القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سكريبت بيت عيله كامله حكايات رومانى مكرم

 سكريبت بيت عيله كامله حكايات رومانى مكرم 



سكريبت بيت عيله كامله حكايات رومانى مكرم 


متجوزة فى بيت عيله، انا وسلفتى بنجهز الغداء. بنتي عندها اربع سنين، مدت ايدها على الاكل فى المطبخ، راحت سلفتي ضربتها وقعت وشها جت على حرف الطربيزه، رأسها ورمت بصتبها. ومرضتش اتكلم معها ولا اتخانق منعا للمشاكل.


جات حماتي بتقولها: مال البنت؟ ردت سلفتي قالت: ضربتها وقعت على وشها. حماتي قالت: احسن، تستاهل، خليها تتخمد! روحت لحماتي قولتلها: متخليش مرات ابنك تضرب بنتي تاني الضرب الصعب ده. قالتلي: تضربها براحتها، مرات عمها وليها الحق، وفضلت تزعقلي وتردحلي.


سكت ساعتها وطلعت شقتي، اتصلت بجوزي بس مردتش اقوله علشان الغربه ومش يزعل. وبعد اسبوعين حصل نفس الموقف، وضربت بنتي خلتها وقعت على وشها، بنتي صرخت.


جريت علي سلفتي ومسكتها من شعرها وجبت راسها فى الارض، وبقيت اعض فيها فى دراعها وفى وركها وفى التوته؛ مخلتش حته فى جسمها ال ما عضيتها، وطلعت شعرها فى ايدي. لما جوزها شاف جسمها خرب الدنيا.


البداية

يومها كنا في المطبخ الكبير بتاع الدور الأرضي، بنجهز غدا العيلة المحترم؛ محاشي وبط وريحة التقلية قالية البيت. مريم بنتي كانت بتلعب جاري، ومن ريحة الأكل الحلوة، مدت إيدها الصغيرة تاخد صباع محشي من السرفيس قبل ما يطلع. مالمحتش غير إيد عبير وهي نازلة على وش البنت بقلم طرش، من قوته البنت لفت حوالين نفسها ورأسها اتخبطت في حرف الطربيزة الخشب الناشف.


البنت صرخت صرخة قطعت خلفي، شلتها والدموع في عيني، ولقيت رأسها ورمت في ثانية وعملت بزبز قد الليمونة. عبير وقفت وحطت إيدها في وسطها وقالت ببرود: علشان تتعلم الأدب ومتمشيش حافية وتمد إيدها على أكل الأكابر!


أنا كتمت غيظي، ونزلت دموعي وحضنت بنتي وطلعت شقتي فوق. قلت يا بت بلاش مشاكل، جوزك غريب وشقيان مش ناقص وجع دماغ، والبيت ده لو قادت فيه نار، هو اللي هيتحرق في غربته من القلق.


المصيبة لما نزلت بالليل، لقيت الحاجة أم فاروق قاعدة على الكنبة بتشرب الشاي، ومريم ورمها باين. حماتي بصت للبنت وقالت لعبير بلؤم: مالها البت وشها مالط كده ليه يا عبير؟


ردت عبير وهي بتعدل طرحتها بتبجح: أنا اللي ضربتها يا فوزية، كانت بتميل على الأكل ببرابيرها، وقعت على وشها.


حماتي هزت رأسها وقالت بقلب حجر: أحسن، تستاهل! خليها تتخمد وتتعلم متمدش إيدها على حاجة مش بتاعتها.


هنا دمي غلي، مكنتش قادرة أسكت أكتر من كده. مشيت خطوتين ووقفت قدام حماتي وقلت بصوت بيترعش من القهر: جرى إيه يا حاجة؟ يرضي مين الكلام ده؟ مريم عيلة صغيرة، مش كده! قولي لمرات ابنك متمش إيدها على بنتي تاني بالمنظر الصعب ده، البنت كانت هتروح فيها!


الحاجة أم فاروق قامت وقفت، وفجأة وشها اتقلب حريقة، وبدأت تزعق وتطوح بإيديها: وتضربها ونص كمان! عبير مرات عمها، ومقامها من مقام أبوها، وتكسر رقبتها ورقبتك لو شافت غلط! إنتي هتعملي ست هانم علينا علشان جوزك باعتلك قرشين من بره؟ ده إنتي حتة عيلة لا رحتي ولا جيتي في البيت ده!


وفضلت تردح وتجيب القديم والجديد، وصوتها جاب الجيران. أنا سكت، لمت بنتي في حضني وطلعت فوق وأنا حاسة بنار بتاكل في صدري. مسكت التليفون وطلعت نمرة محمود، رن رنتين، ولما رد وقال: ألو يا حبيبتي، عاملة إيه ومريم عاملة إيه؟ صوته التعبان الشقيان كسر مقاديفي. خفت عليه، بلعت ريقي وقلتله: الحمد لله يا حبيبي، كويسين، بس كنا بنطمن عليك. وقفلت وأنا مكسورة.


مر أسبوعين والجو مشحون؛ نظرات عبير كلها شماتة وفرد كتاف في الرايحة والجاية، كأنها خدت صك ملكية البيت.


وفي يوم مشؤوم، كنا برضه بنظف الطيور فوق السطح. مريم كانت بتلعب بكورة صغيرة، الكورة خبطت في رجل عبير وهي واقفة بتغسل الستائر. عبير التفتت زي السلعوة، وبدل ما تزق الكورة، راحت لفت وضربت مريم في صدرها ووقعتها على وشها على الخرسانة بتاعة السطح. مريم صرخت صرخة مكتومة، ووشها اتجرح والدم نزف من مناخيرها.


في اللحظة دي، أنا مألتش إيه ولا شفت إيه؛ الدنيا اسودت في عيني، والشر اللي في الدنيا كله اتجمع في راسي.


جريت عليها زي القضا المستعجل، مديت إيدي وجبتها من شعرها الخشن، لفيته على إيدي ونزلت برأسها في الأرض دبتها دبة ركلت السطح كله. عبير سيبت مية الستائر وصوتت، بس صوتها مطلعش من الصدمة. نزلت فوقيها، وبقيت أعض فيها بكل غلي وقهري بتاع السنتين؛ عضيتها في دراعها حتة ورا حتة لغاية ما سناني علمت ودمها سال، ولفيتها وعضيتها في وركها، ومسبتش حتة في جسمها، حتى التوتة نالها نصيب من العض.


كنت بغل، بطلع قهر بنتي المضروبة مرتين، وقهر الردح بتاع حماتي، وقهر الغربة اللي أنا فيها. عبير كانت بتفرش تحتي زي الفراخ، وأنا نازلة فيها خربشة وعض، وشعرها طلع في إيدي خصل خصل.


السطح اتقلب مجزرة، لغاية ما الجيران وحماتي طلعوا جري على الصويت، وفاروق جوزها كان لسه داخل من باب البيت، طلع السطح تالت خطوة. لما سلكوا عبير من تحت إيدي، كانت هدمتها مقطعة، وحتت من جسمها باينة كلها زرقان وعض بينز دم، وشعرها نصه في الأرض ونصه في إيدي.


فاروق لما شاف مراته بالمنظر ده، وعينيها مقفولة وجسمها متخرب مفيش فيه حتة سليمة، وشه حمر وعروقه برزت، وعلي صوته لغاية ما البيت كله اتهز: يا نهار مش فايت! بقا حتة العيلة دي تعمل في مراتي كده في غياب أخويا؟ عليا الطلاق من ديني ما هعديها، والبيت ده الليلة مش هيبيت فيه حريم!

#الكاتب_رومانى_مكرم

وحماتي بدأت تصوت وتلطم على وشها وتقول: الحقوني، الحرباية كلت البت!


وهنا بدأت الحكاية تاخد طريق تاني خالص. يا ترى هيحصل إيه في البيت اللي قاد فيه القش ده؟ وهل فاروق هينفذ يمنيه ويطردني أنا وبنتي في نصاص الليالي وجوزي بعيد؟ ومحمود لما يعرف باللي حصل لمراته وبنته، هيقف في صف أخوه وأمه ولا هينصر غلبنا؟ والحاجة أم فاروق نية شرها هترسي على إيه بعد ما كشرت عن أنيابها؟


نزلت حماتي من على السطح تلطم وتصوت، وصوتها جاب آخر الشارع: “الحقوني يا ناس! الساحرة المفترسة أكلت البت وحلقت لها شعرها! يا فضيحتك يا بيت الحاج جاد!”، وفاروق واقف في وسط السطح زي الجمل الهيجان، عيونه طلعت شرار وهو شايف عبير مراته مرمية على الأرض زي حتة القماشة البايظة، بتئئن ودموعها نازلة مخالطة بالدم اللي نازل من مناخيرها وعضات جسمها.

عبير كانت ماسكة بقايا طرحتها وبتصرخ بصوت مخنوق: “قتلتني يا فاروق! أكلتني بالحقاد والغل! الحقني يا سيدي دي عضتني في كل حته، دي مش بني آدمة دي ديبة مفترسة!”

