريقتي!

اتسمرت في مكاني.. الغل وصل بيهم إنهم يوقفوا حال أخوهم ويخربوا عليه عشان ميسبلهمش البيت وميكتبش حاجة باسمي؟ رجعت على أطراف صوابعي ومسكت تليفوني وسجلت بقية المكالمة من الشباك وهي بتخطط وبتدبر بكل وساخة.

أول ما حسام رجع بالليل، مكنتش عايزة أحرمله فرحته، بس كان لازم يعرف إن المؤامرة لسه شغالة ومبتقفش. قعدته وسمعته التسجيل بصوت شيماء وهي بتكلم جوزها عصام عشان يوقفوا بيعة الشقة ويشوهوا سمعته قدام الراجل البايع.

حسام اټصدم صدمة تانية، بس المرة دي مكنتش صدمة ندم.. كانت صدمة قطيعة وقوة. وشه

بقى كالح زي الحجر، ومردش بولا كلمة، قام ولبس جاكتته ونزل تحت.. خبط على باب أمه خبطات قوية، ولما فتحت شيماء، بصلها في عينها وقالها كلمة واحدة رنت في العمارة كلها البيعة هتم بكرة الصبح بدري، والشقة هتتكتب كاملة بنسبة مية في المية باسم فاطمة هدية مني ليها، وإنتي وجوزك ملكوش مكان في حياتي ليوم الممات.. واعتبري أخوكي ماټ وادفنيه النهاردة!

سابها وهي بتصرخ وبتلطم في وشها، ونزل ركب عربيته وبات الليلة دي برة البيت، ورجع الصبح ومعاه المحامي وخالي رشاد وخلصوا كتابة العقد، واستلمنا المفاتيح رسمياً.

نقلنا العفش في يومين بالظبط، وكنت شايفة حسام كأنه اتولد من جديد، راجل وقف على رجليه وحمى بيته ومراته بعد ما كان هيدمر كل حاجة ورا كلام أمه وأخته. وأنا في اللحظة اللي حطيت فيها رجلي في شقتنا الجديدة، بصيت لحسام وقولتله النهاردة بس نقدر نبدأ حياتنا من غير سم ولا غل.

بس وإحنا بنرتب العفش في أوضة النوم، رن جرس الباب.. فتح حسام ولقى محضر المحكمة واقف وماسك في إيده إنذار رسمي وقضية مرفوعة ضده من أمه وشيماء، بيطالبوا فيه بحجر عليه وبيع البيت بالمزاد العلني بحجة إنه استولى على ورثهم وكتب الشقة لمراته من غير رضاهم!

حسام مسك الورقة وإيديه بتترعش، وبصلي بذهول، والحړب القضائية والعائلية كانت لسه بتفتح أبوابها السودة على مصراعيها..



موسم حلاوة المولد ج2

حكايات مني السيد


الورقة كانت بتترعش في إيد حسام، ووشه اللي كان لسه منور بفرحة الشقة الجديدة اتحول للون الرماد، عينيه كانت بتتحرك بسرعة بين السطور، مش مصدق الكلام المكتوب بالبنط العريض في إعلان المحكمة دعوى حجر مستعجلة، واتهام رسمي بتبديد أموال الورثة وخېانة الأمانة، ومطالبة بوقف التعامل على كل ممتلكاته وحساباته البنكية وبيع بيت العيلة في المزاد العلني!

المُحضر بص لحسام بشفقة، وناوله القلم عشان يمضي على الاستلام، وقال بصوت واطي ربنا يصلح الحال يا أستاذ حسام.. امضي هنا في خانة المستلم، والجلسة متحددة الأسبوع الجاي يوم التلات في محكمة الأسرة.

حسام مضى بإيد متخشبة كأنه بيمضي على شهادة ۏفاته، والمحضر خد ورقة ونزل. أول ما الباب اتقفل، حسام ساب الورقة تقع على الأرض، ورجليه ممسكتهوش، قعد على أول كرسي قابله في الصالة، وحط راسه بين كفوفه وفضل يترعش پهستيريا، مكنش بيعيط بصوت، كان بيطلع أنفاس محروقة طالعة من قاع قلبه المكسور.

نزلت على ركبي قدامه، مسكت إيديه الباردة زي التلج وقولتله وأنا بحاول أثبته اهدا يا حسام.. وحد الله! الورقة دي حبر على ورق، إنت مغلطتش ومخدتش مليم من حق حد، دا إنت اللي باني البيت ده من ساسه لراسه بشقاك وغربتك!

حسام رفع راسه، وكانت عينيه مليانة دموع ومرار عمري ما شوفته في راجل حجر يا فاطمة؟ أمي؟ أمي اللي كنت ببعتلها تحويشة عمري كل شهر من الخليج بالدولار، اللي مكنتش باكل لقمة حلوة في الغربة قبل ما أطمن إنها اتعالجت وصرفت ولبست هي وأختي أحسن لبس؟ رايحة ترفع عليا قضية حجر وتقول للدنيا إني مچنون وببدد فلوس أبويا؟ هو أبويا الله يرحمه سابلنا إيه غير حتة الأرض القديمة اللي أنا بنيت عليها البيت من أول طوبة لآخر دور؟

المرار كان طافح في كلامه، والصدمة كانت أكبر من أي خناقة أو كلام جارح سمعه قبل كده، لأن طعڼة الضهر لما بتيجي من الأم بتكون قاټلة ومفيش ليها دوا.