أنا كنت واقفة في الناحية التانية، صدري بيعلو ويهبط زي الفايروخ، إيديا ممتلئة بشعرها الخشن، والدموع مغرقة وشي بس مش دموع خوف.. دي كانت دموع قهر وسنوات من الكتمان والانكسار أخيرًا انفجرت. مريم بنتي كانت ماسكة في ذيل جلبابي وبتعيط بانهيار وهي شايفاني بالمنظر ده، ومناخيرها بتنزل دم على الخرسانة.

فاروق قرب مني خطوتين وهو بيجيب آخره، ورفع إيده في وشي وهو بيترعش من الغضب: “عليا النعمة من ديني يا بت أنتِ، لو ما غرتي من البيت ده دقيقة واحدة، لأكون شارب من دمك الليلة! بقى تستغلي إن أخويا محمود مسافر وشقيان وتيجي على مراتي في بيتي؟ دا أنتِ أيامك سودا!”

رديت عليه وأنا بجز على سناني وبشاور على بنتي المرمية على الأرض: “شوف بنت أخوك الأول يا أستاذ فاروق! شوف مرتك المتربية عملت إيه في حتة عيلة عندها أربع سنين! ضربتها مرتين على وشها ووقعتها على الخرسانة، وكسرت رأسها عشان كورة! لو أنت راجل وبتحكم بالعدل، تشوف أفعال مرتك الأول قبل ما تتنطط عليا!”

حماتي طلعت تاني وهي بتنهد، ومسكت فاروق من دراعه وقالتله بصوت ينقط سم: “ما تتكلمش مع الصايعة دي يا فاروق! دي حية تسعى، أخدت خير ابنك وقوتت عليه. اطردها بره البيت، خلِ أهلها يتربوا ويعرفوا إن الله حق! البيت ده بيت العيلة، واللي يمد إيده على أسياده مالهوش مكان معانا!”

فاروق مسك عبير من تحت إبطها بالعافية وهي بتصرخ من وجع العض في جسمها، ونزل بيها على السلم وهو بيصوت: “نزلي البت يا أمي، وأنا نازل للعميد في المركز أعمل لها محضر عدم تعرض وأحوال، والبت دي ملهاش بيات هنا الليلة.. تلم هدمها وغور على بيت أبوها!”

أنا ما استنيتش لما يطردوني. مسكت إيد مريم ورحت على شقتي فوق، قفلت الباب بالترباس، وقلبي كان بيدق زي الطبولة. مريم كانت بتترعش في حضني. أخدتها وحطيت مية ساقعة على وشها وربطت جرح مناخيرها، وكل ما بص في وشها المتورم، كان الغل جوايا بيزيد وما ندمتش على كل صباع عضت بيه عبير، ولا على كل خصلة شعر طلعت في إيدي.

ساعة زمن وكانت الشنطة جاهزة. حطيت فيها هدمي وهدم بنتي الأساسية، وفتحت باب الشقة ونزلت. كانت الشوارع تحت البيت ظالمة، وحماتي واقفة في الصالة تحت بتدعِي عليا بأبشع الدعوات، وبتقول للجيران اللي اتجمعوا على الصوت: “شوفوا الفاجرة طالعة بشنطتها كأنها هي اللي مظلومة!”

ما رديتش عليها بكلمة واحدة. مشيت وأنا شايلة بنتي على كتفي والشنطة في الإيد التانية، وخرجت في نص الليل والبرد بياكل في جسمنا. رحنا على بيت أبوي في القرية المجاورة. أول ما فتح لي أبويا الباب وشاف منظر بنتي المتجرح ووشي الأغبر، اتخض وقالي: “في إيه يا بتم، مالك ومال البنت؟”

أول ما دخلت وجعدت على الكنبة، انهارت في العياط وحكيت لأبوي ولإخوتي كل اللي حصل من أول ضرب المحشي، لردح حماتي، لغاية الخناقة بتاعة السطح وعض عبير وطرد فاروق ليا.

أبويا قام وقف وعيونه في الأرض، وقال بصوت حازم: “عملتي الصح يا بتي.. اللي يمد إيده على ضناكي يتقطع إيده. والبيت اللي ما يحترمش غيبة جوزك ما تلزمكيش القعدة فيه.” بس إخوتي كانوا خايفين من المشاكل والمحاضر اللي فاروق هدد بيها.

في نفس الليلة، وبعد ما الدنيا هديت شوية في بيت أبوي، مسكت التليفون. كانت الساعة داخلة على اتنين بالليل بتوقيت الخليج. رنيت على محمود.

محمود رد بصوت تقيل ونعسان: “ألو.. خير يا فاطمة؟ في إيه رانة بالليل كده؟ محمود أنت بخير؟”

أنا ما قدرت أتمالك نفسي، وبكيت بصوت عالي: “محمود.. حقك عليا يا ابن الناس، بس أنا مابقيتش قادرة أتحمل. بنتِك رأسها اتفتحت وشها اتجرح، وأمك وأخوك طردوني في الشارع في نصاص الليالي!”

صوت محمود اتغير في ثانية، والنعاس طار من عينه: “أنتِ بتقولي إيه؟ مين اللي طردك؟ ومين اللي ضرب مريم؟ اتكلمي عدل يا فاطمة!”

حكيت له كل التفاصيل بدقة، من أول ما عبير ضربت مريم على المحشي وحماتي قالت “تستاهل وتتخمد”، لغاية ما عبير ضربتها تاني على السطح ودمتها، وأنا نزلت فيها عض وخربشة، وأخوه فاروق حلف بالطلاق يطردني وراح يعمل محضر.

سكت محمود على الناحية التانية من الخط، سكوت مرعب يخوف أكتر من الزعيق. سمعت صوت أنفاسه العالية الشديدة، وبعد دقيقة قال بصوت مبحوح ومكسور: “عبير تضرب بنتي؟ وأمي تقول احسن؟ وفاروق يطردك في الليل وأنا مغترب عشان أوفر لهم القرشين؟”

قلتله وأنا بعيط: “أنا أسفة يا محمود إني وجعت قلبك وأنت بعيد، بس أنا دافعت عن بنتي زي أي أم، وأخوك كان هيقتلني.”

محمود قال بصلابة غريبة: “اقفلي يا فاطمة دلوقتي.. وخليكي في بيت أبوي معززة مكرمة، وما تخافيش من أي محضر ولا أي كلمة. أنا راجع مصر بكرة.”

الكلمة نزل عليا زي المية الساقعة: “راجع؟ راجع أزاي يا محمود وعملك وشغلك؟”

قال بصرامة: “الشغل يغور، والفلوس تغور.. لما أهل بيتي يتهانوا وبنتي تنضرب ويمشوكم في نص الليل، يبقا القعدة في الغربة ملهاش عازة. اقفلي وما تخرجيش من بيت أبوكي.”

قفلت مع محمود وأنا خايفة من اللي جاي. الصبح بدري، فاروق فعلاً راح المركز وعمل محضر اعتداء وتقرير طبي لعبير، التقرير كان فيه إصابات وعضات وخربشة في كل أجزاء جسمها، والشرطة بعتت إحالة لبيت أبوي عشان يستدعوني للتحقيق.

أبويا أخدني وطلعنا على النيابة، وهناك كان فاروق حاضر مع محامي، وعينيه كلها حقد. المحامي بتاعه كان بيعرض التقرير الطبي بتاع عبير اللي يثبت إنها فاتحة بقها ومتعورة في كل حتة، وقدموا البلاغ بتهمة ضرب وإحداث عاهة.

لكن وكيل النيابة لما شاف مريم بنتي وشاف الجرح اللي في مناخيرها والورم اللي في رأسها، وسمع أقوالي إني كنت بدفع عن طفلة عمرها أربع سنين تعرضت للاعتداء المباشر والضرب المبرح من ست كبيرة، أمر بتحويل البنت للطب الشرعي هي كمان لعمل تقرير طبي موازي، وأفرج عني بكفالة على ذمة التحقيق.

فاروق خرج من النيابة وهو بيتف في الأرض وبيقول لأبوي: “مش هسيبها.. والبيت ده مش هتدخله تاني، ومحمود لو راجل ييجي يوريني وشها!”

مرت يومين والبيت في بلدنا محشوش بالخوف والترقب، وحماتي عمالة تتصل بقرايبنا وتشن حملة تشويه لسمعتي، بتقول للناس إني مجنونة وعضاضة وضربت مرات عم البنت بدون سبب عشان أعمل مشاكل وأخرب بيت محمود.




نزل منها محمود.. وش أحمر من التعب والسفر، وعيونه فيها حزن وغضب ما شفتهمش في حياتي. شايل شنطته في إيده وداخل بخطوات سريعة.

أول ما شافني واقفة في الصالة ومريم جرت عليه ماسكة في رجله، جثى على ركبه وأخد مريم في حضنه، وبص لوشها المتورم والجرح اللي في مناخيرها. أيده كانت بتتظاهر بالثبات بس كانت بترتعش وهو بيمسح على رأسها.

بصلي وقال بصوت واطي بس يرعب: “لبسي بنتك يا فاطمة.. وأنتِ كمان أجهزي.”

أبويا قرب منه وقال: “على فين يا محمود يا ابني؟ استهدى بالله والصلح خير.”

محمود وقّف بثبات وقال بصوت هز البيت: “الصلح ده لما يكون بين بني آدمين يا عمي.. إنما اللي بيحصل ده قلة قيمة وقلة أصل. يلا يا فاطمة، رايحين نفتح بيت العيلة ونشوف مين اللي هيطرد مين الليلة!”



بيت عيله حكايات رومانى مكرم 2


خرج محمود من بيت أبويا وهو ماسك إيدي بإيد وإيد مريم بالتانية، خطواته على الألتفالت كانت تقيلة ومرعبة زي ضربات الطبل، وش وشّه ناشف والشرار بيطلع من عيونه. أنا كنت ماشية جنبه خايفة ومتوترة، جسمي كله بيترعش من التفكير في اللي هيحصل لما نوصل هناك، لكن نظرة العزم اللي في عين محمود كانت محسساني إن في جبل ضهر ليا لأول مرة من سنين.

وصلنا الشارع بتاع بيت العيلة، الشارع كان هادي والعصر بيدّن. أول ما دخلنا حارة الحاج جاد، الناس والبياعين اللي قاعدين على المصاطب بدأوا يتهامسوا ويشاوروا علينا: “ده محمود رجع من السفر!”.. “ستر يا رب، الليلة مش معدية على خير!”. محمود ما بصش لحد، ولا رد على سلام أي حد من الجيران، مسك باب البيت الكبير المصفح ودفعه برجله بكل قوته، الباب اتخبط في الحيطة وصوته رن في البيت كله زي الفرقعة.

صوت الخبطة هز الدور الأرضي، وحماتي الحاجة أم فاروق طلعت تجري من المطبخ وهي ماسكة الفوطة في إيدها وبتقول بفزع: “مين الجاهل اللي بيكسر الباب ده؟!”.. بس أول ما شافت محمود واقف في صالة البيت، وجنبه أنا ومريم، سكتت لحظة ووشها اتخلف ألوان.

محمود وقف في نص الصالة، وشاور على مريم اللي كانت خايفة واستخبّت ورا رجله، وقال بصوت هز السقف والحيطان: “فاروووووق! انزل يا فاروق! انزل يا راجل يا صاحب البيت يا اللي بتطرد الحريم في نصاص الليالي!”

الصوت جاب عبير من الشقة اللي فوق، طلعت تبص من على السور وهي الفافة رقبتها ورأسها بشاش وطرحة، وجسمها مليان لصقات وزرقان من العض والخربشة. لما شافت محمود واقف، صرخت ونادت على جوزها: “الحق يا فاروق! أخوك جه من السفر وجايب الحرباية معاه وبيزعق في البيت!”

نزل فاروق على السلم بسرعة، طالع في الفانلة البيضا والبنطلون، وشّه محمر وعروق رقبته زارقة من الغضب. وقف على آخر درجة في السلم، وبص لمحمود وقال بصلابة وزعيق: “حمد الله على السلامة يا ابن أبوي! كويس إنك جيت عشان تشوف الهانم مرتك عملت إيه في مراتي! شوف جسم مراتي المتقطع وعضها اللي نازل دم! مرتك اتجننت وأكلت حريم البيت في غيابك، وأنا عملت لها محضر وبكرة النيابة هتجيبها من رقبتها!”

محمود ما اتحركش من مكانه، ولا رمش له جفن. بص لفاروق بنظرة سردة وتريقة وقال: “تعمل لها محضر؟ وتطرد مرتي وبنتي في نص الليل عشان مرتك المتربية اتجرأت ومدت إيدها على طفلة عندها أربع سنين؟!”

حماتي قربت من محمود وبدأت تلطم على صدرها وتصوت: “جرى إيه يا محمود؟! جاي من السفر تهاجم أخوك وأمك عشان خاطر حتة عيلة غريبة؟! دي مرتك عضت عبير في كل حته في جسمها، طلعت شعرها في إيدها وكشفت سترها على السطح! دي مجنونة ومتربتش، ومكانها المشافي مش بيت المحترمين!”

محمود التفت لأمه، ونظرة الحزن والكسرة في عينيه كانت أقوى من الغضب، وقالها بصوت واطي بس يرعب: “أنا الساعي اللي بشقى في الغربة تسع شهور في السنة عشان أبعت لكم الفلوس تبنوا وتكبروا البيت وتربوا العيال.. وفي الآخر، مرتي تضرب قدامك، وبنتي رأسها تتفتح ودمها يسيل على الأرض، وتقولي لي ‘أحسن وتستاهل وتتخمد’؟! دي الأصول يا حاجة أم فاروق؟ ده العدل اللي اتعلمتيه من الحاج جاد الله يرحمه؟”

فاروق اتنطط ونزل من على السلم وقرب من محمود وهو بيطوح بإيديه: “ما تدُخلش أمك في الموال ده! مرتك هي اللي اعتدت، والبيت ده بيت العيلة، وأنا الراجل الكبير فيه بغيابك، والكلمة كلمتي! مرتك دي ملهاش بيات هنا تاني، والنيابة هي اللي هتحكم بيننا!”

محمود مسك فاروق من زقمه وفانلته في ثانية حركة سريعة أربكت الكل، وزقه لورا بقوة خلته يتخبط في حيطة الصالة. عبير صرخت من فوق: “يا لهوي! هيقتل جوزي!” وحماتي بدأت تصوت وتستغيث بالجيران.

محمود رفع إصبعه في وش فاروق وقال بصوت بيطلع زي الهسيس من بين سنانه: “البيت ده أنا صاحب نصيبه الأكبر بفلوسي وشقايا في الغربة! والشقة اللي فوق دي شقتي وشقة بنتي، واليوم اللي يفكر فيه راجل فيكم يمد إيده أو يرفع صوته على فاطمة ومريم، هكون شارب من دمه قبل ما الشمس تطلع! والمحضر اللي عملته يا فاروق بلّه واشرب ميته، لأننا عملنا تقرير طبي للبنت المضروبة في الطب الشرعي، ولو القضية مشيت، مرتك هي اللي هتتسحل في المحاكم بتهمة تعريض حياة طفلة للخطر والاعتداء المباشر!”



محمود بص لعبير وقالها بمنتهى القسوة: “أنتِ حسابك معايا بعدين على كل نقطة دم نزلت من مناخير بنتي، وعلى كل لحظة خفت فيها فاطمة منك أنتِ وأمي! واليمين اللي حلفته يا فاروق بطلاق مرتك، لو كنت راجل نفذه واخرج بره، إنما بيتي أنا وأكلي وشقايا مش هيروح لحريم بتفترس الأطفال!”

في اللحظة دي، الجيران بدأوا يدخلوا من باب البيت المفتوح بعد ما سمعوا الصوت العالي. دخل كبار المنطقة والشيخ عبد الجليل رجل الجامع الكبير، ومسكوا محمود وفاروق وبيحاولوا يهدوا اللعب: “استهدوا بالله يا جماعة! بيت الحاج جاد طول عمره بيت كرم وعز، ما يصحش الدم يوصل للركب بين الأخين عشان خاطر كلام حريم وخناق عيال!”

الشيخ عبد الجليل بص لمحمود وقال: “يا محمود يا ابني أنت لسه راجع من سفرك وتعبان، افصلوا الشيطان واقعدوا نتكلم بالحق والشرع.”

محمود مسك إيدي وإيد مريم، وبص للكبار وقال بصرامة وقاطعية: “يا شيخ عبد الجليل، الحَقّ مفيش أوضح منه. بيتي وشقتي حق شرعي لمرتي وبنتي، وما حدش له كلمة عليهن. ومن النهاردة، فاطمة مش هتنزل المطبخ الكبير، ولا هتعمل غدا مع حد، ولا لها دعوة بحد في البيت ده خالص! شقتها مستقلة بأكلها وشربها وخدمتها، واللي هيعترض طريقها أو يرمي كلمة على البنت، هعتبره خصمي ليوم الدين!”

حماتي بصت للناس وهي بتعيط وتدعي العجز: “شوفوا بيطرد أمه من شقته وبيفرق بين الأخوات عشان خاطر مراته! يا خسارة تعبي فيك يا محمود!”

محمود بص لأمه وقال كلمته الأخيرة قبل ما يطلع السلم: “أنا ما نسيتش تعبك يا أمي، وأنتِ على راسي في برك واحتياجك، لكن الظلم مش هقبل بيه حتى لو كان منك.. ابتك عبير تاخد بالها من أفعالها، لأن الصبر نفد.”

أخدنا محمود وطلعنا على شقتنا فوق. فتح الباب، ودخلنا. الشقة كانت تراب ومكتومة من أسبوعين قفلة. محمود قعد على الكنبة وحط إيديه على وشّه ونهد نهدة طويلة طالعة من قاع قلبه، كأنه كان شايل هم العالم كله.

مريم قربت منه وحطت إيدها الصغيرة على ركبته، رفّع رأسه وأخدها في حضنه وباس رأسها في مكان الورم القديم وقالها: “سامحيني يا مريم.. حقك عليا يا بنتي إن سبتك في وسطهم.”