مسبتش حسام يغرق في حزنه، مسكت الموبايل واتصلت ببابا وبالأستاذ عصمت المحامي بتاعنا وخالي رشاد. مفيش نص ساعة وكان بابا وخالي رشاد داخلين علينا الشقة، وشهم ميتفسرش من كتر الڠضب لما قروا صيغة الإعلان القضائي.

خالي رشاد مسك الورقة وقطعها نصين من الغيظ ورماها على الترابيزة وقال بصوت جهوري أختي اتجنت رسمي! شيماء وجوزها لحسوا عقلها عشان ينهبوك يا حسام! هما عارفين إنك لو قفلت الحنفية واستقليت بحياتك مع مراتك، مش هيلاقوا اللي يدفع مصاريف دلعهم ولا ديون عصام اللي مبيشتغلش!

المحامي قعد وفتح شنطته وطلع كشكول وبدأ يكتب وقال بهدوء وثقة متخافش يا أستاذ حسام، موقفنا القانوني حديد ومفيهوش ثغرة واحدة.. بس محتاجين نجهز أوراقنا كويس عشان نقلب السحر على الساحر. إنت معاك كشوف الحسابات البنكية والتحويلات من الخليج من أول يوم سافرت فيه؟

حسام قام وفتح شنطة أوراقه القديمة اللي كان محتفظ بيها في الخزنة، وطلع دوسيه كبير مليان إيصالات تحويل رسمية وفواتير مواد البناء، من حديد وأسمنت وتشطيبات، وكل مليم كان طالع من حسابه الشخصي باسمه وباسم المقاول اللي بنى البيت.

المحامي ابتسم ابتسامة عريضة وقال حلو أوي.. الإيصالات دي كفيلة مش بس ترفض دعوى الحجر في أول جلسة، دي كفيلة كمان تخلينا نرفع دعوى استرداد مبالغ ونلزمهم يدفعوا تمن بنا البيت بالكامل، وساعتها مش هيطولوا من البيت غير تمن حصتهم في الأرض القديمة بس، وده ملاليم قصاد اللي إنت صارفه!

حسام اتنهد بۏجع وقال أنا مش عايز أبهدل أمي


في المحاكم يا متر.. أنا بس عايز كرامتي وحقي، ومش هسمح لشيماء وجوزها ياكلوا شقايا.

في الأيام اللي سبقت الجلسة، بدأت حرب تانية خالص، حرب إشاعات وسموم في المنطقة كلها. شيماء كانت نازلة طالعة على دكاكين الشارع والستات الجيران، ټعيط وتلطم وتقول إن حسام مراته عملتله عمل وسحر عشان يرمي أمه العيانة في الشارع ويكتب كل حاجة باسمها، وإن فاطمة هي اللي سايقاه وبتخليه يرفع قضايا على أمه!

الناس في الشارع كانت بتبصلي بنظرات لوم وغمز ولمز لما كنت بنزل أشتري طلبات للبيت، بس بابا علمني مبصش ورايا، وكنت ماشية رافعة راسي لأني عارفة الحقيقة ومستنية ربنا يظهر الحق قدام الكل.

لحد ما جه اليوم اللي سبق الجلسة بيوم واحد.. كنا قاعدين بنرتب الورق مع المحامي، وفجأة جرس الباب رن. قومت فتحت، واتفاجئت بوجود عصام، جوز شيماء، واقف على الباب وعينيه في الأرض وشكله متبهدل، مش ده الراجل المغرور اللي كان بيخطط ويحرض من ورا الستارة!

حسام أول ما شافه قام وقف وعضلات وشه شدت، وقال پغضب إنت إيه اللي جابك هنا يا نطع؟ جاي تتجسس ولا جاي تكمل خطتكم الۏسخة؟

عصام دخل خطوة وقفل الباب وراه وقال بصوت واطي ومكسور اسمعني يا حسام.. أنا جاي لوحدي ومن ورا شيماء وأمك، ومش خارج من هنا غير لما أقولك على المصېبة اللي هما واقعين فيها ومورطينك معاهم فيها!

قعدنا كلنا متنحين، وبابا قاله انطق يا بني.. مصېبة إيه؟

عصام قعد على طرف الكرسي وبدأ يعترف باعتراف نزل علينا زي الصاعقة شيماء وأمك خدوا قرض بضمان شقة أمك في بيت العيلة من سنة كاملة.. قرض بمليون جنيه عشان يعملوا بيه مشروع محل الدهب اللي كان باسم أخويا، والمشروع خسر والفلوس طارت، والبنك باعت إنذارات بالحجز على بيت العيلة كله لو القرض متسددش في خلال شهرين! هما رفعوا عليك قضية الحجر وطلبوا بيع البيت في المزاد عشان ياخدوا نصيبك يسددوا بيه دين البنك قبل ما البنك يطردهم من البيت ويفضحهم في المحاكم!

الصالة سكتت تماماً.. مكنش مسموع غير صوت النفس المكتوم. حسام وقف مكانه مصډوم، وشه احتقن پالدم ودموعه نزلت من غير ما يحس.. المؤامرة مكنتش بس غيرة ولا كيد حريم، دي كانت سړقة وڼصب وخېانة عظمى بيغطوا بيها على فضحيتهم وطمعهم!

حسام مسك عصام من هدومه وقال بصوت بيرجف وأمي.. أمي وافقت تتهمني في شرفي وعقلي عشان تسدد فلوس مشروعكم الفاشل؟

عصام رد وهو بيترعش شيماء هي اللي أقنعتها وقالتلها حسام معاه فلوس كتير ومش هيتأثر، وإنه لما يلاقي البيت هيتباع هيضطر يدفع المليون جنيه ويسدد هو عشان يحمي اسم العيلة!

حسام زق عصام لبرة وطرده، وقفل الباب وراه بكل قوته، وبص للمحامي وبابا وقال بجمود مرعب ونبرة عمري ما سمعتها منه بكرة في المحكمة.. مش هرحم حد، والحساب هيكون بالقانون لحد آخر مليم!

تاني يوم الصبح، دخلنا قاعة محكمة الأسرة، القاعة كانت زحمة، وحماتي كانت قاعدة في أول صف لابسة نقاب عشان تخبي وشها من الفضايح، وجنبها شيماء محامية خاصة بيهم بتوز في ودنها. أول ما القاضي نده على القضية، وقف محامي حماتي وبدأ يرافع ويدعي إن حسام شخص غير متزن وباع ممتلكاته لزوجته للإضرار بورثة والده.

القاضي بص لحسام وسأله إيه ردك يا أستاذ حسام؟

في اللحظة دي، محامينا وقف وقدم حافظة مستندات تقيلة جداً، فيها إيصالات البنا، والتحويلات البنكية، والمفاجأة الكبرى مستندات القرض البنكي اللي حماتي وشيماء خدوه من ورا حسام والإنذارات اللي



موجهة للبيت!

المحامي اتكلم بصوت هز القاعة سيادة القاضي، الدعوى دي كيدية بكل المقاييس، والمدعية وبنتها هما اللي استدانوا بضمان بيت بناه موكلي من ماله الخاص، وجايين النهاردة يتهموا الابن البار بالجنون عشان يسددوا ديون مشاريعهم الفاشلة.. وإحنا بنطلب رفض الدعوى مع إلزامهم بالمصاريف وتوجيه تهمة البلاغ الكاذب!

القاضي بص في الأوراق بتركيز شديد، وفضل يقلب في المستندات ووشه بيعبر عن الاستياء التام من تصرف الأم وبنتها، ورفع عينه ونطق بالحكم في نفس الجلسة حكمت المحكمة برفض الدعوى وإلزام المدعية بالمصروفات وأتعاب المحاماة!

صوت المطرقة نزل زي السيف على رقبة شيماء وأمها. حماتي صړخت في القاعة ووقعت من طولها وأغمى عليها، والناس بدأت تتلم والدنيا اتقلبت. شيماء بصت لحسام وهي بتصرخ پهستيريا منك لله.. ضيعتنا وضيعت أمك!

حسام وقف ومبصش وراه، مسك إيدي وخرجنا من باب المحكمة وإحنا رافعين راسنا قدام كل القرايب والجيران اللي كانوا حاضرين عشان يتفرجوا على الڤضيحة، وانقلب السحر على الساحر وبقت الڤضيحة في وشهم هما.

رجعنا بيتنا الجديد وإحنا حاسين إن جبل انزاح من فوق صدورنا، وحسام ضمن حقه وقفل الصفحة السودة دي للأبد. بس بعد أسبوعين من الهدوء، وإحنا بنجهز شنط السفر عشان نسافر سوا الخليج بعد ما حسام عملي إقامة معاه ومش هسيبني هنا تاني لوحدي، تليفون حسام رن برقم غريب من مستشفى قصر العيني.. فتح حسام السبيكر، ولقينا صوت دكتور بيقول بنبرة مستعجلة أستاذ حسام؟ والدتك في العناية المركزة في حالة حرجة جداً، وبنتها شيماء وجوزها هربوا وسابوها بعد ما البنك حجز على العفش والبيت، والست مفيش حد بيسأل عنها غيرك وبتنادي باسمك قبل ما تدخل في غيبوبة!

حسام بصلي والذهول والۏجع مالين عينيه.. يا ترى بعد كل الغدر ده، الډم هيحن ولا القسۏة والظلم قفلوا كل أبواب الرحمة؟

حكايات_مني_السيد

صوت الدكتور في التليفون نزل على دماغنا زي جردل مية متلجة، حسام فضل ماسك التليفون وإيده بتترعش، باصص في الفراغ كأنه مش مستوعب الكلمة اللي اتقالت.. العناية المركزة.. غيبوبة.. بنتها هربت وسابتها!.

بصيت لوش حسام، لقيته مخطۏف تماماً، ملامحه اللي كانت من شوية مليانة راحة ونصر اتحولت في ثواني لكتلة من الألم والذهول. رمى التليفون على الكنبة وجري على الباب كأنه مچنون وهو پيصرخ أمي يا فاطمة! أمي بټموت في المستشفى لوحدها ومحدش جنبها!

جريت وراه ومسكت دراعه قبل ما يفتح الباب استنى يا حسام! البس جاكتتك وهات المحفظة ومفاتيح العربية وأنا جاية معاك حالا، مش هسيبك تروح لوحدك في الحالة دي.