أنا قعدت جنبه، مسكت إيده وقلتله بصوت بيترعش: “محمود.. أنت خربت الدنيا مع أخوك وأمك عشاني وعشان البنت، أنا خايفة من اللي جاي.. فاروق مش يسكت، وعائلتهم شرها كبير.”

محمود بصلي بعيون مليانة إصرار وقال: “اللي جاي هيكون تحت شروطي يا فاطمة. فاروق فاكر إنه مسيطر بالصوت العالي والمحاضر، بس هو نسي إن البيت ده والفلوس اللي شايلينها تحت بلاط الشقة دي كلها من عرقي. أنا مش هسيبك هنا تاني لوحدك، والتأشيرة اللي كنت بجهزها عشان أسافر بيها تاني.. هكنسلها، وهقعد هنا أفتح شغلي المستقل بنفسي، واللي يفكر يمسكم.. هيشوف محمود التاني اللي ما يعرفوهوش!”

لكن تحت في الدور الأرضي، كانت عبير وحماتي وفاروق قاعدين في الضلمة، والشر بيطبخ في راسم. فاروق كان بيحلف ويقسم إنه مش هيعدي المحضر، وعبير كانت بتفكر في خطة جديدة عشان تنتقم من العض والجروح اللي في جسمها وتطردنا من البيت نهائيًا.. والحرب بين الشقق كانت يلا بتستعد لجولتها الثانية!

عدت الليلة الأولى بالعافية، الشقة فوق كانت زي السجن الهادي، وصوت الصرصار في المنور كان هو الصوت الوحيد اللي بيقطع السكون والمرارة اللي في قلوبنا. محمود ما نامش طول الليل، كان قاعد على الكنبة في الصالة، يبص للأسقف ولأركان البيت اللي أفنى شبابه عشان يبنيه، ويدخن سجايره ورا بعض والرماد يتساقط على جلبابه. أنا ومريم كنا نايمين جواه في الأوضة، بس عيني ماغمضتش؛ كنت سامعة حركة خفيفة تحت في الصالة الأرضية، صوت تهامس وشوشة مش مريحة، وزي ما يكون فاروق وعبير وحماتي بيخططوا لمصيبة جديدة تحت ستر الليل.

مع أول ضوء للشرق، لما الشمس بدأت تشق ظلام السطح، سمعنا صوت خبط ورزع جامد على باب الشارع البراني، وبعديها صراخ وعياط من حماتي بصوت جاب الحارة كلها. محمود قام من مكانه ببطء، وشّه كان مشدود زي الوتر، فتح الباب ونزل على السلم بثبات وورا خطواته الهادية كنت أنا طلّة من فوق السور ومسكة مريم في حضني.

تحت في صالة الدور الأرضي، كانت العيلة كلها ملمومة، ومعاهم ثلاثة من كبارات البلد والشيخ عبد الجليل، ومعاهم العمدة بنفسه! عبير كانت قاعدة على الكنبة ملفوفة بملائة سودا، ووشها باين منه عين واحدة مقفولة والضمادات مغطية رقبتها، وعمالة تئن وتعيط بصوت واطي ومصنّع. أما فاروق، فكان واقف قدام العمدة وفي إيده ملف أوراق كامل، ووشه طافح شر ونصرة.

العمدة بص لمحمود وهو نازل السلم وقال بصوت رزين ومهيب: “تعال يا محمود يا ابني، اقعد. البلد كلها مقلوبة بسبب اللي حصل في بيت الحاج جاد، وما يصحش اسم عيلتكم يتردد في المراكز والنيابات بالشكل ده.”

محمود نزل، وقف في نص الصالة وما رضيش يقعد، وقال بثبات: “مرحبتين يا عمدة، البيت بيتك، والشيخ عبد الجليل والأجاويد على رأسي من فوق.. بس لو الجلسة دي عشان أتنازل عن حق بنتي اللي انضربت أو أسمح لحد يمس مرتي، يبقى قعدتكم مع احترام لكم مالهاش عازة.”

فاروق اتنطط ورمى الأوراق على الطاولة الخشب اللي في النص وصرخ: “قعدة إيه وحق إيه يا ابن أبوي؟! شوف المحضر الجديد اللي اتعمل صباحي النهاردة! شوف التقرير الطبي المبدئي اللي طالع من المستشفى العام لمراتي عبير! إجهاض مبكر يا حضرة العمدة! مرتي كانت حامل في الشهر التاني، والهانم مراته لما نزلت فيها عض وخربشة وضرب على السطح، نزلت الجنين وغرقت في دمها!”

الكلمة نزلت على الصالة زي الصاعقة! حماتي بدأت تلطم على وشها وتصرخ: “يا مري يا فضيحتي! قتلت ابن ابني! قتلت الضنى وهو لسه حتة لحمة في بطن أمه! الساحرة المفترسة قتالة القتلاء!”

أنا فوق على السور ركبي خارت، ومسكت في الدربزين بذهول ورعب. إجهاض؟! عبير مكنتش حامل أصلاً! دي كانت بتطير زي السلعوة على السطح وبتغسل ستائر ثقيلة وتدب برجليها! ازاي بقت حامل وازاي أجهضت؟!

محمود بص لفاروق وعبير بنظرة فيها استحقار وضحت الحقيقة قدامه في ثانية، وقال بصوت حاد كالسكين: “إجهاض؟ عبير اللي كانت بتشيل جردل المية السخنة وتبعه على السطح إمبارح كانت حامل؟ التقرير ده مدفوع ثمنه يا فاروق، وأنت عارف وأنا عارف دكتور المستشفى الخاص اللي بتتعامل معاه في البندر بيمشي إزاي بالقرشين!”

فاروق قرب من محمود ورفع صدره: “التقرير ورقة رسمية ومختومة بختم النسر يا أستاذ! والتهمة دلوقتي مش مجرد ضرب وخناق حريم.. التهمة ضرب أدى إلى إجهاض وزهق روح! ضرب عقوبتها السجن المشدد، ومرتك هتبات في التخشيبة الليلة لو ما مشيتش بشرعنا وحدنا!”

العمدة حط إيده على الطاولة وهدا الموضوع وقال: “صلوا على النبي يا جماعة.. يا محمود، المحضر ده لو مشي ووصل للنيابة العامة بالتقرير ده، فاطمة مرتك هتاخد لها كام سنة سجن فعلي، والبنت هتتربى بعيد عن أمها. وفاروق ومجلس العيلة عرضوا حل يلم الموضوع ويحفظ ماء وجه العيلة بدون محاكم وسجون.”

محمود بص للعمدة بجمود وسأله: “وإيه هو الحل يا عمدة؟”

حماتي وقفت وقالت بلؤم وشماتة: “الحل إن مرتك تتنازل عن البلاغ اللي عملته في البنت، وتتكتب تنازل رسمي عن حقها في الشقة اللي فوق، وتلم هدومها وتروح بيت أبوها وماترجعش هنا تاني إلا لما نحدد إحنا شرطنا! وتكتبوا إقرار بمبلغ مالي تعويض لعبير عن اللي حصل لها والإجهاض!”

فاروق أخد الكلام من أمه وقال بمكر: “وأزيدك من الشعر بيت يا عمدة.. الشقة اللي فوق تتسجل باسمي أنا ومحمود مناصفة، لأن الفلوس اللي اتبنت بيها كانت بتتبعت للبيت كله مش لشخصه، ومحمود يكتب تعهد إنه يسافر تاني ومايقعدش في البلد يقلب المواجع!”

الخطة كانت واضحة زي الشمس.. تلفيق تهمة الإجهاض الكاذبة عشان يكسروا عين محمود، وياخدوا الشقة، ويطردوني ويضمنوا إن محمود يفضل خدام ليهم في الغربة يبعت فلوس وهما يتنعموا بيها!

الصمت خيم على الصالة لحظات. الكل كان مستني رد محمود، والشيخ عبد الجليل بص لمحمود وقال: “يا ابني اسمع كلام العمدة، حريمك في خطر والسجن مفيش فيه راحة.. تنازلوا عن الشقة وستروا الموضوع.”

في اللحظة دي، محمود ضحك! ضحكة طويلة ومصرة هزت الصالة كلها، ضحكة واحد مابقاش عنده حاجة يخاف عليها. قرب من الطاولة، مسك أوراق المحضر والتقرير الطبي المزيف، وبص لفاروق ولحماتي وقال بمنتهى الثبات:

“تبيعوا وتشتروا في مراتي وبنتي؟ وتزوروا تقرير طبي وتتبلوا على روح بريئة عشان تاخدوا شقة وتطردوني؟ بقى أنا محمود اللي شقيت عشر سنين في صحراء الخليج عشان أعمل لكم قيمة ورأس بين الناس، بقى ده جزائي؟”

محمود مسك الأوراق ومزقها نصين ورمى الفتافيت في وش فاروق!

فاروق اتخض وزعق: “أنت بتعمل إيه يا مجنون؟! دي صور رسمية!”