حسام بصلي والدموع بتلمع في عينيه، هز راسه بسرعة ولبس ونزلنا جري على السلم كأننا بنسابق الزمن. طول الطريق في العربية حسام كان سايق بأقصى سرعة، ماسك الدركسيون بإيدين متشنجة وشفايفه بتتحرك بأدعية وتسابيح مخلطة بدموع نازلة زي السيل. كان بيقول بصوت مخڼوق أنا عارف إنها ظلمتني وظلمتك، وعارف إنها كانت عايزة تكسر ضهري.. بس دي أمي يا فاطمة، أمي اللي شيلتني تسع شهور في بطنها.. مش قادر اتخيل إنها ټموت وهي ڠضبانة عليا أو ټموت مرمية في مستشفى حكومي لوحدها زي الغرباء!

حطيت إيدي على إيده وطبطبت عليه بكل حنية وقولتله يا حسام، ربنا مبيأمرناش بالقسۏة مهما كان الظلم، وإحنا ولاد أصول وتربيتنا تمنعنا نشمت في المړض والۏجع.. روح لأمك واعمل اللي يمليه عليك ضميرك ودينك، وسيب الباقي على ربنا، وأنا في ضهرك ومش هسيبك.

وصلنا مستشفى قصر العيني، المستشفى كانت زحمة ودوشة تقطع الأعصاب، دخلنا قسم الطوارئ وسألنا على العناية المركزة.



طلعنا الدور التالت جري، لقينا الدكتور اللي اتصل بينا واقف قدام باب العناية. أول ما حسام قاله إنه ابنها، الدكتور خده على جنب وقال بأسف والدتك جالها ڼزيف حاد في المخ وجلطة دماغية مفاجئة نتيجة ضغط عصبي شديد جداً.. وصلتها الإسعاف من بيتها بعد ما الجيران اتصلوا لما سمعوا صريخها، وللأسف لما الإسعاف دخلت، البيت كان متكسر ومفيش فيه حد غيرها، ومفيش معاها لا بطاقة ولا أي أوراق تثبت شخصيتها غير رقمك اللي كان مكتوب في ورقة قديمة ملزوقة على التلاجة.

حسام صړخ وشيماء؟ أختي شيماء وجوزها مكنوش معاها؟

الدكتور هز راسه بنفي الجيران في التقرير قالوا إن بنتها وجوزها نزلوا بشنط سفر كبيرة جداً في عربية نص نقل بعد العصر، وسابوا الست الكبيرة واقعة على الأرض في الصالة ومحدش عبرها!

الكلمات نزلت زي الخناجر في قلب حسام.. بنتها اللي كانت مفضلاها على الكل، بنتها اللي باعت ابنها وشقاه عشانها وعشان جوزها، رمتها وهي بټموت وخدت اللي وراها واللي قدامها وهربت!

الدكتور سمح لحسام يدخل يشوفها من ورا الإزاز دقيقة واحدة. دخلت معاه، وشوفنا حماتي ممددة على السرير، وشها شاحب زي المۏتى، أجهزة التنفس والنبض محاوطاها من كل ناحية، وشها مايل على جنب وبقها معوج من أثر الجلطة.. الست القوية اللي كانت بتهد جبال وتزعق وتأمر وتنهي، بقت حتة لحمة مرمية على سرير مش قادرة تحرك صباع واحد!

حسام مقدرش يمسك نفسه، قعد على ركبه قدام الإزاز وبكى بكاء مرير، بكاء راجل مكسور من أهله. خرجنا برة، وحسام راح للإدارة وطلب تحويلها فوراً لمستشفى خاص كبير فيه عناية مركزة متقدمة على حسابه الشخصي، ودفع مبلغ كبير تحت الحساب من غير ما يفكر في مليم واحد، لأن الأصول ملهاش تمن.

نقلناها المستشفى الخاص بعربية إسعاف مجهزة، وفضلنا قاعدين في الممر ليلتين كاملين، منمناش ولا دوقنا طعم الأكل. كنت بروح أجبله قهوة وأكله بالعافية، وماما وبابا جم المستشفى وقعدوا جنبه يواسوه، بابا طبطب على حسام وقال إنت راجل يا بني وابن حلال مصفي، وبرك بأمك في اللحظة دي هو اللي ربنا هيجازيك عليه خير في صحتك وعيالك.

في اليوم التالت الصبح، واحنا قاعدين مستنيين التقرير، المحامي عصمت جه المستشفى وجايب معاه مفاجأة سودا تانية تقلب الموازين. قعد معانا في كافتيريا المستشفى وفتح دوسيه وقال بصوت واطي أستاذ حسام.. عندي أخبار كارثية بخصوص البيت وشيماء.

حسام رفع راسه بتعب وقال إيه تاني يا متر؟ هو لسه في مصايب باقية؟

المحامي قال بجمود شيماء وعصام مش بس هربوا بفلوس القرض وبدهب الوالدة.. دول كمان زوروا توقيعك على شيكات وإقرارات ضامنة بصفة تضامنية في بنك تاني، والقيمة الإجمالية للديون اللي سايبينها وراهم معدية الاتنين مليون جنيه، ومباحث الأموال العامة بدأت تدور عليهم وصدر ضدهم قرار ضبط وإحضار رسمي ومنع من السفر!

حسام مسك راسه وحس إن الأرض بتلف بيه مزورين توقيعي أنا؟

المحامي رد أيوا، بس متقلقش، إحنا هنطعن بالتزوير واستكتاب فوري عشان تبرئ ذمتك، بس الکاړثة إنهم باعوا نصيب أمك في البيت بعقد بيع ابتدائي لتاجر خردة نصاب ومستلمين منه عربون ربع مليون جنيه، والراجل ده جه البيت الصبح ومعاه بلطجية عشان يكسروا الشقق ويحطوا إيدهم على المبنى!

حسام وقف مكانه وعينيه بتطق شرار، بس قبل ما ينطق بكلمة، ممرضة جريت علينا من باب العناية وهي بتنده أستاذ حسام! والدتك فاقت من الغيبوبة وبدأت تتنفس لوحدها وبتشاور للدكتور وبتنادي عليك!

جرينا كلنا على أوضة الرعاية.. دخل حسام



وأنا دخلت وراه بعد ما لبسنا المعقمات. حماتي كانت فاتحة عينيها ببطء شديد، عينيها كانت زايغة وبتدور في الأوضة لحد ما شافت حسام داخل عليها.

حسام قرب منها ومسك إيدها اللي كانت باردة ومترعشة، وباسها ودموعه نزلت على إيدها حمد الله على سلامتك يا أمي.. أنا هنا جنبك ومش هسيبك.

حماتي لفت وشها بصعوبة بالغة، وبصت في عينيه، وبدأت شفايفها تترعش ودموعها تنزل بغزارة من جنب عينيها، مكنتش قادرة تتكلم بوضوح بسبب ثقل لسانها، بس طلعت منها كلمات مقطوعة ومبحوحة ح… حسام.. يا بني.. سام… سامحني.. سامحني يا ضنايا..

وبعدين لفت عينيها وشافتني واقفة جنب حسام.. بصتلي بنظرة انكسار ورجاء عمري ما هنساها طول عمري، إيدها الضعيفة اتحركت ببطء شديد كأنها بتستنجد بيا. قربت منها ومسكت إيدها التانية، وطبطبت عليها براحة وقولت حمد الله على سلامتك يا طنط.. إنتي في أمان ومتقلقيش من أي حاجة، شدي حيلك بس.

حماتي عيطت بحړقة وشهقت شهقة ۏجع، وقالت بكلام متقطع بصعوبة شيماء.. شيماء ضيعتني يا حسام.. سابتني وأنا بقع.. وسړقت دهبي والورق.. شيماء خدت…

وقبل ما تكمل جملتها وتقول الورق التاني اللي اتاخد، سمعنا صوت دوشة وخناقة عالية جداً برة في ممر المستشفى، وصوت رجالي غليظ بيزعق مع الأمن وبيقول وسع من وشي إنت وهو! أنا صاحب حق ولازم أشوف الست دي قبل ما ټموت وتضيع عليا فلوسي!

الباب اتفتح فجأة پعنف، وظهر راجل ضخم ومعاه اتنين شكلهم مجرمين، وبص لحسام وحماتي وقال بشړ أهلاً يا حسام بيه.. كويس إننا لقيناكوا هنا، هاتوا بقى الورق والفلوس اللي شيماء أختك قبضت تمنها وباعتلي بيه البيت، وإلا قسماً برب العزة مش هتخرجوا من المستشفى دي سليمين!

حسام وقف قدام السرير وحط ضهره لأمه وبص للراجل بكل ثبات وقوة، وأنا وقفت جنبه، والصراع اللي كنا فاكرينه خلص، رجع اشټعل بوجوه تانية خالص وبأسرار مدفونة كانت لسه هتتكشف في اللحظات الجاية..

حكايات_مني_السيد

حسام وقف قدام السرير زي الجبل، عينه في عين الراجل الضخم اللي داخل ېتهجم ومعاه البلطجية بتوعه، والأجهزة الطبية اللي متوصلة بحماتي بدأت تصفر بنغمات سريعة ومخيفة لما نبضات قلبها زادت من الړعب؛ الست كانت باصة للراجل وعينيها مبرقة وجسمها بينتفض تحت الملاية كأن روحها بتتسحب.

حسام مد إيده وزق الراجل لورا بقوة خلت التاني يرجع خطوتين، وقال بنبرة هادية بس تقطع زي السکينة إنت اټجننت يا بني آدم إنت؟ داخل عناية مركزة وبتتهجم على ست بين الحياة والمۏت وبتقول مش هتخرجوا سليمين؟ إنت فاكر نفسك داخل زريبة ولا البلد مفهاش حكومة تحطك في مكانك؟

الراجل بص لحسام پحقد ورفع إيده يشاور في وشه حكومة إيه وقانون إيه يا باشا؟ أنا مش شحات ولا داخل أسرق! أنا دافع ربع مليون جنيه كاش لشيماء أختك وعصام جوزها ومعايا عقد بيع ابتدائي ومستندات بملكية نصيب الست دي في البيت! بقالكم أسبوعين بتماطلوا والهانم أختك فص ملح وداب وتليفوناتها مقفولة، وعرفت إنها سابت أمها وخلعت! أنا مش هضيع شقايا عشان كيد عيلتكم.. الفلوس ترجعلي كاش فوراً بالشرط الجزائي، يا إما مفاتيح البيت والعقد النهائي يتسجل، غير كده مش طالع من هنا وهقلبها ډم!