محمود زعق بصوت يرعب الحجر: “أنا مش هتنازل عن قلام واحد! ومش هسيب شقتي ولا حق بنتي! والتقرير المزيف ده، أنا اللي هاخده للطب الشرعي المركزي في القاهرة، وهطلب إعادة كشف على الهانم عن طريق لجنة ثلاثية من وزارة الصحة! وهطلب تفريغ كاميرات الشارع وكاميرات سوبر ماركت أبو علي اللي كاشفة سطح البيت، عشان الناس تشوف عبير وهي بتشيل جردل المية السخنة وبتغسل الستائر قبل الخناقة بساعة واحدة بس!”

عبير أول ما سمعت سيرة “كاميرات السوبر ماركت والطب الشرعي المركزي في القاهرة”، وشها اصفر وخاطرها راح، وبصت لفاروق بذعر ورعشة.

محمود كمل كلامه وهو بيبص للعمدة ولكبار البلد: “يا عمدة، أنت حظرت الجلسة دي عشان تشهد على الحق، ولا عشان تشهد على زور وتساعدهم يسرقوا شقتي ويسجنوا مراتي؟ لو كان بالحق، أنا جاهز للقضاء والطب الشرعي.. ولو كان بالبلطجة والتلفيق، أنا من الليلة مش معترف ببيت العيلة ده خالص!”

محمود التفت لفاروق وقرب منه حتى بقت المسافة بينهم سم واحد: “واليمين اللي أنت حلفته والتزوير اللي عملته ده.. هتدفع ثمنه غالي أوي يا أخويا. المحامي بتاعي نازل من القاهرة في السكة، وأنا مش هكتفي بالدفاع.. أنا هرفع عليكم قضية بلاغ كاذب وتزوير في أوراق رسمية وتهمة الرشوة للدكتور!”

حماتي بدأت تصوت وتلطم: “يا خرابي! هيحبس أخوه ويدمر البيت!”

محمود ما بصش وراه، مشي بخطوات واسعة وطلع السلم، مسك إيدي وإيد مريم، وقال بصلابة: “ادخلي لمي كل الأوراق الرسمية وقوشات الفلوس وعقود الأرض والشقة اللي في الخزنة يا فاطمة.. المعركة الحقيقية يلا بدأت، ومش هنطلع من البيت ده إلا وأنا كاسر عين كل واحد افترى علينا!”

تحت في الصالة، بدأ الخناق يتولع بين فاروق وعبير والعمدة اللي أدرك إن القصة مصلوبة وتزويرها هيكشف البلد كلها، وزعق في فاروق: “أنت ورطتنا في مصيبة يا فاروق! محمود مش عيل صغير، وده لو وصل للطب الشرعي في القاهرة هينفخكم كلكم!”

أنا مسكت إيد محمود فوق، والدموع في عيني وقلتله: “أنا خايفة يا محمود.. التزوير ده ممكن يلبسني تهمة.”

محمود مسك وشي بإيديه وقال بعيون جمرة: “طول ما أنا حي وببتنفس، محدش هيمس شعرة منك ولا من مريم. هما فاكرين إني ضعيف عشان كنت ساكت، بس النهاردة هعرفهم مين هو محمود الحاج جاد!”



بيت عيله حكايات رومانى مكرم 2


انفضت جلسة العمدة بعد ما انقلبت الطاولة على رأس فاروق وعبير. العمدة أخد كبار البلد ومشي وهو بيتحسبن على التزوير اللي كان هيدبسه في قضية كبيرة، وساب البيت الأرضي شايط نار. عبير كانت قاعدة في الشال صرختها مبيناش من الخوف بعد ما سمعت سيرة الطب الشرعي في القاهرة وتفريغ كاميرات سوبر ماركت “أبو علي”، وفاروق نازل فيها زعيق وشتم لأنها هي وأمه اللي دبروا فكرة التقرير المزيف من دكتور مستوصف البندر الخاص.

فوق في الشقة، كان محمود بيقلب في الخزنة الحديد الصغيرة، طلع منها عقود الأرض، وأوراق ملكية الشقة، وإيصالات التحويلات البنكية اللي كان بيبعتها من الخليج باسم أمه وأخوه طوال تسع سنين. حط الأوراق كلها في شنطة جلد سودا وقفلها بالترباس. كانت عيونه مشدودة وزي ما يكون بيخطط لضربة قاضية تتلف حبل المشنقة حوالين رقابهم كلهم.

ساعة زمن، وسمعنا صوت كلكس عربية نزل قدام البيت. كان المحامي “استاذ صلاح” نازل من البندر ومعه ملفات في إيده. محمود نزل استقبله على الباب ودخلوا شقتنا فوق. قعد المحامي، ومحمود حكى له كل حرف، وعرض عليه كروت التحويلات وصور الستائر اللي عبير كانت بتغسلها على السطح قبل الخناقة بساعة، واللي مريم كانت مصوراها بفيديو صغير على التليفون وهي بتلعب بالكرة.

الأستاذ صلاح ابتسم ابتسامة صفرا وقال بثبات: “القضية دي مضمونة في إيدنا زي المية يا أستاذ محمود. التقرير الطبي بتاعهم صادر من مستوصف خاص ومش معتمد من النيابة، وأول ما نطلب إحالة المتهمة للكشف الطبي عن طريق ثلاثية الطب الشرعي في البندر أو القاهرة، الدكتور اللي كتب التقرير المزيف هيروح في داهية قبلهم بتهمة التزوير وإعطاء شهادة طبية مزورة مقابل مالي. ده غير فيديو التليفون اللي بيثبت إن الست كانت بتمارس مجهود بدني شاق قبل الواقعة بكتير.”

محمود هز رأسه وقال بصوت ناري: “أنا مش عايز بس أطلع مراتي بريئة يا أستاذ صلاح.. أنا عايز البيت ده يتعدل فيه الميزان. فاروق وأمي فاكرين إن الشقا اللي عملته كان هبة مني ليهم. أنا عايز أرفع قضايا تمكين وفرز وتدنيس للأرض والمبنى، واسترداد الأموال اللي اتبعتت بتحويلات بانكية مسجلة تحت بند ‘أمانة لبناء وتجهيز العقار’.”

المحامي كتب النقط في دفتره وقام وقف: “اعتبر الموضوع انتهى. بكره الصبح هنكون في النيابة العامة، وهنقدم طلب رسمي للنياب بالتزوير واستدعاء الدكتور صاحب التقرير، وهنعمل بلاغ مباشر بتعريض حياة طفلة للخطر ضد عبير وفاروق.”

لما نزل المحامي من على السلم، كانت حماتي واقفة ورا باب شقتها الأرضي بتتجسس. سمعت كلام المحامي عن “الطب الشرعي وسجن الدكتور وقضايا الفرز والتحويلات”، وشهقتها جابت آخر الصالة. جريت على فاروق وهي بتلطم: “لحقنا يا فاروق! أخوك جايب محامي كبير من البندر وهيرفع قضايا وياخد الشقق والأرض ويحبسنا كلنا!”

فاروق وشّه اصفر، وعرف إن اللعبة كبرت وشعرة المعاوية اتقطعت. راح للستارة، وطلع تليفونه واتصل بالدكتور اللي كتب التقرير المزيف. الدكتور أول ما سمع سيرة “النيابة العامة والطب الشرعي في القاهرة”، زق فاروق في التليفون وقاله: “أنت هتوديني في داهية يا فاروق! أنا هبطل التقرير ده وأقول إنه كان تقرير كشف مبدئي مش إثبات إجهاض! ما تد خلنيش في بلاويكم!” وقفل السكة في وشه.

سواد الليل نزل على البيت، والجو تحت كان زي القبر. عبير بدأت تعيط من الخوف والندم، وحماتي دخلت أوضتها وقفلت على نفسها ومش قادرة تواجه محمود ولا حتى تبص في وشه لما ينزل على السلم.

حوالي الساعة اتنين بعد منتصف الليل، وأنا قاعدة جنب مريم في السرير وبطبطب عليها، سمعنا صوت حركة خفيفة على باب شقتنا فوق.. خبطات واطية ومترددة، زي ما يكون حد خايف يسحي البيت.

محمود قام ببطء، مسك شومته الخشب اللي حاططها ورا الباب، وقرب من العين السحرية. فتح الباب بحذر.. وكانت المفاجأة!

كانت حماتي الحاجة أم فاروق واقفة على الباب! وشها اصفر ومكسور، عينها مغرغرة بالدموع، ولابسة شالها الأسود وتترعش. بصت لمحمود وصوتها كان بيطلع بالعافية: “افتح يا محمود يا ابني.. افتح لأمك اللي شالتك ورضعتك.”

محمود ما نزلش الشومة من إيده، وقف على الباب وقال بجمود وقسوة: “خير يا حاجة أم فاروق؟ طالعة في نصاص الليالي تدوري على إيه؟ الشقة دي شقة ‘الحرباية والساحرة المفترسة’ زي ما قُلتي تحت، ما يصحش رجلك الطاهرة تدوسها!”

حماتي نزلت على ركبها قدام الباب على السلم، ومسكت في جلباب محمود وبدأت تعيط بكسرة ونحيب: “سامحني يا محمود.. حقك عليا يا ابني! أنا اتعميت بالشر والغضب، وعبير وفاروق ضحكوا عليا وقالوا لي ده بيت العيلة ومحدش يكسر كلمتنا! والله ما كنت اعرف إن الموضوع هتوصل للتزوير والمحاكم وسجن أخوك! اعفُ عن أخوك وعن أمك يا محمود، البيت ده لو اتخرب أنت اللي هتشيل طينته قدام الناس!”