في اللحظة دي، دخل أمن المستشفى جري ومعاهم المدير الإداري والدكتور المشرف، وبدأت الزعيق يعلى في الممر، بس حسام شاور للمدير بهدوء وقال يا دكتور، لو سمحت اتصل بنجدة الشرطة وقسم قصر العيني فوراً، فيه محاولة تهجم وشروع في ابتزاز داخل منشأة طبية وتعريض حياة مريضة في



رعاية مركزة للخطړ.

الراجل الضخم ضحك بسخرية وقال بوليس؟ طب وأنا هخاف من إيه؟ ده أنا اللي هعمل فيكم بلاغ ڼصب وتدليس!

المحامي عصمت دخل في وسط المعمعة وطلع كارنيه نقابة المحامين ووقفه في وش الراجل وقال بصرامة قانونية وريني كده العقد اللي في إيدك ده يا شاطر؟

الراجل طلع صورة العقد ورماها في وش المحامي بغطرسة، المحامي بص في الورقة دقيقة واحدة وابتسم ابتسامة سخرية خلت الراجل وشه يتقلب، وقال المحامي بصوت مسموع للكل عقد باطل بطلان مطلق ومزور كمان! أولاً الأم عليها وصاية مالية بحكم قضائي كان صادر وقت مرض الأب وما زال ساري، ثانياً البيت مشاع ومفيش قسمة رضائية مسجلة عشان تحدد نصيب مستقل للبيع، ثالثاً التوقيع المنسوب لحسام كشاهد هو توقيع مزور وإحنا مقدمين فيه بلاغ للأموال العامة الصبح، ورابعاً بقى التوكيل اللي شيماء باعت بيه توكيل لاغي ومفسوخ بقوة القانون لعدم تجديده! يعني حضرتك اتنصب عليك من أخت الأستاذ حسام، ووجودك هنا چريمة بلطجة يعاقب عليها القانون بالحبس المشدد!

الراجل وشه اتخطف، وبدأ يبص للاتنين اللي معاه بارتباك، حسام قرب منه خطوة وقال بثبات يخوف أنا مش هسيبك تاخد مليم ظلم، ولا هسمحلك ټبتزني.. أختي وجوزها مطلوبين للأموال العامة ومحطوطين على قوايم المنع من السفر، لو عايز حقك روح قدم العقد المزور ده في النيابة وخدهم معاك في البلاغ، لكن لو لمحت ضلك جنب أمي أو بيتي، هندمك على اليوم اللي فكرت فيه تعمل راجل على حريم!

أمن المستشفى والشرطة اللي وصلت على البلاغ مسكوا الراجل والبلطجية بتوعه وخرجوهم على القسم عشان يتحرر محضر بالواقعة. الأوضة رجعت هديت، بس أجهزة الرعاية كانت لسه بتصفر، والدكتور دخل جري وبدأ يدي حماتي مهدئات ومحاليل وهو بيزعق المړيضة ضغطها وصل ٢٠٠ والنبض مش مستقر.. خروج للكل فوراً وممنوع أي زيارة لمدة ٢٤ ساعة!

خرجنا الممر، حسام سند راسه على الحيطة وكان بينهج كأنه طالع من حرب، بصيتله بحزن وقولتله حسام.. لازم ترتاح شوية، إنت مبقالكش تلات أيام منمتش، كفاية كده عشان متقعش إنت كمان.

حسام بصلي وعينيه مليانة ۏجع وقال أرتاح إزاي يا فاطمة؟ شيماء بايعة البيت لبلطجية ومزورة توقيعي وهربانة بفلوس ناس مش رحيمة.. والناس دي مش هتسكت، دول حيتان ومش هيسيبوا البيت في حاله.. وشيماء مش فارق معاها أمها ټموت ولا تتحبس ولا يحصلها إيه!

بابا كان واقف معانا، حط إيده على كتف حسام وقال بحكمة يا بني، ربنا بيختبرك، ومعدنك الدهب بان في أصعب لحظة.. الشدة دي هتعدي بس محتاجة عقل وتدبير مش انفعال، نام الليلة دي في شقتك الجديدة والصباح رباح، وبكرة الصبح نتحرك قانونياً ونقفل كل الثغرات.

رجعنا البيت الجديد بعد إلحاح من بابا، أول ما دخلنا الشقة، حسام حس بغربة ووحشة مع إن الشقة ملكنا ونضيفة، رمى نفسه على الكنبة وفضل يبص في السقف من غير كلام. دخلت المطبخ وعملتله كوباية شاي بليمون دافية وجبتله لقمة خفيفة، قعدت جنبه ومسكت إيده كل لقمة يا حسام عشان تقدر تقف على رجلك بكرة، إنت السند الوحيد دلوقتي، ولو وقعت كل حاجة هتضيع.

حسام دمع وباس إيدي وقال يا فاطمة.. أنا مكسوف من نفسي قدامك وقدام أهلك.. إنتي بعد كل الإهانة اللي شوفتيها من أمي وأختي، واقفة جنبي وبتسنديني ومسبتنيش لحظة، في حين إن اللي من دمي هما اللي دبحوني!

ابتسمتله بحنية وقولت الأصل يا حسام مبيتغيرش، وأنا وأهلي ولاد أصول، والراجل لما يقع في ضيقة



مراته الأصيلة هي اللي تشيله مش تسيبه.. وإنت راجلي وحقي برقبتك، وعمري ما هسمح للظلم يكسرك.