أنا خرجت من الأوضة ووقفت ورا محمود. لما شفت حماتي بالمنظر ده—الست اللي كانت بتردحلي وتدعِي عليا وعلى بنتي وتقول ‘تستاهل وتتخمد’—قاعدة تحت رجلين ابنها بتبكي ومكسورة، حسيت بمزيج من القهر والانتصار.. بس محمود ما اتهزش بسرعة.

محمود بص لأمه بمنتهى الصلابة وقالها: “اللي يتشدد على طفلة عندها أربع سنين ويفرح في فتح رأسها، ويغطي على التزوير عشان يرمي مراتي في السجن ويطردها في نص الليل.. ما يجيش في أنصاص الليالي يطلب العفو والرحمة! أنتِ نسيتي إنك أمي، ونسيتي العدل، وفاروق استغل غيبتي وشقايا عشان يعمل نفسه سيد البيت!”

حماتي رفعت رأسها وهي بتشهق: “فاروق مستعد ينزل يبوس رأسك ورأس مرتك فاطمة النهاردة قدام الشارع كله! وعبير مستعدة تتنازل عن المحضر وتكتب تعهد على نفسها في المركز ألا تمس البنت ولا فاطمة بتاني! بس بلاش قضايا الفرز والتحويلات يا محمود.. بلاش تخرب بيت أخوك وتسجنه!”

في اللحظة دي، نزل فاروق على السلم، كان واقف على الدرج تحت، وشه في الأرض ومش قادر يرفع عينه في عين محمود. قرب ببطء وقال بصوت مكسور ومبحوح: “حقك عليا يا محمود.. أنا أخطأت، والغطس اللي عملته مع الدكتور كان طيش وغضب من منظري قدام الناس بعد اللي عملته مرتك في عبير. التقرير اتقطع، والمحضر أنا هروح الصبح أتنازل عنه في المركز بنفسي.. بس بلاش المحاكم والطب الشرعي، إحنا إخوات والدم ما يبقاش مية.”

محمود بص لفاروق ولأمه، ونظرة الصمت طالت بيننا لدقايق، والبرد بياكل في الصالة.. الكل كان مستني قرار محمود اللي هيحدد مصير البيت ده كليًا.

محمود أخد نفس عميق، ورفع إصبعه وقال بصوت حاد يقطع الشك باليقين: “التنازل عن المحضر ده حقكم تدفعوا ثمنه من غير جمارك.. لكن الصلح مش هيتم ببوس الرأس والكلام الفاضي ده! أنا ليا شروط صلبة زي الحديد، ولو شرط واحد منهم اترفض، الصبح هنكون في النيابة العامة وتقرير الطب الشرعي هيطلع!”

فاروق رفع رأسه بلهفة وقال: “شرطك إيه يا محمود؟ قول اللي أنت عايزه!”

محمود حط إيده في جيبه وبص لهم بمنتهى القوة وقال: “أولاً: تنازل رسمي ومسجل في الشهر العقاري من فاروق وعبير عن أي حق في الشقة دي، وتتكتب ملكية خاصة ونهائية باسم فاطمة ومريم!

ثانيًا: حجة الأرض الزراعية بتاعة أبوي تتقسم رسمياً بالعدل بكرة تحت إشراف لجنة من الزراعة، وكل واحد ياخد نصيبه وما حدش يدخل في رزق التاني!

ثالثًا وأهم شرط.. عبير ما تحطش رجلها في الدور الأرضي طول ما فاطمة وبنتي تحت، ولا تبص لوشهم، وإذا اتجرأت ورمت كلمة أو بصة مش تمام، فاروق يلم حاجته وياخد مراته ويغوروا يئجروا بره بيت العيلة خالص!”

حماتي وفاروق بصوا لبعض بصدمة، الشروط كانت قاسية وبتكسر هيمنتهم للأبد.. لكن فاروق، وهو شايف حبل السجن والتزوير بيلف حوالين رقبته، بلع ريقه بمرارة وهز رأسه وقال: “موافق يا محمود.. بكرة الصبح هننفذ كل اللي قُلته.”

لكن لما فاروق نزل شقته تحت ودخل على عبير، كانت عبير قاعدة بتبكي بغل، ولما عرفت بشروط محمود والتنازل عن الشقة وتقسيم الأرض، عيونها لفت بالشر وقالت بصوت هسيس: “يرغموا مناخيرنا في الطين وياخدوا الشقة والأرض؟! والله ما هسيب فاطمة تتهنى بالبيت ده حتى لو أحرقه باللي فيه!”

أشرقت شمس اليوم التالي ثقيلةً ومحملة ببرودة خفيفة، لكن الحرارة التي كانت تغلي تحت سقف بيت العيلة كانت كفيلة بإذابة الصخر.

في تمام الساعة التاسعة صباحًا، خرج محمود من الشقة بجلابيته الصوف الكحلي، ووشه ناشف وزي السيف، ونزل ورائه فاروق بخطوات مكسورة، وعلى وشّه علامات الذل والهزيمة. اتجه الاثنين برفقة الأستاذ صلاح المحامي إلى مجمع المحاكم ومكتب الشهر العقاري في البندر.

ساعات من الانتظار المُرّ قضيتها أنا في الشقة فوق، ماسكة مريم في حضني، وقلبي بيلف زي الساقية. كنت خايفة من غدر عبير وحماتي، وعارفة إن النفوس لما تنكسر بالشر، بتدور على أي منفذ للنار.

على الساعة واحدة الظهر، رجع محمود. فتح الباب ودخل، وفي إيده الظرف الأصفر الكبير. حطه على الطاولة وطلّع منه الأوراق المسجلة بختم النسر: عقد تنازل نهائي وبيع وشراء للشقة فوق باسمي أنا ومريم، وعقد تقسيم ابتدائي للقطعة الزراعية بحدودها الأربعة، وإقرار تنازل رسمي وموثق من فاروق في محضر الشرطة عن أي بلاغات أو ادعاءات ضد فاطمة، مع تعهد بعدم التعرض.



محمود بصلي وقال بصوت هادي بس مليان راحة لأول مرة من أسبوعين: “حقك وحق بنتك بقوا في جيبك يا فاطمة.. محدش يقدر يرمي عليكِ كلمة بعد النهاردة، ولا يقدر مخلوق يخرجك من باب البيت ده.”

أنا اتنهدت تنهيدة طويلة حسيت إنها طلعت معاه سنوات القهر والغربة اللي عشتها لوحدي. بس الفرحة مكنتش كاملة، لأن السكوت اللي نزل على الدور الأرضي مكنش سكوت سلام.. كان سكوت الأفاعي قبل الهجوم.

مرت ثلاثة أيام.. الجو في البيت كان شتيمة مكتومة. عبير مكنتش بتخرج من شقتها نهائيًا، وحماتي بقت تقعد في صالة الدور الأرضي ساكتة، تبصلي لما أنزل اشتري حاجة بنظرات تنقط سم كأنها بتقول: “أخدتي ابني وكسرتي كلمتي يا فاطمة.”

وفي اليوم الرابع، قرر محمود ينزل البندر عشان يخلص أوراق مشروع الورشة الصغيرة اللي قرر يفتحها بنفسه بفلوسه اللي وفرها، بعد ما ألغى التأشيرة نهائيًا وقرر يقعد جنبنا.

أول ما محمود خرج من باب الشارع وصوت عربية التاكسي بعد، حسيت إن البيت دخل في ظلام غريب. مريم كانت بتلعب بالكراسة والألوان في صالة شقتنا فوق، وأنا دخلت المطبخ أجهز الغدا.

وفجأة.. سمعنا صوت كراكيب ورزع جامد جاي من ناحية المنور والسطح، وصوت مية بتجري بمدينة!

خرجت من المطبخ تجري، لقيت المية نازلة من سقف السقف بتاع الصالة فوق المروحة الخشب، مية سودا وريحتها زفرة ومجاري، وبتنزل بغزارة على الكنبة والفرش والأوراق!

صرخت ومسكت مريم أبعدتها عن المية، وطلعت تجري على سلم السطح عشان أشوف إيه اللي بيحصل فوق. أول ما فتحت باب السطح، لقيت المصيبة!

عبير كانت واقفة جنب خزان المية الكبير بتاع السطح، ماسكة عتلة حديد في إيدها، وكانت كاسرة المواسير العمومية اللي موصلة لشقتي أنا بس، ومفتحة طبات المجاري وبترمي فيها أكياس زبالة وقماش عشان تسد الصرف وتخلي المية الطافحة تنزل على سقف شقتي أنا بالذات وتغرق السقف بالكامل!

عبير لما شافتني طالعة، ما خافتش ولا استخبت.. لفت بوشها المليان زرقان من العض، وابتسمت ابتسامة مجنونة وهي ماسكة العتلة في إيدها وتقول بصوت واطي وخبيث: “فاكرة نفسك أخدتي الشقة وكسرتينا يا فاطمة؟ والله لأخلي العفن يأكل حيطانك، وأخلي الشقة دي ما تنفعش للعيش، ولأخليكي تشادي في المية الوسخة إنتي وبنتك!”

أنا دمي غلي، وقلت بصوت حاد: “إنتي اتجننتي يا عبير؟! بتخربي البيت اللي أ جوزك وأخوه تعبوا فيه؟ دي تصرفات واحدة عاقلة ولا واحدة مريضة؟!”

عبير رفعت العتلة الحديد في وشي وقربت خطوات وهي بتجز على سنانها: “أنا مريضة بيكِ يا فاطمة! من يوم ما دخلتي البيت ده وأنتي عاملة فيها الطاهرة البريئة، ولما محمود جه من السفر عملتيه أسد علينا! الشقة دي مش هتهني بيها، والتنازل اللي كتبه فاروق هخليه يبله ويشرب ميته، لأن البيت ده أنا هحرقه هحرق قلوبكم!”

وفجأة.. عبير قامت زاقة برميل المية المليان زبالة ومية ملوثة ناحية باب السلم، والمية بدأت تنزل زي السيل على السلم وتغرق الدورين!

أنا ما مسكتش نفسي، وجريت عشان أمنعها تكسر باقي مواسير الغاز اللي جنب الخزان، لكن عبير رفعت العتلة الحديد وضربت بيها على القفص الصاج بتاع الغاز.. وسمعنا صوت هسيس حاد وريحة غاز طالعة بغزارة في جو السطح!

عبير نفسها اتخضت لما سمعت صوت الغاز البيخرج بقوة، بس الجنون كان راكبها، وما لحقتش تتراجع.. لأنها وهي بترجع لورا بخوف، رجلتها اتعبلت في سلك الكهرباء العريان الموصل لموتور المية، والسلك كان ملموس من المية المكبوبة على الأرض!

في ثانية واحدة.. عبير صرخت صرخة رعب هزت حارة الحاج جاد كلها: “الحقنييييي يا فاروووووق!”

الكهرباء مسكت في المية اللي واقفة فيها عبير، وشرار النار طلع من سلك الموتور وقرب من الغاز المتسرب.. والسطح كله اتقلب في ثواني لكتلة من الدخان والشرار والمرعب!

أنا اتسمرت في مكاني من الهول، ومريم تحت كانت بتصرخ بصوت يقطع القلب وهي شايفاني فوق في وسط الدخان!


بيت عيله حكايات رومانى مكرم 4

الدخان الأسود كثف في ثوانٍ معدودة، وريحة الغاز النفاذة المخلوطة بريحة شرار الكهرباء شاطت في جو السطح زي الفتيل اللي مستني شرارة. عبير كانت صريخة جاب آخر الناحية، القفلة الكهربائية مسكت في رجليها بسبب المية المكبوبة، وجسمها بدأ يترعش ويترفض من شدة التيّار وهي ماسكة العتلة الحديد اللي نزلت من إيدها ودبت على الخرسانة.

أنا في اللحظة دي، العقل طار من رأسي. الغل والقهر والذكريات السودة كلها اتمحت في ثانية قدام منظر روح بتموت ونار ممكن تأكل البيت كله ومريم بنتي تحت في قلب المصيدة!

ما فكرتش مرتين، لمحِت لوح خشب ناشف كان مرمي جنب السور، مسكته بكل قوتي وزقيت بيه عبير على جنب بعيد عن المية الموصلة للكهرباء. عبير وقعت على ظهرها بتئن وتتنفس بالعافية، والمية السودة كانت لسه بتجري. تجريت على القاطع الرئيسي بتاع موتور المية والمحابس العمومية، نزلت السكينة بإيدي اللي بتموت من الرعب، وقفلت محبس الغاز الرئيسي اللي كان بيهس بسرعة مرعبة قبل ما الشرار يوصل له وتولع العمارة باللي فيها.

صوت الصريخ تحت جاب العيلة والجيران. فاروق طلع يجرّي على السلم، ووراه حماتي بتلطم وتصوت: “الحقوا البيت بيولع! الساحرة ولعت في البت وفي السطح!”

فاروق أول ما فتح باب السطح ودخل في وسط الدخان، شاف مراته عبير مرمية على الأرض هدمها مبلولة ومبقعة بالهباب، وريحة الغاز ماليّة المكان، وأنا واقفة ماسكة لوح الخشب وجسمي كله بيترعش من الخضة.

فاروق جري على مراته وشالها وهو بيزعق بانهيار: “عملتي إيه في مراتي تاني يا فاطمة؟! ولعتِ في البيت وفي الغاز عشان تخلصي منا أجمعين؟!”

رديت عليه وأنا بنهج وصوتي طالع بالعافية ومخنوع من الدخان: “شوف مرتك كانت بتعمل إيه الأول يا فاروق! كانت بتكسر مواسير المجاري والغاز بعتلة حديد عشان تغرق شقتي وتخرب البيت! أنا اللي قطعت الغاز والكهرباء ونقذت مرتك من الموت قبل ما تتكهرب وتولع فينا كلنا! انزل شوف السقف والمية اللي نازلة على شقتي تحت!”

في اللحظة دي، كان محمود راجع من البندر، سمع الصوت والجيران ملمومين قدام البيت والناس بتقول: “السطح كان بيطلع دخان وريحة غاز عند الحاج جاد!”

محمود طلع السلم أربع درجات في النطة الواحدة، ودخل السطح زي الأسد المجهد، شاف المنظر: عبير مغمى عليها في حضن فاروق، وأمه بتلطم، وأنا واقفة قدام محبس الغاز، والمية مغرقة السلم ونزلة على شقتنا تحت.

محمود بص لفاروق ومراته بنظرة كفيلة تهد جبال، وقرب مسك المحبس والأكياس والعتلة الحديد اللي كانت مكسورة بيها المواسير، وقال بصوت حاد يقطع النفس: “ده لعب عيال؟ ده الشغل النظيف اللي اتفقتوا عليه؟! تكسروا الغاز والمية وتخاطروا بأرواح البيت كله عشان غل وحقد؟!”

فاروق حاول يدافع ووشه اصفر لما شاف العتلة والأكياس في إيد محمود: “أنا ما اعرفش حاجة يا محمود! عبير كانت طالعة تغسل..”

محمود قاطعه بصوت زلزل البيت: “تغسل بالعتلة الحديد يا فاروق؟! تغسل وهي بتفتح طبات المجاري وترمي فيها زبالة وقماش عشان تسد الصرف على شقتي؟!”

حماتي نزلت على الأرض من الخوف، لأن المرة دي الجيران وأهل الحارة كانوا طالعين ورا محمود وشافوا العتلة والمواسير المكسورة بأعينهم، والشيخ عبد الجليل قال بغضب شديد: “اتقوا الله يا آل جاد! الست دي كانت هتولع في الحارة كلها بغلها! إيه الإجرام ده؟!”

محمود مسك فاروق من جلبابه قدام الناس كلها وقال بمنتهى الحسم والصرامة: “الميعاد اللي بيننا مابقاش شهر عقاري ولا قضايا فرز.. الاتفاق اللي بيننا ينتهي فورًا! البيت ده مابقاش يسعنا إحنا الاثنين يا فاروق. أنت ومرتك تسحبوا حاجتكم وتخرجوا أجار بره البيت ده نهائيًا، وإلا والله العظيم المحضر اللي هقدمه النهاردة هيكون بتهمة الشروع في إحراق عقار وتخريب ممتلكات وتعريض أرواح للخطر، والشهود هم أهل الحارة كلهم!”

عبير فتحت عينها بالعافية وهي بتعيط من الخوف وجسمها بيوجعها من الكهرباء، وحاسين إن الحبل بيلف حوالين رقابهم بجد المرة دي وما فيش مفر.

محمود نزل مسك إيدي وإيد مريم اللي كانت بتعيط، وطلّعنا فوق الشقة، وبدأنا ننظف المية اللي نزلت على السقف بجهد وشقا، وهو واقف جنبنا حيطة سد ومش راضي يسيبنا دقيقة واحدة.

تحت في الشارع، كانت شنط عبير وفاروق بتتلم في نص الليل، بعد ما فاروق أدرك إن وجوده في البيت بقى مستحيل وإن أخوه محمود المرة دي مش هيرحم حد، وحماتي قاعد في الصالة لوحدها تبكي على البيت اللي انخرب بسبب الغل والشر.. لكن عبير وهي طالعة بشنطتها من باب البيت البراني، بصت لفوق ناحية شقتنا، وعيونها كانت مليانة شر وحقد جديد كأن الحكاية لسه ما انتهتش!

مرت الأيام بعد ليلة الطرد الثقيلة، والبيت بقى زي المحبرة الفاضية، هدوء يسبق العاصفة، وصمت يخنق الصدر. فاروق أخد عبير وشنطهم وطلعوا أجروا شقة صغيرة في أطراف القرية، وحماتي الحاجة أم فاروق انزوت في شقتها بالدور الأرضي زي البومة المكسورة، لا بتخرج ولا بتكلم حد، بس عيونها المليانة غل كانت تلاحقني كل ما أنزل أو أطلع على السلم.