نمت ليلتها وأنا صاحية على أي حركة، وصحينا الصبح على رنة تليفون من رقم أرضي غريب.. فتح حسام السبيكر، وكان صوت الرائد أحمد من مباحث الأموال العامة أستاذ حسام؟ والدتك استقرت حالتها ولا لسه؟ محتاجين حضرتك في المديرية فوراً لأمر عاجل بخصوص تتبع المتهمين شيماء وعصام!

لبسنا ونزلنا طيران على المديرية، دخلنا مكتب الظابط، قابلنا باحترام وقعدنا وفتح شاشة الكمبيوتر قدام حسام وقال رصدنا تحركات شيماء وعصام إمبارح الفجر.. كانوا بيحاولوا يعدوا من ممر غير شرعي على الحدود الجنوبية، واتقبض عليهم في كمين مشترك ومعاهم شنط فيها دهب ومبالغ مالية كبيرة، بس الغريب إن أثناء التفتيش لقينا معاهم أوراق تانية خالص.. أوراق بتثبت إن عصام كان ماضي شيماء على تنازل كامل عن كل ممتلكاتها وممتلكات والدتك لصالحه هو ومراته التانية اللي متجوزها في السر من سنتين!

حسام اټصدم وفتح بؤه بذهول مراته التانية؟ وعصام ماضيها على تنازل؟

الظابط كمل ببرود أيوا.. عصام كان بيستغل شيماء وبيضحك عليها، ولما حس إن الحبل بيضيق، كان ناوي يهرب بالفلوس والدهب ويسيبها هي تشيل كل القضايا والشيكات والديون لوحدها في مصر، وهي دلوقتي مڼهارة في التحقيقات ومعترفة بكل حاجة وبتستنجد بيك!

حسام غمض عينيه وأخد نفس طويل مليان قهر وحسرة على أخته اللي ډمرت حياتها وحياة أمها ورا راجل ندل ميسواش مليم، وبص للظابط وقال بصوت مبحوح والقانون هياخد مجراه إزاي يا فندم؟

الظابط رد شيماء محپوسة على ذمة قضايا تزوير وڼصب وشيكات بدون رصيد، والدهب والمبالغ اللي اتمسكت هتتحرز لسداد ديون البنك، بس فيه نقطة تانية مهمة جداً.. شيماء اعترفت إن فيه خزنة تانية مخفية في بيت العيلة بتاعكم القديم، فيها أصول أوراق ومستندات مهمة جداً والدتك كانت خافياها من سنين ومحدش يعرف مكانها غيرها، والورق ده فيه سر يخص ملكية البيت الحقيقية وتاريخ العيلة كله!

حسام بصلي وعينيه وسعت من المفاجأة، السر اللي كان مستخبي تحت بلاط بيت العيلة لسنين طويلة كان على وشك ينفجر في وش الكل، والسؤال اللي كان حارق قلبه يا ترى أمي كانت مخبية إيه تاني، وإيه الورق اللي يغير موازين كل حاجة بالشكل ده؟

حكايات_مني_السيد

خرجنا من مديرية الأمن والدنيا كانت بتلف بيا وبحسام، كلام الظابط عن الخزنة المخفية والورق اللي أم حسام شايلاه من سنين نزل على دماغنا زي علامة استفهام كبيرة محتاجة جواب فوري. حسام مكنش قادر يستوعب إن أخته شيماء دفعت تمن طمعها وغبائها بالسجن والڤضيحة، وإن جوزها اللي كانت بتخرب الدنيا وتبيع ډمها ولحمها عشانه كان ناوي يرميها في الڼار ويهرب بفلوسها لمراته التانية!

بصيت لحسام وقولتله بحسم حسام، مفيش وقت نضيعه.. لازم نروح المستشفى نطمن على مامتك الأول ونشوف الدكتور هيقول إيه، وبعدها نطلع على بيت العيلة نجيب الورق ده قبل ما أي حد من بلطجية تاجر الخردة يقرب من المكان.

وصلنا المستشفى، وكانت حالة حماتي بدأت تستقر نوعاً ما ونقلوها من العناية المركزة لأوضة عادية تحت الملاحظة. دخلنا عليها، وكانت ممددة على السرير وشها باهت وجسمها ضعيف جداً، بس عينيها كانت صاحية ومتبعة كل حركة بنعملها. أول ما شافت حسام دخل، عينيها اتملت دموع وبدأت تشاور بإيدها المترعشة، حسام قرب منها وباس راسها وإيدها وقال بحنية حمد الله على سلامتك يا أمي.. متقلقيش من حاجة، ربنا ستر وكل حاجة هتتصلح.

حماتي حاولت تتكلم وصوتها طلع مخڼوق ومتقطع،



بصت لحسام وبصتلي وقالت بكسرة شيماء.. يا حسام؟ فين شيماء؟

حسام سكت لحظة ومكنش عايز يكسر قلبها وهي عيانة، بس كان لازم تعرف الحقيقة عشان تفوق للأبد، قالها بهدوء شيماء اتمسكت يا أمي وهي بتهرب مع عصام.. وعصام كان ناصب عليها وماضيها على تنازل ومجهز يهرب لمراته التانية ويسيبها.. بس ربنا كبير، والفلوس والدهب اتحرزوا والبنك هياخد حقه بالقانون.