محمود أوفى بوعده، وبدأ يجهز في الورشة بتاعته في البندر، كان بيخرج من الفجر ويرجع مع أذان المغرب محمل بطلبات البيت، وكان مطمن إن الشقة أصبحت ملكي رسمياً، وإن الفتيل انطفى.. بس هو مكنش يعرف إن عبير لما تخرج من المكان، الشر جواها بيزيد ويكبر زي المرض الخبيث.

في يوم، ومحمود في الورشة في البندر، والجو كان غيم ومطرة خفيفة بتمسح شوارع البلد، سمعت صوت حركة غريبة في حوش البيت الأرضي. نزلت ببطء وبصيت من السور، لقيت واحد من غفراء الأراضي اللي شغالين عند فاروق داخل بشنطة خيش كبيرة، ودخل شقة حماتي وقفل الباب وراه. قلبي انقبض وساعتها حسيت إن في طبخة سودة بتستوي في الضلمة.

ساعة زمن، وسمعت صوت صريخ وعويل جاي من شقة حماتي تحت، صريخ يقطع القلب ويجيب الحارة كلها! طلعت أجري على السلم، وفتحت الباب الأرضي، لقيت حماتي مرمية على الأرض، وشها أصفر زي الليمونة، وبتستفرغ مية سودا وجسمها بيتنفض زي الفراخ المذبوحة، وعبير واقفة جنبها بتصوت وتلطم وتقول للجيران اللي بدأوا يدخلوا البيت: “الحقووووونا! الساحرة سممت الحاجة! فاطمة حطت زنيخ في شاي حماتي عشان تخلص منها وتاخد البيت كله لها ولجوزها!”

الكلمة نزلت على دماغي زي المرزبة! الجيران بصوا لي باستنكار ورعب، وأنا وقفت اتسمرت في مكاني مش فاهمة حاجة. عبير كانت ماسكة البراد والفنجان في إيدها وبتصرخ: “أنا جيت أزور حماتي ولقيتها بتموت، ولقيت الباقي من الشاي اللي فاطمة نزلته لها الصبح مليان بودرة بيضا! قتلتها! قتلت ست كبار عشان البيت يخلو لها!”

فاروق جه يجري زي المجنون، وشال أمه وهو بيزعق ويبص لي بعيون حمرا زي الدم: “والله العظيم ما هسيبك الليلة يا فاطمة! المرة دي مش محضر تزوير.. المرة دي شروع في قتل وسجن مؤبد!”

أنا صرخت وقلت: “والله ما نزلت ولا حطيت حاجة! أنا ملمستش شقتها النهاردة خالص!” بس محدش كان بيسمع، الصراخ كان عالي وعبير كانت بتزيد في التمليح واللطم وتلم الناس.

نقلوا حماتي في عربية نص نقل على المستشفى العام بالبندر، والبيت اتقلب لمناحة. أنا طلعت شقتي وقغلت الباب عليا وأنا برتعش ومسكة مريم في حضني، اتصلت بمحمود وأنا بصرخ وببكي: “الحقني يا محمود! عبير وحماتي دبسوني في مصيبة جديدة.. بيقولوا إني سممت أمك!”

محمود ساب كل حاجة في إيده وجاء يطير بالعربية. وفي المستشفى، كان فاروق عامل هيصة، وطلب الشرطة فوراً، وألزم الدكاترة يعملوا تقرير سموم وتحليل معدة للحاجة أم فاروق. الشرطة جمدت الوضع وجاءت قوة من المركز للبيت عندي عشان يقبضوا عليا ويأخدوا معاينة من المطبخ والشاي!

محمود وصل البيت مع ظابط المباحث. وقف محمود قدام الظابط وقال بثبات رغم الكسرة اللي في عينه: “يا باشا، مراتي ما تعملش كده، دي مؤامرة ملفقة عشان يكسروا التنازلات اللي اتكتبت الأسبوع اللي فات!”

فاروق كان واقف مع الظابط وبيقول: “تفتيش المطبخ هيثبت كل حاجة يا باشا! فتشوا شقتها وفوق السطح، هتلاقوا باقي علبة السم!”

الظابط طلع معايا ومع محمود وشقتنا، وبدأوا يفتشوا المطبخ والفرن والأرفف. وفجأة.. العسكري حط إيده ورا غسالة الهدوم، وطلع كيس بلاستيك صغير فيه بودرة بيضا وعلبة حشرية فارغة!

عبير اللي كانت طالعة ورا القوة، صرخت بلؤم وشامـتة: “أهو! أهو السم اللي قتلت بيه الحاجة! الظاهر طلع موجود في شقتها!”

أنا اتجمدت في مكاني، ومحمود بص للكيس وشه اتغير.. التهمة بقت لابسة وشة وثابتة بالأدلة، وأصفاد الحديد كانت جاهزة في إيد العسكري عشان تتقفل على إيدي وأروح التخشيبة بتهمة الشروع في قتل حماتي!

وقفت والحديد في إيد العسكري بيلمع، والدموع مغرقة وشي وأنا بصل لمحمود وبقوله بصوت بيترعش: “والله يا محمود ما حطيت حاجة، ولا أعرف الكيس ده جه ورا الغسالة إزاي!”

محمود ما ينطقش، عيونه كانت بتتحرك بسرعة بين الكيس، ووش عبير اللي كانت واقفة ورا الظابط وراسمة نصرة صفرا، وبين فاروق اللي كان بيتنفخ وبيتظاهر بالحزن على أمه. وفجأة.. محمود قرب من الظابط وقال بثبات وهدوء مرعب: “يا باشا، الكيس ده يتحرز طبعًا.. بس قبل ما تقفل الكلبش في إيد مراتي، اطّلع معايا على التليفون ده دقيقة واحدة، واطلب رفع البصمات من على الكيس كإجراء قانوني رسمي.”

عبير أول ما سمعت سيرة “رفع البصمات”، عينها لفت وربكتها بانت، وزاحت رجليها لورا خطوتين.

محمود فتح تليفونه وورّى الظابط فيديو صامت سجلته كاميرا المراقبة الصغيرة اللي كان حاططها مخفية عند السلم فوق باب الشقة، عشان يطمن على فاطمة ومريم وهو في البندر. الكاميرا كانت كاشفة دخلة الشقة والسلم.



في الفيديو.. ظهر الغفير اللي شغال عند فاروق وهو طالع السلم بالراحة في غياب فاطمة ومحمود، وفتح شباك المنور الصغير جنب الغسالة ورمى الكيس وراها وبسرعة نزل! وبعدها بدقائق، ظهرت عبير وهي طالعة شقة حماتها ومعاها البراد!

الظابط بص للفيديو، وبعدين بص لعبير وفاروق اللي وشوشهم بقت زي الإسفلت وشاحبة كالموت. الظابط لفت بصلة حادة وقال للعسكري: “هات العتيل ده بسرعة، واقبض على الست دي والأستاذ جوزها بتهمة التزوير والتلفيق والشروع في القتل!”

اتقلبت الآية في ثوانٍ! عبير صرخت بدعر وهستيريا: “والله ما أنا يا باشا! فاروق وهو أمه اللي قالوا لي حطي المادة اللي بتعمل مغص عشان نعمل لها قضية ونرجع البيت والشقة!”

فاروق اتلجم ومقدرش ينطق كلمة واحدة، وأصفاد الحديد اللي كانت رايحة لإيدي، اتقفلت في إيد فاروق وعبير أمام أهل الحارة كلهم، بعد ما ظهرت الحقيقة كاملة في النيابة العامة، واتعرف إن المادة اللي اتسقت لحماتي كانت مجرد مادة مصنعة بتعمل مغص شديد عشان يلفقوا بيها التهمة.

أما الحاجة أم فاروق، فبعد ما قامت من المستشفى وعرفت إن ابنتها وعروستها كانوا هيكتلوها بالمغص والأدوية التالفة عشان يرجعوا الشقة ويحبسوا فاطمة، وعرفت إن ابنها محمود هو اللي جاب لها الدكاترة وسدد مصاريفها، قعدت في بيتها المظلم مكسورة النفس والظهر، تبكي على عمرها اللي ضاع في الظلم والمحاباة، وعرفت إن اللي يزرع الشوك ما يلقاش غير الجراح.

محمود أخدني أنا ومريم في حضنه، وقفلنا باب شقتنا علينا بالأمان والسلام بعد سنتين من القهر والعذاب.

الحكمـة:

إن البيت اللي ما يتبنيش على العدل واتقاء الله في الضعيف، تنهد حيطانه على رؤوس أصحابه ولو بعد حين. الظلم ظلمات، وقطع الأرحام والافتراء على حريم الناس مالوش آخر غير الخراب والفضائح. الحق قد يتأخر، والمظلوم قد ينقهر ساعات أو أيام، لكن عين الله لا تنام، والباطل مهما علا واستكبر، بيجي عليه يوم ينكشف فيه ويقع في شر أعماله. اتقوا الله في بيوت العيلة، ولا تظلموا من لا حيلة له، فإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.


أنت الان في اول موضوع

تعليقات