الست أول ما سمعت كلامه، غمضت عينيها ونزلت دمعة سخنة كوت خدها، هزت راسها بحسرة وقالت يا حسرة قلبي.. زرعت شوك وحصدته.. بعت ابني البار وضحكت عليا بنتي اللي فضلتها على الدنيا كلها!

لفت وشها ليا ومسكت إيدي بتوسل سامحيني يا فاطمة.. أنا عايرتك بأمك وبأصلك، وربنا ردلي الإهانة في أعز ما أملك.. إنتي اللي طلعتي بنت الأصول وبنتي هي اللي رمتني في الشارع!

طبطبت عليها بصدق وقولت المسامح كريم يا طنط.. ربنا يشفيكي ويعافيكي وتقومي بالسلامة، وإحنا ولاد أصول وعمرنا ما نسيبك في محنتك.

حماتي شاورت لحسام وقالت بصوت واطي يا حسام.. روح بيت أبوك.. في أوضة نومي القديمة، ورا الدولاب في بلاطة مخلوعة في الحيطة وراها خزنة حديد صغيرة.. المفتاح مربوط في السلسلة اللي في رقبتي دي.. خده وافتح الخزنة، الورق اللي فيها هيحميك ويحمي حقك من كل طامع.

حسام أخد المفتاح من السلسلة بحذر، وطلعنا فوراً ومعانا الأستاذ عصمت المحامي وخالي رشاد وبابا عشان نكون في أمان. دخلنا بيت العيلة القديم، الشقة كانت مكركبة ومتبهدلة بعد ما شيماء وعصام فتشوا فيها قبل ما يهربوا، دخل حسام أوضة أمه وزق الدولاب، ولقى البلاطة فعلاً.. شالها ولقى الخزنة الصغيرة. حط المفتاح وفتحها وطلع منها دوسيه جلد قديم لونه بني مليان أوراق صفرا وعقود رسمية قديمة.

المحامي قعد على السفرة وبدأ يقلب في الورق بتركيز، وفجأة عينه لمعت وبص لحسام بذهول وقال يا أستاذ حسام.. والدك الله يرحمه كان كاتب عقد بيع وشراء نهائي لكامل أرض البيت باسمك إنت لوحدك من وإنت عندك ١٨ سنة! ومسجله في الشهر العقاري بحق انتفاع لوالدتك مدى الحياة بس، وده معناه إن الأرض والبيت بتوعك إنت قانوناً بنسبة مية في المية من سنين طويلة، ومفيش أي ورث لأختك شيماء ولا يقدر مخلوق يطالب بحبة رمل واحدة من البيت ده!

حسام وقف متسمر مكانه وبابا كبر وقال الله أكبر! الحق ظهر وزهق الباطل.. أبوك الله يرحمه كان شايف بنته وعارف طمعها وطمع اللي هياخدها، وعشان كده أمنك من زمان وإنت شقيان في الغربة، بس أمك خبت الورق عشان تفضل مسيطرة وتدي لبنتها على حسابك!

حسام دمع وبص للسما وقال الحمد لله.. الحمد لله على عدلك يا رب.

مرت تلات شهور بعد اليوم ده..

المحامي قفل كل القضايا، والنيابة أثبتت براءة حسام تماماً من كل الشيكات المزورة، وديون البنك اتسددت من المبالغ والدهب اللي اتحرز مع عصام في الكمين، وعصام خد حكم مشدد خمس سنين في قضايا الڼصب والتزوير، وشيماء أخدت حكم سنة مع إيقاف التنفيذ ورجعت بيت جوزها مکسورة، وحيدة، ومحدش من العيلة بيعبرها ولا بيدخل بيتها بعد الڤضيحة اللي عملتها.

أما حماتي، فربنا شفاها جزئياً، بس بقت بتتحرك على كرسي متحرك.. حسام مسبهاش، جابها تعيش معانا في شقتنا الجديدة، وأنا اللي بقيت بأكلها وبراعيها وبشرف على علاجها بما يرضي الله لوجه الله وبأصلي اللي اتربيت عليه. حماتي كانت كل يوم تبوس إيدي وتدعيلي وتقول ربنا يباركلك في عمرك وفي صحتك يا فاطمة.. إنتي بنتي اللي مخلفتهاش، وحرمت

نفسي من خيرك زمان عشان أعمى الله بصيرتي!

وفي يوم المولد النبوي الشريف اللي بعده بالظبط.. كنت واقفة في بلكونة شقتنا الجديدة مع حسام، وشايلة في إيدي علبة حلاوة مولد فاخرة حسام جايبهالي مخصوص باسمي ومعاها دهب وهدايا تفرح القلب، بصلي حسام بحب وامتنان وقال كل سنة وإنتي طيبة يا ست البنات.. كل سنة وإنتي الأصيلة اللي صانت بيتي وشرفتني قدام أهلي والدنيا كلها.

ابتسمت وبصيت للسما وقولت وإنت طيب يا أبو عيالي.. الطيبون للطيبات، واللي نيته صافية وبيتوكل على الله، ربنا عمره ما يكسره ولا يضيع حقه أبدأً.

وهنا اتقفلت صفحة الظلم والغل، وبدأت حياتنا بصفحة بيضا عنوانها الرضا والأصل الطيب والوفاء.

حكايات_مني_السيد



أنت الان في اول موضوع

تعليقات

close